رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار كاملة

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار كاملة

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار كاملة

فالكين أمير جنيات جذاب و ذكي يعيش في مملكة أسليرا الساحرة، شعبها يحبوه و ملوكها يدعموه لكن مع مرور الزمن قرر فجأة أن يتنحى عن كونه اميراً و يترك المملكة لكي يعيش حياة مختلفة في مملكة أخرى بين جنيات جديدة مع سِر عظيم يخفيه عن العالم.
لكن الحياة التي أختارها لنفسه، ليست كما تمناها لتتحول الى كابوس من نوع أخر، ولكن مع كل الظلام الذي يحيط بالأمير، ظهرت فتاة جميلة و غامضة لا يعرف عنها شيء عدا انها تعيش معه في نفس المملكة و القصر إلا انها مخطوبة من لورد قوي و غامض كذلك.
و هو لا يرفض تحدي؟

الجزء الثاني من رواية - تحت الغطاء الأسود - بعنوان تحت الغطاء الأبيض.

مقدمة الرواية

أخذت العربة تهتز أكثر كُلما مَشت فوق مطبات مرتفعة مع أنَ الأحصنة المُدربة تقودها بانتظام و على سرعة مُعتدلة إلا أنَ و بِسبب الأمتعة التي تحملها تجعلها أكثر ثُقلاً، و مع ذلك حاولتُ قدر الأمكان قراءة الكتاب الصغير المفتوح بين يداي من دون الشعور بالدوار.
طبعاً فشلت بما أنَ الاهتزاز لم يتوقف منذُ ساعات، أو لنقول منذُ يومين تقريباً.

رفعتُ رأسي من الكتاب لكي افتح سِتارة العربة الصغيرة مِن الداخل و انظُر عبر النافذة.
انه وقت ما بعد الظهيرة، أيّ أنَ الشمس تغيب خلف تلكَ الغيوم البيضاء التي تبدو ناعِمة جداً كالقُطن، ألوان السماء ساحرة من الأصفر، البرتقالي، الأزرق و الزهري الداكِن لِوجود ضوء الشمس القوي مِن خلفها.

أشجار و أشجار لا نهاية عارية أوراقها مِن حولها، مُتسِخة بالطين و بالثلوج التي غطتها قبل هطول المطر قبل يومين.
اننا نقود في قلب الغابات بِلا توقف.
فتحتُ النافذة قليلاً لتدخُل نسمة هواء باردة ولكن رقيقة تُدَغدِغ أنفي و شعري الأسود الذي يُغطي جبيني. اغلقت عيناي حتى أشعر بها في روحي، أستنشِاقُها بِعمق لتُصَفي صدري و عقلي.
لطالما أحببتُ الطبيعة لكونها تُفقِد الشخص التفكير لتلقي به الى عالم الأحلام و السكينة، الطبيعة لوحدها كافية بِخطف أفكاري و جعلي أنسى ما يجول في رأسي و طبعاً أشكُر زوجة عمي على ذلك، لكونها بِنفسها تُحب الطبيعة كذلك فَهي ساعدتني بِفهمها.

بعدما بَرّدَت النسمة وجهي و لم أعُد أشعر بِأنفي ابتعدتُ عن النافذة ثم اغلقتها بِهدوء كي اعود لقراءة الكتاب الذي يَحكي قصة طفل قد أكتشف الحياة و معانيها ليُقابل عالم في مُغامرة جميلة لاكتشاف العالم بشكل أكبر.
انها رواية لم أقدر ألا أقلِب كل صفحة من بعد الأخرى لفضولي بِمعرفة ما سَيجري مع الطفل البسيط فأنا بنفسي قد رحلتُ لأعيش مغامرة خاصة بي و لأكتشف أو، ربما لأهرب من الواقع.
انني اسافر منذُ يومين لأسباب كثيرة جداً قد تأخُذ مني وقتً طويلاً حتى اعدها جميعها لكني لن افعل فَلدي الأسباب الأهَم و التي تتمركز في مُقدمة اللائحة، انني اهرب مِن مسؤولياتي و التي لم أتحملها كوني رجلاً بالغاً.

و أميراً لِمملكة تحتاجني، أو ربما لا تحتاجني، بما أنَ لديها ملكها و ملكتها فَما لزومي هناك؟
اعلم انني اتخذتُ قراراً صائِباً بترك المملكة و التنحي عن منصبي كَأمير، لكي يحكموها مَن يستحقون. في الأخر انها مملكة كبيرة و عظيمة فَلا يجب أن يحكمها مَن يهرب من مسؤولياته و يضع نفسه قبلها.
لهذا انا فعلتُ الصواب، و لن أندم ابداً مع أنَ الملوك أو الملك خاصةً لم يكُن راضياً بِقراري و غَضِب جداً و مع ذلك لم يمنعني، لأنه و بطريقةٍ ما يتفهمني و انا مُمتن لذلك.
تنهدتُ بِرقة، فَلم أستطع أكمال أول جُملة من الصفحة التالية من القصة، تلكَ الأفكار تسبح بِعقلي و تمنعني من التركيز.
رفعتُ يدي لأمُرر أصابعي النحيلة بينَ خُصلات شعري القصير ثم أشَحتُ بِنظري مجدداً لِلنافذة، أجِد أنَ الشمس اختفت و الليل قد حَل.
مازال أثَر ضوء الشمس باقي و القَمر خَفي في مكانٍ ما و النجوم لم تظهر بعد.

فتحتُ النافذة لأخُرج رأسي بعض الشيء و أخبر السائق
" لما لا نتوقف لِلحظة حتى نَروي الأحصنة و نُطعمها و انتم تستحقون بعض الراحة ايضاً! "
أدار السائق الذي يرتدي درعه الفضي المَلكي الامِع وَجهه لي و هو مُمسِكاً بِحبال الأحصنة
" هل انتَ مُتعب سموك؟ هل تريد أن تتمشى قليلاً؟ "
هَززتُ رأسي مُبتسماً
" لا، لكن يجب أن نفكر بالأحصنة و انتم يجب عليكم تناول شيئاً. "
" نحنُ بخير سموك. "
" رجاءً بِلا اعتراض. "
أومئ السائق ليُخبر باقي الحَرس الذين معهم فوق احصنتهم بإيجاد مكان مُناسب لِلأستراحة.
بعد دقائق قصيرة، توقف اهتزاز العربة المُزعج، اغَلقتُ الكتاب بِخفة ثم وضعته بِجانبي على المقعد قرمزي اللون بعدها أتى أحَد الحُراس و فتح لي الباب لأترجل منها أمُد كِلتا ذراعييّ و ظهري من كثرة الجلوس لوقت طويل.

أخذتُ نفساً عميقاً من هواء الشتاء القارس لأزفره من فمي أرى الحُراس يُحاولون أشعال الحَطب لكي نتدفئ و نُدفئ الأحصنة معنا.
التَفتُ مِن مكاني لكي أذهب الى الأحصنة، واحِد أسود حاد الشكل و الثاني أبيض جميل. رَبتُ على أعناقهم الكبيرة و قَبّلتُهما بِلُطف أبتسم كُلما حركوا رؤوسهم لكي يُعانِقوني.
" توَدِعونني من الأن؟ " تَمتَمتُ لهم السؤال ليُخرِجوا صَهيلاً مع الهواء مِن أنوفهم السوداء.
" سمو الأمير! " أدرتُ رأسي نحوى مَن نادى ليتقدم الحارس الشخصي لِلملك، الجنرال قائد الحرس و صديقي العزيزي الذي رفض تركي أذهب من دون أن يكون هو معي كي يطمئن انني سأصِل بِسلامة.

أشعر بالفخر كُلما رأيته بِدرعه الكامل، و وسومه المُعلقة عليه و النجوم الثمانية على كتفيه تُشِع لكونها مِن الذهب الصافي.
بِجهده المستمر لِسنوات مستحيل عدها و أحصائها، تم ترقيته من قِبَل الملك و الملكة لِلمستوى الأعلى ليَحكم جنوده و حُراس المملكة بِعدل و يحميها بِذكاء و قوة.
" النار جاهزة و اننا نَغلي بعض الأعشاب هل تريد شيئاً مُخصصاً؟ "
" كم مرة أخبرتك أن لا تُناديني بِالأمير؟ ، فأنا لم أعُد أميراً أدلار. "

أدار أدلار عينيه السوداء كالثقوب العميقة ليرد
" هذا ليس صحيحاً. انتَ سَتبقى أميراً للأبد، لديكَ كُرسياً في القصر سَينتظرك دوماً. "
وضعتُ يداً على كتفه أشعر انني قصيراً مُقارنةً به مع انني طويل القامة إلا انه ضخم يبدو كأنه و بِضربة يَد قادر على تحطيم جذع شجرة كامِل. بِغِنا عن بشرته الخضراء و أنيابه السُفلية التي تَخرُج من فمه لحجمها الكبير، الجنرال أدلار ليس مُخيفاً على الأطلاق بل انه حَسن المظهر.
" المهم، دعنا نذهب لكي نشرب بعض الأعشاب حتى نُدفئ قلوبنا. " أخبرته انا ليبتسم و يومئ موافق.

" هل انتَ متأكد مِن قرارك عزيزي؟ " سألتني زوجة عمي و ملكة أسليرا الجميلة و الألطف على وجه الأرض و هي تَدور من حول المكتب لكي تجلس أمامي تضع يديها أسفل بطنها تجلس بِحذر.
" متأكد و لكني أخاف من أخباره، انتِ تعلمين كم انه سريع الغضب في الأوِنَ الأخيرة بِسبب ضغط العمل. "

ظهرت بسمة رقيقة على طرف شَفتيها الوردية، تُشِع من وجهها كأنَ الشمس نفسها تعيش فيها لتتقدم قليلاً و تُمسك بِيداي، لمستها ناعِمة تُرسل الدفء لي.
" يجب أخباره، لكن ليس الأن، التأجيل يكون أفضل لِكليكُما. "
" اعرف، انا متوتر جداً أشعر بِداخلي يتمزق من هذه اللحظة. "
كَبُرت بسمتها أكثر و عينيها العَسلية المائلة للأخضر تبرُق تحت أنوار غُرفتها المَلكية، أبواب الشُرفة مفتوحة تدَع مِن نسيم الخريف يدخُل و الستائر البيضاء مِن الشيفون تتراقص في الهواء.

" لا تتوتر و خُذ وقتك و انا سأضمن انه لن يَغضب و سَيكون مُتفهِماً كَكُل مرة معك. "
" عدا في المرات التي أتصَرف فيها كالأحمق. "
" نعم، لقد نسيتُ ذكر هذا. " ضَحكنا سوياً بِخِفة و ضحكاتها غلبتني تُنير شُعلة منطفئة في صدري بِصوتها الرقيق كَرقة النسيم.
توقفت ضحكاتنا ليَعُم الصمت لفترة قصيرة في الغُرفة، أصوات مَن يعملون في القصر خارجاً حتى في هذا المساء تملئ الأجواء تجعلني أفَكِر مئة مرة بِقراري و جزء مني كبير يشتاق لِلقصر من الأن.

قاطع حبل افكاري، يدها و هي تمسح على شعري تُبعِد الخُصلات الطويلة عن جبيني، تُرَتبُه كما تفعل دوماً عندما يتبعثر كَعُش الطيور.
" انتَ رجل وسيم و ذكي لِلغاية، لكن أحياناً أجدُك تُفكر كثيراً مهما كانَ موقفك في الحياة و أحياناً تتخذ قرار و راء الاخر من دون حُسبان العواقب. " تَمتَمت هي تُبعِد يدها الصغيرة لأرى خاتمها ذا جوهرة كبيرة تلمع في أصبعها.
انه يُناسبها و يجعل مِن يدها أجمل و أجمل.
الملك مَحظوظ بها.

رفعتُ عيناي عليها أجدها تنظُر لي بِصبر لأتنهد أشيح بِهم لأبواب الشُرفة أرى أنوار المدينة بعيدة كالفوانيس الساحِرة، مُضاءة بألوان مُتَعَدِدة.
" اعلم و انا أسف على ذلك، لكني لا أتحمل البقاء و انتِ تعلمين لماذا. "
" أتمنى أن لا يكون ما في بَطني السب--"
" لا ليس السبب! " أوقفتها قبل أن تُكمِل لأنها ليست مُحقة و لا اريد أحزانها بِكلامي الفارغ.
هَمهَمت هي لتَصمُت و تدعني أخبرها
" أشعر انني مَسجون، انني مُقَيّد، كل مرة أحاول تَشتيت نفسي، أجِد الجُدران تضغط و تُحاصرني لهذا اريد الذهاب، يجب عَليّ الذهاب. "
" اتفهم، و إذا هذا ما تتمناه فَلكَ ذلك و لكن عليكَ أقناع العنيد فيما بعد. "

اومأتُ لها بالموافقة لأنهض مِن على الكرسي و أُقَرفِص أمام قدميها حتى أضع رأسي على حضنها و اَلُف ذِراعي الاثنتان من حول خصرها. المكان ضَيّق بعض الشيء لأنَ بطنها كبير إلا انه مُريح و يُشعرني بالأمان فأنها الشخص الوحيد الذي يُعطيني الحنان و الطمأنينة.
" آوه يا عزيزي، " هَمست هي تَمسح على شعري لأغلق عيناي أدَع السكينة تُغطي على الأعصار بِداخلي.
كم سأشتاق لِحُضنها و حنانها حتى رائحتها الجميلة تُلقي بالقلق بعيداً.
كم سأشتاق، لكنني فعلتُ الصواب و هذا الأصَح.
فجأة دُق الباب بِقوة لأرفَع رأسي و...

رُجَّت العربة بِقوة لأستَفيق من قيلولتي و أرفع رأسي عن المقعد. وَقعَ الكتاب من على حُضني لأرى ضوء النهار يُنير العربة من الداخل. اقتربتُ من النافذة، فتحتُ الستائر و وجدتُ منظراً خيالياً لا مَثيل له على الأطلاق.
أرض واسِعة خضراء و ورود تُزينُها بألوانها الرائعة مِن الزهري، الأزرق، الأحمر الأصفر و المزيد المزيد. الأشجار ليست عارية كما كانت سابقاً بل خضراء و مُلَونة كذلك بِجميع الألوان المُشابهة لِلورود.

السماء صافية زرقاء و طيور تُحلق فيها معاً كَمجموعات تُزَقزِق لِبعضها بِسعادة. أنهار تجري بِهدوء و حيوانات من جميع الأنواع و الأشكال في كل مكان تشرب أو مع بعضها تركض، حتى الشمس ليست حارة و إنما دافِئة على الجِلد فأنه فَصل الربيع هنا.
ابتسمتُ لا إرادياً على المنظر لأعود أجلس جيداً في مقعدي، حَمَلتُ الكتاب من على الأرض لأغلقه و أمسِك به، أُحَدِق به و أتخيل الصفحات التي قرأتها مِن جديد تعيش في رأسي بِتفاصيلها.

عُدتُ لأنظر عبر النافذة الصغيرة أرى الأن اننا اقتربنا أكثر من المملكة، فأصبحتُ أرى منازِل كبيرة و صغيرة، و خصيصاً الجسر الأبيض المُزَين بالزهور الصفراء و البرتقالية الذي يَصل لِلبوابة الرئيسية التي مِن خلالها يدخُل الجميع الى المملكة ذات الموسم الذي لا يتغير ابداً.
ظهر من جانبي أدلار و هو يقود حصانه ليَنظُر الى ما انظُر اليه قبل أن يقول
" لقد وصلنا سموك، وصلنا الى مملكة فالينيا (مملكة الربيع). "
أردتُ أن اضحك من السعادة لكني لم افعل و تركتها في داخلي أخبئها عندما نُصبِح حقاً في المملكة و تحديداً في مدينة الشمس الشهيرة.

لهذا راقبتُ قُربنا منها بِهدوء و فرح لا يوصف الى أن وصلنا لِلبوابة لتُفتَح لنا من دون توقيف بِما أنَ عرباتنا مَعروفة لِمَن تعود، يسمحوا لنا بالدخول الى مدينة الشمس.
رُقيّها، جمالها و روعتها صعب وصفها بالكلمات.
انها مُكتظة كما هو حالها منذُ أن رأيتها و انا طفلاً صغيراً. مَتاجرها المنوعة مفتوحة تدَع من الزبائن يدخلون بِوجوه عابِسة ليَخرجوا ضاحكين. شعبها يرتدون ملابس ملونة كذلك تُعَبِر عن فصل الربيع اللانهائي، و جنيات تَطير في الأرجاء تَفرُد أجنِحتها الساحرة في الهواء منها الشفاف و منها الملون بِألوان براقة.

كل شيء جميل و كل شيء فوق الخيال، يُذَكرُني تماماً بِالمملكة التي تركتها لكوني أناني يُفَكِر بِنفسه حتى مملكتي أجمل و أكثر روعة إلا أنَ مدينة الشمس تَختلف و لديها ما ليس لأية مملكة في هذا العالم منه.
" أبقى في الداخِل سموك مِن أجل سلامتك. " أخبرني أدلار لأرمقه بِنظرات مُنزعجة و هو بادر بِطريقته لأصمت و أدخُل من دون أغلاق الستائر أرى ردة فعل كل مَن يرى عرباتي تَمُر بأفواهِهِم المفتوحة على مصراعيها و شَهقاتهِم المرتفعة بِدهشة و أعجاب يتساءلون مَن يكون بِداخلهم.
لا ألومهم، لدينا عربات ثمينة و نادرة الشكل.

بعد قيادة في المدينة دامَت وقتً طويلاً رأيتُ جسراً أخر أبيض مُزَين بالورود و أسفله نهر صافي يتلألأ كالألماسات تَحت أشعة الشمس المُنعكسة عليه، يُمكِن رؤية الأسماك تَسبح لِصفاء المياه.
مَرَرنا من فوق الجسر لتتوقف العربات لحظة، قبل أن اسمع صوت البوابات و أصوات صياح الحُراس لأعرف اننا وَصلنا الى القصر المَلكي الخاص بِفالين.
فالين، ملك هذه المملكة الربيعية التي لا مثيل لها و صديق عزيز لي و لِملوك أسليرا.

قادت العربة بِضع خطوات لتتوقف مجدداً و نهائياً. أستعدتُ انا أُعَدِل ملابسي الداكِنة و أُمشِط شعري بِأصابعي أضع الكتاب فوق المقعد فالحُراس سوف يُحضِرونه لي لاحقاً قبل أن يفتح أحدهم الباب لي لأترجل و انظُر من حولي.
كما هو حاله، ساحة القصر الرئيسية واسِعة فيها بركات مياه على كِلتا الجهتين، كل شيء مُزَين بالأعشاب الخضراء تنموا على الجدران و تِمثال كبير لِمرأة ذات شعر طويل في المنتصف.
طبعاً أمامي تماماً القصر الملكي بِهندسته العبقرية و عظمته.

" و أخيراً بعد سَفر و تَعب، لقد وصلنا. " وقف بِجانبي أدلار يضع يداً فوق السيف المُعلق على خصره.
" نعم و أخيراً، أكادُ لا اصدق انني وصلت. "
كنتُ سأخُذ خطوة نحوى الدرج الذي سيقودني الى أبواب القصر ليَخرُج منها رجلٌ اعرفه جيداً.
طويل القامة، أسمر البشرة بِشعر طويل يَصِل لأكتافه و ما أسفل بِقليل و عيون خضراء قَد لاحظتُها مِن مَطرحي يرتدي ملابسه المُعتادة مِن قميص أبيض عريض أسفل معطف أسود جلدي طويل و بنطال أسود مع جزمة تَصِل لِلرُكبَتين.

تقدم الينا مايكا خادم الملك فالين الشخصي صاحِب الوجه البارد الغير مُبتسم و جاف المشاعر كأنه تِمثال متحرك. حتى انني أجِد التماثيل تُعَبِر أكثر منه.
الأمر ليس تفكيراً شخصياً لأنني أتفوه بالحقيقة فقط، و انا لا امانع رفقته فَهو لا يتحدث كثيراً و مُخيف بعض الأحيان إلا انه في اللحظة التي يفتح فمه يجعلك فضولياً بِشأنه و لديه خِفة دَم بِطريقة غير مُباشرة إن كانَ ذلك منطقياً.

" أهلاً بكم، سمو الامير فالكين لوماريل و الجنرال أدلار يازام. " أحنى مايكا رأسه احتِراماً لأومئ له رداً بينما أدلار بالكاد أحناهُ فَهو أصلاً أعلى رُتبه منه إلا اننا رفاق لا لزوم لِلرسميات بيننا.
" اين جلالة الملك؟ " سأله أدلار ليَضع مايكا يديه خلف ظهره يقف مُستقيماً.
" قادم. "

" نعم صحيح، لن يكون فالين فالين إلا إذا تأخَر كل مرة. " قلت انا أهُز رأسي ليُشير لنا مايكا بيده حتى نتبعه.
" تفضلوا الى الداخِل يكون أفضل من الانتظار هنا. "
" حسناً، اممم أدلار ماذا عن الأغراض؟ "
" سوف اطلُب من باقي الحَرس أحضارها و انا سأحمِل هذه للأن. " أجابني مُمسِكاً بِصندوقين اعتقد أنَ فيهم ملابسي و كل ما يلزمني أكثر من باقي الصناديق الاخرى.
اومأتُ له شاكِراً ثم بدأتُ الحق بِمايكا نحوى القصر أرى على يساري القليل من الحديقة الجانبية الخاصة بالقصر و كم انها مُفعمة بالحيوية و نشاط الخادمين و الخادمات منهم البشر و منهم الجنيات.

أما ما هو واضِح و الأقرب و في الساحة، الأسطبل. صَهيل الأحصنة مَسموع و عالي يُذَكرُني بِالأسطبل الخاص بنا في أسليرا، حصاني الخاص الذي ربيته منذُ أن كانَ صغيراً ليُصبح فرساً أصيل قد تركته هناك بأمانة المسؤول عنه و عن احصنة الملوك.
مَرت مِن جانبنا مجموعة من خمسة خادمات بِلباسهم الأبيض و الأسود، مُختلطين بشر و جنيات ليرفعوا رؤوسهم نحوي و يُقَهقِهون يُخفون قَهقهاتِهُم بِأيديهم خَجلاً لأرُد لهم البسمة اومئ بِترحيب مُكَمِلاً المَشي خلف مايكا.
هذا ممتع.

" آوووه يا للهول لقد وَصلت! " فجأة ظهر الصوت المألوف الذي كنتُ انتظره لنتوقف عند الدرج يبتعد مايكا عن نظري يُظهِر فالين.
مادِد يديه في الهواء مبتسماً يُظهِر أسنانه البيضاء ليُعانقني بِقوة. ضحكت انا و عانقته بالمُقابل أُطَبطِب على ظهره.
" انا حقاً أسف لتأخُري لكن كان لدي، أعمال مهمة. " أخبرني هو مُبتعداً من العناق يبقى مُمسِكاً بأكتافي.
لم يتغير، حُنطي البشرة أشقر الشعر، عين يُسرى لونها بني و الاخرى خضراء عجيبة، لحية خفيفة جداً و كَعادته أنيق بِملابسه التي لا أرى مثلها إلا في فالينيا لكونها مملكة تُعرف بِأزيائها الفاخرة و قماشها ذا الجودة النادرة.

" بالطبع، أعمال مهمة. " انا قلت اعلم انها ليست الحقيقة.
" أهلاً بكَ ايها الجنرال. " رحب فالين بأدلار.
" شكراً جلالتك. "
" حسناً أتبعوني رجاءً سوف نجلس و نتكلم مُطَولاً في القاعة. " أشار لنا جميعاً لكي نلحق به الى داخِل القصر.

صعدنا الدرج الطويل ثم دخلنا عبر الأبواب الكبيرة و العملاقة، تَصميم القصر الداخلي لا يُمكن المَلل مِن التحديق به التمعُن بِروعته.
أعمِدة كبيرة موصولة بالسقف العالي المُزخرف بالرسومات. زهور و شُجيرات كثيرة في كل مكان كأنَ داخله حديقة.
حتى توجد نافورة بِتمثال لدُلفين يُخرِج المياه من فمه على يميني بالقرب من الدرج الأخر الذي نَصعده. أخذنا مُنعطفاً لِنَصل الى ردهة كبيرة فيها بابين باللون البني و بِجانبه حارسين.

فتحوه فور رؤيتهم لنا لندخل قاعة فيها أشعة الشمس تُنير كل زاوية و أطلاله على المدينة تَخطُف الأنفاس.
في منتصفها طاولة طويلة لِلغاية و كراسي على كِلتا جهتيها كافية لاستقبال قبيلة كاملة و بالطبع سَلاّت فوقها فيها فواكه من جميع الأنواع التي تَخطُر على البال.

" سموك، انا سوف أذهب و أضع اغراضك في غرفتك في الطابق العلوي. " أخبرني أدلار قبل أن اجلس فوق الكرسي على يمين فالين الذي جلس في المُقدمة.
" حسناً، بأمكانكَ الذهاب. "
اومئ لي بعدها التَفت هو و مايكا ثم غادرو القاعة يدعونا لوحدنا مع الحراس الذين يحرسون المكان.
" ألن تجلس يا صغير؟ " سألني فالين مُشيراً على الكرسي الذي أمسكه لأبتسم و اجلس عليه.
" انتَ تعلم انني لم أعُد صغيراً فالين. "

" مُقارنةً بي، انا أكبَرُكَ بِثلاثمئة و خمسة و عشرون عام، لهذا نعم، انتَ صغيري. "
أردتُ شقلبت مُقلتاي لكنني تحملت و رمقته بدلاً من ذلك بِنظرات هو يَفهمها
" معكَ حق لكني في الخامسة و العشرون عاملني على هذا النحو فالين. "
" أكيد أكيد، يا صغيري. "
ضحك هو بِصوت عالي و انا دَلكتُ رأسي فَصُداع بدأ بالظهور.

" حسناً دعنا مِن المزاح الأن، أولاً مرحباً بكَ لوقت طويل في مملكة فالينيا ايها الأمير الهارب و ثانياً كيف كانت رحلتك؟ "
" جيدة، مُرهقة لكنها مُمتِعة ايضاً، لقد سافرتُ الى أماكِن أبعَد من قبل لهذا لم أشعُر بكل الطريق. "
اومئ هو مُمسِكاً بِكأس نبيذه الأحمر الذي لم الاحظ وجوده من قبل، حركتُ رأسي لِجنبي أجِد خاصتي ايضاً موجود و مُمتلئ.
" نبيذ في الصباح؟ " سألته انا مازحاً ليُحرك حاجبيه من الأعلى للأسفل قبل أن يأخُذ رشفة من كأسه يُخرِج أصواتً مِن حلقه يتلَذَذ بالطعم.
" كيف تشعر الأن فالكين؟ أخبرني بالحقيقة الكاملة فأنا حقاً فضولي لِمعرفة. "
زفرتُ الهواء من فمي ثم حدقتُ بيداي فوق الطاولة.
" أشعر بالهدوء و الفراغ بعض الشيء، ليس بِطريقة سيئة ولكن الشعور غريب كأنني تركتُ قطعة مني هناك معهم. "
" تعني ريساند و تاليا؟ "

اومأت بِنعم ليُهَمهِم يشرب رشفة أخرى من الكأس.
" لماذا تركتهم و انتَ تعلم أن مكانكَ معهم في القصر؟ فأنتَ أمير و مُستقبلك--"
" ليس لي مستقبل على العرش فالين، صحيح انني أمير ولكن العرش لن يكون لي و في بطن تاليا طفلاً العرش مكتوب باسمه. انا أمير بعيد، هذا يعني كأنني أرمي النَرد كل فترة أرى ما إن سَيكون العرش مِن نصيبي أو نصيب أحَدٍ أخر على الطريق. "

" انا اتفهم موقفك، و لا ألومك بذلك التفكير و الابتعاد ولكن انتَ تعلم جيداً أنَ ريس سَيُعطيك العرش من دون تردُد إن طلبته. "
" لكنه لأبنه الذي سوف يولد قريباً فأنتَ تعلم انه طفلهم الأول بعد مُدة مِن المحاولة. "
أخرج هو نفساً من أنفه تَظهر نِصف ابتسامة على شفتيه ليَقول
" هُم لم يُحاولوا أصلاً، تأخيرهم بالأنجاب كانَ بِسبب عملهم و خاصةً ريس الذي لا يتوقف عن محاولة ابهار زوجته بِتَطوير المملكة و جعلها أفضَل. "
هُنا لم أقدِر أن لا اضحك بما انه مُحق.

ريس حتى بعد ما يُقارب تسعة عشر سنة من زواجهم قرروا أنجاب الأطفال، مع أنَ تاليا لم تُمانع كل المُدة و كانت سعيدة جداً، أصوات صرخات فرحتها كانَ صدى في أرجاء القصر عندما عَلِمَت بأنها حامل و ريس زَيّن كل أسليرا بِزهور زوجته المُفضلة أحتفالاً بها و شعب أسليرا كانَ أسعَد حتى.
لم تنام المملكة لِمُدة أسبوعين من الاحتفالات بالطفل الأول بعد قرون من الانتظار.
و انا تركتُها بِحملها...

المرأة التي ربتني بعدما فقدتُ والدتي أغاثا عندما كنتُ صغيراً، أصبحت تاليا أمي الثانية التي اعطتني كل ما يحتاجه الطفل من حُب، حنان و لُطف لا يوصَف.
بينما ريس كانَ كالوالد لي أحَبني كأبنه الذي لم يولد و علمني الكثير لأكبر بِشكل جيد بِفضله، تعلمُت الشهامة، الرجولة و كل ما يتطلب تعلمُه منه هو.
و انا تركتهم لِأنانيتي و خوفي.
" يبدو انكَ حزين. " أعادني فالين بِكلامه لِلواقع لأرفع رأسي نحوه انظُر له كأنني أراه لِلمرة الأولى.

رَمشتُ عدة مرات قبل أن أجيبه
" لا أحزن، لكني أشتاق لهم و اعلم أنَ أشتياقي سَيَكبُر مع الزمن و سأحاول الاعتياد على ذلك. "
" سوف اساعدك بقدر ما استطيع فالكين و لكن هل لي أن اعرف لماذا أخترتَ مملكتي لِلعيش فيها بدلاً من أسليرا؟ "
" لأنها المملكة الأفضل مِن بعد مملكتي؟ ، بالمناسبة لا اقصد الإهانة لك. "
ضحك هو يومئ ليُمسك بالكأس من دون الشرب منه.
" لو سمعوك باقي ملوك الممالك الأخرى سَيأخذون كلامك إهانة. " قال هو مازحاً.

" لقد أخترتها لكوننا عائلة فالين، فأنتَ الملك الأقرب لنا و مملكتك جميلة جداً فيها كل ما تحتاجه الجنيات و أذكُر انكَ انت مَن دعاني إليها عندما سمعتَ بِرحيلي و تركي مَنصبي في العرش. "
حدق هو بي لثواني ظننتها ساعات من دون تحريك جُفن ليُعيد رأسه لِلخلف فاتِح فمه بأدراك
" صحييييييييح الأن أذكُر انني أحَد الأسباب. "
ربتُ على كتفه بعدها حملتُ تفاحة خضراء و أخذتُ قضمه كبيرة منها، ليَسبح فَمي بِطعمها اللذيذ الحامِض و الحلو.

" على أية حال، أحسنتَ الاختيار انا اعدك انكَ سوف تستمتع في كل لحظة هنا و لن تَمَل من الاحتفالات و الحفلات، طعام و شراب حتى النساء عزيزي فالكين كل ما تتمناه سوف يَكون لك بِكلمة منك. "
" اَلَم تتوقف عن عادة اللعِب بالنساء؟ "
هَزة هو رأسه من اليمين لِليسار يَشرب ما تبقى في كأسه ليُصارحني بِفخر
" بالطبع لا! مَن يَمَل من جمالهن و أنوثتهن؟ و انا أصلاً لا أرغم أحَداً هُم مَن يأتون إليّ بِإرادتهم. "
" توء توء، لقد حَذرتني تاليا عن هذا الموضوع و أتضح انها محقة. "
توَسعت عينيه المُختِلفة عن بعضها بِدهشة ليتقدم نحوى الطاولة يَفرُد يديه عليها
" تاليا تتكلم عني؟ "

" أوه يا اللهي، فالين أرجوك لا تبدأ. "
" انا امزح امزح، انها كالأخت الصُغرى بالنسبة لهذا لا تقلق و تُقلِق ريس. "
دخلوا فجأة خدم يحملون بأيديهم صواني بأطباق ذهبية مُغطاة ليضعوها أمامنا يعيدوا ملئ كأس فالين بالنبيذ و كأسي بِعصير برتقال منعش و بارد فأنا أُفَضِّل ما هو مُفيد في الصباح.

انحنوا الخدم بعدما انتهوا من علمهم ثم تركونا لنأكل الغداء.
طوال الوقت أخذنا نتبادل أطراف الحديث، يعلم مني و اعلم منه عن الممالك و كيف كانت الأحوال بشكل عام.
لم أشعُر ابداً بالضَجر معه فَهو مُضحك و مُسلي حتى انه يعرف كيف يجعل من الحديث الجدي، مُثير للاهتمام.
نهضنا كِلانا من على الطاولة ثم غادرنا القاعة و توجهنا الى طابق الغُرَف لكي يأخُذني الى غرفتي الخاصة القريبة مِن خاصته و خلفنا الحُراس، مايكا و أدلار كذلك.

" كيف أقنعتَ ريس بالمُناسبة؟ اعني اظُن أنَ أقناع الملِكة تاليا كانَ سهلاً و لكني فضولي بشأن العنيد بارد الشخصية. "
أخرجتُ ضحكة خَفيفة غير مسموعة من حلقي لأرُد عليه أضَع يداي في جيوبي اومئ لِلخادمات الجميلات و الخَجولات بِرأسي كل مرة
" كانَ ذلك تحدي، فكرتُ مطولاً بِكيفية أقناعه و لكن لِمُفاجأتي، عاند و عارض قليلاً الى أن أتى مرة الى غرفتي كي يُخبرني بِموافقته. "
" حقاً؟ إذاً دعني أُخَمِن، تاليا السبب؟ "

هَززتُ أكتافي مُجيباً
" لستُ أدري، لم يقول لماذا وافق فَهو دخل غرفتي فجأة، وافق على قراري ثم غادر بِسرعة كالدخان. "
" همممم نعم بكل تأكيد تاليا السبب. " قَهقَه فالين.
وصلنا الى ردهة في أخِرها بابين مِن الخشب الصُلب مُزخرفين بِطريقة فنية ليفتحهما مايكا من أجلِنا يدعنا ندخُل أولاً و عيناي حَطت بسرعة على تفاصيلها.

مَلكية و كل شيء فيها ثمين من الثُرية المُعلقة من السقف، الأثاث البسيط ولكن راقي حتى السرير بدا مُريحاً جداً و على جهة يميني شُرفة بأبواب زُجاجية و ستائر حمراء تُطِل على الحديقة الجانبية لِلقصر و قِسم مِن مدينة الشمس.

" حاولتُ أن اجعلها تبدو كَغُرف قصر ريس و تاليا و خصيصاً كَغُرفتك فهل أعجبتك؟ " قال لي فالين و انا امشي في أرجاء الغرفة المِس تماثيل صغيرة فوق منضدة الشاي الى أن وقفت عند الشُرفة أتمعن بِجمال الحديقة الكبيرة في الأسفل.
" ليست مثلها لكن قريبة، " استدرتُ اليه لأكمل
" شكراً لكَ فالين. "
" لا تشكرني، فَمِنَ الأن و صاعِداً نحنُ عائلة. "

" لقد نسيتُ أن اسألك عن أختك فينار، اين هي؟ لم أراها. "
" انها قادمة، لديها بعض العمل في المدينة اعتقد انها سوف تَصِل اليوم مساءً على العشاء. "
اومأتُ له بِتفهم ليتجه هو و خادمه مايكا نحوى الأبواب و قبل أن يُغادر توقف لِلحظة بعدها أستدار إليّ قائلاً
" نَم و أسترح لدينا حفلة لنُقيمها أحتِفالاً بِك. "
" لقد أخبرتك انني لا اريد أية حفلة، فال. "
" هل أنصتُ لأحَد مِن قبل؟ "
ابتسمتُ انا اعرف الإجابة.
لا، هو لا يُنصِت لأحَد عندما يتعلق الأمر بالحفلات.
" إذاً استعد و اجمع كل ما تستطيع من طاقة لأنك سَتحتاجها كُلها. "
" انا متحمس. "

" جيد جداً. آوه و بالمُناسبة، " عدتُ لأنظُر له نِصف خارج الغرفة و نِصف بداخلها ليُكمل هو
" أهلاً بك ايها الأمير في فالينيا. " و بذلك غادر تارِكاً إياي مع أدلار الذي يَهُز رأسه بِخيبة أمل.
" ما الخطب ايها الجنرال؟ "
" انه عجوز لا يتعلم كيف يَكبُر، "
ربَتُ على كتفه مرتين قبل أن اومئ موافِقاً لكلامه.
" لكنه رجلاً و مَلِكاً رائع. "
" بهذا أوافِقُك الرأي سموك. "
تنهدتُ منزعج لأقف مواجِهاً له بِحاجب مَرفوع
" اَلَم أخبرك أن لا تُناديني بِالأمير أو السمو؟ فأنا تركتُ مَنصبي في اللحظة التي رحلت عن أسليرا. "

" فالكين، و انا أخبرتك انكَ سَتبقى أميراً مهما فعلت الى أن يُنفوك و يُجَردوك الملوك مِن منصبك من أسليرا، بعدها أمنعني من نَعتك بالأمير. "
ضغطتُ على شفتاي بِبضعهم أنفُخ من أنفي باستسلام.
" فهمت و الأن أذهب لكي أستحم و أنام قليلاً. "
" انا سوف أبقى هنا الى غَد. "
رفعتُ حواجي كِلاهُما للأعلى بِحيرة لأساله
" لماذا سَتبقى؟ لقد وصلت بخير. بأمكانك العودة لأسليرا و اعطائهم خبر وصولي بِنفسك و ايضاً لديكَ مَن ينتظرُك بِفارغ الصبر هناك لهذا لا تتأخَر لِلغد. "

هَزة هو رأسه بِرفض
" لن يحدث، سوف أبقى الى الغَد كما أمَرَتني جلالة الملكة تاليا. "
" يا اللهي خلصني، حسناً أفعل ما يحلوا لك. "
" سوف أغادر الأن و أترُكَك، أراكَ في المساء. "
" الى حين. " لوَحتُ له ليُغادر الغرفة يَدعني لوحدي مع الصناديق التي يجب عَليّ أفراغها بما أنَ ملابسي موجودة بِداخلها و وضع اغراضي هنا و هناك كي أشعُر كأنني في منزلي.

الغرفة حقاً تبدو مُماثلة للِتي أمتلكها في القصر هناك إلا أنَ تلك الغرفة أكبر و فيها اللون الاحمر أكثر و هذه هنا، أصغر بِقليل و فيها الذهبي أكثر.
" مُمتاز! الأن هيا بنا لِتَفريغ الأمتعة، فالكين. " صفقتُ ثم ذهبت افتح أول صندوق و من حُسن حظي فيه ملابسي، لأضعها في الحزانة الخشبية المَطلية بالذهب و أخُذ معي فقط ملابس نومي.

وضعتهم فوق السرير ثم أكملتُ تَفريغ الباقي بِهدوء أضَع فرشاتي، عطوري و كل ما يلزمني عند التسريحة المواجهة لِلسرير و بالقُرب من الخزانة. أوراق و أشياء تَخُص عملي على طاولة بِجانب الشُرفة و المزيد من الأشياء الاخرى في أرجاء الغرفة أُزيّنها على طريقتي.
بعد الانتهاء من الترتيب، توَجهت الى الحمام، أخذتُ حماماً دافِئاً بَطيئاً يُرخي فيه عضلاتي و يُنسيني ما يقُلقني و يوَتِرُني بعدها خرجت بِبنطال أسود حريري عريض و عاري الصدر فإنَ الغرفة دافِئة لهذا قررتُ النوم من دون ارتداء قميص.
غطيتُ نفسي باللُحاف ثم حدقتُ بِسقف الغرفة تَمُر ذكريات لطيفة و مُضحكة لِعَقلي تُذَكرني بالليالي التي نِمتُ فيها بِجانب ريساند في غُرفتي كُلما تشاجرت معهُ تاليا.

بِما أنَ تاليا حامل في الشهر السادس، أو حامل على أية حال، اصبح مَزاجُها مُتقلباً، سريعة الغضب، سريعة البكاء، سريعة الضحك و سريعة كل شيء.
تارة تكون هادئة لا يَخرُج منها صوتً و تارة أخرى تُصبح كالغيمة السوداء فوق رؤوسنا لا أحَد يجرؤ معارضتها أو الوقوف في وَجهِها و خاصةً ريس.
من أجلِها و أجل صحتها فَهو يتفاداها عندما تفتَعِل الشجار من دون سبب و من أية شيء سخيف.
و أحياناً هي تطرده من الغرفة لأنها لا تُحِب حرارة جسده العالية أثناء نومهما بعض الأحيان أو لأنَ رائحة اللافِندَر التي يُخرِجها جسده مزعجة بالنسبة لها بِما أنَ حتى حاسة شمها اصبحت أقوى بِفَضل حملها.

مع أنَ الجنيات التي تَحمِل جنيناً في بطنها تتحول لِضعيفة البنية حتى قواهُم السحرية تَضعُف جداً لدرجة انها تختفي في بعض الأحيان عدا حواسهم، تَغدو أقوى و أقسى من قبل لهذا ريس لم يَكُن يتكلم بِجانبها بِصوت مرتفع كي لا يُزعجها و حتى لا يتنفس بِشدة كي لا يتلقى قرصة أو لكمة على صدره.
ضَحِكتُ بخِفة على الذكريات التي لا تُنسى لأذكُر ايضاً كم انهما يليقان بِبعضهما. زوجان مثاليان، لم أرى منهما إلا الحُب لبعضهم، التفاهم و الاحترام.
بالنسبة لِلجنيات فَهُم ما يزالوا زوجان جُدُد و قَدر الحُب الذي يتلألأ فيه أعيُنُهُم عند رؤيتهم لبعضهم، تُشعِرني بالفرح و الفَخر انني تربيتُ معهما.

لقد كَبِرتُ بِطريقة جيدة بالنسبة لطفل قد فقد والديه في صِغره و بِفضلهما لم أُحرَم شيء على الأطلاق، كَبِرتُ بِالحُب الذي أعطياني إياها بِلا مُقابل.
انا مُمتن لهم للأبد و لو بأمكاني اعطائهم روحي لفعلت من دون ترَدُد و لكن و لسببٍ ما قلبي يَبكي. يبكي على أبتعادي عنهم، كل الذي فعلته هو تركهم مع انني متأكد أنَ رؤيتي لهم في المستقبل أمر سأفعله ربما قبل وِلادة تاليا بِقليل؟

" نعم، اريد أن أكون معها. " هَمستُ انا لنفسي بِوَعد لأعَدِل من نومي و اغمض عيناي، أُرَحِب السكينة و الظلام.
فَفي الأيام القادمة، مُغامراتي التي لا اعلم الى اين سَتقودني سوف تبدأ، إما خيراً أو عكسه.

فصول رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني

- رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الأول

...
باقي الفصول اتباعا كل يوم فصل

أجزاء الرواية