رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل السابع عشر
عُدنا أنا و كازيكا الى داخل القاعة، لأن الهواء في الخارج اصبح بارد جداً و بالأخص أننا نرتدي فساتين و لا نملك معاطف كي تُدَفِئنا. و في طريقنا للداخل تصادفنا بِلوثر، فَرأى ان اخته بِجانبي و ابتسم ثم عانقها بِشدة كأنه لم يراها منذ سنين. لا اِرادياً ابتسمت انا ايضاً و تمنيت لو انه يمكنني ان اعانق اخي هكذا...
كازيكا منذ متى و انتِ هنا؟ لم اراكِ. سألها لوثر و هو يبتعد من العناق.
لقد كنتُ اخر الحاضرين. اسفة لأنك لم تكن اول من اقابلهم هنا.
اجابته هي ثم غمزت بعينها لي عندما قالت اخر جملة.
قهقهت على كلامها و اومئ لوثر بِرأسه عندما فهم مَزحتَها. تغيرت فجأة ملامِحَهُ من السعيد جداً الى القلق و بدأت عينيه بالنظر في الأرجاء من حولنا كأنه يبحث عن شيء او شخص ما.
اين امي كازيكا؟ لماذا لا اراها معكِ؟ لوثر سأل.
لا تقلق، هي في المنزل، فقط متعبة و لم تستطع الحضور اليوم، لكنها اخبرتني ان اخبرك انها اشتاقت لك و سوف تراك قريباً.
اخرج لوثر هواء من فمه و اومأ لها بالتفهم من دون ان يسأل المزيد. وضعت كازيكا يدها على كتفي و نظرت الى كِلانا ثم قالت و هي تبتسم
حسناً، انا يجب ان اذهب كي اتكلم مع بعض الاصدقاء هنا، لذا اعذراني. لقد كان من الرائع الدردشة معك تاليا، اتمنى ان نفعل المزيد من ذالك.
رددتُ لها الابتسامة و وضعت يدي على ظهرها
نعم انتِ محقة، لقد استمتعت بالتكلم. و انا اتمنى نفس الشيء كازيكا.
انحنت هي لي بِرأسها و نظرت الى لوثر، قبل ان تبتعد عنا كثيراً نادى اخته بصوت عاليٍ و اخبرها قائلاً
قابليني بعد الحفلة في مكتبي.
اومأت له بِ نعم ثم ابتعدت عنا و اختفت بين الحشود التي ترقص في منتصف القاعة.
اعدتُ نظري الى لوثر لِأراه يحدق بي و مازالت بسمته على وجهه
اذاً، لقد قابلتِ اختي قبلي.
ضحكتُ بصوت منخفض و رفعت حواجبي بأستفزاز اريه انه محق. شاركني هو الضحك و قال
جيد جداً، لقد كنت اتمنى ان تقابلي امي ايضاً، لكن يا له من حظ.
لا بأس، انا متأكدة اننا سوف نتقابل يوماً ما.
شابك لوثر ذراعيه على صدره و مالة على ساق واحدة بعدها سألني بنبرة مازحة
عن ماذا تكلمتُما انتِ و كازيكا طيلة الوقت الذي اختفيت فيه؟ هل اخبرتكِ عن قصص محرجة عني؟
شابكت انا ذراعيي اقلده و ضيقت عيناي عليه ثم اجبته بنفس النبرة.
أممممم اولاً لا شأنك لك، ثانياً، ربما.
توسعت عينيه بدهشة، لكن زاوية من فمه ارتفعت الى الأعلى و رمقني بِنظرة تُخبرني انه لا يصدقني. فتحتُ فمي كي استفزه اكثر، لكن فجأة اسكتني صمت الحفلة لأن الموسيقى العالية و القوية توقفت، بعد ثوانيٍ بدأت الفرقة بِلعب موسيقى اخرى هادئة جداً جعلت من الجميع يذهبوا الى منتصف القاعة و الرقص مع شركائهم بِحركات بطيئة. انهم يبدو جميلين و رومانسيين.
اخرج لوثر صوت من حلقه للحظة يبعد تفكيري عن من يرقص و يجعلني انظر له في العينين، لاحظت انه يبدو متوتر و ينظر الى الارض و من حولي يتجاهل النظر في عيوني.
تعجبت من تصرفه فجأة، اردت ان اسأله ما الخطب، لِتكلم و يسبقني بسرعة
أمممممم هل تسمحي لي بهذه الرقصة تاليا؟
اخذت خطوة صغيرة للخلف من دهشتي لأنني لم اتوقعه ان يسألني سؤال كهذا الان. لم اجبه لفترة طويلة، افكر بِكلامه. هو لم يتحرك مازال ينظر لي بتلك العيون الفاتحة التي تبدو كالعسل ينتظر مني ان اجاوبه.
ان لم اوافق فَسوف احرِجُه و اجعل من الوضع احراج في احراج و هذا ليس جيد، لكن ان وافقت فما الذي سوف يحدث؟
بِسبب فضولي اومأت بِرأسي من دون ان اتفوه بِكلمة، لأنني لم اثق بِلساني. رفع حاجِباه بِتفاجئ من موافقتي للرقص معه، لكن وجهه احمر من الخجل و ابتسم لي بِسعادة لأنني لم ارفضه.
احسست بِدغدغة خفيفة في معدتي من تصرفه و مشاعره التي لم يستطيع ان يُخفيها امامي، لكني تجاهلت الشعور و اخذت يده التي مدها لي كي امسكها و نذهب منتصف القاعة مع جميع من يرقص.
عندما وصلنا وقفت امامه لا اعرف ماذا افعل هو كَخبير حفلات بالطبع يعلم مالذي يجب ان يفعله، لذلك اقترب مني اكثر لدرجة انني استطيع ان اشعر بحرارة جسده ثم وضع يده اليسرى على خصري و الأخرى امسك بيدي و رفعها الى مستوى اكتافنا.
انا رفعتُ يدي اليمنى و وضعتها على كتفه العريض. تذكرت انني لا اعرف كيف ارقص، لهذا بدأت بالتوتر و التعرق في جبيني و القليل في ظهري. رفعتُ رأسي له بما انني قصيرة مقارنة به، فأنه يبدو كالجبل امامي. اعتقد ان طوله يقارب المتر و الخمسة و ثمانون او اكثر، لستُ متأكدة جيداً.
ان، انا لا اعرف كيف ارقص. انا قلت له بِصوت مُتقطع من الخجل.
ابتسم لي ابتسامة تفهم و هزةَ بِرأسه بِعدم الموافقة على كلامي.
هذه ليست بِمشكلة ابداً، فقط الحقي بِخطواتي و سوف تتعلمي الرقص بِسرعة من دون ان تنتبهي.
اومأت له بِ حسناً و فعلت ما قاله لي تماماً. على انغام الموسيقى الجميلة تحرك هو بخفة الى الوراء و انا لحقت به الى الامام ثم توقفنا و فعلنا العكس، انا اخذت خطوات للوراء و هو للأمام و اجسامنا مازالت قريبة من بعضها تعرف كيف تتحرك و متى تتوقف كأنها هي التي تتحكم بنا.
بعد لحظات من الرقص، اصبحت ارى الامر بِشكل روتيني، خطوة لليمين و هو معي، خطوة اخرى لليسار و هو يلحقني. خطوتان للأمام و هو للخلف و العكس تماماً، على ايقاع الموسيقى مشينا و على عزف الفرقة رقصنا.
هو لم يتوقف للنظر اِلي من حين الى اخر، و انا كذلك فَعينيه تُضيء كلما ضربت اضواء الحفلة وجهه الجميل. خصلات من شعره الذهبي القصير نزلت على جبينه لِتغطيه كلما تحرك و انا حبست انفاسي لم اعد اعرف كيف اتنفس للحظة.
ما الذي يحدث لي؟
سألت نفسي بِتعجب يملئ عقلي و قلبي.
فجأة بدأ وجهه بالتقرب من وجهي، انش بِأنش، ببطء كإيقاع الموسيقى التي بدأت بالاختفاء من اذُناي و عيناي لم تدع عيناه ابداً. كِلانا توقفنا ننظر بِبعضنا كأننا الوحيدان في الحفلة و لم يعد احد من حولنا.
قلبي ينبض بِقوى جعل صدري يؤلمني و عقلي مشوش لا يعرف ما الذي يحدث الان.
جسدي يرفض الابتعاد و الهرب منه، انه يمسكني بِقوى من خصري و يدي. بدأت انفاسه تضرب شفتاي من شدة قُربه. و اريد ان افتح فمي و اصرخ في وجهه، لكن لا كلمات تخرج و فمي لا ينصت اِليّ.
غصة بدأت بالصعود في حلقي و بدأت تندفع الى الاعلى و الاعلى و الاعلى الى ان وصلت للنهاية و فتحت فمي بسرعة اخذ نفساً عميقاً لأنني تذكرت ان اتنفس قبل ان يُغمى عَليي و ابتعدت عنه و من لمساته قبل ان نرتكب خطأ يعيش معي في ذاكرتي مَدَة حياتي و اندم على فعلتي.
هو رمشَ بِعيونه مليون مرة و كأنه انتبه لِفعلته، فتح فمه كي يعتذر، فِأوقفته بيدي و قلت له و انا احدق بعيونه المليئة بالندم.
انا اشعر بالعطش، سوف اذهب و اشرب بعض الماء.
التفت و مشيت بخطوات سريعة ابتعد عن المكان و عنه. سمعته ينادي بِأسمي من خلفي، لكني تجاهلته و اكملت المشي الى الطاولة كي اشرب الماء، حلقي جاف بالكامل انه جاف كالرِمال يخنقني و جسدي يرتعش و لا يتوقف.
وصلت للطاولة و من دون ان افكر اخذت كأس مصنوع من النُحاس كان مع كؤوس مثله على الطاولة و شربته كله بِرشفة واحدة، بعد ان وضعت الكأس بِقوى على الطاولة التي رجت بسبب فعلتي، جعلت كؤوس فارغة و الأواني ترتجف و تصدر اصوات.
شعرت فجأة بِحلقي يحترق قليلاً كأنني شربت ناراً بدل الماء، لكني تجاهلت الشعور و اتكأت على الطاولة لأنني لا اشعر بخير ابداً.
لقد كنت سوف أقَبِل لوثر، لقد كان سوف يُقَبِلُني ذلك المُتَوح، في طرف عيني رأيت بعض الجنيين التي تلبس ملابس غريبة و مُتدهوِرة، تضع اغطية على وجهها كي تغطي فمها و انوفها فقط عيونهم البارزة.
انهم يمشون بطريقة غريبة و ينظرون من حولهم و ينظرو لبعضهم البعض. رفعتُ نفسي و ابتعدت عن الطاولة خطوة، لكن و بِغمضت عين اختفوا عن ناظري و لم اعد اراهم. حاولت ان ابحث عنهم بِعيوني و انظر الى الجيمع، لكن لا فائدة، لقد اختفوا.
لدي شعور ليس مُطمئن عنهم. من هم و لماذا يرتدون تلك الملابس فأنها غير مناسبة للحفلة. سألت نفسي بِقلق. ان اشكالهم غريبة ايضاً منهم القصير و منهم الطويل و الأغرب انهم يُغطوا وجوههم كأنهم يخفوا شيء ما.
فجأة و من دون سابق انذار تفجرت النوافذ و الابواب الزجاجية و القطع تَطير في كل الارجاء على الحاضرين القريبين. الثُريا في الاعلى تكسرت الى قطع كبيرة و سقطت على الارض على المدعويين الذين كانو اسفلها. انفتحت ابواب القاعة على مصراعيها لِتدخل مجموعة من الجنيات التي رأيت نفسها قبل قليل و لكن لا شيء يغطي وجوههم البشعة. من النوافذ و الحديقة دخلوا المزيد يحملون بِايديهم السكاكين المُدببة الحادة و السيوف الطَويلة و توجد بسمات مُقرفة على وجوههم.
قبل ان ارمش بدأو بالهجوم على الجميع من دون تردد و صراخ الحاضرين يَعُم المكان، سدَدت اذاني التي تَرُن من شدة الصراخ و لِكي اتفادى انفجار طبلات اذاني.
كل شيء حدث ببطء شديد و كأنني اشاهد مسرحية امامي على المسرح بِدماء حقيقية و جنيات تموت في كل دقيقة تمضي. لم اتوقف لِلحظة اخرى و ركضت بِأسرع ما يمكنني الى ابواب القاعة، لكني رأيت تلك الجنيات المتمردة تقاتل جنود لوثر لهذا عدت ادراجي و ركضت الى اسفل طاولة موجودة في زاوية القاعة.
عندما نزلت اسفلها كي اختبئ رأيت انه يوجد جنيات تختبئ هناك ايضاً من الرجال و النساء و الرُعب أحمر في عيونهم و هم يرتجِفوا و يبكوا بِصمت.
لم ينظرو لي إلا اثنتان كي يتأكدو انني لستُ من المتمردين تحاول قتلهم اما الباقي لم ينظرو لي كأنهم لم يروني من الأساس. ابعدت تحديقي عنهم و نظرت امامي خائفة من ان ارفع غطاء الطاولة و يرونا هنا. حلقي بدأ بِحرقي مرة اخرى و حرارة جسدي اصبحت مرتفعة اكثر وصلت الى رأسي، معدتي اصبحت تؤلمني بِشدة و بدأت بالتعرق كثيراً.
لا اعلم ما الذي يحدث لي الان، لكن اعتقد انه بسبب خوفي و صدمتي. مازالت لا اعلم ما الذي حدث قبل لحظات، كيف كنا نرقص و نتكلم في ثانية و في ثانية اخرى انفجار و قتل و دماء مع صراخ في كل مكان و انا مُتعبة جداً مع انني لم اجهد نفسي.
م، من، هم؟ لماذا يفعلوا هذا بنا؟
فجأة سأل رجل نفسه بِشعر بني و بشرة حنطية من الجنيات التي معي.
لم يكن ينتظر رد من احد، لكن امرأة تبدو كبيرة في السن اجابته.
لا اعلم، انهم مخيفون، لقد دخلو علينا فجأة و فجرو المكان.
عم الصمت بيننا و بقي صوت الصراخ و الحديد على الحديد، يبدو ان حراس لوثر قد وصلوا.
انهم من مملكة شادونايت،
فجأة قالت امرأة اخرى تبدو صغيرة مقارنتاً بهم تنظر الى غطاء الطاولة الابيض و كأنها تسبح بأفكارها.
ماذا؟، ماذا تعني؟ سأل نفس الرجل صاحب الشعر البني.
ادارت وجهها الشابة و نظرت في عيون الرجل بجدية و غضب.
ما الذي اعنيه بِرأيك!؟ انهم من الاعداء منذ الازل منذ اخذ الملك الثاني العرش في أسليرا. ان مملكة شادونايت تريد مملكتنا و ها هي الان تخطوا خطوتها الاول منذ اخر حرب بيننا مجدداً.
كيف تعلمين؟ سألت الامرأة الكبيرة في السن.
نظرت لها الشابة و ابتسمت كأنها تسخر من كلامها
كم اعماركم؟ كيف لكم ان تسألو اسئلة غبية كهذه؟ انتم تبدون عجائز اكبر مني بِمئات السنين و لا تعرفون عن ماذا اتكلم، ايها--.
اوقفتها قبل ان تبدأ مُشاجرة بين بعضهم و قلت
اخر حرب عمت بين أسليرا و مملكة شادونايت كانت قبل مِئتان سنة او اقل. لماذا اخدو خطوتهم الان؟
حدقت بي الفتاة للحظة ثم توسعت عينيها و سألتني بدهشة
انتي بشرية!
اومأت لها بِرأسي. عادت ملامح وجهها الى الجادة و اكملت كلامها متجاهلة دهشة الباقي.
ان مملكة شادونايت ثاني اكبر و اقوى مملكة في عالمنا من بعد اسليرا طبعاً، ملك مملكة شادونايت الذي يسمى بِ غادان (Ghadan).
اناني، ظالم يحب التحكم بكل شيء يضع عينيه عليه. شعبه مجبور على العيش تحت رحمته منذ ان قتل الملك الثاني ازول الذي يكون اخاه و الجلوس على العرش لمئات السنين، لم يتزوج او ينجب الأولاد كي لا يُعطي عرشه لِأحد. و انه من اغتال عائلته بِوحشية كي يتحكم بالمملكة لِنفسه
اعادت نظرها الى يديها التي تستريح على فخديها و اكملت بِنبرة خائفة كأنها تحكي قصة رعب.
مملكته قد تأذت كثيراً و قد خسر الألاف من المحاربين أثر الحرب التي دامت لِعشرة ايام. لذلك استسلم و توقف. لم نعد نسمع اية شيء عن مملكته و بعد ان مات الملك الخامس الذي يكون والد ملكنا الحالي بدأنا نسمع اخبار من شادونايت، لكن لم يأخذ احد الاخبار بِشكل جدي و تجاهلوهم. و الان نحن ندفع الثمن بِحياتنا.
ارتجف الرجل الذي يجلس بجانبي بشكل اقوى و بدأ بالبُكاء كالطفل يغطي وجهه كي لا نرى دموعه كالشلال تتدحرج على خديه و الى الارض.
الملك غادان، ان اسمه مخيف.
رفعتُ رأسي عندما سمعت صوت صراخ مألوف كأنه على وشك الهجوم.
انه، انه لوثر!
شعرت بالسعادة عند سماعي لصوته الرجولي، تحركت كي اخرج من اسفل الطاولة و اذهب اليه، لكن الرجل امسك بِذراعي من الاعلى و اوقفني بِمكاني قبل ان ارفع الغطاء.
الى اين انتِ ذاهبة؟
ابعدت يدي من قبضته ثم نظرت في عينيه الحمراء بسبب كثرة البكاء و اجبته بِهدوء
الى الخارج فلا يمكنني ان ابقى هنا الى الابد، قد يَجِدونا و يقتلونا قبل ان نتحرك حتى.
توسعت عينيه و امسك يدي مرة اخرى لكن بشدة جعلتني اتألم
هل انتِ مجنونة؟ كيف لكِ ان تخرجي و انتِ لا تملكين اية شيء تدافعي عن نفسك به؟
ابعدت يده عني بِرقة و امسكت غضبي كي لا ينفجر به و يسمعونا في الخارج.
اسمع، ان اللورد لوث، ر في الخارج و هو من سوف يساعدنا، لذا انتم ابقوا هنا ان شئتم و انا سوف احضر المساعدة.
اومأو جميعهم لي بالتفهم ثم ابتسمت لهم و خرجت الى الجحيم.