رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الحادي والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الحادي والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الحادي والثلاثون

أخذتني تيلار الى طريق يصل للفناء الخلفي للقصر الذي لم افكر يوماً أن أزوره بما أن الفِناء ليس بِفناء عادي، بل حديقة كبيرة و جميلة مليئة بالزهور و الطبيعة الخلابة.
علي الطريق سألت تيلار عن كيفية قدومها الى هنا، و ما الذي حدث في الشهرين الذي لم أراها بهم و المزيد من الاسئلة التي تحتاج أجوبة تُعَبِئ الفراغ العميق.

كل الذي أخبرتني عنه هو: أن بعد ذهابي مع أدلار من المنزل، أعني هروبي، أنفجر لوثر غضباً و غيظ و حزن، لقد دمر المنزل بِأكمله و حتى أذى بعض الخدم هناك لأنه لم يتحكم بِوحشيته.
شعرتُ بالذنب على الخدم البريئين، فهم لا يَملِكون يَد بالذي حدث بيني و بين لوثر ابداً.
أخبرتني أيضاً أنها بَقيَت معه لِتُهدئه بعد أيام من فوران البُركان. هي الوحيدة التي تستطيع التحكم به أو على الاقل حمايته من نفسه.

لقد أخرجت الخدم من المنزل لِيعودوا لِمنازلهم من اجل سلامتهم. بعدها بقيت معه منذ ذلك الوقت و لم تتركه.

سألتُها عن سبب مَجيء جيانا و مجيئها و هي اجابتني بِبساطة جعلتني فضولية أكثر و في حيرة كبيرة.
هذا الذي يجب أن يحصل من الاساس و يجب أن تكوني شاكِرة أننا معكِ الأن و لن ندعكِ في اية وقت قريب ايتها البشرية صاحبة الجُمجُمة الفارِغة.
حسناً بما انكِ لن تجيبيني، فأنتِ تُدينينَ لي بِتبرير عن سبب قدوم لوثر للقصر و طلب مقابلتي.
انا اخبرتنها بِأنزعاج امشي ورائها الى الابواب التي تصل للفناء.

توقفت هي فجأة في منتصف الطريق مما جعلتني أصطدم بها بِخفة و أخذ خطوة صغيرة للوراء.
ماخطبكِ؟ انا سألتها بِصوت مُرتفع قليلاً.
التفتَت اليّ بِوجهها البارد و حواجبها مُعقدة. انا رفعتُ حواجبي عليها بِتساؤول و انتظرتها الى أن تتكلم.
أعرف انكِ لا تريدين مقابلته و يمكنني أن أشعر بِدقات قلبك القوية و توترك، حتى أراكِ تتعرقين.

رمشتُ بسرعة و بلعتُ ريقي بما انها محقة و لا يمكنني أن أنكر ذلك، لكنني أبقيت فمي مغلقاً. خفتَ عينيها و لاحظت في عيونها السوداء الحنان؟
لا أحد يجبركِ على رؤيته و لن اجبرك، انه قرارك إن ما أردتي رؤيته أو لا. فقط قولي الكلمة و سوف يحدث ما تريدينه حالاً.
تنهدتُ بِقوة من فمي و دلكتُ رأسي أحاول أن أجمع افكاري و أخذ قراراً.

انا لستُ خائفة من مقابلته، اِنما لستُ مستعدة بعد، مازلت احتاج الوقت لِكي أحَضِر نفسي، لكن اعتقد انني يجب أن أراه و أنتهي من هذا الموضوع للأبد و لِأكون صادقة، أريد أن اعرف ما سوفَ يتكلم معي عنه، جزء صغير مني مُحب للأطِلاع على ما يدور في رأس لوثر بعد الذي حدث بيننا.
حسناً، لنذهب لِرؤيته لأنني أريد العودة للعمل. انا قلت لها ما أفكر فيه و أخذتُ الطريق أمشي أمامها الأن.

وصلنا للأبواب الحديدية الخلفية في القصر و قبل فتحِها أمسكت تيلار بِالجزء السفلي من فستاني و حدقتُ بِعيوني بِجدية
أريدكِ أن تعلمي انني انا من أخترت العودة اليكِ و هو لم يقوفني أو يعترض.
أومأت لها بالتفهم.
امسكتُ مقبض باب واحد و قبل أن افتحه سمعتُ تيلار تهمس من خلفي تشعر بِتوتري
لا تقلقي، فأنا معكِ.

ابتسمت ابتسامة صغيرة مُمتنة لِكلامها المُطَمئِن ثم فتحت الباب و اخذت السلالم للفناء و أشعة الشمس الدافئة على وجهي تمنعني من رؤية ما موجود أمامي و في الحديقة.
بعد أن وصلنا لأِخر السلالم، رأيت المنطقة فارغة، لا يوجد فيها اية احد، لا خدم لا حراس، فقط عصافير تُزَقزِق لِبعضها البعض و صوت نافورة المياه المُتدَفِقة.

أدرتُ رأسي قليلاً لأراه يقف هناك، أذرعه خلف ظهره و بِملابس أنيقة خضراء فاتحة مع شعره الأشقر يلمع تحت اشعة الشمس الذهبية.
انه يحدق بي بِتلك العيون العَسلية، التي كنت أحب النظر اليها و التمعن بِجمالها.
يحدق بي بذلك الوجه الذي كنت أحب صفائه و بياضه حتى تفاصيله.

لكن الأن لا مشاعر، لا أحاسيس، فقط فراغ. أعدتُ التحديق بِه من بعيد ثم أخذت خطواتي بِحذر أتجه اليه. اقتربت منه و وقفت امامه عندما وصلت له. وضعتُ وجهي الغير مُبالِ و الثلجي مثل وجهه تماماً بعدها أومأت له بِخفة أرحب به بِصمت.
هو فعل المثل و بقية ينظر لي يجعلني غير ُمرتاحة بِوقوفي الأن. بعد ثواني شعرت كأنها ساعات أبعد عينيه عني و حركهم الى الاسفل ينظر لِتيلار تَتَمركز بِجانبي.

ظهرت بَسمة ساخِرة على شفتيه و قال
هل أحضرتِها كَحرس لكِ تاليا؟
ادرتُ رأسي اليها و هي نظرت لي تسألني بِعيونها إن ما كل شيء على ما يرام معي.
انا رمشتُ لها و أبتسمت أخبرها انني بِخير من دون التفوه بِكلمة، نتحدث بِصمت فيما بيننا.
دعينا وحدنا تيلار. قلتُ لها بِصوت هادئ.
تنهدت هي بِقوة و قبل أن تذهب بعيداً عنا اخبرتني بِصوت عاليٍ كأنها تريد من لوثر أن يسمع أيضاً.

انا سوف أكون قريبة إن أحتجتيني. بعدها اكملت طريقها.
سمعتُ لوثر يضحك بِغيظ و فور نظري له، توقف بِسرعة كأن لا شيء قد حدث. تجاهلت الامر و ركزت عليه و على وجودنا هنا حالياً.
ما الذي أحضركَ الى هنا؟ انا سألته مُشابكة أذرُعي.
أتكئ لوثر على قدم و وقف بأستقامة يُجيبُني
لقد كان لدي بعض الاعمال هنا في القصر، و بما انكِ تعملين هنا كذلك، قررت أن أراكِ و أتكلم معكِ.
رفعتُ حاجب واحد بِعدم تصديقه و سألت.

حقاً؟، و ما الذي تريد التكلم معي عنه؟
تاليا انا لم اتي الى هنا كي نتشاجر مجدداً صدقيني.
بقيتُ صامتة، انتظر منه ان يُكمل.
أريد أن أطمَئِن عنكِ، كيف تتمسكين بالاوضاع في القصر؟
تعجبتُ من طريقة سؤاله، أعني ما الذي يعنيه بِكيف تتمسكين بالاوضاع؟ هل انا طفلة صغيرة لا تعرف كيف تتصرف و تعيش لِوحدها؟

كل شيء بخير لوثر، انا أعمل و أملك غرفة خاصة بي، افعل ما اشاء وقتما اشاء و لدي كامل الحرية هنا، لا يوجد من يوقفني أو يأمرني، انا سعيدة بِعملي و حياتي في البلاط الملكي.
اخبرته انا بِصدق أحدق بِعينيه لا أتركها و لو للِحظة.
رفع حواجبه بِدهشة من كلامي و سأل
سعيدة؟ حرية؟ هذا جيد جداً، لكن لا أعتقد انهم سوف يَدومون تاليا.
قاطعته قبل أن يفتح فمه و يحاول أن يُهبط من معنوياتي و قلت له بِنبرة لا تهتز.

لقد اخبرتني في اخر يوم رأيتك به، انني لن اكون سعيدة هنا، انني سوف اتعذب و اتمنى العودة، انني سوف اقابل كوابيسي و لن استطيع العيش بين الجميع، لكنكَ مخطأ. انا أسعد مما كنت عليه، انا مرتاحة و افضل الان. اكل، اعمل، انام و استيقظ من دون أن اقلق عن المستقبل.
صمت دامَ طويلاً بعد توقفي عن التكلم، هو لم يفتح فمه و انا عَضَتُ على لساني أحاول انا أذكر نفسي أن ما سوف يخرج من فمه الأن لن يؤثري بي لاحقاً.

رائع انكِ تملكين ثقة اكبر و شخصية اقوى مما كنتِ تملكينها. لكن و للمرة المِئة لن تدوم السعادة و هذه الجُمِل التي تتفوهين بها، أنتِ فقط جاهِلة و عمياء عن الذي يحدث و لا تعرفي شيئاً.
سُحقاً لهذا الكلام، دوماً ما يخبرني نفسه و لا يُبرر ما الذي اجهله.
انا صرختُ في داخلي.
إذاً أخبرني! أخبرني ما الذي لا أعرفه و توقف عن التكلم بِالألغاز. انا قلت من بين أسناني و الغضب يتحكم بي.

أنتَفَض لوثر عند سماع نبرتي، لكنه لم يكترث لي و اكمل كلامه
لا يمكنني أن اخبارك عن اية شيء، لكن يجب أن تُنصِتي لي جيداً و تفكري بِكل كلمة أخبركِ إياها، كل الذي يحدث ليس لِصالحك، قد يكون أمر حائِر و غريب و غير منطقي، لكن لا يوجد خير به ابداً. قد تتأذي و تُضري نفسك بالبقاء هنا و انا متأكد انكِ لن تتحملي و سوف تندمي بِسرعة.
توقف قليلاً كي يأخذ نفساً عميق ثم اخذ خطوة صغيرة اليّ بعدها اكمل شرحه.

لم يعد لدي ما يُبقيكِ بِجانبي، لكن على الأقل لدي ضمير و ها انا الان امامك أحذرك و أمد لكِ يدي من جديد، لِتَعودي معي للمنزل، لِمنزلك التي تنتمين اليه.
ضحكت، ضحكت على كلامه و على ثقته بنفسه في كل جملة خرجت من فمه ذاك.
ضحكت على محاولاته التي لا نهاية لها في اقناعي بالبقاء معه في سجنه. مرات و مرات و مرات كثيرة حاول أن يغير من نفسه لكنه فشل.

كل مرة كان يؤذيني بالكلامات و يشعرني كأنني دميته التي في الاخر سوف تعود اليه بعد أن تتمزق كأنني لا شيء من دونه.
لا اعرف ما الذي يُحاول أن يثبت لي بِقوله هذا. لا املك فكرة عن سبب مُحاولاته حتى. لا يملك اسباب أو مبررات يخبرني عنها و عن الاشياء التي أجهلها و الخطر الوهمي الذي يَدّعي انه يحيط بي.
نظرتُ له بعد انتهائي من الضحك و أندفعت قائلة.

انا لا انتمي لِأحد، انا انتمي لِنفسي. إن حدث و وقعت في خطر، انا التي سوف تنقذ نفسها. لستُ طفلة صغيرة لوثر، انا واعية و اعلم ما افعله. ما الصحيح و ما الخطأ هو قراري وحدي لا غيري.
رفع لوثر أذرعه بالهواء بِأحباط و تنهد بِقوة من فمه.
أعاد عينيه عليّ ثم اجابني و نبرته صارمة.

سوف تندمين و عندما تفعلين هذا، تذكري كلامي، بل تذكريني و تذكري هذه اللحظة بِتفاصيلها تاليا. مع انكِ لا تستحقين فرصة ثانية بعد الذي فعليته معي، اِلا أنني لستُ اناني و افكر بنفسي فقط. عندما يصبح البكاء رفيقك و الخوف صديقك و الحزن قريبك، ستعودين اليّ.
اخذ خطوة قصيرة للوراء و حدق بي بِعيون كالثلج و في نفس الوقت التسلية تسبح بها.

سبق و اخبرتك منذ فترة انكِ إن عُدتي اليّ يوماً ما، باب منزلي سوف يكون مغلقاً في وجهك. الأن سأعود و أكرر بأخبارك انكِ لو ندمتي و عدتي لي مكسورة، فأبوابي مفتوحة لكِ.
قَهقَهت على كلامه الفارغ و رمقته بِنظرات تخبره أن ما يتمناه و ما يظنه لن يتحول لِحقيقة. لِأكون صادقة، انا مُرتابة من طريقة كلامه عن ما يحدث لي و ما حدث لي في الماضي.

شيء ما يخبرني أن جزء من كلامه حقيقي و لا يَفتَعِل الاكاذيب لِكي يجذبني اليه راكِضة لأحضانه.
لكن شعور عميق في قلبي يخبرني العكس تماماً، انه (الشعور) يهمس لي بِرقة أن كل شيء على ما يرام. يلامس شَكّي بِيدين دافئة و مَحمية تجعلني انسى كل فكرة سلبية.
من يجب أن أصدق الأن؟
لوثر الذي يقف امامي بِوجه قلق و حزين يُنَقِط في ملامحه أم هذا الشعور الذي أنبتى جذوره بِداخلي؟

عند التفكير بالامر، فأني قد ابدو سخيفة في تصديق مجرد شعور و تكذيب من كنت أصدقه و أحبه.
لكن، الشعور اقوى من اية شيء اخر، كأنه حقاً يوجد أحداً بِداخلي يهمس لي و يُطَمئِنّي.
دوماً ما كان ابي يخبرني في وقت الصيد أن أثق بِحدسي و شعوري الغريب. لا يجب أن أكون دائِماً على حق، لكن احياناً قد اندم إن لم اصدق نفسي.

لم يكن يخربني هذا في ايام الصيد فقط، بل كل مرة، كل يوم و في كل لحظة. في كل مرة أسئله لماذا و ما الاسباب؟ لِيُجيبني انه إن صدقت احداً ما و اعتمدت على كلامه دوماً و في نفس الوقت، ذاتي كانت تخبرني العكس فَسوف اكره ذاتي عندما اكون في موقف كنتُ أتفاداه أو اهرب منه.

و عندما اصدق نفسي و اثق أنَ ذلك الشعور القوي في داخلي هو الصحيح هنا لن اكره ذاتي بِطريقة تجعلني لا اسامح نفسي. لم يكن يعني انه لا يجب عليّ الوثوق بكلام الأخرين بالطبع، إنما لا بجدر بي تصديق اية احد أو الوثوق بِطريقة عمياء.
إن كنتُ في موقف خطير أو محرج أو اية موقف اخر و انا كنتُ السبب في اخذ القرار و الوثوق بِشعوري فَأنا في الاخر من سوف اتحمل المسؤولية و انا من سوف اخرج نفسي و انقذني.

قد اندم و الوم نفسي كل يوم، لكن لن الوم الاخرين بسببي و بسبب خطأي.
الامر معقد بعض الشيء، لكنه مهم و مازلت اذكره و اذكر كلمات ابي الحكيمة.
من الممكن أنَ لوثر على حق وانني في خطر، لكنني انا من سأتحمل المسؤولية على ما سيحدث لي بالمستقبل و انا من سوف تُخرِج نفسها. أعني اليس غريباً أن اصدق كلمات من قتل عائلتي امام عيناي؟

في هذا العالم تعلمت أن أكون انانية، لا يجدر بي الأعتماد على اية احد و يجب انقاذ نفسي بِنفسي من دون انتظار أيادي تساعدني قد لا تأتي.
الجنيات ماهرة باللعب بالجمل و الكلِمات، و البشر مع الاسف ضعيفة و غبية تصدق كل ما يخرج من افواهِهم إن لم يكونوا حذرين و بِعقول مُفكرة و صارمة.
شكراً لكَ على العرض لوثر، لكن لن اقبل به. انا سعيدة و احب العيش في القصر. قد تكون على حق، لكني سأتحمل العبئ و لن استسلم.

انا اخبرته بِأبتسِامة لا تصل للعينين انظر له من دون توتر أو خوف كما كنت في اول مرة رأيته بها اليوم.
لم ينطق أو يُعارض، بقي صامتاً يَهُز رأسه بِخيبة أمل و نفاذ صبر.
انا لم انتظر المزيد لِألتَفِت و أمشي بِخطوات خفيفة أعود الى داخل القصر. لم يعد لدي الوقت كي أناقش من يملك رأس من حجر.

لم أعد املك الطاقة حتى، يكفيني من ضغط و أمور تدور في رأسي في كل ثانية، لذلك لن أزيد عَليّ حمل اثقل و التفكير بِكلامه الأن.
أخذتُ أصعد السلالم بِبطء لأسمع صوت غُراب يَطير فوق الفِناء و يخرج أصواته.
رفعتُ رأسي للأعلى و نظرت له يُحَلِق من دون وجهة، يُحَلِق بِدوائر بِتلك الاجنحة السوداء الكبيرة. أنتبهت على شيء يلمع في ريشه، و هو لونه الذهبي المُخبئ بِباقي الريش الاسود كالظلام نفسه.

تذكرت انني رأيت غراب مثله قبل شهرين عندما كنت في غرفتي أبكي بِحرقة. زارَني غراب بِريش ذهبي جميل و ناعم يقف على شرفتي و ينظر لي بِعيون رمادية نادرة.
أبتسمت مع نفسي على تلك الذكرة، ثم اعدتُ نظري لأمامي و أكملت طريقي للأبواب كي افتحها و أدخل مُغلقتاً إياها بِهدوء.
لم أرى لوثر إن ما تحرك من مكانه أو ذهب، لكني متأكدة انه لم يكن سعيداً بِذهابي هكذا من دون اللفظ بِأية شيء له.

هززتُ رأسي احاول نسيان الموضوع و قبل أن اخذ أول خطوة تفاجئت بِتيلار تقف مُتَكِئة على الحائط و تشابك الاذرع أمام صدرها تنظر لي بِفضول.

إذاً؟ هل حدث شيء بينكما أو تشاجرتما؟
سألتني تيلار مرفوعة الحواجب، بعد أن وصلت اليها، تنظر الى الباب خلفي الذي دخلت منه كأنها تنظر الى لوثر مازال يقف في الفناء.
هززتُ رأسي و اجبتها بِصراحة
لا لم يحدث اية شجار بيننا، لقد تكلمنا قليلاً، وضحتُ له ما أشعر و اريد ثم أنهيت كل شيء.

أومأت هي رأسها بالتفهم و لم تضغط عَليّ بِسؤال أخر من الاسئلة مع أن وجهها يخبرني العكس، تريد أن تعرف اكثر، لكن سكتَت و أنا مُمتنى لِذلك.
أشرتُ لها بِعيوني الى الامام لِنُكمل طريقنا و قلت
ما رأيك لو اخذك الى غرفتي و أُريَكِ إياها؟
حسناً لا يهم. هي اجابتني بِنبرتها المُعتادة، الغير مُبالية.
أبتسمت مع نفسي، لأنني حقاً اشتقت اليها و الى اخلاقها السيئة معي.

اخذنا نمشي في ردهات القصر نتكلم عن ما فاتَنا طيلة الفترة التي لم نتلقي بها. انا اخبرتها عن ما مَرَرت به في عملي و عن جميع من تعرفت عليهم من ضمنهم بيتر، السيدة مورغن و بعض الخادِمات اللطيفات من البشر و الجنيات.
في طريقنا الى غرفتي رأونا الخدم و التفتوا بِوجوه مُبتَسِمة و فضولية الينا، عندما رأو تيلار تمشي بِجانبي.

انا نظرت اليهم أرد إبتساماتِهم و بنفس الوقت أرمقهم بِنظرات كي يعودوا الى عملهم. تيلار في الجهة الاخرى تجاهلتهم و أكملت التكلم معي كأنهم غير موجودين. وصلنا لِغرفتي ثم أخرجت المُفتاح من جيب فُستاني الصغير و فتحت الباب أدع تيلار تدخل اولاً.
تادااااا! انا قلت بِصوت مُرتفع بِسعادة.
ما رأيك؟ سألتها بعد أن اغلقت الباب خلفنا، أنتظر ردة فعلها على شكل الغرفة.

لم تتكلم أو تُبدي رأيها على الفور، بَل بَقيت تمشي في أرجاء الغرفة تتمَعَن بِكل شيء فيها، من السرير الى السقف و الاثاث الذي يزين المكان حتى الشرفة و الحمام من الداخل.
تبدين سعيدة جداً هنا، هي اخبرتني بعد صمت و تَمَعُن دامة طويلاً.
لم تجبني عن رأيها، انما غيرت الموضوع، أعتيادي منها.
اقتربت منها أقف بجانبها امام الطاولة و الاريكات في منتصف الغرفة بعدها اجبتها مبتسمة.

نعم في الواقع انا احب المكان هنا و كل شيء يخصه من أصغر التفاصيل حتى أكبرها.
حدقت بي تيلار تَرمُش ثم ابعدت نظرها عني و قالت لي
لم اكن اعني عن الغرفة، بل القصر. هل انتِ سعيدة بالعيش فيه.
اخذتُ أفَكِر جيداً بِسؤالها، مع انني سبق و اجبت عن نفس السؤال اليوم عندما سألني اِياه لوثر، لكني و مع هذا مازلت أريد أن أفكر قبل أن اتفوه بأي كلام.

نعم، انا سعيدة و احب القصر. الجميع يعاملني بِلطافة، يحترموني ليس فقط كَرئسة خدم، بَل كأنسانة.
رفعت تيلار حاجباً كأنها لم تصدقني و انا اكملت أبَرِر لها قبل أن تفتح فمها الخشبي
ليس الجميع، مثلاً كرئيسة الخدم الاخرى السيدة مورغن، أنها ليست سيئة أو تعاملني بِوحشية و عدم أحترام، اِنما هي عصبية و ذات شخصية باردة، لكن لا بأس بها انا مُتقبِلة معاملتها معي.

السيدة مورغن لم تتغير و لن تتغير، يالها من جنية عنيدة.
قالت تيلار تبتسم مع نفسها و تجلس على اِحدى الاريكات.
أندهشتُ من كلامها عن السيدة مورغن.
هل تعرفها ايضاً؟
انا سألت نفسي.
انتِ تعرفيها؟ سألتها و الفضول يملئ صوتي.
أومأت هي و شابكت ذِراعيها تُحَدِق بأحدى اللوحات المُعلقة على الحائط بِجانب الحمام.

يمكنكِ قول ذلك، اعني كل جني في المملكة يعرفها بِما انها بدأت العمل بِخدمة العائلة الملكية منذ قرون و مازالت لم تتنحى من منصِبها أو ترضى بِترقية. شخصيتها تعجبني كثيراً.
قَهقَهت بِصوت مُنخفض على ما قالته، بنفس الوقت تفاجئت انها معروفة في المملكة.
ذهبتُ الى سريري و جلست على الحافة أتكئ على أحد الاعمِدة الخشبية التي تحمل الستائر الخاصة بالسرير.

عم السكون ييننا نسمع أصوت العصافير تزقزق لِبعضها من الشرفة و صوت الساعة الخشبية العملاقة في زاوية الغرفة تَدُق بِأنتظام.
فجأة خَطَر على بالي سؤال قد أردتُ أن اسئله منذ أن تقابلت معها اليوم.
تيلار، انا ناديتُها.
هَمهَمَت هي تُعيرُني اِنتباهها من جديد ثم اكملت انا و سألتها
لماذا اتيتِ الى القصر من الاساس؟، اريد الحقيقة.
تنهدت تيلار ثم اجابتني تحدق بِعيناي.

لأننا اقسمنا على خدمتك و البقاء بِجانبك، لهذا نحنُ لم ندعك. بِنحنُ اعني انا و جيانا حتى أدلار أيضاً. ألا تذكرين؟
اندفعتُ انا و قلت بِسرعة قبل أن تكمل
هل تعنين أن لوثر لم يكن من أرسلكم الى هنا؟
اومأت هي بِرأسها و اكملت بِحواجب معقدة
نعم هذا صحيح. لوثر ليس له دخل ابداً. جيانا من قررت اللحاق بكِ و انا بعد أن تأكدت من أمان و صِحة لوثر، اخذت القرار بالقدوم اليكِ. أدلار حالة اخرى و شرح اخر لِوقتٍ اخر.

لماذا لم يُعارضَكم؟ سألتها من جديد أحاول أن اخذ اجوبة بِقدر الامكان قبل أن تَمُل تيلار من الاِجابة و تُغَيير رأيها.
ليس لديه الحق بِذلك تاليا. قد يكون صاحب مكانة عالية و رجل مهم، كلمته لا تكسر، الا انه لا يملك الحق بِالاعتراض على قرار مُغادرة العمال و الخدم. نفس الشيء يَنطَبِق في اية منزل و منهم القصر الملكي.

توقفت تيلار تأخذ نفساً عميقاً ثم اكملت هذه المرة تنظر الى يديها التي تستريح الان على فخديها
قد نكون خدم لدى العائلات و الجنيات الغنية، لكننا نملك حق المغادرة متى نشاء، إلا إذا كنا قد اقسمنا العمل لديهم لِوقت محدد عند المالِكين، هنا يكون أستثناء و إن كسرنا القسم، العقاب قد يكون قاسي و دِمائي حتى.

تَبَحلقَت عيناي على ما قالته. أعني بالطبع اِن أقسموا على امر ما يجب على القاسم أن لا يكسر القسم لأنه شبه مُحَرَم أما بالنسبة لِكلامها على أن الخدم لديهم كامل الحرية في المغادرة فهذا قد فاجئني أكثر، توجد قوانين غريبة، معقدة و غامضة لم اعرف عنها بعد. لماذا تُعيد و تفاجئني هذه المملكة كل يوم.

يجب عليّ أن أكون أكثر حذراً مع الجنيات و بالاخص أن لا أقسِم على اية شيء مع اية احد من دون سبب. لقد سمعت أن عِندَ القَسَم، يظهر وشم على جزء عشوائي في الجسم و يبقى الى أن تَفي بِمهامك و قَسَمِك على أكمل وجه.
كيف يحدث القَسَم؟ لستُ متأكدة، لكني سمعت انه قَسَم بالدِماء أو بالروح. كيف ذلك؟ ليست لدي ادنى فكرة و لا اريد أن أعرف لأن بِمُجَرَد التفكير بالامر يَقشَعِر بدني و يُجَمِد الدِماء في عروقي.

توقف كِلانا عن التحدث لِبعض الوقت و في الاخر انا من فتحتُ فمي
إذاً انتِ توضحين لي انكِ لم تأتي اليّ لأنكِ اشتقتي لي و تريدين رؤية وجه
فجأة رأيت وسادة مُحَلِقة بأتجاهي.
قبل أن أتفاداها ضَرَبَت وجهي بِقوة جعلتني أتحرك للوراء و شعري في كل مكان يَلتَسِق بِوجهي.
لا تجعلي من صبري ينفذ ايتها البشرية.
قالت تيلار بأنزعاج، لكن يوجد المزاح ممزوج بِصوتها ايضاً.

أبعدتُ شعري من على وجهي بِيداي و بالنفخ ثم امسكتُ بالوسادة و وضعتها على حضني قائلة أشارِكها المُزاح النادر ذاك
هذا يؤلم تعرفين صحيح؟ لديكِ قوة بِعكس البشر.
شابكت ذراعيها امام صدرها و قالت بِوجه غير مبالٍ
أخر همي، لا تتفوهي بالحماقات كي لا تندمي لاحِقاً.
أوه على ذكر الحماقات، هل تعرفي انني قابلت سموها السيدة أغاثا؟
انا اخبرتها أعانق الوِسادة الطَرية.

أدارَت رأسها تيلار بأتجاهي و علامات الدهشة على وجهِها الصغير. ضحكت على شكلها ثم اكملت كلامي أحدق بالسقف و أذكر ذلك اليوم الذي تكلمت معها بِطريقة اية خادمة اخرى كانت لِتتلقى العِقاب أو صفعة على الوجن و تطرد خارج القصر لِلسانها الطويل.
حقاً؟ و كيف كان الوضع؟ تيلار سألتني.
تنهدتُ بِقوة من فمي و اجبتها اضحك على غبائي.

لم تَكُن افضل مُقابلة، لقد تكلمت معها بِوقاحة لأنني بذات الوقت لم اكن اعرف من تكون. كان الموقف فُكاهي و هي مُسَتفِزة لأكون صادقة معكِ، هي تخبرني انني رئيسة خدم مثيرة للشفقة بِطريقة غير مُباشرة و انا كنت أجيبُها كالتي تعرف كل شيء و تملك رأس كبير.

السيدة أغاثا امرأة حسنة و واعِظة، تعرف ما الصحيح و ما الاصح. لا اعلم ما الذي حدث بينكما، لكنكِ محظوظة لأنها لم تَقُص لِسانك المُقزز عندما تكلمتي معها بِتلك الطريقة. اعتقد انها سامحتكِ بما انكِ لم تكوني تعرفي من تكون في تلك اللحظة.
بعد أن انتهت من كلامها رأيت زاوية من فمها الخشبي مُرتفع على شكل نصف أبتسامة.

انها بالتأكيد تسخر مني و انا شَهِقت أتخيل فمي من دون لساني و وجه أغاثا الضاحِك بِطريقة مُخيفة عند إمساكِها بالمَقَص.
هززتُ رأسي بِقوة أبعد تِلك التَخيُلات المُرعِبة من رأسي ثم أعدتُ تركيزي على تلك المتوحشة التي تجلس على الأريكة و تسخر مني.
بَلعتُ ريقي أطَهِر حلقي و شابكت أذرُعي فوق الوِسادة ثم أخبرت تيلار عن هذا الخبر الصادم الذي و مازال يدور في رأسي كالأعصار.

هل سمعتي أن الملك سوف ينضَم هذه السنة لِلحفل الذي سوف يُقيم بعد يومان من أجل يوم ميلاده؟
أزاحت رأسها تيلار تُحَدِق بي بِصدمة تملئ ملامِحها و عيون سوداء مُتبحلِقة كالشخص الذي لا يسمع و فجأة عادة له حاسة السمع.
ماذا قُلتِ؟ سألتني تَجلس بأستقامة على الاريكة و تعطيني كامِل انتباهِها.

لقد سمعتيني، القرار كان قرار الملك وحده، لقد فاجئ الجميع حتى السيدة أغاثا أخبرتنا انها لم تكن تتوقع قرار الملك نفسه ذلك اليوم.
هل من سبب؟
تنهدتُ و هززتُ رأسي بالنَفي
لا مع الاسف لم تخبرنا معلومات أكثر.
أعادت تيلار نفسها على الاريكة و أمسكت بِوسادة بيدها تضعها بالقرب منها.
لم تسأل المزيد اِنما بَقيت تلعب بِزواية الوسادة البيضاء كأنها غارِقة في أفكارها.
إذاً انتِ سوف تبقين هنا من الان وصاعِداً؟

انا سألتُها أذيب الصمت قبل أن يصبح ثقيل في الهواء.
أومأت هي بِرأسها بِ نعم ثم اجابت
هذا ما سَيحدث. سوف ابقى و اعمل هنا كمُساعدة لكِ.
رفعتُ حاجب واحد بِحيرة و عندما رأتني فعلت المثل و سألتني
لماذا تحديقن بي هكذا؟
كيف لكِ أن تعملي بِسرعة؟ لا تخبريني انكِ كنتِ تعملين هنا من قبل كَأدلار و جيانا.
لا لم يسبق لي أن عملت في البلاط من قبل، لكنني زُرتُه مرات عديدة مع لوثر، لهذا أعرفه جيداً و أعرف العُمال هنا.

توقفت للحظة تتذكر شيئاً ما ثم اكملت
انتِ تعرفي أن الودوانز يعملون في القصر صحيح؟ ألَم تُقابِلي أحد اقربائي طيلة الشهرين؟
تجمدت لم أعد اتحرك، ماذا؟
الودوانز هنا في القصر؟
انتبهت لي تيلار و تنهدت تُدَلِك رأسها بِنفاذ صبر
لا تخبريني انكِ نسيتِ؟ ايتها الساذجة لقد اخبرتك منذ سنتين أن الودوانز عُمال مُخلِصون لدى المملكة و خصيصاً لدى العائلة الملكية. كيف لكِ أن تنسي؟
انا لم انسى!

صرختُ انا بِصوت عالي من دون قصد أحاول أن أهرب من غضبها و بالتأكيد شعرت بِكذبتي الواضحة وضوح الشمس.
لا اعرف ما فائدة عقلك الذي يجلس في جُمجُمتِك بِلا أستخدام. ما الذي تستخدمي بدلاً عنه هاه؟
ابتسمتُ لها ابتسامة مُزيفة أهدئ من الوضع، لكن لا فائدة. رفعتُ يداي في الهواء أبرر لها
انا حقاً اسفة تيلار، اسمعي، قد نسيت هذا صحيح، لكنني حقاً و بكل صدق لم اقابل أحداً من عشيرتك.

رمشت هي بِسرعة تحاول أن تستوعب كلامي الذي يبدو غريباً عليها بعدها نفخت الهواء من فمها و قالت لي بِنبرة أهدئ من قبل
يبدو أن الملك جعلهم خدم له أو في قسم ثاني من القصر لم تذهبي له الى الأن.
أومأت لها بِقوة كي تصدقني و هي فعلت تجلس مجدداً تريح ظهرها على الاركية و تنظر بعينها الناعسة على نفس اللوحة المعلقة بِجانب الحمام.

بالمناسبة يجب أن تعرفي أن بداً من الغد سوف أكون من تُحَضِر لكِ الفطور و تساعدك بالذي تحتاجين فيه المساعدة، لا اكثر و لا اقل كما كنا سابِقاً، فأنا مسؤولة عن بعض الاعمال غير خدمتك طيلة اليوم.
ماذا؟، بِتلك السرعة؟
اومأت هي لي.
مسؤولة عن ماذا بالظبط؟، يالها من غريبة الاطوار.
انا سألت نفسي بِهمس كي لا تسمعني.
هل
لم افتح فمي كُلياً لأتكلم و إذ بِوسادة أخرى تَصطَدِم بِوجهي تجعلني أخرج صوتاً من فمي.

أوووتش! ما هو السبب الأن؟ فأنا لم أكمل كلامي حتى!
ابتسمت هي مُغلِقتاً العينين
لا سبب، فقط أحب إزعاجك.

الفصل التالي
بعد 21 ساعة و 32 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب