رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثامن عشر
لحظة خروجي من اسفل الطاولة كانت كالنوم في سلام و الدخول الى عالم الكوابيس التي تَتوه فيه و تعتقد انك حقاً تعيش كل لحظة رُعب. اِن القاعة التي كانت جميلة بِأضوائها و فخامتها و الحاضرين الذين يملؤها اصبحت شبه مُدمرة. الأن الأضواء نصفها مُدَمر أثر التفجير، الثُريا في المنتصف التي وقعت و قتلت من كان اسفلها مازالت على الارض في حفرة من فِعلَتِها عندما تحطمت و الزجاج في كل مكان.
حوائطها فيها حُفر كل واحدة اكبر من الثانية، اصبحت القاعة غارقة بِدِماء المدعويين و جُثثهم مرمية كالحِجارة. هناك من فقد ذراع و هناك من فقد رأسه عند الانفجار او احد جنود مملكة شادونايت قد اخذ الرأس و قطع الاذرع.
جنود لوثر قد وصلوا منذ فترة و هم الان يقاتلوا و يدافعوا عن الجميع و معهم لوثر يحمل سيفه الطويل بيد و درعه الفضي بيد اخرى. قشعريرة قد كَسَت جسدي كله من خوفي على المنظر الذي امامي.
امرأة سمينة تركض و هي تصرخ من متمرد يهاجمها بِمطرقته، امسك بها و قتلها فوراً من دون ان ينتظر طلب الرحمة كي يدعها تعيش. رجل يركض مع زوجته و هو ممسك بيدها الى ابواب القاعة لِيتفاجئ بِمتمرد اخر يقف بِطريقهم يحمل سيفه الذي يبدو قديم و يستحم بالدماء و على وجهه بِسمة شنيعة.
كل شيء من حولي بِفوضى، أذُناي بدأت بالطن تُغطي على الضجة و الصراخ الذي يملئ رأسي و جسدي المُرتعش.
ابعدتُ نظري كي ابحث عن لوثر، فأنا احتاجه الان و بسرعة، رأيته يقاتل اثنان من المتمردين بِشجاعة و شَراسة على وجهه الذي يغطيه دماء كذلك.
لكن لم استطع ان اذهب اليه لأن الكثير من الجنود التي تقاتل من دون ان ترمش من حوله و اعلم اني أن اخذت خطوة اليهم سوف اقابل موتي.
لكنِ يجب ان احضر المُساعدة للذين كانو معي قبل قليل، لا يمكنني ان ادعم فهم خائفون و عاجِزون عن الخروج و الهروب.
انا قلت لِنفسي.
لم يعد لدي الوقت و الوقوف في مكان الى وقت طويل لأنني مازلت اقف امام الطاولة افكر في حل لهذه المشكلة. لِحَظي هذه المرة، رأيت أدلار الجندي الذي يُرافقني في كل مرة اخرج بها الى الحديقة الوردية يدخل القاعة و علامات الضياع و القلق على وجهه. ابتسمت ابتسامة كبيرة من سعادتي لِرؤيته و بدأت بالركض له كي يساعدني، لكن فجأة حلقي بدأ بِحرقي من الداخل بِشدة جعلني اتوقف بِمكاني و اضعة يدي على رقبتي لِأشعر بِحرارة هناك و معدتي ألمتني اكثر من قبل.
انه ألم لم اشعر به من قبل، انحنيت واضعة يدي الثانية على بطني و اخرجت صوت من وجعي الذي لا اعرف ما سببه. بدأ تنفسي بالتقطع كأنني كنت اركض لِأميال و اصبحت ساقاي لا تتحملني لذا ركعتُ على رُكبتاي احاول ان اخذ نفس كي لا يُغمى عُليي هنا.
يجب على ان احضر المساعدة لهم...
بدأت ان اسعُل بِقوة لأنني اشعر ان يدين حول رقبتي تخنقني، نظرت من حولي الى أدلار و حاولت ان اخرج صوت كي يسمعني، لكني فشلت، نظرت الى لوثر، لكنه مازال يقاتل و يَصُد هجمات المتمردين.
هل سأموت هنا و هكذا؟، يبدو ان حظي الذي اعتقدت انه جيد و في جانبي، اتضح انه ليس كذلك. لا اذكر ما الذي اكلته او شرب، الماء!
لقد شربت شيء لم اكن متأكدة منه لأنه كان في كأس من نحاس، ان طعم الماء الذي شربته كان غريب جداً و لقد حرقني بعد ان شربته كله. هل شربت نبيذهم الذي يدعى بالاوكسارا؟
تبا لكِ تاليا و لِغبائك الذي قادك الى حتفك.
رفعتُ عيناي الى الأعلى و صليت بما اوتيت من قوة و انا ارجو ربي ان ينقذني من الموت، لأنني لستُ مستعدة للموت بعد، لا اريد ان اموت الان من دون ان احقق الذي اريده من دون ان ارى المزيد في حياتي، اريد ان اعود الى عالمي و ازور قبور عائلتي التي لم ازورها او ادفنها بِنفسي.
و قبل ان اكمل فجأة عم الصمت و اصبحت رؤياي مظلمة كَسَماء الليل و سوداء كهذا اليوم.
استيقظت لأن اصوات فوق رأسي تتكلم و تزعجني بِنومي.
هل تعتقد انها سوف تستيقظ الأن؟
صوت امرأة قال.
لا اعلم، المرة التي اغمى عليها قبل سنتان جعلها تغفو لِأيام و استيقظت بِحالة سيئة جداً، لذا انا خائف مجدداً.
صوت اخر رجولي مألوف قال بنبرة قلقة.
لقد تسممت لذا اعتقد انها تحتاج الراحة، الطبيب قال اننا لو تأخرنا للحظة اخرى، لكنا قد خسرناها. اجاب صوت صغير طفولي.
نعم انتي محقة، لكن لا اعلم ان ما يمكنني ان ادعها وحدة عندما تستيقظ، ربما سوف تدخل بِحالة صدمة من جديد فأنها ضعيفة البنية عندما تتأذى و تدخل في صدم.
قاطعته انا عندما فتحتُ عيناي بِبطء انظر الى السقف بِعيون ضبابية. حركتُ عيناي من حولي لأرى انني مستلقية في غرفتي و وجه أدلار الحارس يقف في رأس سريري ينظر لي بقلق، على يميني تقف كازيكا و هي مشابكة الاذرع و بجانبها في الاسفل قليلاً تيلار و اخيراً لوثر بِوضعية القُرفُصاء بجانبي على الارض كي يصل مستواه الى مستوى السرير و مغطى بالدماء و الغبار.
تاليا!
قال لوثر بصوت منخفض يضع يده على ذراعي جعلني اشعر بِدفئه على ذراعي الباردة كالثلج.
ما الذي حدث لي؟ انا سألت.
لقد تسممتي، لهذا اعدناكِ لِغرفتك،
اجابني لوثر.
حاولت ان ارفع نفسي من الاستلقاء، لكن يد لوثر اوقفتني
لا، ابقي مُستلقية، فأنتِ مازلتِ ضعيفة و تحتاجي الراحة.
اقتربت كازيكا اكثر الى جانب لوثر ثم قالت لي و حواجبها تخبرني انها حقاً غاضبة.
ماذا حدث لكِ تاليا؟ كيف وصلتي الى هذه الحالة؟ لقد كنتِ بخير عندما تركتك.
اخرجت الهواء من فمي بِأحباط و اجبتها
لا اعلم ماذا حدث تحديداً، لكنِ اعتقد انني قد شربت بعض الاوكسارا و قبل ان تُحاسِبوني، لقد شربته بِكأس نحاسي كان موجود على الطاولة و لم انتبه اِلا بعد ان بدأت اثاره في أذيت جسدي من الداخل.
خَفَت عينيها و اومأت بالتفهم ثم اخذت خطوة للوراء كي تعود الى مكانها خلف لوثر الذي مازال ينظر لي بِحزن.
عندما عثر عليكِ ادلار على الارض في منتصف الفوضى، اخذك بسرعة الى الطبيب و الطبيب اعطاكِ ترياق مضاد سموم و الان اعتقد ان مفعوله اعطى نتيجة بِسرعة. انتي محظوظة ايتها البشرية. قالت تيلار و هي تبتسم لي ابتسامة صغيرة غير واضحة جداً.
انا اعدت لها البسمة ثم ادرت نظري الى ادلار.
شكراً لك أدلار، لولا مساعدتك لكنت ميتة.
اومأ لي أدلار بِرأسه و ابتسم قائلاً.
الشكر لله انني اتيت باللحظة المُناسبة، انتي حقاً محظوظة و انا في الخدمة سيدتي.
ارجوكِ انتبهي مرة اخرى الى ما تأكلينه و ما تشربينه.
سمعت لوثر يقول لذا ادرتُ رأسي له و لا ايرادياً رفعتُ يدي و وضعتها على وجهه و على جروحه التي تبدو جديدة، هو اراح اكتافه و نفسه عندما لمسته، ان جروحه التي بسبب القتال في...
صحيح! ماذا حدث للحاضرين و المتمردين؟
انا صحتُ متذكرة القتال و الانفجار الذي كان يحدث قبل ان يغمى عَلي. الان انا لا اسمع اية اصوات و لا اية شيء، فقط اصواتنا و اصوات دقات قلبي الضعيفة.
نفخ لوثر الهواء من فمه بِقوى و اجابني و هو ينظر الى يدي التي مازال يمسك بها
الاضرار كبيرة في القاعة، لكن يمكن اصلاحها بِأيام قليلة. الكثير من المدعويين نجو من الموت و انقذناهم و هم الان في منازلهم يتعافوا، لكن البعض لم ينجوا و،.
لم يكمل هو لذا اكملت كازيكا عنه
ان الامر مأساوي جداً و بالاخص لِعائلاتهم، لكننا سوف نقدم مساعدة لهم و اية شيء يحتاجونه.
اومأت لها بِرأسي الذي يؤلمني و اعدتُ نظري الى السقف.
واو هل يمكن لهذا اليوم ان يصبح اسوأ؟
هل امسكتم بهم؟ انا سألت بعد صمت دام طويلاً بيننا جميعاً.
بعد ان استوعبوا سؤالي اجابت كازيكا بنبرة غاضبة مجدداً
نعم امسكنا بِأثنان--.
توقفت كي تنظر الى لوثر و هو فعل المثل، لكن بِعيون ضائعة و كأنه لا يعرف هذه المعلومة.
لقد اعطيناهم زهرة الحقيقة كي يتكلموا، لكن اكتشفنا بعد عناء من المحاولة انهم اخذو جُرعات سحرية ضد الزهور كي لا يتكلموا قبل ان يبدأو بالهجوم علينا.
تباً لهم و للساحرات التي تساعدهم.
قال لوثر بِغضب لم اراه فيه ابداً.
ماذا؟ جرعات سحرية؟ ماذا تكون هذه؟
انا سألتهم.
اقتربت تيلار اكثر من مكانها و جلست على زاوية السرير ثم اجابتني.
انها من عمل الساحرات الخبيثة. انها جرعات سحرية تملك مقاومة ضد اية اعشاب بِسحر طبيعي موجود فيها.
رفعتُ حواجبي عليها و رمشت اكثر من مرة، يبدو انني حقاً مازلت اجهل الكثير عن هذا العالم و مخلوقاته و الان يوجد ساحرات خبيثة تساعد مملكة شادونايت. انتبهت تيلار الى نظراتي و اجابت سؤالي المخفي الذي لم انطق به.
ان الساحرات لديهم قصة طويلة لن اتكلم عنها الان، لكنهم خبيثين يساعدو من يعطيهم المال اكثر. انهم اكثر المخلوقات التي تحب المجوهرات و قد تبيع عائلتهم من اجل جَرّى كاملة من النقود و المجوهرات. لذا ان رأيتي ساحرة في يوم من الايام، اهربي.
ضحكو الجميع فجأة كأنها قالت نكتة بعدها سكتوا و كأن لا شيء قد حدث. انهم غريبين حقاً او انا لم افهم النكتة تلك.
انا لن اقبل بِصمتهم، يجب على ان اذهب اليهم و اتكلم معهم شخصياً. اريد المعلومات و اريد ان اعلم من هو خلف هذا الهجوم و كيف لهم ان يدخلوا الى ممكلتنا و منزلي من دون ان ينتبه لهم احد؟
قال لوثر و هو يقف على اقدامه و يبعد يده عن ذراعي.
تقدمت له كازيكا و شابكت ذِراعيها مجدداً ثم قالت له.
ماذا سوف تفعل لهم؟ طيلة الوقت التي كنت هنا بها، كنا نحنُ نحاول ان نجعلهم يتكلموا و يخبرونا بِكل شيء، لكننا فشلنا و هم يُفَضِلون الموت على التكلم.
نفخ لوثر الهواء بِأحباط و قال
لا اعرف كازيكا، لكن يجب ان اراهم، يجب ان اعرف عن اية معلومة صغيرة انا متأكد انهم سوف يتكلمو ان هددناهم اكثر.
أعذرني سيدي على تدخلي، لكن لا اعتقد ان التهديد سيجدي نفعاً، لقد حاولنا كثيراً، انهم اوفياء للملك، يبدو انه كافأهم قبل ان يبدأ هجومهم او وعدهم بشيء ما.
قال أدلار بجدية و ثقة.
نظر لوثر اليه ثم الى تيلار بعد دقيقة صمت فتح فمه و سألها.
هل من طريقة كي نخرج المعلومات منهم؟
هزت رأسها تيلار بِ لا و اجابته.
مع الاسف سيدي لا طريقة، فأني غير قادرة على جعلهم يتكلموا حتى لو قطعنا السِنَتْ احدهم و اخفناهم او خلعنا اسنانهم. فكما قال أدلار، يبدو انهم اوفيياء لِغادان.
وضع لوثر يده على وجهه و مسح جبينه من عرقه و الدماء التي تغطيه. يبدو ان الوضع اسوأ مما ظننت، لكن لماذا شنَ الهجوم على لوثر بالتحديد؟ هل لأنه يعمل في القصر او لأنه حارس للبوابة ما بين هذا العالم و عالم البشر؟
نظر لوثر للجميع في الأعُين ثم قال و هو يرفع يديه في الهواء بأستسلام.
حسناً دعونا نستريح لبعض الوقت و بعدها سوف نجتمع كي نتكلم في الامر--
توقف للحظة و اشار بيده لِأدلار ثم اكمل
-- و ضع الكثير من الحراس مع تلك الوحوش كي لا يفكرو بالهرب. و امر اخر، لا تعطيهم الماء او الطعام الى ان اخبرك ان تفعل هل فهمت؟
اومأ ادلار بِرأسه بالتفهم. ازاح لوثر نظره لي ثم اخبر الجميع.
يجب علينا ان ندعها تستريح بما اننا تأكدنا انها بخير.
اومأ الجميع بِرؤوسهم ثم بدأو بالتحرك الى باب الغرفة. انتبهت على طريقة تحرك لوثر الغريبة، انه لا يحرك يده اليسرى جيداً، فقط يدعها تستريح على جانبه كأنه لا يمتلك ذراع اخرى غير اليمنى.
شعرت بالقلق و الخوف عليه، يبدو انه قد انصاب عند الهجوم و بما انه مازال بِنفس ملابسه و مازال لم يستحم و يُداوي جروحه فيبدو انه لم يترك مكانه بجانبي الى ان استيقظت.
اريد ان اناديه و اتأكد انه بخير تماماً، لكن وجهه القريب من وجهي عندما كنا نرقص خرج فجأة في ذاكرتي و كأنني اعيش اللحظة مرة اخرى، لذلك اوقفت فمي من التحدث و تركته يكمل مشيه الى الباب خلف الجميع.
بعد ان خرج الجميع و بقي هو اخر من يخرج امسك بِمقبض الباب والتفت قليلاً كي ينظر الي، فتقابلت عيوني بعيونه العسلية و ابتسم بِحزن، من دون المزيد من المفاجئات لليوم، خرج و اغلق الباب خلفه.