رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والثلاثون

في اليوم التالي أستيقظت صباحاً على صوت تيلار العالي و معها جيانا.

أحضروا لي الفطور و جلسنا سوياً نتناوَلُه. مع أني أستيقظت بِوجه منزَعِج و لم أكن أتمنى رؤية أحداً، لأنَ امامي يوم طويل و الكثير من الاعمال التي لا تنتهي من أجل حفل الغد الكبير، إلا انني لم امانع وجودَهم و بقائِهم معي في الغرفة. في الواقع لقد تغير مزاجي بِسرعة بِسببهم، لقد دردشنا و ضحكنا و ملئنا الاجواء بالمزاح و المرح. أتضح في الاخر أن جيانا كانت أول من رحب بِتيلار عند وصولها للقصر و بالتأكيد قد رأت أدلار و اخبرته عن سبب قدومها.

كنتُ أتسأل إن ما تقابل أدلار مع لوثر ذلك اليوم، إلا أن تيلار اجابتني قبل أن اسأل، أنهم رأو بعضهم البعض، لكن لم يحدث شيئاً غير أرسال شَرارات نارية بِعيونهم عندما التقوا.

بعد الفطور ذهبت جيانا الى عملها في القاعة الكبرى مع باقي الخادِمات و تيلار بَقيت معي تمشي بِصمت كالغير موجودة. أخذتُ أراقب المطبخ من الداخل و أعطي أوامر بالتجهيز و أقرأ قائِمة الطعام التي جهزتها صاحبة السمو أغاثا، أتأكد أن كل شئ في مكانه و أن الخدم يعملون على حسب الاوامر من دون اية تأخير أو كَسَل.
سيدتي!
فجأة قالت إحدى الخادمات تخرج من مستودع المطبخ و ترتدي المَريول عليه لطخات من الطحين و العجين.

انها فتاة شابة بِشعر بني فاتح و عيون عسلية مائِلة للأصفر. أستدرت اليها انتظر منها أخباري ما الخطب.
لقد نفذَ الطحين و لا اعرف ماذا افعل، نحنُ نحتاجه بِسرعة من اجل إكمال صنع العجين.
أوه هذا خطير. سمعت تيلار تقول من جانبي.
تجاهلتُها و أعدتُ نظري الى الخادمة التي تقف امامي بِوجه قلق.
هل ذهبتي الى المستودع الاكبر في الدور السفلي و رأيتي إن ما نملك هناك اية طحين؟ انا سألتها بِهَم.

هزت رأسها الخادمة و اجابتني
مع الاسف لا يوجد، لذلك انا اخبرك سيدتي.
كان يجدر بكِ التفكير قبل السؤال تاليا.
شاركت تيلار بِسخرية تضحك.
رَمَقتُها بِنظرات كي تتوقف عن المزاح، لكِنها لم تكترث و شابكت ذِراعيها.
حسناً لا مشكلة، سوف اذهب الى السيدة مورغن و اخبرها عن الامر، لربما ترسل أحد الحُراس أو الخدم لِكي يشترو الطحين من السوق.

أومأت الخادِمة بالتفهم ثم أنحنت لي و التفتَت الى المطبخ، تحاول أن تجد ما تفعله بما انها كانت تعمل بالعجين. خرجتُ انا و تيلار من الطبخ نمشي في الردهات بِسرعة على أمل إجاد مورغن بأية مكان.
هل لكِ أن لا تُخرجي عِرق المزاح أمام الخدم و خاصتاً في وقت جاد.
انا قلت لِتيلار بأنزعاج أذكر كيف احرجتني امام الخادمة و انا واثقة انني سمعت باقي الخدم في المطبخ يضحكون بِأصوات منخفضة كي لا اسمعهم و فشلوا.

يجب عليكِ أن تكوني ممتنة على وجود ذلك العِرق، بهذه الطريقة سوف تتعلمي أسرع و افضل. تذكري المواقف المحرجة و انظري كيف سوف تحذرين من فعل نفس الخطأ.
أدرتُ عيناي على كلامها و قلت اتنهد
يا لكِ من مُعلِمة بارِعة. كيف لِمُحادثة بسيطة عن الطحين يكون خطأ؟، يا إللهي انا لماذا اتكلم معكِ عن هذا الامر من الاساس؟
هارث! فجأة سمعت أحداً ينادي بأسمي من خلفي في الردهة.

توقفنا بِمكاننا و نظرنا الى مكان قدوم الصوت. انا عرفت من صاحب الصوت المألوف الذي يلاحقني حتى و انا نائمة.
سيدة مورغن يالها من صدفة، كنت ابحثُ عنكِ. انا قلت لها أرسم بسمة مُزيفة على شفتاي.
سمعتُ تيلار تُخرِج صوتاً من حلقِها بدا لي كالضحك.
و انا كنتُ ابحثُ عنكِ، اين كنتِ طيلة الوقت بِحق السماء؟
اقتربتُ منها اكثر و وقفت أواجِهَها مازلتُ بِتلك البسمة المزيفة.

كما قلت من قبل، ابحث عنكِ، لقد اخبرتني إحدى الخادمات أن الطحين نَفذة من عندنا.
أومأت السيدة مورغن بِرأسها و رفعت يدها التي لم انتبه أن فيها ورقة صفراء مَطوية.
اعلم، لقد اخبرتني الخادمة قبل قليل. خذي هذه من يدي.
رفعتُ يدي و اخذت الورقة المَطوية ثم رفعتُ رأسي الى السيدة مورغن و الحيرة تملئ ملامحي
ماهذه سيدتي؟
انها ورقة توجد فيها مُستلزمات للحفل و بعض المواد التي يجب عليكِ شِرائها من السوق.

رفعتُ حواجبي عليها و قلت مازلت بِحيرة اكثر
انا؟،
تنهدَت مورغن بِنفاذ صبر من الأن و شابكت ذراعيها امام صدرها تحدق بي كالطفلة التي لا تفهم.
هل تَريها تتحدث مع غيرك؟ قالت تيلار للمرة الثالثة بِمُزاح على موقفي.
حركتُ عيناي عليها و الغضب بدأ بالصعود تدريجياً الى رأسي و جسدي.
انا أقسم انها إن فتحت فمها مجدداً فسوف أرمي لها قبضتي و أريها كيف المزاح.
انا قلت في نفسي أعضُ على وجنتي من الداخل.

تيلار، لقد مرت فترة منذ أن تقابلنا. من الرائع رؤيتكِ بِمَزاج للمُزاح.
قالت السيدة مورغن تبتسم بِخباثة لأول مرة في فترة معرفتي لها.
من الرائع رؤيتكِ و رؤية وجهكِ الذي يبعث الرعب لِكل من يراه مورغن.
أجابتها تيلار تعيد لها نفس الابتسامة.
شَهِقت انا أغَطي فَمي على ما قالته تيلار للسيدة مورغن من دون حتى التفكير أو تحريك جفن، كأنه شيء تقليدي و طبيعي بينهم.

مازلتي تملكين نفس اللِسان سيء الألفاظ، هذا مُطَمئِن.
ضحكت تيلار بِصوت مرتفع
كيف لي أن اتخلص منه؟ انه سلاحي. و انتِ مازلتي في القصر لا تَتَنَحي من مكانك و لا تهتز لكِ شعرة، هذا مُطَمئِن.
اخذتُ انا أرمش مليون مرة في الثانية بِرهبة و عيوني تنظر من تيلا و تعود الى مورغن. فتحت السيدة مورغن فمها لِترد عليها، لِأتدخل انا بينهما بِسرعة و أوقفهم قبل أن يتحول الحديث الحاد بينهما الى شجار يصل في أرجاء القصر.

حسناً، ما رأيكِ لو نذهب سوياً الى السوق و نحضر المطلوب؟ التأخير ليس لِصالحنا و الحفل يُقام في الغد.
أبعدت تيلار تحديقها بالسيدة مورغن و نظرت لي بِوجه بارد
لا اعتقد انه يمكنني، فَلدي عمل مُهِم. انتِ اذهبي وحدك مع أحد الحُراس و عودي بِسرعة.
أردتُ الصُراخ عليها و سُألها ماهذا العمل التي لديها بعد أن وصلت البارحة، إلا انني تذكرت أن السيدة مورغن تقف معنا.
أومأت لها بالموافقة ثم التفتُ الى السيدة مورغن.

حسناً سيدتي يمكنكِ أن تكملي عملك و لا تقلقي سوف احضر كل شيء في القائمة بأسرع ما يمكن.
أستدرت كي اذهب لِتوقفني السيدة مورغن بالذي تقوله
عندما تذهبي الى السوق و تنتهي من شراء كل شيء، ادخلي الى إحدى مَتاجر الملابس و اشتري ما تحتاجينه من اجل الحفل.
حدقتُ بِها ضائِعة كالتي لم تسمع جيداً. هي أدارت عينيها بِأنزاعاج و اكملت تُبَرِر لي
ألم تعلمي انكِ مَدعوة ايضاً للحفل؟

انا؟، مدعوة؟ لقد ظننت أن العُمال الجديدة لا تشارك في الحفل إلا بعد فترة و انتِ اخبرتني بِنفسك انه لا يمكنني مقابلة العائِلة الملكية ابداً.
تنهدت السيدة مورغن و دلكت رأسها بِنفاذ صَبر
لقد اخبرتك انه لا يمكنكِ مقابلتهم شخصياً متى تشائين و ليس انه لا يكنكِ رؤيتهم ابداً.
اخذتُ خطوة اليها صغيرة و سألتها احاول فهم كلامها جيداً، بما انني في حالة صدمة
إذاً لماذا انا مدعوة؟

شابكت ذراعيها امامها و نظرت في الخلاء كأنها حتى هي لا تعرف السبب
ليست لدي فكرة، اعتقد أن الغد استثناء، لقد علمت البارحة أن بعض العمال مسموح لهم بالمشاركة في الحفلة مع انه ليس من الاعتياد السماح لهم بالدخول للقاعة و الاحتِفال مع البقية.
فقط من كانوا و مازالوا يعملون منذ سنين هنا؟ انا سألتها.
أومأت هي بِرأسها و أجابت.

نعم هذا صحيح. لا اعرف ما الذي يدور في رأس الملك و لا يعجبني الامر إطلاقاً. لكن أوامره مُنفذة و هذا ما سيحدث. لذلك اذهبي الى متجر مناسب و معروف في المملكة و اشتري فستان مُناسب للحفل، فأنتِ من جهة الملك و يجدر بكِ أن تبدي جميلة الشكل امام المدعووين.
اخذتُ العب بِأكمام فستاني بِتوتر لا اعرف كيف اخبرها انني لا املك المال الكافي لِشراء فستان ثمين يناسب حفل كبير و فاخر.

لا تقلقي، بما انها اول مرة لكِ فالنقود ليست بِمشكلة. سوف نعطيكِ مايكفي لِشراء فستان ثمين. قالت السيدة مورغن تقرأ افكاري.
رفعتُ رأسي اليها انظر لها بِوجه ممتن، مُتفاجئ و مَليئ بالسعادة.
انه يوم سعدك، يبدو أن مورغن و بعد قرون تعاطفت مع أحد. قالت تيلار من جانبي.

و بذلك السيدة مورغن لم تقل أو تفعل اية شئ فقط رَمَقَت تيلار نظرات حادة ثم وضعتُ ذراعيها بِجانبها و اخذت تمشي بِخطوات ثقيلة تصدر طَقطَقة على الارضية الرُخامية مُبتعِدة عنا.
أحِب جعلها غاضِبة. انه كالتحدي السهل جداً، لكنه ممت
يالكِ من طفلة بِحق. قاطعتها انا بِنبرة مُحبطة و اخذت امشي متجهة الى غرفتي لِأحضر معطفاً، أستعداداً للخروج الى السوق لأول مرة بعد قدومي الى القصر الملكي.

أراكِ لاحقاً ايتها البشرية. سمعت تيلار تخبرني من خلفي.

خرجتُ من القصر بِمعطف خمري اللون طويل مربوط من الأعلى لِتثبيته يملك غطاء للرأس.

و الورقة الصفراء أبقيتُها في يدي أمسك بِها جيداً. أخبرتني أحد الخادِمات أن عَرَبتي مُجهزة امام بوابة القصر الحديدية لِتأخذني الى السوق. ذهبتُ الى ساحة القصر متجهة الى البوابة، أبتسم في وجوه كل من يَمُر من جانبي.
عندما وصلتُ الى البوابة تفاجئت بِوقوف أدلار امام العربة يتكلم مع أحد الحُراس.

(هذه صورة أدلار. الاسم: أدلار يازام. العمر: 222 سنة)
أدلار! انا ناديته أجلب انتباهه اليّ.
توسعت عيناه لِرؤيتي ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
سيدتي من الجميل رؤيتك، تبدين بأتم الصحة و جميلة كَكل مرة.
اعدتُ له الابتسامة، لكن اكبر و أومأت له بِشكر على كلامه.
من الجميل رؤيتك انتَ ايضاً، ما الذي تفعله هنا؟ انا سألته بِفضول.
فتح هو باب العربة التي تبدو كأي عربة عادية و قال لي مازال يُمسِك بِمقبض الباب.

انا هنا لِأرافقكِ الى السوق. فالأمان يأتي أولاً و بالطبع لن تحملي جميع الاغراض لِوحدك صَحيح؟
نعم انتَ على حق. انا اجبته بِسرور.
اخرج واحِداً من الاحصنة التي تَجُر العربة صهيله بِقوة جعلني انا و أدلار ننتَفِض من مَكانِنا و ننظُر الى الحصان.
تبحلَقت عيناي و ملأتني السعادة عندما انتبهت أن هذا الحصان هو صديقي الاليف الهَمجي، هولينغان.
يبدو انه ليس الوحيد السعيد بِقدومك.

قال أدلار يُشير لي كي اذهب الى الحصان الذي يحرك رأسه للأعلى و الأسفل.
اخذتُ الفرصة و ذهبت أرَبِت على رقبته الطويلة و وضعتُ قبلة صغيرة على انفه قائلة
و انا سعيدة بِرؤيتك صديقي.
أخرج صهيله مرة اخرى و نفخ الهواء من أنفه كأنه فهم كلامي.
قُدنا بِحذر مَفهوم. قلت له اضحك على تَحريك رأسه بِقوة كالذي يومئ.
هيا سيدتي لِنذهب. سمعت أدلار يخبرني.

قَبَلتُ الحِصان للمرة الاخيرة ثم اتجهت الى الباب المفتوح كي اصعد الى العربة. قبل أن أضع قدمي في الداخل سمعت صوتاً مألوفاً يقول من ورائي
أسف على التأخر، لقد كنتُ مع الوزير في نقاش مهم.
أستَدَرت الى الخلف و رأيت بيتر يمشي بأتجاهِنا يُمسِك معطفه الذي يطير خلفه بِسبب مشيّه السَريع.
لم تتأخر، لقد اتيتَ في الوقت المُناسب بيتر. أجاب أدلار.
انتَ قادم معنا؟ سألته انا قبل أن أرحب بِه.

أومئ هو بِرأسه الشائب ثم اجابني مُبتَسِماً
نعم إن لم تُمانِعي بالطبع.
هززتُ رأسي أقهقِه
بالطبع لا أُمانع، على العكس انه افضل و أمتع مع المُرافقة.
أشار بيتر بيده امامي لِكي أدخل العربة و قال لي
السيداتُ أولاً
أومأت له بِشكر و دخلت العربة بعدها هو من خلفي مُغلِقاً الباب.

رحلتنا الى المدينة كانت قصيرة و صامِتة، لم يتكلم أحداً مع الاخر. بقينا ننظر من نافذة العربة و انا أتمعن بِجمال الطريق الى مدينة القمر الابيض. وصلنا الى المدينة التي تَعُج بالجنيات و مختلف انواع المخلوقات. إن اليوم مَليئ بالجنيات التي تشتري كل ما يمكنها من زينة و ملابس و طعام لأجل حفل الغد المنتظر.

علي وجوه الجميع بَسمات و ضِحكات بِسعادة و سرور، اطفال تركض و الحلوى بيدها، أزواج تُحاول إختيار الملابس المُناسبة و الزينة الملونة في كل سلات من القَش قد تلتقطها عيني.

إنهم حقاً يحِبون يوم ميلاد الملك، يمكنني رؤيتهم من الأن يحتفِلون و مغمورون بالمحبة و المرح.
إن المملكة بهذه الحالة منذ أسبوع تقريباً. سمعت أدلار يقول من جانبي.
إنهم يطيرون من الحماس. انا اخبرته مازلت أحدق بالمَلئة.

لاحظت بعض البشر تمشي بِجانب جنيات و اصواتهم عالية يتحدثون عن الحفل أو عائِلاتهم و عملهم، عن اية موضوع بينهم و عنهم. جعلني المنظر اتمنى أن تبقى سعادتهم للأبد بين بعضهم و أن لا يأتي اية أحد يدمرها.
أدرتُ رأسي الى بيتر الذي يقف بِجانبي و ينظر من حوله مثلي
حسناً بيتر، بما انكَ معي الأن، ما رأيك لو تأخذني في الارجاء لنشتري الاحتياجات المهمة؟ لأنني لا املك اية فكرة من اين ابدأ و لا اعرف اية متاجر افضل.

التفت اليّ و ابتسم لي قائِلاً
بالطبع بالطبع. مع أن لدي قائمة خاصة بي لِشراء بعض الحاجات إلا انني لا امانع البدأ معكِ أولاً.
أوه لديكَ قائمة انتَ ايضاً؟ انا سألته مع انه سبق و اخبرني بالامر.
نعم، لدينا ما ينقصنا في القصر من زينة و اشياء اخرى، لهذا انا من تَطَوعتُ بالذهاب بدلاً من إحد الخدم. لقد اشتقت لأجواء المدينة و الاسواق.
بما انكم اتخذتم القرار، دعونا نبدأ إذاً،.

قال أدلار يقف امامنا يمسك بِمقبض السيف المُعَلَق على خصره الايسر كأنه يتأكد انه مازال موجوداً.
أومأنا انا و بيتر له بالموافقة بعدها تحركنا نمشي في المدينة الى السوق بعيداً عن العربة. قضينا طيلة النهار نتسوق و نجلب كل الاغراض المكتوبة في الورقة التي اعطتني إياها السيدة مورغن و اشترينا الكثير و أكثر من اللازم من الطحين يكفينا لأسابيع.

السوق كبير جداً كدتُ أن أضيع عِدة مرات فيه بِغفلة عين، لولا سماح بيتر لي بالتشبُث بِذراعه، نمشي بجانب بعضنا و أدلار بالطبع خلفنا يحرس و يحمل الاغراض الثقيلة.

في السوق يوجد في كل مكان كُشك مُختلف عن الاخر لِبيع الخضار و الفواكه بألوانها الفاقعة و الجميلة. كُشك لِبيع اللحوم و الاسماك من أشكال و أحجام. كُشك للحلويات و السكر و البَهارات ذات الروائِح القوية، حتى يوجد كُشك لِبيع أدوات مطبخ، أدوات عمل و كل شئ يخطر على البال و بالتأكيد الملابس.

بِمعنى أخر، السوق مكان مُناسب لِشراء ما يلزمك بِأسعار مناسِبة و ممتازة. بعد أن احضرنا المطلوب اخبرتُ بيتر و أدلار انني من حاضري الحفل غداً و انه يجب عليّ أن ادخل الى إحد متاجر الملابس كي أشتري ما يلزمني للحفل.

وافقوا جميعاً و رأيتُ علامات الدهشة و الفرح بِنفس الوقت على وجوههم بعد أن انتهيت من إخبارهم بِذلك، لكن لسببٍ ما تشارك أدلار و بيتر نظرات بينهما لم افهمها ابداً، ثم عادا يتكلمون معي كأنني لم أراهم ينظرون لِبعضهم بِغرابة.
تجاهلتُ الامر للأن و اخذنا نمشي بالارجاء نعثر على متجر معروف يصنع افضل الفساتين بما أن بيتر أصَرّ على اخذي للافضل.
هناك!

أشار أدلار بِيده على متجر خشبي مُزَين بالاخضر و الاحمر من الخارج. توجد نافذة كبيرة لِعرض الفساتين و زهور أسفل النافذة و حول المتجر تُعطي لَمسة لطيفة لِشكله.
يبدو فخم و كبير من الداخل، على الباب توجد قطعة معدنية معلقة من الخارج. عندما اقتربنا أكثر من المتجر، توقفت بِمكاني لا اتحرك كالتي صُفِعَت على وجهِها.

إن القطعة المعدنية المعلقة هي علامة العائلة، مالِكة المتجر و العلامة عِبارة عن صقر عملاق الاجنحة، إنها علامة عائلة لوثر، يبدو أن هذا المتجر فرع أخر.
انا لن ادخل الى هناك! قلتُ لهم بِصوت مُرتفع بعض الشيء.
وقفوا كِلاهُما بِمكانهم ثم أستدارو اليّ و تعابير الحيرة على وجوههم.
ما الخطب ايتها السيدة الصغيرة؟ سألني بيتر يُعَقِد حاجِباه بِتساؤول.
اخذتُ نفساً عميقاً و اجبته أهَدِء من روعي.

هذا المتجر مالِكه لوثر.
بدا عليهم انهم يعرفوا بالامر، اعني بالطبع هم يعرفوا، في الاخر عائلة أزااي مَعروفة في المملكة.
لا بأس تاليا، إن المتجر ليس لِلوثر وحده، بل لِعائلته.
اخبرني أدلار و هو يبتسم كأنني غير مُدِركة للمعلومة.
انا اعرف أدلار هذا ليس بِشيء جديد، لكن انتَ تعرف ما أعنيه.
هزة هو رأسه لا يكترِث لِكلامي بعدها فتح فمه كي يتكلم، لِيوقفه بيتر و يُكمِله عنه.

لن تعثري على لوثر هنا. انه نادِراً ما يدخل المدينة، لأنه مسؤول عن أعمال بِجانب البوابة التي تفصل بين هذا العالم و عالم البشر.
و مع ذلك انا--
انه افضل متجر سيدة هارث، سوف تعثرين على فستان مصنوع خاص و بِسعر مقبول. قاطعني بيتر.

انهم مُحِقون، انه حقاً افضل متجر، اذكر أن عائلة لوثر تتفَنَن بِصنع الملابس و لديهم أجوَد انواع القُماش في المملكة، لكني لا اريد من لوثر أن يعلم انني اتيت و اشتريت فستاناً من متاجر عائلته...
حسناً دعونا ندخل و نخرج بِسرعة. انا اخبرتهم بِأستسلام.

دخلنا المتجر سوياً و أصدر الباب فور فتحه صوت أجراس و لِمفاجئتي انه يبدو فاخر كما توقعت من الداخل. بِساط اخضر رقيق تحت القدمين في المنتصف، أرضية خشبية تلمع و خزائن فيها انواع أقمِشة في كل زاوية. طاولة خشبية لامعة عليها أكواب زُجاجية و إبريق ماء مع بعض الزهور عليها. حول الطاوِلة توجد أريكات مُريحة قُماشية حمراء لونها مطابق للِون معطفي.

أضواء على الحوائِط و ثُريا صغيرة مُعلقة تضيء اغلبية المتجر و بالطبع فساتين و ملابس في كل مكان بأنواع و اشكال و الوان مختلفة، جميعها اجمل من الاخرى. بدأت أشتَم رائِحة زهور مُختلطة بِروائِح القماش الجديدة. المتجر يصرخ فاخر...
خرجت امرأة بِبشرة خضراء و شعر اسود كالليل طويل مَظفور على جانب كتفها من وراء ستائِر أرجوانية تُلئلئ. ترتدي فستان قصير لونه بني داكن كالتُراب و مُزَين بالورود يصل لِنصف الافخاد.

لديها أنياب صغيرة تخرج من اسفل فمِها و تملك عيون سوداء كَشعرها تَشِع مع أن الاضواء هنا خافِتة. نحيفة البنية و تبدو في أواخر العشرينات أو نصف الثلاثينيات من العمر.
إنها تبدو مألوفة كثيراً، لحظة انني أعرفها...
أهلاً و سهلاً بالسيد بيتر مأمور المَكتبة الملكية و الحارس أدلار وبالطبع السيدة الجميلة هارث.
قالت الجنية تطير في الهواء بِرقة كالنَسَمة و بِنصف بسمة مرسومة على شِفتيها الوردية.

شُكراً لكِ نالين. قال بيتر بأنحِناء.
ما الذي احضركم الى هنا؟ هل هي السيدة؟ سألت نالين و هي تنزل على الارض بِخفة، تُمسِك بيديها سوياً و تنظر لي.
نعم في الوقع، نحن نبحث عن فستان مناسب لِحفل الغد. اجابها بيتر.
بالطبع، لقد أتيتم الى المكان المُناسب. قالت نالين بِصوتها الرقيق من دون أن تَترُك عيوني.
هذه الجنية رقيقة كأنها مصنوع من الهواء نفسه.
أبتسمت لها بِخجل و أنحنيت لها اقول
لقد مرت فترة نالين.

اعادت لي الانحِناء و قالت
نعم بالفعل. انتِ تبدين افضل حالاً.
انا ممتنة لِكلامك. أعتقد انه سحر القصر المملكي.
رفعت هي حاجِباً بِتساؤول و حركت عينيها السوداء الى بيتر و أدلار. هم أومئو لها ثم تحركوا و ذهبوا الى الاريكات.
هل لدى الجنيات قوة مشتركة، يمكنهم التواصل عبر التحديق بِبعضهم و التكلم بِصمت؟ لماذا يفعلون هذا مُتجاهلين وجودي؟
انا تمتمتُ لِنفسي بِصوت منخفض.

إذاً سيدة هارث ما رأيك لو نذهب و نبداء بالعثور على فستان يناسب ذوقك و جسدك المنحوت؟ اخبرتني نالين تُحَرِك عيناها على جسدي من الاعلى للأسفل كأنها تقيس و ترى ما قد يناسبني من الأن.
حركتُ عيوني الى و أدلار الذي يقِف خلف أريكة بيتر و كِلاهما أشارو لي بيديهم كي اذهب معها.
حظاً موفقاً قال أدلار بِبتِسامة.

أومأت له و أستدرت الحق بالجنية خلف الستائر و الى غرفة كبيرة مليئة بالفساتين كالمتجر السابق الذي زرته و اشتريت منه إحدى الفساتين عندما كنتُ مع لوثر.
إذاً سيدة هارث، هل من نوع مُعين في عقلك؟ سألتني نالين بعد أن وقفنا في منتصف الغرفة تُحطُينا الكثير من الفساتين.
هززتُ رأسي و اخبرتها بِصراحة.

لا ليس لدي نوع معين أفكر فيه. اريده فقط أن يكون طويل ناعم و بسيط، لكن مُختلف عن اية شئ البعض قد يرتدوه في إحتفال كبير، إن فهمتِ ما اقصده.
أومأت بِرأسها بالتفهم على كلامي و قالت تمشي حولي و تعود في تحريك عينيها اللامعة تلك على جسدي، تجعلني اشعر بالاحراج و عدم الراحة.

نعم فهمت عليكِ تماماً. تريدين أن تكوني بارزة و فريدة بين الجميع، اعني هذا ما تريده كل فتاة شابة تملك جمالاً ظاهِراً و لون جسد ينتمي لأية فستان.
هززتُ رأسي بِعدم الموافقة كلياً و أعلمتُها ما اقصده
هذا ليسَ ما قصدته بالظبط، انا كل ما اريده هو فستان يعجبني و يريحني و في نفس الوقت فاتن.
لدي ما تريدينه سيدتي.
و بذلك ابتعدت عني نالين تدور على كل فستان في الغرفة و ترى إن ماهذا الذي اريده أم لا.

انا فقعت فجأة ذكرة رؤيتي لِفستان معلق وراء نافذة المتجر للعرض قبل دخولي. تذكرت انه لفت انظاري و انظار المارة، اذكر ايضاً انه غالي جداً.
ما رأيكِ؟ سمعتُ نالين تقول لي حامِلة فستان أزرق سماوي مُرَصَع بالألماس في نهايته.
بِماذا تشردين سيدتي؟ هي سألتني عندما لم أجاوبها.
أوه انا، أعتذر. كنتُ افكر بِذلك الفستان-- وضعتُ يدي على فمي اغلقه، لأنني تفوهت بِما لم يكن عليّ إخراجه من فمي.

أبتسمت نالين إبتسامة كبيرة و وضعت الفستان التي كانت تحمله على أريكة قماشية خضراء. يبدو أن عائلة لوثر تُحِب اللونين الاحمر و الاخضر.
أية فستان تتكلمين عنه سيدتي؟
سألتني هي تقتربي مني و الفضول يملئ وجهها الاخضر.
أمممممم ليس مهماً. اجبتها بِتوتر احاول أن أغير الموضوع.
هل كنتِ تعنين الفستان المُعلق وراء النافذة؟

حدقتُ بها بِدهشة على معرِفتها فوراً مع انني لم أحَدِد. بَدَت لي عينيها بالابتِسام بِما انها عرفت ما كان يأخذ كل تفكيري في هذه اللحظة.
انتظري لحظة، سوف اعود.
قالت لي قبل أن اوقفها و ذهبت تختفي خلف الستائر الارجوانية.
بعد دقائق دخلت نالين و بيدها الفستان الذي اعجبني اول مرة رأيته بها.
تفضلي و جربيه. لديكِ عيون تعرف ما تريده.

رفعتُ رأسي من على الفستان و نظرت لها أرمش بِسرعة غير متأكدة إن ما يجب أن اخذه من يدها و أنصت اليها. انه ثمين و سعره اكبر من سعر جميع الفساتين هنا، كيف لي أن اشتريه و انا مازلت احتاج بعض المجوهرات لِتُطابق الفستان و حتى الحِذاء.
خذيه سيدتي و لا تقلقي على سعره. إن كان هذا ما يُقلِقُك.
هي قالت لي تعطيني الفستان.

أمسكتُ به المس و اشعر بِقماشه الحريري و أتمعن بِالزغرفة التي تبدو كالعروق مُطَرَزة عليه في كل مكان.
حسناً. انا قلت لِنفسي ثم ذهبت الى غرفة التبديل ارتديه بِحذر.
بعد وقت خرجت من الغرفة و أتجهت مباشرةً الى المراة المُعلقة على الحائِط انظر الى نفسي فيه.
انه ليس ضيق و مريح جداً مع انه طويل يُخفي ساقاي حتى يُمَشِط الارض إلا انه حقاً، فاتن.
كما توقعت، انه فستان طُرِزة لكِ فقط و لا غيرك.

قالت نالين تقف من خلفي و تحدق بي في المرأة.
كلامها جعلني واثقة من نفسي اكثر و بدأتُ بالتفكير في شرائه. إن الفستان وردي تقريباً و ناعم المظهر، ليس بسيط كما كنت اريده، لكنه جميل خاطف للأنفاس. الأن انا اتفهم كلام نالين، هكذا انواع فستانين تناسب جسدي تماماً.
إذاً؟ هل اتخذتي قراراً؟
سألتني هي بعد تَمَعُن دامَ طويلاً لنفسي في المرآة.
اخذتُ نفساً عميقاً افكر بِحكم بِقرار ثم أستدَرتُ اليها أواجِهَها.

نعم، سوف اخذه.
صَفَقَت بيديها بِسعادة و سحبتني من يدي الى الخارج، الى بيتر و أدلار الذين ينتظرِون بِصبر في المتجر و يشربون الماء.
عند خروجي من خلف الستائر مع نالين إليهم، رأيتُ صُعقتِهم لِرؤيتي. وجه بيتر اصبح مشرق اكثر و أدلار أحمَرَ خجلاً يبعد نظراته و يحدق بالارض ثم اليّ كأنه لا يعرف الى اين ينظر.
ما رأيكم يا سادة؟

سالت نالين بِنبرة مَرِحة لأول مرة اسمعها بها. انا مُعتادة على صوتها الهادئ و وجهها الخالي من المشاعر.
يا اللهي سيدة هارث، أرى امامي أميرة صغيرة. مع انني عجوز لا يملك ابنة أو احفاد إلا انني اشعر بالفخر.
قال بيتر يجيب عن سؤال نالين و هو يقف و يضع يده على صدره.
ابتسمت بِخجل على كلامه اللطيف و أحسَستُ بِدغدغات في قلبي.

نعم كلام بيتر صحيح، انتِ تبدين كالاميرة و أجمل من ذلك، اختي الصغيرة تجعل من اية شيء ترتديه جميل.
قال أدلار يوافق بيتر كلامه و مازال يحمر خجلاً اكثر مني حتى. إن ردة فعله جعلتني اضحك بِخفة على شكله و وجنتاه الحمراء.
شكراً لكما. انا اخبرتهم أنحَني لهم بِأمتنان.

لدي رجل بِمثابة الجَد و رجل شاب بِمثابت الاخ، هذا ما أشتاق اليه كثيراً لِدرجة البُكاء، مع انه صعب التقبل بأي أحد بِمكان عائلتي، إلا انني موافقة عليهم.
سيدة نالين، أرجوكِ احضري ما يناسب لها و للفستان من مجوهرات و أحذاية إنهم هدية مني. أخبرها بيتر.
نالين أومأت تتحرك في أرجاء المتجر تبحث عن ما طلبه منها.
انا تَبحلَقت عيناي و ذهبتُ مُسرِعة الى بيتر أمسك بيده و اخبره بِرَجاء.

لا بيتر! لا اريد اية شيء أرجوك. انا من سوف تدفع.
هزة رأسه و قال بِبتسامة تصل لِعيونه الزرقاء
لا مشكلة صغيرتي. إنها هدية بسيطة لكِ و اتمنى أن لا ترفضيها و إلا سوف أحزن كثيراً. دعيني أسعد بكِ ولو ليوم واحد. فَلدي المال و لا اريدك أن تفكري انكِ تُثَقلي على أحد.

تنهدتُ بقوة احاول أن أريه انني ممتنة إلا انني لا اريد اية هدية بِثمن كهذا، اعني كل شئ هنا في المتجر سعره بِسعر عربات كبيرة و بيوت حتى. كيف لي أن اتقبل أمر كهذا بِتلك السهولة من دون الشعور بالاحراج و الذنب؟
توقفي عن التنهد و التفكير، إن بَقيَت ملامح الحزن على وجهكِ الجميل فَسوف أشعر بِالأحباط. هل تريدين من عجوز مثلي أن يشعر بِذلك؟
قال لي بيتر يُحاول أن يُريني انه هو الحزين و انني خيبت ظنه.

ضحكتُ من دون إرادة عليه و اعطيته عناق كبير أهمس له بالشكر و انني لن انسى ما يفعله معي طيلة حياتي. نَقَرَني أدلار على ذِراعي بِلطف كي انظر له من خلف بيتر ثم أبتسم لي قائِلاً بِصوت مُنخَفِض
انتِ تستحقي.
مَددتُ يدي اليه كي يُمسكها و ابتسمت كثيراً جاعِلة من اسناني تظهر. أمسك هو بيدي الصغيرة مُقارَنتاً بيده الضخمة ثم وضع يده الاخرى فوقها و هو يومئ بِرأسها بأنه يتفهم إمتناني و محبتي لهم كِلاهُما.

قد أكون إنسانة خسرت عائلتها و حياتها في عالمها، إنسانة قد كُسِرَت من الداخل و الخارج، إلا انني و في هذه اللحظة الصغيرة و البريئة مَحظوظة و أسعد مما كنت عليه طيلة السنَتين لي هنا في أسليرا.

غابَت الشمس و حَلَ المساء بِضوء القمر الساطِع و غمزات النجوم في سمائِها. مع انه اصبح المكان ظلام، إلا أن الجنيات لم تعود الى منازِلها، إنما اصبحت بِأكثر طاقة من قبل. الأن متاجر و بارات للشُرب فُتِحُت من اجل الاستمتاع بِأجواء الليل الجميلة و فتح احاديث و العاب تَحتَ النجوم المُضيئة.

قبل يوم من الحفل، تحتفل الجنيات بين بعضها كَجلب للحظ. انهم يبقون على هذه الحالة الى منتصف الليل و حتى أكثر من ذلك، قد لا ينامون الى يومان.
قال لي بيتر و نحنُ نتمشى بِبطء في المدينة بعد أن انتهينا من شِراء المُستلزمات.
هذا رائع، يبدو انهم يُقدِسون هذا اليوم. في عالمي، نحن البشر لا نحتفل بِهذه الطريقة مثلكم. ليس علينا تزين منازِلنا أو شيء من هذا القبيل، إنما فقط في المدينة أمام القصر الملكي.

انا اخبرته بِصوت هادئ فيه بعض الحزن اذكر ماكُنا نفعله عندما كنت اعيش هناك.
أدار بيتر رأسه اليّ ينظر لِوجهي يُحاول أن يقرأ شيء ما فيه. قبل أن يَفتح فمه و يتحدث، اكملت انا اخبره.

كل سنة يُرسل البلاط الملكي جنوده الى المدينة و وجميع الأحياء و القرى لِكي يجمعوا الطعام و المحاصيل الزراعية حتى الملابس المصنوعة يدوياً للملك كَهدايا له بدلاً من الاحتفال مع شعبه. إننا مجبورون و يجب علينا أعطائهم ما نَملِك. توجد عائِلات كثيرة لا تملك الموهِبة الكافية لِصنع اية شيء له أو حتى مال كافي لِشِراء الطعام لِيطبخوه من أجل حضرت عَظَمَتِه، إلا انه إذا رفضوا فَسوف يقابلون عِقابهم من دون أن يعطوهم فُرصة للتحدث.

يبدو انه ملك سيء جداً. قال بيتر بعد فترة من الصمت.
هزَزتُ رأسي و اخبرته الحقيقة و ما اظنه
لا يمكنني القول انه سيء جداً، لقد حما مملكتنا لِسنوات و أعطى الفقراء منازل لِعيشوا فيها إلا انه لم يتوقف عن كونه بَخيلاً يُحِب المال، و يريد من ما لا يملُكه، مع أن المَلِكة بِعكسه، لطيفة و كريمة.
كيف له أن لا يكون سيء مع انه أعطى القليل و اخذ الكثير؟ إن عائلته أسوأ منه حتى.

سألني بيتر بِفضول و بنفس الوقت الغضب في نبرته عندما لَفظ بالجملة الاخيرة.
رفعتُ حواجبي بِتفاجئ و حيرة انظر إليه لِيشرح لي ما الذي يعنيه و كيف عرف بِأن عائلته كانت اسوأ؟
لكنه تفادى نظراتي و بقية يُحِدِق امامه كأنه لم يقل ما قاله قبل قليل.
كيف تعرف عن العائلة الملكية في عالمي؟ انا سألته، لأنني لم أستلم إجابة على سؤالي.
تنهد بيتر بِهدوء و اجابني بعد مدة كالذي يُفكر بِعمق.

كنتُ، أمممم، كنتُ اعيش هناك لِسنين، لأنني كنت اعمل مع بعض البشر في المملكة.
حقاً؟ انا سألته مازلتُ مُرتابة.
نعم اجابني هو بِبساطة.
توقفت عن سؤاله، لا اريد الضغط عليه، إن لم يكن يريد التكلم أكثر فأنا لن أسأل المزيد.
اقتربنا من العربة، لأنني اصبحت أراها من مكاني يقف السائق بِجانها مُتُكِئ على أحد الابواب مُمسِكاً بِكأس خشبي يخرج منه دخان يبدو من شراب ساخن لِتدفِئَته في هذا الليل البارد.

فجأة أوقفنا أدلار من الخلف يمسك بِكتف بيتر و يوجه الكلام له
قبل أن نعود الى القصر، يجب علينا شِراء شيء أخير مهم موجود في القائمة و المتجر الذي يبيعُه في المدخل الثاني بعيد قليلاً.
أوه صحيح! وافقه بيتر بِأدراك.
التفتَ اليّ بيتر و قال لي
هل تريدين المُرافقة؟
هززتُ رأسي بِ لا ثم قلت بِتعب
أنتم اذهبوا و انا سوف أعود بِهذه الاغراض الى العربة. سوف انتظركم مع السائق الى أن تعودو.

أومأو كِلاهُما بالتفهم ثم أستدارو للجهة الاخرى و اخذو يمشون الى المدخل الذي يقود للمتجر. بعد أن اختفوا اكلمتُ انا طريقي الى العربة أهَمهِم اغنية بِفم مُغلق. سمعتُ اصوات قادمة من أحد الممرات الظلمة على جانب الطريق.

لم اكترث للأصوات و اكملت طريقي أركز على الاغنية، إلا أن تلك الاصوات التي تتحدث بِخفة و منخفضة تَحَوَلت بِسرعة لِشجار، حتى سمعت أحدهم يلكُم الاخر. توقفتُ بِمكاني و حركتُ رأسي لِجانبي انظر الى الَممَر الذي يَخرج مِنهُ الاصوت.
انه ليس خياراً ايها السافل! بل أمراً منه هل فهمت!

قال أحدهم يرتدي ملابس تُغطيه من الاقدام حتى الرقبة و يوجد لُحاف مَلفوف حول رأسه، يغطي الجزء السفلي من وجهه تارِكاً عيوينه و القليل من شعره مَكشوف.
انه يِبشرة داكنة رمادية. وقفتُ انا وراء حائِط أختلِس النظر بِعيون مُضيّقة أتنصَت عليهم.
لكن الامر خطير! كيف لنا أن نفعل ذلك من دون أن يمسكوا بِنا و يقتلونا بِلا رحمة؟
قال الرجل الأخر بِصراخ و همس.

انه على الارض على ما اعتقد هو من تلقى اللكمة من الاخر. يرتدي ملابس مُختلفة عادية كأي ملابس رأيتها هنا. شعره مُجعد طويل مربوط للوراء و بشرته بيضاء كأنه مريض من كثر بياضِها.
أنتم ميتون على اية حال إن لم تُنفِذو الامر ايها الاحمق. قال الرجل الذي يقف.
تنهدَ صاحِب الشعر المجعد و وقفَ على ساقيه مُعقد الحواجب يحدق بِعيني الرجل الاخر.
انتَ لستَ إستثناء، إن فشلنا، فَسوف تُقتُل معنا و إن حاولت الهرب--.

توقف الرجل من التكلم ينظر للأرض كالذي نسيَ كيف يتكلم.
إن حاولت الهرب ماذا؟
سأله الرجل صاحب اللحاف يدفع الاخر بِقوة للحائط.
لم يجيبه صاحب الشعر المجعد و بقية صامِتاً.
إن حاولت الهرب فماذا سوف تفعل هاه؟
سأله مرة اخرى يدفعه مجدداً حتى أصطدم ظهر الرجل بالحائط.
رفع صاحب الشعر المجعد رأسه يحدق بالثاني بِغضب في وجهه و شَكَل يديه على شكل قبضات يُحاول أن يتحكم بِغضبه.
سوف تندم أشد الندم، همس الرجل بين اسنانه.

فجأة ضحِك صاحب اللحاف بِقوة يسخر منه و بِرمشة عين سَحَب خنجراً من خصره و وجَهَهُ على وجه الاخر و يأخذ خطوة الى الوراء على شكل دِفاعي.
كيف لي أن أندم؟ إن هربت فَسوف اعيش و ابتعد عن كِلا المملكتين الى الابد. بينما أنتم إن فشلتم فَقولوا مرحباً للموت.

لِماذا تفعل هذا يا رجل؟ بِسبب المال؟ يجب عليك أن تعرف انهم لن يعطوك اية قرش. عندما تذهب إليهم تطلب المال الذي وعدوك به، فأعلم انهم سوفَ يقطعوا رأس فوراً. ألم تتعلم بالفعل؟
قال له صاحب الشعر المُجعد بِصوت قلق و حزين.
هذا ليس من شأنك! فقط افعل ما تُأمر بِه و الباقي دعه لي. اعدك إن نجَحَتَ بالمُهِمة، فَسوف أتقاسم معك الجائِزة هل فهمت؟

هزة رأسه الاخر بِخيبة أمل و وقفَ بأستقامة ينظر لِلثاني الذي مازال يوجِه الخنجر عليه.
انا ذاهب، اريد بعض الوقت لِأفكر. لا تضغط علينا أكثر فَيكفي ما يأمُرنا بِه ذلك العجوز اللعين غا
لم يكمل الرجل التكلم لِيتلقى لَكمة قوية على الوجه و خَدش بالخِنجر على ذراعه العُلية جعلته يقف على الارض ينزِف الدماء.

من المنظر شَهِقت مُمسِكة فمي بيدي و اخذتُ خطوة للوراء كي أهرب قبل أن يروني. لِحظي التعيس و انا اخذ الخطوة أصطدمتُ بِقارورة شراب على الارض جعلتها تقع و تتحرك مصدِرتاً صوتاً قوياً قد جَرَّى إنتباه الرِجال.
من هناك؟ صرخة أحد الرجال.
لم انتظر الى أن يجِدوني. أندفعتُ بِسرعة هارِبة من المكان قبل أن يروني.
أذهب خلفهم انا سألحق بِك!
سمعتُ احدهم يصرُخ للأخر و انا ركضتُ مُسرعة أكثر من قبل أامل أن لا يمسِكوني.

ركضتُ وركضتُ الى أن وصلت الى العربة، لكن لم اجد السائِق هناك أو اية أحد من حولي.
اللعنة! اللعنة اللعنة على حظي!
انا صرخت على نفسي.
اصوات ركض و تنفُس ثقيل من خلفي قد وصل لِأذاني. قلبي اصبح يدق بِقوة احسستُ انه سيخرج من مكانه و يقع. تنفسي أثقل من قبل و عقلي مُشَوش احاول أن أجد طريقة أبعِدُهم عني قبل أن يُقابل خنجر ذلك الرجل المخيف رقبتي.

تركتُ الاغراض تَسقُط على الارض أمام العربة كأشارة أن شيئاً ما قد حدث لي و اخذتُ طريقاً عشوائياً راكِضة و معطفي الاحمر ذا الغطاء يَطير من خلفي كالاجنحة.
الطريق الذي سلكته، لا ينيره اية ضوء و لا يوجد فيه اية متاجر مفتوحة في هذا الوقت و لا حتى اية مخلوق يمشي، فقط ضوء القمر في الاعلى يُنير المَمَر، لكنه غير كافي.

بَقيتُ اركض بِأسرع ما يُمكِن لِساقاي الطويلة اخذي. سلكتُ مَمَرات كثيرة لِخوفي و تشَوشي، لم أعد اعرف اين انا.
ركضتُ و ركضت الى أن وصلت الى مدخل مُغلق...
لا يمكنني أن أتَسَلَق الحائِط و خاصتاً انني ارتدي معطفاً و فستاناً طويلاً، إنهم عرقَلة بالنسبة لي الأن.

أستدرتُ الى الوراء كي اعود من نفس الطريق و أسلك واحِداً مُختلِفاً، لِأتفاجئ بِظهور ذلك الرجل المُخيف صاحِب الِلحاف و البشرة الرمادية، مُمسِكاً الخنجر بيده، ينظر لي بِعيون صفراء حادة و مرعبة تلمع تحت ضوء القمر.
انتِ الشخص الفضولي الذي كان يتجَسَس علينا؟ ياله من هَدر لِجمالك، هل من كلمة أخيرة قبل أن تلتَقي حتفك ايتها البشرية؟
قال لي هو بِصوت مُرعب أكثر من شكله يتقدم نحوي و في عينيه الجوع للدِماء.

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 14 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب