رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الأول
لم أنم لوقتٍ طويل كما ظننت انني سأنام، لكن كفاية الى أن تلوَنَت السماء بالأسود و تزينت بِنجومها الملونة البراقة. استيقظتُ مرتاح الجسد و النفسية لأذهب و ارتدي ما هو لَبِق لهذا فتحتُ الخزانة و أخذت أول ما رأته عيناي.
كنزة سوداء فَضفاضة تُغطي نصف الرقبة و بِأزرار تزينها من اللؤلؤ الصافي مع بنطال أسود و جزمة سوداء، يمكن القول أنَ هذا اللون هو المفضل لديّ و مع ذلك أمتلك ما هو مختلف فأنا شخص يُحِب الألوان و التجديد.
بعدما انتهيت من ارتداء الملابس و تسريح شعري لِلخلف أخذتُ كتابي الذي أحضره أدلار لي مع باقي الأغراض من العربة ثم جلست على كرسي من القماش بِجانب أبواب الشُرفة المفتوحة.
نسمة الربيع المنعشة تُدَغدِغ وجهي و تجعل الستائر الحمراء تتراقص امامي، اسمع ضجيج المدينة قريب و بعيد بنفس الوقت مع أنَ الليل حَل إلا أنَ مدينة الشمس لا تنام في هذا الوقت بعد.
كما هي حال مدينة القمر الأبيض في أسليرا.
آوه كم أشتاق لها من الأن.
فتحتُ الكتاب و بدأتُ اقرأ و اقرأ لمُدة لم أحس بها و وقت لم أُعدُه، ضِعتُ في صفحاته و اندمجتُ مع تفاصيله الى أن سمعت صوت طرق باب الغرفة لينقطع حبل خيالي، ارفع رأسي نحوى الباب.
عاد الطَرق مجدداً بِخفة لأنهض، اضع الكتاب فوق الكرسي و اتوجه لكي افتحه قليلاً، أجِد خادمة بِشعر ذهبي قصيرة القامة ترتدي المريول الخاص بالقصر مُنحنية الرأس.
أو ربما انا الطويل و المشكلة لديّ؟
كيف لي مساعدتك ايتها الجميلة؟ بدأتُ انا بِما انها تبدو متوترة لترفع رأسها اليّ و وجنتيها مُحمَرة قبل أن تُعيده لوضعه السابق.
اممم أمير، اعني سمو الأمير، إنَ جلالة الملك فالين ينتظرك على العشاء. فَلقد ارسلني اليك من اجل أن أخذك إن لم تُمانع.
ابتسمت انا على نبرتها المُنخفضة و لطفها قولي
لا امانع ابداً لكن انتظري لحظة.
اومأت هي بالموافقة لأغلق الباب اذهب الى أبواب الشرفة حتى اغلقها بعدها عُدت الى الخادمة التي وجدتها كما تركتها، في مَطرحها نفسه و بِرأس مُنحني.
الَم يؤلمكِ رأسك بعد؟ قلتُ انا مازحاً لترفع هي رأسها بِسرعة ترمش عَليّ كأنها تراني لأول مرة.
ابتسمت مجدداً من أجلها احاول أن اجعلها مُرتاحة معي.
عُذراً سموك لم افهم.
لقد ابقيتِ رأسك مُنحني طوال الوقت و هذا أحزنني قليلاً لهذا سألت، الَم يؤلمك؟
رمشت هي مرة أخرى لأنتبه على أذنيها المُدَبَبة تتحرك، هذا يعني انها لا تزال حائِرة. أردتُ الضحك على شكلها لكنني ابقيتُ فمي مغلقاً من المُمكِن انها تتعجب من تكلمي معها؟
أو ربما لم تتوقع تكلمي معها على اية حال؟
لا يهم، أخبريني اين يجب علينا الذهاب؟
بلعَت ريقها ثم أشارت بيدها لكي امشي امامها و فعلت.
مشينا في الردهات الجميلة أرى خدم أكثر من البشر هذه المرة، جميعهم أومئوا لي بِترحيب كما فعل الحُراس كُلما تقابلنا.
بعد دقائق، وصلنا الى نفس القاعة التي تناولتُ فيها هذا الصباح الفطور مع فالين.
انهم في الداخل سمو الأمير. أخبرتني الخادمة لأومئ لها بِشُكر قبل أن تستدير و تُغادر.
انهم؟
مَن ال هُم؟
دخلتُ القاعة العملاقة و الواسعة لأجد نفس الطاولة في المنتصف، فالين في مقدمتها ولكن مَن يُشاركوه إياها هُم ثلاثة أخرين من ضمنهم يجلس على الكرسي الثاني على يسار فالين هو أدلار اما الأثنان الباقين، رجل و امرأة ظهورهم لي بِما انهم يجلسون على يمين فالين و بالطبع مايكا كَعادته يقف كالتمثال خالي المشاعر وراء كرسي مَلِكِه.
أخذتُ خطواتي نحوهم لأرى مايكا ينظُر باتجاهي بعدها أنحنى لأذُن فالين كي يُخبره بِقدومي.
نظر لي فالين بِحماس ليُشير لي قائلاً
أهلاً بالأمير النائم! تفضل و شاركنا العشاء.
استداروا الباقون ليبتسموا لي قبل أن ينهضوا و ينحنوا احتراماً.
أرجوكم اكملوا طعامكم. أخبرتهم انا أُعيد التحية لأجلس على الكرسي القريب مِن فالين بِجانب أدلار.
عندما نظرتُ للأثنين لاحظت أول شيء، عيونهم الملونة، واحِدة زرقاء و الأخرى صفراء و هُما كلاهُما يشبهان بعضهما البعض جداً كأنهم توأم و يرتدون ملابس تعود لِمملكة أخرى غير مملكة فالينيا.
(انا في العادة اشارك بعضاً من اشكال الشخصيات ولكن طبعاً بأمكانكم تخيلهم كيفما تشائون).
انه لشرفٌ لنا رؤيتك سمو الأمير فالكين. قال الرجل أولاً لتوافقه التي معه جميلة الملامح و بِشعر يلمع تحت أنوار القاعة مع انهما كلاهُما يُغطيان قِسم بسيط من شعرهم.
شكراً لكما يا سادة.
أوه صحيح، نسيت أن اعرِفَك عليهم جيداً، قال فالين يضع كأس الأوكسارا من يده ليُكمل.
لقد حضرا من مملكة كاداري (مملكة الضوء)، هذا السيد الوسيم هنا، يُدعى لينوا و هذه أخته السيدة الجميلة لينور انهما المسؤولان عن البنوك و الذهب في كاداري.
تبدوان كالتوأم. أضَفتُ انا ما فكرتُ به لتبتسم لينور ابتسامة كما لو أن الشمس ذاتها تعيش بِوجهها.
هذا لأننا توأم سموك.
أوه.
لقد أتينا الى فالينيا لأن الملك لايتا ارسلنا بِسبب مشكلة حدثت في البنوك لدينا. وَضّح الذي يُدعى لينوا يُجيب بنفسه على السؤال الذي علق بِلساني.
ما هي المشكلة؟
لقد حدث انفجار في مصنع قريب و بسبب قوة الانفجار تأثرت البنوك القريبة منه لهذا نحنُ حالياً نُشارك البنوك مع الملك فالين و الشُكر له استطعنا ابقاء الامور في أمان الى أن نُعيد بناء البنوك و نُحَسِن من الأوضاع.
عقدتُ حواجبي بِتعجب لأتقدم بِجسدي من الطاولة اتجاهل الخادم الذي يَسكُب لي الأوكسارا.
ما سبب الانفجار؟
تنهدت لينور لترتسم على وَجهها تعابير الحُزن.
في الحقيقة انه سِر لم نُفشيه لأحد غير الملك فالين للأن خارج مملكتنا.
لم يفتح كلاهُما أفواههم كأنهم غير واثقين من التكلم و أفشاء السِر لكن تشجع لينوا و أجاب
انه عمل المتمردين الذين لم يوافقوا على فتح حدود كاداري لمملكة شادونايت بما انها بِلا ملك ليَحكمها.
هذا صحيح، لايتا أول ملك يَخُرج بِقرار فتح الحدود مع شادونايت و السماح لهم بالدخول من بعد الحرب، طبعاً ليس بِسهولة فيجب على الشادونايتس ارسال الطلب بالدخول لكي يتم منحهم الأذن بالدخول لأراضي كاداري، أكمل فالين الشرح ليتوقف قليلاً حتى يشرب من كأسه يبدو عليه الاستياء
و بالطبع، أغلبية شعب كاداري لم يعجبهم القرار و يعترضون بِأفعالهم.
هذا سيء جداً، كيف وَضّع لايتا و عائلته؟ سألتهم انا ليَهُز كلاهُما رؤوسهم و لأخَمِن انا الإجابة بِنفسي.
إنَ وضعهم حَرِج و اصبح لديهم مسؤوليات ضِعف التي يتحملونها و الضغط لِلتحكم بِالشعب أصعب مسؤولية.
أشعُر بالأسف الشديد على لايتا و عائلته المسكينة، فالملك يُعرَف على طيبة قلبه و رحمته و يبدو أنَ هذه المرة أتخذ القرار الخطأ بِترك شادونايت الدخول لِلمملكة.
مملكة شادونايت على نفس وضعها منذُ الحرب الاخيرة مع أسليرا، انا كنتُ طفلاً صغيراً لا أذكُر ما حدث كثيراً عدا أنَ أمي أغاثا ماتت بِسبب غدرهم عندما كانت مع ريساند في الطريق العودة لِلمملكة.
أذكُر ايضاً انني كنتُ موجوداً في يوم موتها و أذكُر انني عذبتها جداً لأنني خِفت مِن شعور اصابني في ذلك اليوم، شعور قد نَما بِداخلي من قلق و خوف على وجود خطر قريب منا و لأنَ لا أحد استمع لِلطفل، فقد فقدنا ما هو عزيز علينا.
ذلك الشعور اكتشفته كَقُدرة موجودة بي منذُ ولادتي و انها قُدرة نادرة قد أخذتُها من والدي الذي لا اعرف عنه شيء و الذي ماتَ بعد وِلادتي بِفترة.
انني أحس بِالخطر إن كانَ قريباً، صدري يؤلمني و اصبح متشوش التفكير لا اقدر على التركيز إن تجاهلته لكني تعلمت أن اتحكم به الى أن اصبحتُ جزءً من تلكَ القُدرة و القُدرة جزء مني إن كان الكلام منطقياً.
هل تظُن أنَ الملك لايتا اتخذ القرار الصحيح، سموك؟ اعادني سؤال لينور من فُقاعة ذكرياتي لأرمش مرتين عليها قبل أن اتنهد بِخِفة.
لستُ متأكد إن ما هو صحيح ام لا، انتم تعرفون أنَ أسليرا لا تُحِب الشادونايتس و هُم اعدائنا لكن وضعهم مُحزن لكونهم من دون ملك يحكمهم من بعد موت غادان، أمورهم في فوضى عارمة، لهذا شخصياً لا اوافق قراره.
و إن كان رأي عام؟ سأني أخاها بِفضول.
هنا سأقول انني لا اوافق لايتا كذلك. الشادونايتس خطيرين بِشكل عام، لقد عاشوا بِظُلم و وحشية لهذا التحكُم بهم صَعب.
و انا اوافق فالكين الكلام، انهم مشكلة صَعب حلها.
اومئوا التوأم بِرؤوسهم ليَعُم الصمت بيننا في القاعة، عُدنا لتناول العشاء و شُرب بعض الأوكسارا اللذيذ الذي يروي العطش و يريح الأعصاب مِن تلفها عدا انه يَحرق بعض الشيء.
المشكلة اننا اعطيناه رأينا لكنه مُصِر لهذا لم يَعُد يعترض أحد على كلامه. قالت لينور تُعَدِل من غطاء رأسها.
هل تريدون مني المحاولة؟ حدقوا بي جميعهم بِتفاجئ من دون أن يتفوهوا بِحرف لِمُدة طويلة.
هل انتَ جاد فالكين؟ تساءل فالين لأومئ له مرة واحِدة.
تعتقد أنَ باستطاعتك أقناعه سموك؟ سألني التوأم بِنفس الوقت.
ربما لا لكن لن أخسر شيئاً إن حاولت.
تريد مغادرة فالينيا من اليوم الأول ايها الصغير؟ انا أشعُر بِالإهانة. أخبرني فالين بِطريقة درامية لأشَقلب مُقلتاي بينما التوأم قهقهوا.
ما رأيك لو تُسافر معنا؟ أقترح عَليّ لينوا.
الن تبقوا مِن أجل حضور حفل الترحيب على شَرف فالكين؟ فالين سألهم.
بالطبع سَنبقى لكن بعد الحفلة سوف نرحل فوراً. رد عليه لينوا لتعود بسمة فالين المُشرِقة على وجهه قبل أن يُمسك بِكأس الأوكسارا الخاص به حتى يَشرب منه.
بالمناسبة الحفلة سَتُقام غداً مساءً في القاعة الملكية. اضاف فالين ينظُر لي.
بتلكَ السُرعة؟
نعم.
سموك، انا سوف اغادر اليوم بعد العشاء، هل تحتاج شيئاً مني أو لكي اوصله لِلملوك؟ فجأة تحدث أدلار من جانبي لأنظُر له بِدهشة على وجوده، فَلقد نسيت أنه يجلس معنا بالكامل.
الن تبقى لِلحفلة؟
مع الأسف، يجب عَليّ العودة لأسليرا. الملك ريس ينتظرني.
هَمهَمتُ له قليلاً بعدها رَبتُ على كتفه أُعطيه ابتسامة جانبية ليُعيدها لي يُرَبِت على يدي.
دخل الى القاعة خادماً ما بِخطوات مُسرعة باتجاهنا يبدو عليه القلق، بأمكاني رؤية عَرق جبينه مِن مطرحي يُبلله. توقف الخادم عند مايكا ثم همس له في أُذُنه قبل أن يومئ مايكا و يسمح له بالمغادرة مجدداً.
رفع فالين حاجباً على خادمه الشخصي ليأخذ مايكا نفساً و يديه خلف ظهره.
لقد نَفذ الطحين من مخزن المطبخ و سائق العربة الذي يشتري المُستلزمات من أجلنا قد وَقع من على حصانه و كُسِرَت قدمه هو و مُساعده الذي مشى حصان فوقه.
توَسعت عيناي بِصُعق على ما سمعته و فالين حدق بِخادمه بارد المشاعر بِصمت كأنَ الوقت تَجمد و لم يَعُد يتحرك.
كيف له أن يُخبرنا بالخبر بِوجه ثابِت؟
يا للهول، هل-هل كلاهُما بخير؟ سأله فالين يتلعثم بالكلِمات.
لقد تم نقلهم الى الطبيب و هُما بخير لكن لا تزال لدينا مشكلة الطحين، جلالتك.
هذا ليس ما يَهُم، مايكا.
لكن لن نقدر على إقامة الحفلة من دون الطعام جلالتك، لهذا أخبرُك بالوَضع.
زفر فالين كمية هواء كبيرة من فمه ليَستدير الى الطاولة يُحدق بِالطعام الذي لم يُكمِلُه في طبقه.
تبادلتُ انا و أدلار النظرات لِتَخطُر على بالي فِكرة جيدة.
انا سأذهب لإحضار الطحين.
أشاح أشقر الشعر بِعينيه الملونة نَحوي رافع الحاجبين.
لدينا مَن نُرسِلُه بدلاً مِن السائق، فالكين.
هَززتُ رأسي أعترض لأقول
لا بأس، فأنا اريد الذهاب الى المدينة لكي أتجوَل فيها قليلاً، لقد أشتقتُ لأجوائها و في الطريق، سأشتري الطحين اللازم.
سموك هل تريدني أن ابقى لأذهب معك؟ جَذبني السؤال لِأخضَر البشرة لأهُز رأسي غير موافق.
لا أدلار، انتَ يجب عليك العودة لأسليرا.
سوف ارسل معه حُراس مِن قصري لهذا لا تقلق ايها الجنرال. أخبره فالين يُعيد ظهره على كرسيه لكي يَسنُدَه.
انها فرصة أتت بأقدامها لي. لطالما أردتُ التجوال في مدينة الشمس بين شعب مملكة فالينيا لأعيش أجوائهم و لو قليلاً و لكي أشعُر بِهوائها المختلف و رؤية مَن هُم مختلفين، ذهابي خطير فَلن اقول العكس لكن يستحق المُجازفة.
في أسليرا لم يكُن يُسمَح لي كثيراً الذهاب الى قَلب المدينة لأنَ يجب على العائلة الملكية البقاء في أمان بِداخل القصر و عدم الاختلاط مع شعبها دوماً.
انتَ أمير شُجاع و لطيف سموك. قالت لينور لي تبتسم بِعينيها الفريدة و بشرتها البيضاء تلألأت كالألماسات، لسببٍ ما التوأم لديهم هالة غريبة مِن حولهم.
ليست غريبة بِشكلٍ سيء ولكن غريبة بِشكلٍ يجعلك تنجذب لهم. لديهم أسلوب راقي حتى حركات أياديهُم مَدروسة و رقيقة كأنهم مَخلوقون مِن الهواء.
مع أنَ شعب مملكة كاداري لا يمتلكون قوات تتعلق بالهواء، بل النار و الضوء و كل ما هو مُشتَق منها.
أشكُركِ سيدتي. فأنا لم افعل شيئاً. قلتُ لها بامتنان لِتَهُز رأسها بِكِلتا الجهتين.
أخلاقك لوحدها تكفي بالتكلم عن شخصيتك المتواضِعة. مع اننا نتقابل لأول مرة إلا أنَ الكلام الذي يدور في مملكتنا عنك يوصِفك بِشيء أخر لهذا تفاجئنا. أكمل لينوا يوافق رأي أخته.
من دون سبب، ضحك فالين بِصوت عاليٍ يضع يده فوق بطنه لينكمش وَجهي قبل أن اسأل بِصَبر
ما المُضحك فالين؟
لقد تذكرتُ الكلام الذي ذَكره لينوا.
نظرتُ لِلتوأم بِطرف عيناي أراهم يُحاولون فعل اية شيء لكي لا تتقابل عيناي بِخاصتهم.
يبدو أنَ الكلام الذي يدور بين شعب كاداري ليس جيداً و انا لا اريد أن اعلم ما هو.
على اية حال، إن سمحتم لي، يجدُر بي المغادرة فَلدي طريق سفر طويل. قال أدلار يُغَير من الموضوع ليومئ له فالين.
نهض الجنرال يَحمِل سيفه لكي يُعلقه على خصره و بيده الأخرى حمل خوذته الملكية بِوجود ريشة زرقاء عليها.
سوف أتي معك حتى أوَدِعُك. أخبرته انهض معه ليبتسم لي و يبدأ الابتعاد بعد أنَ وَدع التوأم و فالين حتى مايكا قرر القدوم لكي يوَدِع صديقه كذلك.
و نحنُ ننزل درج القصر بعدما خرجنا منه، سمعتُ صوت نُباح مُتَكَرِر، كُلما اقتربتُ من نهاية الدرج كُلما اصبح اقوى و اقوى.
نظرتُ في أرجاء الساحة الكُبرى لأجد الخَدم مُتَجمعون على شكل دائرة و منهم تَخرج أصوات هَمس و كلمات لطيفة تُعَبِر عن جمال شيء ما.
مايكا، ما الذي يفعلونه الخدم في منتصف الساحة؟ سألته انا أشير بِعيناي على دائرة الخَدم.
لستُ أدري، سموك.
انا أدري. قال أدلار مبتسماً لنتوقف في نهاية الدرج بنفس اللحظة، ابتعدوا الخدم عن بعضهم البعض لَيظهر لنا ما هو الشيء الذي جذب انتباههم من الأساس.
انه كلب ليس كبيراً و ليس صغيراً، متوسط الحجم لكنه قصير رمادي الفرو يمتلك قرنين و أجنحة صغيرة سوداء و عينيه المُدَورة صفراء لطيفة. رأني هو انظُر اليه ليبدأ بالركض نحوي كالمجنون و هو ينبح.
انا عرفته على الفور بِما انني كَبِرتُ و هو بِجانبي كل يوم.
أيكس، انه كلبي الأليف الذي احضَرهُ لي عمي ريس مرةً في يوم ميلادي الثالث و أخبرني انه كلب لا مَثيل له، وَفي و ذكي جداً لكنه مُتَهور و يُحِب اللعب كثيراً.
وَصل لي أيكس ثم قفز عَليّ، مع انه ضئيل الحجم إلا انه ثقيل جعلني اقع على مؤخرتي ليُصبح فوقي يُخرِج لسانه الأزرق لكي يلعقني و يملئني بِلُعابه المُقزز.
ضحكتُ انا احاول ابعاد وَجهُه عن وجهي ليتقدم فوقي أكثر و يُكمل لعقه الى أن حمله أدلار عني و مايكا ساعدني لأقف على اقدامي بينما الخدم شهدوا المَنظر يُحدقون و على وجوهِهِم تعابير فرحة و مندهشة يهمسون بين بعضهم.
عودوا الى عملكم! أمَرهُم مايكا بِصوته الضَجِر لينصتوا و يتفرقوا يعودون الى اعمالهم.
انا حقاً أعتذر منكَ سمو الأمير، لكنه متحمس لرؤيتك. قال أدلار يُحاول ابقاء أيكس بين ذراعيه كي لا يَهرب لي مجدداً و يُضيف المزيد من اللُعاب على وَجهي و ملابسي.
رَبتُ انا على رأسه الناعم قبل أن أرُد
لا مشكلة، انا مُعتاد عليه و لكن كيف أحضرتموه الى هنا؟
ريس ارسله البارحة خلفك لأنه ظَل ينبح امام باب غرفتك من دون توقف يُزعج تاليا بِضَجيجه.
لقد تركتُ أيكس خلفي ظنناً انه سيكون مُرافِقاً جيداً لتاليا في فترة حملها بما انه اليف و وَفي حتى انه مُساعد رائع لِلجنيات و خاصةً المُتعبة، المريضة أو الحامل منهم.
يبدو انني اخطأتُ الظن بِهذا الحيوان بما انه يُحبني زيادة عن اللزوم و لا يترك جانبي ابداً.
جيد ما فعلتموه، استدرتُ انا نحوى مايكا لأكمل بِسؤال
فالين لن يُمانع وجوده هنا في القصر؟
لا اعتقد ذلك، انه يُحِب الحيوانات.
نعم لقد لاحظتُ ذلك.
لم أرى في حياتي أكثر من نوعان من الحيوانات في قصرنا في أسليرا و أيكس هو النوع الثاني عدا الأحصنة طبعاً و هنا في قصر فالين، يوجد الكثير، طيور، كلاب لِلحراسة، عناكب، أرانب تُساعد في المطبخ و المزيد من المخلوقات الأخرى.
هَدئ أيكس مِن التحرك في أذرع أدلار ليَضعه على الأرض حتى يأتي الى جنبي و يجلس يَلهَث و لِسانه خارج فمه.
انه لطيف جداً و أشعُر بالسوء لتركه عندما غادرت أسليرا لوحدي.
حسناً، انا سوف أغادر الأن. قال أدلار يُصافح مايكا قبل أن يواجِهني لأضع يداً فوق كتفه ابتسم له كما يفعل.
إن احتجتَ الى اية شيء، ارسل بِطلبي سموك.
لن احتاج لكني سأفعل إن طرأ أمر ما بِكُل تأكيد.
اومئ هو مُنحني الرأس يضع قبضته فوق صدره مكان وجود قلبه ثم التفتَ و رَكِب العربة. راقبتُ انا العربة تقود بعيداً عبر البوابة الحديدية لِلقصر و الى أن عبرت الجسر و أختفت في المدينة.
أخرج أيكس نُباحاً من دون سبب لأنظُر اليه على الأرض يُحدق بي بعينيه المُدَورة الكبيرة كأنه يريد أخذ السماح مني لكي يلعب.
انا قرفَصتُ و ربتُ على رأسه مُجدداً.
ليس الأن يا صغيري، انه الليل لهذا دعنا نعود الى الغرفة و نستريح قليلاً بعد.
أدخل أيكس لسانه لفمه و قَلَب أذُنيه ليَصبح وَجههُ ألطف و حزين يُحاول بتلكَ الطريقة الوصول لِلمنطقة الحساسة في داخلي مِن أجله، لكني ابتسمتُ له و هَززتُ رأسي بعدها نهضتُ لأصعد الدرج الى داخل القصر مع مايكا و أيكس خلفنا يَصعد درجة درجة بِبطء و رأسه مُنحني.
كيف لتاليا أن تنزعج مِن حيوان مثله؟
آوه صحيح انها حاِمل.
في الصباح التالي، استيقظتُ ثم أخذتُ حماماً بارداً قبل الذهاب لتناول الفطور مع فالين و عندما خرجت من الحمام، عثرت على ملابس مَطوية بِعناية فوق سريري و جزمة جديدة سوداء تَصِل لِلركبة كذلك.
تعجبتُ من وجودها لأنني لا أذكُر أمتلاكي ملابس كَتلك أو جزمة من هذا النوع الفاخِر و الذي لا تعود لملابس أسليرا.
فَكُل مملكة لديها ملابس و الوان خاصة بها، فَمثلاً:.
فالينيا مملكة الربيع، تُعرَف بألوانها الربيعية و قُماشها النادر و الجميل أما مملكة كاداري، فألوانها هي الأصفر، الأبيض و الأسود، مملكة أريزو (مملكة الغابات) تُعرَف بألوانها الأبيض و الأخضر و لدينا مملكة البحار، من اسمها تُعرَف على الوانها الأزرق بأنواعه، سنويان (مملكة الثلج) يرتدون الأبيض و يوجد الأزرق الفاتح جداً كَلون السماء في الصباح.
و أخيراً و ليس أخراً، مملكة شادونايت، يرتدون الأسود و مُشتقاته من الداكِن ِلفاتح، أسليرا هنا في المنتصف، يرتدي شعبها كل شيء و لا يوجد الوان موَحدة لأنها مُتعددة الجنسيات فيها من كل الممالك.
أشَحتُ بِنظري الى أيكس الذي يستلقي فوق السرير كَعادته، لسانه خارج فمه و يلهث بِصوت مرتفع يُحدق بي.
مَن وَضع هذه الملابس الجميلة هنا؟ سألته انا مع اني اعرف انه لن ينطق فجأة و يُجيب.
أخذت الملابس و ارتديتها انظُر لنفسي في المرآة أجدها رائع لِلغاية و مُناسبة تماماً لجسدي كأنه تم خياطتها مِن أجلي فقط.
غريب، لا أذكُر حتى انني سمحتُ لأحَد بالدخول الى الغرفة. تَمتَمتُ انا انظُر لِلمرة الأخيرة على شكلي قبل أن افتح الباب و أغادر الى القاعة نفسها و أيكس يَمشي معي.
دخلتُ القاعة لأجدها فارغة، أيّ أن لا وجود لفالين على الطاولة و حتى الطاولة نفسها من دون طعام.
حَكَكتُ رأسي من الخلف لا اعلم إن ما أتيتُ الى قاعة تُشبِهُها أو ربما أتيتُ باكِراً قبل الجميع.
سموك؟ استدرتُ بسرعة على الصوت القادم من خلفي لأجد أحد الحُراس و رفيقه.
اممم صباحُ الخير، اين فالين؟
انه يتناول الفطور في الحديقة الجانبية لِلقصر، سموك.
آوه و لم يُفَكِر أحدهم بأخباري.
انه خطأي، حسناً سوف أتوجه الى الحديقة.
اومئوا لي كلاهُما باحترام ثم غادروا و انا توَجهت في الردهة التي تصلني الى الباب الأخر من القصر الذي يقود الى الحديقة التي تُطِل عليها شُرفتي.
غريب، فَلم أرى أو اسمع أحداً من غرفتي.
نبح أيكس لأنتفض بِمطرحي و اتوقف أجده مبتسم الوجه ينظُر لأمامه بِحماس مَرسوم و واضِح على وَجهه اللطيف.
ما الأمر الأن؟
نبح هو مجدداً لأحَرك رأسي بالأتجاه نفسه و أرى باب أحمر كبير مفتوح و منه تدخُل نسمة هواء مُنعشة و هادئة تَهمس في أذُناي، أرى ايضاً، جزء بسيط من الحديقة بِعُشبها الأخضر القصير و شجرة بِأوراق زهرية تتساقط كل حين لتُشَكِل من حولها دائرة بأوراقها.
سوف اسمح لكَ باللعب إن تناولتَ طعامك أولاً. أخبرته انا افهم ما يريده لينبح مجدداً بِسعادة.
خرجنا الى الحديقة الخيالية بألوانها الزاهية و جمالها الربيعي، فالربيع أجمل فَصل بين الفصول الأخرى و هو المُفَضل لديّ.
هناك امامي تماماً و بالقُرب من الشجرة الزهرية، رأيتُ طاولة دائرية بيضاء عليها طعام من كل الأصناف و كل ما تشتهيه النفس و ثلاثة كراسي، يجلس على أحدهم فالين و مواجِهاً له أخته فينار.
شقراء الشعر طويل يَصِل لمنتصف ظهرها لكنه مضفور و بين الضفرة توجد ورود من كل الألوان تُزَين شعرها، ترتدي فستاناً مِن الدانتيل بِورود ايضاً و فتحة يُظهِر ساقها.
تقدمتُ نحوهم أشعُر بِسعادة لرؤيتها بما اننا لم نتقابل منذُ سنة تقريباً و اشتقت لها بما انها قريبة من عائلتي و كَبرتُ أراها تزور قصرنا لفترات طويلة أحياناً ترافق تاليا.
لهذا السبب عاد القصر لِلحياة في هذا الصباح. قلتُ انا أجعلهما ينظُران اليّ بدلاً من الطعام لتتوسع عيون فينار الخضراء تتوقف عن مَضغ ما في فمها.
يا اللهي، فالكين! نهضت من على كرسيها تَفرُد ذراعيها لكي تعانقني بِشدة تَخنقني قليلاً و انا عانقتها بالمُقابل اضحك بِسرور.
رائحة الورود تملئ مَجرى تنفسي كأنني أعانق وردة بِذاتها.
أخبرني فالين عن قدومك لكنه لم يقول انكَ موجود في القصر أصلاً. ابتعدَت عن العناق لا تزال تُمسك بِأكتافي لترمق بِطريقها أخاها الذي أخفى وجودي عنها.
لقد أردتُ مفاجأتك يا ناكِرة الجميل. قال فالين يَشرب الشاي من فنجانه.
جيد ما فعل، لقد نجح بِمفاجأتك. اضفتُ انا لتعود و تُعانقني مجدداً قبل أن تُشير لي كي اجلس على الكرسي الفارغ.
نباح أيكس عاد، نظرت فينار له ثم رَبتَت على رأسه تَظُن انه يحتاج اهتمامها لكنها لا تعلم انه يَطلُب لطعام لكي يذهب و يلعب كما وَعدته.
القيتُ له قطعتين من السُجق ثم سكبتُ القليل منه في طبقي مع البيض و السلطة. سَكبت لي فينار فنجاناً من الشاي لأشكُرها و اتناول بِفرح أدع من طعم البيض و السُجق ينفجر في فمي مِن لذة.
لقد ظننتُ انكِ ستأتين البارحة على العشاء كما قال فالين. فتحتُ انا مُحادثة أراقب أيكس و هو يأكل القطعة الاخيرة من السجق بِسرعة.
تلكَ كانت الخُطة، لكن طرأ عَليّ عمل أخر قد منعني من القدوم.
وصلتِ اليوم باكراً؟
اومأت هي تضع لُقمة بيض مَقلي في فمها.
كنتُ سأعلق ليوم أخر في المدينة لو لم يُرسِل فالين أحداً أخر لكي يأخُذ عملي في المدينة.
يبدو مُرهقاً، اعني ما تفعلينه.
ارتفعت زاوية من شفتيها للأعلى على شكل بسمة لتومئ مرة ثانية تبلع اللقمة.
كَوني مسؤولة عن المال الخاص بالمدينة و القصر، أمر مُتعِب لا امتلك الوقت لأتنفس و اليوم نادر، لكوني اجلس معكم و اتناول الفطور.
أخرج فالين ضحكة من حلقه لتُضَيّق فينار عينيها عليه كإشارة على غيظها منه قبل أن تتحول ضحكته الى سَعلة.
مَددتُ له كأس المياه ليأخُذه مني و يشربه كله بِمرة واحِدة يجعلني أعَض على شفتاي من الداخل مُمسِكاً بِضحكتي.
أُحِب علاقتهم، فَهُم أخوة، عائلة و أصدقاء لبعضهم. أحترمهم لكونهم لم يتركوا جانب الأخر بعدما خسروا والديهما ليُصبحوا اقوى يحملون المملكة فوق اكتافهم منذُ مئات السنين.
لقد سمعتُ بِمشكلة البنوك في مملكة كاداري، انه أمر مؤسف حقاً. قلتُ لها لينقلب وَجهها الى الكئيب.
نعم مع الأسف، لهذا انشغل بشكل أكبر الأن و أشعُر بأنَ لايتا و أخته كذلك في مأزق، الخروج منه شبه مستحيل.
سوف نرسل فالكين اليهم قريباً لكي يُقنع لايتا بِتغير قراره بِشأن السماح لِلشادونايتس بالدخول الى مملكته.
تجمدت يد فينار المُمسِكة بالشوكة امام فمها لترمش ثلاث مرات عَليّ كأنها ترى رجلاً بِرأسين يجلس معهم على الطاولة.
ماذا؟ انت سَتذهب؟
نعم، لقد اقترحتُ الفكرة عليهم و سوف احاول لربما انجح.
و ما الذي يجعلك تعتقد انكَ قادر على أقناعه؟
فتحتُ فمي لكي أجيبها بِصدق لكن نباح أيكس قاطعني لأحني رأسي باتجاهه أراهُ واقف على ساقين متكئ على الكرسي الخاص بي ينتظِر مني أن الاحظ أنَ طعامه انتهي.
تنهدتُ امسك غَضبي عليه لأنه قاطعني ثم مسحتُ على جسده اسمح له بالذهاب و اللعب.
انه مخلوق لطيف. قالت فينار تراه يركض خلف مجموعة طيور و فراشات براقة ذات أجنحة شفافة.
على اية حال، انا اصدق أنَ محاولة فالكين بالتكلم مع لايتا سينفع و لو قليلاً. مملكته في وضع ميؤوس منه إن لم يتصرف بسرعة سوف يَفقدها. عاد فالين لِلموضوع الرئيسي لأومئ انا أوافِقُه.
هَمهَمت فينار من دون تعليق تُكمِل فطورها بِصمت تبدو ضائعة في افكارها، تبادلتُ النظرات مع فالين لكنه هَزة رأسه من اليمين لِلشمال يُخبرني أن اتناول ما تبقى في طبقي.
و فعلت.
تركتُ روعة الهواء الطلق يُمَتِعُني، أصوات الطبيعة تُرَافِقُني في هذا اليوم المذهل فَلدي بعد قليل رحلة صغيرة الى المدينة حتى أتجول فيها و اشتري بعض الطحين مِن أجل الحفلة في هذا المساء.
لقد قضيتُ يومين بشكل طبيعي كما كنتُ افعل في قصر أسليرا لكن لسببٍ ما اشتاحني أحساس بأن ذهابي لِلمدينة ستكون فكرة جيدة قد تُغَير من مزاجي المُتضايق الذي لم يتركني بما انني تركتُ أسليرا خلفي.
و بنفس الوقت لدي أحساس صغير جداً جداً يُخبرني أنَ المدينة تحمل لي مغامرة جديدة لهذا تشجعت أكثر لِلذهاب و اصبحتُ لا اصدق متى سَينتهي وقت الفطور.
لهذا تركتُ أسليرا في المقام الأول، من أجل المغامرة و فعل ما هو جديد في حياتي.
نزلتُ درج القصر مع مايكا و انا اغلق زِر الرداء من حول أكتافي كي لا يقع، انه طويل و بِلا اكمام كَمعطف ذات الرداء الأحمر لكنه أسود بينما أيكس ورائنا ينزل بِسعادة تملئه بعدما سمحتُ له بالقدوم معي.
رأيتُ عربة أحصنة عادية سُكرية اللون تبدو قديمة بعض الشيء و مُناسبة تماماً لي بما انني سأذهب الى المدينة كأي رجل و ليس كأمير.
خلف الأحصنة يجلس شاب من عمري تقريباً بِشعر أشقر داكِن كَلون الرمال على أذُنيه توجد أقراط مُتعدِدة فضية تلمع، فَضوء الشمس ينعكس عليهم.
يرتدي كنزة صوفية خمرية اللون و حول خصره حزام مُعلق عليه سيفه، انه يضع ساق فوق الأخرى يأكُل تفاحة.
أحم أحم. أخرج مايكا صوتً ليتوقف الشاب عن تناول التفاحة و ينظُر باتجاهنا.
توَسعت عينيه فور رؤيته لي خصيصاً لتقع من يده التفاحة و ينهض بِسرعة البرق لكي ينزل مِن العربة لكن بِغمضة عين و هو ينزل عَلِق طرف من بنطاله بِزاوية العربة ليَتشقلب و يقع على وَجهِه.
تفاجأتُ بالمَنظر الذي حدث امامي لأرى بِطرف عيني، مايكا يتنهد مُغمض العينين.
و بنفس السرعة وقف الشاب المتهور على ساقيه ثم تقدم نحونا يبتسم. مَد يده نحوي حتى يُصافحني و انا رفعتُ حاجباً بِتعجب و كما لو انه أدرك خطأه أنحنى بِظهره بِزاوية كامِلة ظننت لِوَهلة انه سوف يَكسِر ظهره المسكين.
انه لشرفٌ لي أخذك الى المدينة حَضرة جلالتك و عظمت، ا-اعني سموك الأمير. قال و هو لا يزال مُنحني.
أنكمش وَجهي أحاول كِتمان ضحكتي لكي لا تخرج من فمي بينما لاحظتُ أنَ مايكا يُحدق به بِخيبة امل. اقتربتُ انا من مايكا أكثر ثم همستُ مازحاً
هل يكون هذا أمِن؟
نظر لي مايكا لِلحظة بِلا أن يتفوه بِحرف فَتعابير وجهه كافية لِتُجيب على سؤالي.
اممم ما رأيك لو تفتح لي الباب حتى نبدأ الرحلة القصيرة،؟ أخبرته انا أخُذ مُدة سكون لأنني لا اعرف اسمه بعد.
انا الفارس الشخصي الذي سَيُرافقك الى المدينة سموك، أُدعى توكانديومال أكيداشي، لكن بأمكانكَ مُناداتي بِ توك فقط.
رمشتُ عليه عِدة مرات لم أعُد أقدِر على عَدها لسماعي باسمه الكامل حتى بدا لي ناقِصاً. من اين احضروا هذا الشخص بِحق السماء؟
مع انه طويل القامة و بِجسد رياضي و أكتاف عريضة، بِطريقةٍ ما، الاسم يليق به.
امممم حسناً، توك. دعنا نرحل.
اومئ لي هو ثم فتح باب العربة ليدخل أيكس أولاً بعدها انا.
امسك مايكا بِكتف توك و أخبره بِنبرة منخفضة و مَسموعة
أهتم به جيداً توك فَهو بِأمانتك و إذا تأذى أو حدث اية شيء له فأعلم انكَ--
نعم نعم، اعلم و لا تَخف، سوف اظل قريب منه و لن اتركه ابداً.
جيد. ابتعد عنه مايكا واضِع يديه خلف ظهره، هَزة مُساعد الملك الخاص رأسه على الفارس ربما يُفكر أنَ فالين اختار الشخص الخطأ لِذهابه و حمايتي مع انني لا احتاج حماية أحد.
ابتسمتُ لمايكا بِقدر الأمكان كي يشعر انني اتفهمه و حتى لا يقلق بعدها بدأت العربة بالقيادة عبر البوابة و فوق الجسر و الى مدينة الشمس.
فتحتُ نافذة العربة استنشق الهواء و أدع شعاع الشمس يدفئ بشرتي، أيكس قفز على حضني و أخرج رأسه يفعل مثلي.
ننظُر كلانا لِلنهر الصافي و ما بِداخله من اسماك صغيرة و كبيرة بعضاً منها يقفز خارج المياه يُحلق بأجنحته لثواني قبل أن يعود لداخل الماء.
هل أعجبتك فالينيا أكثر مِن أسليرا، أيكس؟ سألته انا أشعُر بِفضول لردة فعله و كل الذي فعله هو النباح مَرتين، اعتقدت انه ينبح لي لكن انتبهت لِطائر برتقالي بِمنقار أصفر طويل يَطير بِجانب العربة و أنَ أيكس ينبح عليه هو.
ابتسمتُ مع نفسي لأجلس في المقعد بانتظام أتمَعَن بِالمناظر الخلابة التي تُحيط المدينة.
دقائق لم تَتعدة العشرة كانت كل الذي أخذ من وقتنا لكي نصل الى مدينة الشمس الشهيرة. أول ما وصلني هي روائحها من المخبوزات، التوابل، الزهور، العطور و المزيد و رأيتُ متاجرها يدخلها العديد و العديد مِن الزبائن بِمجموعات.
يُرَحِبون بعضهم كأنهم اقارب و يستمتعون بالمشي بين السوق المفتوح الذي يُذَكِرني ايضاً بأسواق مدينة القمر التي اعتدتُ على التسوق فيها مع تاليا و جيانا (خادمتها الشخصية و صديقتها و زوجة أدلار) كُلما شعرنا بالملل في القصر الملكي أو إذا أردنا التهرب من ريس و الأعمال التي يُجهزها لنا.
حتى تيلار الخشبية مِن عشيرة الودوانز كانت ترافقنا عندما كانت في المزاج لذلك.
كُنا نستمتع كثيراً و نضحك كثيراً و نأكل من أطيب الفواكه التي يبيعونها في السوق طوال طريق عودتنا الى القصر.
نبح أيكس بِقوة في وَجهي لأنتفض في مَقعدي أحَدِق به الاحظ أنَ العربة لم تَعُد تتحرك.
فُتِح بابها ليَظهر الفارس توك.
تفضل سموك، لقد وصلنا. هَمس هو عند لفظ كَلمة سموك ينظُر من حوله كي لا يسمعه كائن.
خرجتُ انا و أيكس من العربة لأرَبِت على كتفه أشكُره بِصمت ثم وضعتُ القبعة المُتصلة بِردائي حتى أُخفي وَجهي و هويتي، لستُ متأكد لكني اظن أنَ الفالينيين يعرفونني إن لمحوني.
بما انني اشبه ريس بالشكل قليلاً، فَلدي ملامح مِن ملامحه الفريدة و الحادة، عدا عيوني التي ليست فُضية كَخاصته. عيوني بنفسجية غامقة و على حسب الإضاءة فأحياناً تتحول للأزرق السماوي أما باقي التفاصيل فَيُمكِن القول اننا أخوة.
بالطبع أرى نفسي أوسم من ريس.
أردتُ توضيح ذلك فقط.
اين تريد التجول سمو-- وَضع توك يده على فمه قبل أن يُكمل جملته لأرمقه بِنظرة حادة. لقد مَرة من جانبنا مجموعة من الجنيات و لو انه أكمل كلامه لكانوا سمعوه و انتهت الرحلة قبل بدأها.
نادني بِ سيدي فَحسب. قلتُ له من بين أسناني.
آوه انا أعتذر، أمممممم، سيدي.
تنهدتُ اغلق عيناي لِلحظة فأنا أدرك الأن شعور مايكا، لكنه عفوي أي انه لا يقصد ما يَخرج من فمه و يبدو انه لا يُفَكِر كثيراً يدع لسانه يتحكم به.
لا مشكلة و الأن دعنا نتجول بداً مِن هُناك، أشرتُ له بأصبعي على جهتنا اليُمنى مكان وجود متاجر الألبسة و كل ما يبيعونه من أشياء مُمتِعة كَزينة لِلمنازل أو تذكارية.
كما تشاء، سيدي. تحرك توك قبلي يقود الطريق و انا أخذتُ انظُر من متجر لأخر و معي أيكس يُراقب بِفضول هذه المرة لِسانه بداخل فمه.
هل تُحِب الأزياء؟ فجأة سألني توك.
نعم في الحقيقة، أُحِب الأزياء. لما السؤال؟
رأيتُ أنَ عينيك لم تُغادر متاجر الألبسة لهذا سألت و لديكَ ذوق نظراً لِلذي ترتديه.
حركتُ مُقلتاي على ملابسي من دون إرادة أذكُر انني في الواقع أرتدي ملابس ليست لي حرفياً فقد وجدتها في غرفتي كما لو انها ظهرت من البخار، مازلتُ أتساءل عن الشخص الذي وضعها من أجلي.
اعرف متجر قديم هنا، معروف بِتصاميمه و قد يُعجبك كثيراً حتى صاحبه صديق لِوالدي.
أوَدُ ذلك.
اومئ توك بِبسمة خَفيفة يقودنا بين الحَشد و في أزقة (حارات) الى أن وصلنا الى متجر بِنوافذ زجاجية خلفها فستانين و طقوم لِكِلا الجنسين مكتوب على اللافِتة الخشبية التي سَتقع بأي لحظة
متجر كاغوا للألبسة.
يبدو متجراً عادياً و كما وصفه توك، قديماً من الخارج لكني لم أحكُم بتلكَ السرعة عليه لهذا دخلنا نحن الثلاثة لأجِد نفسي محقاً.
انه واسع و كبير من الداخل، خشبي الأرضية و كل شيء عدا لأثاث بالألوان الأحمر و الذهبي. على اليسار يوجد مقاعد و أريكات و طاولات عليها طعام و شراب لِمَن يريد الجلوس و الانتظار.
علي اليمين توجد الملابس من كل ما يمكن تخيله، مُعلقة لِلعرض أو لِلتجربة و الشراء.
ما جعل فمي مفتوحاً على مصراعيه يكاد يرتطم بالأرض هي المِنصة امامي، خشبية كالمسرح فوقها يقفوا نساء و رجال شبه عاريين يرتدون ما يُغطي الأجزاء السُفلية فقط يرقصون و يضحكون.
حتى هنالك مَن يتجول عاري يحمل ملابس لكي يُجربها في مكانٍ ما، أو هكذا اعتقد.
مَن يُساعدون الزبائن (العمال) يضحكوا و يفتحوا أحاديث معهم و كأنهم يعيشون في منازلهم حتى هُم يرتدون ملابس تُغطي ما هو مهم من أجسادهم لا أكثر.
هذا ليس بِشيء جديد أراه لكني مُستغرب انه في متجر للألبسة.
ما هذا بِحق السماء؟ تَمتَمتُ انا بدهشة.
أخرج توك ضحكة صغيرة من حلقه ليُجيب
أهلاً بكَ في عالم كاغوا، فيه تدخل و ترفض الخروج منه.
حركتُ رأسي نحوه بِحيرة من الوضع.
هل تمزح معي؟
لا سموك، انا جاد كلياً.
أحسَستُ بِشيء دافئ يلتصق بِساقي لأحني رأسي بِذُعر أجِد أيكس ينظُر بِخوف و يرتعش. قرفصتُ انا اليه ثم حملته لَعلي أُخَفِف من توتره و خوفه فَهو لا يعتاد بسرعة على أجواء جديدة و هذه الأجواء بكُل تأكيد جديدة على كِلانا.
أعيُن فضولية تحركت نحونا و اُظن لأننا نقف عند الباب من دون حراك كالتماثيل ليِعُم الصمت في المتجر.
ابقيتُ نظرتي مُتَصَلِبة عليهم لا أدَع من نفسي تتزَحزَح و خاصةً لأننا نحنُ الأن مَن نبدو غريبين الأطوار و الدُخلاء و ليس هُم.
اعلم أنَ المناظِر جميلة سموك، لكن هيا بنا الى الطابق العلوي، كاغوا يوجد في مكتبه.
لديه مكتب؟
بالطبع، هيا هيا.
أخذنا ننطلق من بين الجميع نتخطى المِنصة التي يرقصون عليها العاريين بِبتلات ورود تغطي على المناطق المهمة لنصل الى درج. صعدنا عليه الى الطابق الثاني أراهُ مختلف عن السُفلي، هنا يوجد ملابس أكثر مُتعددة الألوان و الأشكال و زبائن ينتقونها بِمساعدة العمال منهم النساء و الرجال.
لم أقدر أن لا الاحِظ بسمات كبيرة تَصلني من الفتيات الشابات عندما مَرَرنا من جانبهم، لأعيد لهم الأبتسامة و أكمل طريقي.
انه متجر مثير للاهتمام. أخبرت توك قبل أن نقف امام باب بُني اللون خشبي مفتوح قليلاً يدعنا نرى ضوء أرجواني يَخرج منه و صوت رجل يتحدث مع أحدٍ في الداخل.
لقد وصلنا لكن انتظِر لحظة، فَلديه زائر. قال توك لأومئ له امسح على فرو أيكس اعلم انه خائف و لا يُعجبه المتجر.
طرق توك الباب مرتين ليسمع كلمة انتظر رجاءً على ما يبدو من مالك المتجر الذي يُدعى كاغوا.
كيف لي أن اساعدكم يا سادة؟ ظهرت عاملة شابة صفراء البشرة خالية من الشوائب بِشعر كَستنائي طويل مُنسدل على صدرها العاري، الحمدلله انها تلبس قطعة تُعطي ما هو في الأسفل كذلك.
انها جميلة جداً و أنثوية ناعِمة الملامح تنُظر لأيكس بِعيون عسلية براقة و بِدهشة فهي محقة، من يرى أيكس يندهش أولاً ثم يقع بِحُبه على الفور.
يا اللهي انه أجمل شيء رأيته في حياتي! زقزقت بِصوتها الناعِم تقفز في مكانها و تُصَفِق كالطفل الذي تلقى السكاكِر.
ما اسمه؟ لم أجبها بسرعة لأنني لم أدرك انها تتحدث معي.
أيكس، انه صديقي الوفي.
يا لِلطافته و تلكَ القرون الصغيرة مع الأجنحة، هل يسمح لي بِلمسه؟
بالطبع، تفضلي.
حدق بي أيكس مُتعجب لأفهم عليه انه لا يفهم ما يجري لهذا وضعتُ قُبلة صغيرة على أنفه و همستُ له
لا تَخف، فَهي أليفة.
عاد أيكس يُحدق بها و هي رفعت يدها بِبطء تُريه انها لن تؤذيه. لمفاجأتي أخرج لسانه و لعق يدها لتتحمس الفتاة أكثر و تبدأ بِلمس فروه و أصدار أصوات حماس من داخلها.
امممم يا انسة، الن ُتكملي عملك؟ قاطعنا توك واضِع يديه على خصره.
أشحنا بِعيوننا اليه نذكُره وجوده قبل أن ترجع الفتاة الصفراء يدها لجانبها تتحول من المتحمسة ذات الصوت الصغير الى المحترفة.
أعتذر، لكنني لم أرى شيئاً بهذه اللطافة منذُ فترة و عائلتي لا تسمح لي باقتناء الحيوانات الأليفة.
لا مشكلة فَنحنُ لسنا على عجلة مِن أمرنا. قلتُ لها اضَع أيكس على الأرض ليركض نحوها و يدور من حول ساقيها.
لأول مرة، رفعتَ الشابة رأسها للأعلى حتى تنظُر لي ترمش بوجه ثابت كالتي استعادت بَصرها.
بِثانية واحدة، أحمرت وجنتيها كالطماطم ثم وَضعت يديها عليهم تُخفيهم لأنتبه انا و طبعاً ابتسمت. اعلم أنَ لدي تأثير كَهذا على النساء، لقد أخبرتني تاليا مرةً عندما كنتُ مُراهقاً في السادسة عشر من عمري.
لقد كنتُ أتمشى مع أدلار في حديقة قصرنا لأنتبه لأول مرة، أنَ جميع الخادمات يراقبونني بِطريقة جعلتني أخجل و اهرب الى تاليا.
رأتني هي غاضب لتسألني عن السبب و انا لكوني صريح معها أتفوه لها بِكل شيء، قَصصتُ عليها ما خَلف غضبي، لتبتسم لي بِرقة و حنان و تُخبرني انه شيء طبيعي لكونني شاب بِملامح جميلة و جذابة.
و هم سَيحدقون و يحالون جذب انتباهي اليهم لكي اقع بأفخاخِهم لكنها علمتني كيف اتصرف بِمواقف كتلك و ما يجب قوله إن اضطررت و منذُ ذلك الحين، تَعودتُ و اصبحتُ اتفهم النساء بِشكل أفضَل من غيري.
مَن يسمعني أقول هذا الكلام، قد يَظُن أنني متكبر و متباهي، لكني في الحقيقة اتفادى الوقوع بالمشاكل أو أذيتهم فالنساء مخلوقات رقيقة، جميلة، ذكية و بنفس الوقت يجب الحذر منهم إن ما كانوا بِنيات سيئة.
مَن حضرتك؟ فأنتَ وسيم لِلغاية. سألتني الشابة بِأنبهار.
كَبُرت بسمتي أكثر تُظهري أسناني لأتقدم امسك يدها اضع قُبلة بسيطة على أصابعها قبل أن أجيب
انا أُدعى كين، رجلٌ، كأية رجل يَقضي يومه في المدينة.
كين، اسم جميل.
ليس أجمل من اسمك انا متأكد.
بِطرف عيني رأيتُ توك يُشقلب مُقلتيه يزفر الهواء من فمه.
لا لا انتَ أجمل بِكثير سيد كين، فَتلكَ العيون ساحِرة أشعُر انني رأيتها من قبل.
تقدمتُ اليها أُقَصِر المسافة بيننا الى أن اصبحتُ أشعُر بِحرارة جسدها.
فكري جيداً، ربما زارتكِ في احلامك؟
ربما، هَمست هي تُقَرِب وَجهها مني لأنظُر الى شفتيها الوردية النحيلة أرى أسنان حادة تنبُع منها.
احححممممم أعتذر على جعلكم تنتظرون. ابتعدت الفتاة بِسرعة عني تأخُذ يدها من يدي و خطوة كبيرة لِلخلف تستيقظ من احلامها و انا استدرتُ لِلوراء أجِد رجلاً يبدو في الثلاثينيات بِلحية خفيفة مُنظمة سوداء كَلون شعره القصير.
يرتدي قبعة رصاصية على جانبها ثَقب في داخله شيء ما يُشِع باللون الأرجواني أما بِمُقدمتها توجد عين تَغمِض كل ثانية، حية.
يرتدي ملابس عجيبة بألوان غير مُتناسقة مع انه يبدو رجلاً نبيلاً.
عودي الى عملك. أمَرها الرجل الغريب لتغُادر الفتاة بِلا تفكير تدعنا معه.
مرحباً كاغوا، أتمنى اننا لم نزعجك في هذا الوقت أو نزعج الزائر. قال توك يَحُك رأسه من الخلف لينظُر اليه كاغوا تتغير تعابير وجهِه الجادة الى المُشرقة و البشوشة.
حضور الأصدقاء ليس بإزعاج على الأطلاق توك توك لكني فضولي بِشأن صديقك حسن المظهر الذي حاول أغراء أحد عامِلاتي. قال كاغوا و هو ينظُر باتجاهي.
أيكس أقترب مني و عاد يرتجف مجدداً عند اقدامي.
ابتسمتُ انا بِخفة لأمُد يدي له كي يُصافحها
لم أحاول أن أغريها بل كنتُ اتصرف على طبيعتي و تشرفتُ بِمُقابلتك سيد كاغوا انا أُدعى كين.
ضَيّق الرجل عينيه عَليّ و تلكَ التي على قبعته فعلت المِثل تُرسل شعوراً غير مرتاح بِداخلي لكنه امسك بيدي و صافحها بِلطف ترتسم نِصف ابتسامة على شفتيه المَخفية بين شعر شواربه و لحيته.
لديه هالة الساحر لكني لا اريد أن أحكُم عليه بسرعة فَهذه عادة سيئة يجدر على الجميع الانتباه منها فالحُكم على الكتاب من غلافه، خطأ.
كين هاه؟، انت لستَ من مملكة فالينيا هل انا محق.
انتَ محق، انا من مملكة أسليرا.
مِن مدينة القمر؟
صحيح، كيف عرفت؟
فتح كاغوا باب مكتبه أكثر ثم أشار لجميعنا بالدخول أولاً بعدها أجابني
شعب أسليرا لا يمكن عدم معرفتهم على الفور، لديكم سحركم الخاص.
نظرتُ انا في الأرجاء أجده مكتب متوسط الحجم بأرضية مغطاة بِسجادة دائرية زرقاء مرسوم عليها شجرة ذهبية بِلا أوراق، كُتُب مُكدسة فوق بعضها على طاولات و رفوف عالية ممتلئة بالكتب و الغبار. مواجِهاً لِلباب يوجد مدفئة خشب و فوقها رأس أيل بِقرون كبيرة.
يوجد في منتصفها طاولة المكتب و عليه المزيد من الأعراض، الأوراق و الكُتُب و في المناطق التي فيها اريكات، استراحت عليها فساتين غير مُكتملة و قِطع ملابس تحتاج خياطة.
بالنسبة لِلضوء الأرجواني الذي رأيته في البداية، فَهو قادم من النوافذ أعلى رأس الأيل، مع اننا في منتصف النهار و لا يوجد إلا الشمس التي تُنير المدينة، فَمِن اين يأتي هذا الضوء؟
زُجاج النوافذ تَعكِس ضوء الشمس تجعله بِطريقة سحرية أرجواني. قال كاغوا يجلس على كرسي مكتبه لأحدق به كالأحمق.
لقد قرأ افكاري.
رجاءً لا تبقوا واقفين، اجلسوا يوجد مُتَسَع من المساحة لكم. جلسنا انا و توك على الكراسي بالقُرب من مكتبه بينما أيكس وجد تمثال لِأسد بِأجنحة ليتمعن به بِفضوله اللانهائي في زاوية المكتب.
إذاً، كيف الحال كاغوا، لقد مَرت فترة منذُ أن رأيتك. بدأ توك بالحديث ليُشابك كاغوا أصابعه فوق مكتبه يتقدم بِجسده للأمام.
هذا لأنكَ لا تزورني كما كنت توك توك و انا بخير كَكُل يوم.
انت تعلم جيداً انني اعمل الأن كَفارس في قصر الملك فالين فَلا وقت لدي لكي أزور حتى عائلتي.
اعلم اعلم، انتَ شاب مجتهد و قوي تُشبه والدك الذي يزورني فقط كي يشرب من الأوكسارا الذي اصنعه.
ضحك توك على كلام الرجل لأصَفي انا حلقي بِأحراج أشعُر انني شخص غير مَرغوب به معهم.
سيد كين، ما الذي ترغب به؟ رفعتُ حاجباي لا افهم ما يعنيه ليبتسم هو يُسَرِح شعر لحيته بِأصابعه.
أُخَمِن أنَ توك توك احضرك الى هنا من أجل شراء بعض الملابس لا؟
آوه، هذا ليس سبب قدومي في الحقيقة. توك سألني إن ما أُحِب الأزياء و انا أجبته بِنعم، لهذا اقترح عَليّ القدوم الى هذا المتجر، المُميز حتى أشاهد فَحسب.
تشاهد؟ إذاً لن تشتري؟
اومأتُ له بِنعم ليُهَمهِم ينظُر من توك ثم اليّ.
توك توك، يبدو أنَ صديقك كين لم يرى ملابسي بعد. وَجَّه كلامه لِلفارس الذي ينُقر بِأصابعه على المكتب.
لقد تَشَتَت انتباهنا بأشياء أخرى كاغوا لكني سوف أخذه إن أردت.
ما رأيك سيد كين؟ كاغوا سألني مجدداً.
انا حقاً لستُ هنا من أجل شراء الملابس سيد كاغوا و إنما المشاهد. لم احضِر معي المال الكافي لشراء اية شيء عدا المستلزمات الازِمة.
أرجوك لا تُناديني بالسيد، فأنا لستُ بسيد ابداً. فقط استعمل اسمي لوحده فَهذا يكون أفضَل.
اومأتُ له بالتفهم ليتوقف عن تسريح لحيته الخفيفة بعدها عاد بِظهره على كرسيه لا يَشيح نظره عني و تلكَ العين في قبعته تُغمض بِبطء كأنها ناعِسة ام انا اتخيل؟
و مع ذلك تجول في متجري، يُسعدني رجل نبيل مثلك أن يتفرج على تصاميمي و أعطاء رأيك بهم. أصَر كاغوا لأبادل النظرات مع توك أراهُ هو ايضاً يوافق الرجل.
تنهدتُ بِخِفة قبل أن استسلم لهم.
ممتاز! صَفق كاغوا بيديه بِقوة لتفتح مجموعة الرفوف القريبة من تمثال الأسد الذي يُحاول أيكس الصعود عليه.
ظهر من الجدار مجموعة ملابس رجالية مُعلقة مختلفة الأشكال لكن الوانها داكِنة، من مُشتقات الأسود و الكحلي.
فاخِرة، ثمينة لا مَثيل لها و مميزة عن الذي رأيته في حياتي. اعني انا توقعت شيء كَهذا بما أنَ فالينيا تشتهر بِملابسها حتى الممالك الأخرى تُرسِل اشخاصاً من عندهم خَصيصاً لكي يشتروا القماش و الملابس منهم.
خُذ وقتك سيد كين و تَمعن بكُل قطعة فَهذه المجموعة تم تصميمها مؤخراً و لم تُعرَض في متجري أو المتاجر الأخرى بعد. أخبرني كاغوا بعدما نهضت على ساقاي و معي توك يُحدق بالمجموعة مُنبهر بِعيون متوسعة مُتَرَدِد بِلمسها كأنها قطع الماس و ذهب.
انها رائعة كاغوا! تَمتَم توك يُمسك بِمعطف كحلي طويل سادة بأزرار فُضية منقوش عليها زخرفات فنية.
لقد حزرت انكَ تُحِب اللون الغامق بالملابس لهذا اظهرتُ ما ترغب به سيد كين.
استدرتُ اليه متفاجئ لا اعرف كيف أُعَبِر عن الذي في دماغي كما لو انه يرفض العمل ليدعني اتكلم.
الهذا سألتني عن ما أرغب به؟
اومئ هو مرة واحِدة يلعب بِالخواتم التي تُزَين أصابعه.
هل تريد رؤية مجموعة من نفس الألوان ام مختلفة؟
لا، لا داعي فَهذا يكفي.
اقتربتُ من المجموعة أكثر كما فعل أيكس من دون شمها كما يشمها هو، يتفحصها.
بأماكنك تجربتها. أقترح عَليّ كاغوا لأنظُر اليه قليلاً قبل أن امسكِ بِسترة من الجلد، بِرباط ذهبي بدلاً من الأزرار، يَصِل من عند الصدر الى الأسفل.
يجب ارتداء قميص اسفله كي لا يُظهر الجلد و بنفس الوقت من المُمكِن ارتدائها من دون قميص كذلك.
لديكَ أيادي بارعة. انا قلتُ له اخلع ردائي ثم المعطف و القطع التي اسفله عدا القميص الأبيض لكي ارتدي السترة.
شكراً لك، فأنا طموح عندما يتعلق الأمر بالأزياء و مع بعض السِحر البسيط، يتحول الخيال لِلحقيقة.
بعدما انتهيتُ من ارتداء السترة، تمعنتُ بِتفاصيلها على جسدي أكثر، لقد اصبحت أجمل تُعانق الجزء العلوي من جسدي كأنها مُصممة لي و مُريحة بنفس الوقت، ليست ضَيّقة مع انها تبدو كذلك.
أحساس قوي بداخلي تعلق بها، اصبحتُ اريد شرائها على الفور. استدرتُ الى كاغوا الذي لا يزال جالس مبتسم الوجه لكي اقول ما أتوقعه.
انتَ ساحِر.
عَم صمت في أرجاء المكتب كأنَ الزمن توقف، و العين في قبعته تفتحت أكثر كالمُدرِكة لما تفوهتُ به.
كاغوا من الجهة الأخرى، جعل من بسمته أكبر تُظهِر أسنانه البيضاء المنتظمة كما هي.
كيف عرفت؟
لنقول انه أحساس.
هذا غير كافيٍ.
عضتُ على شفتاي من داخل فمي لا اعلم بما يجب أن أرُد لكنه نهض من على كرسيه يعطيني ظهره يضع يديه في جيوب بِنطاله.
الكذب عادة سيئة لديك سمو الأمير.
تجمد الدماء في عروقي و فقدتُ قدرة تَحريك لساني أو جسدي. لقد أكتشف، لهذا كانَ يتصرف معي بِطريقة تجعلُني أتساءل طوال الوقت كأنه يعرف شيئاً عني و اتضح الأن ما هو.
مَن تكون انت؟ وجدتُ صوتي يقول.
دار باتجاهي مجدداً ثم أتكئ على كرسيه قبل أن يُجيبني
هل سمعت بِأسطورة مجموعة السَحرة الاقوى على وجه هذه الارض، و التي قتلوها الملوك و تَخلصوا منها للأبد؟ مِن الاكيد انكَ سمعت بما أنَ ملك أسليرا الأول هو مَن قتل أول ساحر من المجموعة.
السَحرة الذين استخدموا سحرهم المُحرم لتغيير الماضي و المستقبل؟
نعم، هُم.
ما شأنكَ بِهم؟
انا منهم سموك. انا أخِر نَسل.
أحسَستُ أن قلبي سَقط في معدتي و أنَ كل قطرة دماء موجودة في جسدي جَفَت فَلم أعُد أستوعِب ما حولي كأنني اعيش لوحدي في عالم ثاني.
أخِر نَسل من أخطَر السحرة في العالم.
الأن يقف أخِر نَسل منهم امامي، يبتسم بِفخر و يعرف جيداً كيف أشعُر حالياً لكنه لم يَسخر أو يتفوه بِكلمة بعدها.
كيف مِن المُمكن أن تكون منهم؟
رفع أصبعه و حركه على شكل دائرة يُشير لِلمكتب من حولنا.
انظُر بِدقة، لقد اوقفتُ الوقت اليسَ، هذا بِكافي؟
أشَحتُ بعيناي عنه لأنظُر كما أخبرني أن افعل و أجِد انه محق. توك ثابت مُمسِكاً بِمعطف أسود قصير بدا كأنه لا يتنفس، و أيكس في الهواء لكونه كان يقفز مُحاوِلاً عَض كُرة خيوط قرمزية اللون.
التحكم بالوقت، سِحر مُحرم مَن يستعمله في هذا العالم، يتم إما سجنه للأبد أو قتله.
لقد وَجدني فالين قبل عدة سنين و أقترح عَليّ البقاء هنا بِشرط واحِد، و هو أن لا استعمل سحري لأذية مملكته و شعبها.
لكنكَ اوقفت الوقت و هذا يُعتبر انكَ لم تَهتم لِلشرط الذي وضعه الملك.
هَزة هو رأسه بِكِلتا الجهتين بعدها قال
اوقفت الوقت في مكتبي فقط لا غير، فَبأمكانك سماع أصوات ضجيج المدينة و زقزقة العصافير مِن الخارج.
صحيح، عندما ركزت للأصوات، سمعت الضجيج و الزقزقة بين العصافير عبر نوافذه العالية حتى انني رفعتُ عيناي عليهم لأرى عصافير تَطير في السماء التي تبدو أرجوانية اللون بِفضل انعكاس ضوء الشمس على النوافذ.
كيف لي أن اصدق انكَ لا تجعلني أتوهم ما أراه؟
يمكنكَ المغادرة و رؤية الحقيقة بِنفسك، فأنا لا ألعب على أحد بِسحري.
هل يعلم توك بأمرك؟
هَزة رأسه من جديد مُجيباً.
لم أخبره و لا اخَطِط لأخباره فقد يُغَير من صداقتي مع والده و انا لا أتمنى ذلك ابداً. لأول مرة في حياتي كَوَنتُ صداقة قوية مع شخص ما و اريد ابقائها على حالها لكني أخبرتك بالِسر كَتعادُل مع اكتشافي لِسرك.
عقدتُ حواجبي بِحيرة من أمره لأسأل
عن اية سِر تتحدث؟
لم يُجبني لكنه أرجع بسمته المُزعجة على شفتيه ينظُر لي كأنه يرى ما بداخلي و قد يكون هذا صحيحاً في الأخِر هو ساحر يتحكم بالسحر المُحرم و سيكون مِن السهل عليه قراءتي كما يقرأ الكُتب.
لقد سألتُك سؤالاً!
سموك، رجاءً لا تغضب فأنا مُدرك لموقفك الأن و اعلم انك مُشَوَش بِسببي لكن خُذ نفساً و استرح انا لن اؤذيك بل احاول أن اجعل من علاقتنا جيدة هنا بِما أنَ شعب أسليرا يكرهنا و لدينا عداوة.
الأسليريين ليسوا شعباً يكره أو يحتقر شخص من دون سبب.
ما زلتَ شاباً سمو الأمير، انتَ لا تعرف ماضي أسليرا و بالأخص قبل حُكم جَد جَد أيكسا الأكبر والد ريساند الذي يكون ابن عمك.
و انتَ تعرف؟
جلس كاغوا على كرسيه يتنهد كالذي شعر بالمَلَل من هذا الحديث ثم رد بوجه جاد
نعم، مع انني كنتُ طفلاً إلا انني أذكُر جيداً كيف كانت علاقة ملوك أسليرا القُدماء بالسَحرة العُظماء.
بما اننا أعداء كما تَدّعي، لماذا تريد تَحسين علاقتك بي؟ ألا تريد الانتقام لِمَن هُم مِن نَسلك؟
حدق بي لبعض الوقت يبدو انه يُدير كلامي بِعقله، بعدها عادت بسمته الماكِرة على وَجهه قائلاً
بالطبع لا. ما فائدة الانتقام الأن بعد ألف سنة تقريباً؟ الماضي لا يَهُمني سمو الأمير صدقني فَما يهمني هو الحاضر لا أكثر أو اقَل.
حسناً يبدو أليفاً بالنسبة اليّ و جزء كبير مني يُصدقه لهذا جلستُ على الكرسي أهَدئ من روعي فالغضب ليس صائباً و انا لا أُحِب الغضب أساساً لكني متفاجئ و ضائع من الذي اسمعه و أراه فَلا يَمُر عَليّ نفس الأمر كل يوم و بكل تأكيد رؤية الوقت متوقف أمراً فوق الخيالي.
بالإضافة أن هذا الرجل، عمره ألف سنة؟
لقد توقعت مغامرة و ليس مفاجأة عجيبة تدع من رأسي يدور و يحلق.
هل توَدَ بعض الأوكسارا الذي أعده بِنفسي؟ تحتاج ما يريح اعصابك.
لا شكراً، لكني أوَد بعض المياه.
اومئ هو ليُفرقع بأصابعه و إذ بِأبريق مياه بارد مع كأس زجاجي يظهر فوق الطاولة بالقرب مني من الهواء. سكبتُ البعض لكني توقفت أحدق به أشُك بالمياه.
أخرج هو ضحكة صغيرة من حلقه ليُفَرقِع بأصابعه مجدداً حتى ظهر كأس أخر كي يَسكُب لنفسه من نفس الأبريق.
أؤَكِد لك أنَ المياه غير مسمومة بالسحر. قال هو يشرب كامل الكأس الى أن افرغه امامي.
زفرتُ كمية هواء عملاقة من فمي قبل أن اقول
شكراً لك و انا أسف على تَصرفي الفَظ معك.
لا داعي لِلتأسف سموك، فالملوك و الأمراء لا يتأسفوا.
انا لم أعُد أميراً،
هَمهَم هو بِعيون مُضَيّقة
ليس صحيحاً، الأمير يبقى أميراً مهما تهرب من منصبه إلا إذا تَجَرَد منه أو تم نفيه من العرش.
انتَ عاشِر شخص اسمعه يقول هذا الكلام.
لأننا جميعنا مُحِقون.
فرقع كاغوا أصابعه من جديد حتى عاد الوقت يَمضي بشكل طبيعي، هَبط أيكس على الأرض يلحق بالكرة التي تتدحرج في الغرفة و توك أكمل لعبه بالملابس لا يدركون لما جرى من حولهم.
هل يجب عَليّ شراء هذا، سيدي؟ وضع توك المعطف الذي أعجبه امام وَجهي لأبعده انظُر اليه بِحواجب مرفوعة.
ظننتُ اننا لسنا هنا حتى نشتري الملابس.
اعلم، لكن بيني و بين هذا المعطف علاقة قوية لم اقدر على تجاهله.
هَززتُ رأسي اضغط بِأصابعي السبابة و الأبهم على جسر أنفي اسمع كاغوا يضحك بِفَم مغلق.
و انا أرى انكَ أحببت السترة سيد كين. أشار كاغوا على السترة التي نسيتُ أن اخلعها لأشعُر بِخجل فأنا قلت انني لن اشتري شيئاً من هنا بل فقط سأشاهد.
الخُطَط و القرارات تتغير، لا؟
امممم حسناً سوف نشتريهم. قلتُ لِتوك ليبتسم يُظهِر أسنانه اللؤلؤية قبل أن يومئ يعود الى مجموعة الملابس.
أيكس لم يَعُد يهتم لِكُرة الخيوط التي كان يلعب بها ليأتي اليّ و يجلس بِجانب الكرسي مُتعباً مِن القفز و الركض.
لن تدفعوا قطعة هذه المرة، الملابس على حساب المنزل كَهدية مني لكم. أخبرنا كاغوا لأشكره و توك سوياً قبل أن نستعد لِلمغادرة و الذهاب حتى نشتري ما أتينا من أجله من البداية.
عُدنا ثلاثتنا الى السوق نتمشى بين الحَشد و الازدحام و ضَجيج المدينة الذي أُحِبُه ثم توجهنا الى السوق المَفتوح مكان تواجُد بائعين يصرخون لِلجميع حتى يشتروا منتجاتهم و بضاعتهم بأنواعها، مثل الفواكه، الخضار، أثاث لِلمنازل و تُحَف فنية بسيطة لِمَن يمتلكون قدر كافي من المال.
كيف تَعرف والدك على كاغوا؟ قررت سؤال توك عن الأمر لأنه لم يترك دماغي منذُ رحيلنا من متجر كاغوا.
هَمهَم توك قليلاً قبل أن يُجيبني.
والدي كانَ ينقُل بضاعة الى عربته كي يأخُذها الى القريات التي تُحيط المدينة ولكن تَهجمت عليه مجموعة مِن المتشردين لكي يسرقوه و والدي لوحده لم يقدر على منعهم بما انه عجوز و من حُسن حظه، توقف توك لحظة بما أنَ اشخاص وقفوا بِوَجهنا لينظروا الى قِطع تماثيل يتم عرضها فوق طاولة صغيرة قبل أكمال توك كلامه
أتى كاغوا و معه حُراس المدينة لكي يُساعده بالتخلص منهم و منذُ ذلك الوقت و هُم أصدقاء أعزاء.
ماذا يعمل والدك؟
انه يعمل في متجر أحذية مع شريك و في نهاية كل شهر، يأخُذ الأحذية التي لم تباع لِلفقراء في القريات.
انه رجلٌ شريف.
اومئ توك يبتسم بِحُزن من دون أن يبادر بالحديث شارد بِأفكاره.
انتَ تشتاق لهم؟
لم يجُبني على الفور يبدو انه لم يسمعني لكني مخطأ لأنه رد قائلاً
انتَ تعلم أنَ الفرسان عندما يعملون في القصر لا يبقى لديهم متسع من الوقت لرؤية عائلاتهم و أخِر مرة رأيتهم فيها كان قبل سنة و نِصف.
انا سمعت أنَ فالين يُعطي فرسانه عطلات مرة في السنة، الم تأخُذ حقك؟
هَزة هو رأسه يُمسك مِقبض سيفه ليضغط عليه حتى تَحولت مفاصله للبيضاء.
لم استطع أخذها، لأنني كنتُ في فترة التدريب فأنا قد انضمَمتُ لِفرسان القصر في الشهر الماضي فقط أي انني جديد لهذا لم تسنح لي الفرصة بأخَذ عطلة بعد.
عائلتك بخير؟ اعني انهم لا يحتاجون اية شيء؟
لدي أمي، أبي أخ أصغر مني بِسنتين و أخت أكبر مني بِسنتين، انا في الأوسط. أمي تعمل طباخة تبيع الطعام من منزلنا و أخي يعمل مع والدي بينما أختي متزوجة لديها طفل لا يزال رضيع. وضعهم مُمتاز فأنا لا اقلق بِشأنهم.
لكنك فقط تَشتاق لهم.
اومئ هو مجدداً لأصمُت نُسَكِر الحديث يبدو انه يؤلمه كُلما تكلمنا بِشأنهم و هو مُحق، حتى انا اشتاق لِعائلتي الصغيرة و أصدقائي في أسليرا و مع ذلك ذهبت و تركتهم خلفي.
لدي شعور بداخلي يؤلمني كُلما تذكرتهم أو تكلمتُ عنهم لهذا انا و توك نتشارك هذا على الأقل.
هنا، توقف توك في مطرحه يرفع يده امامنا لأرى انه يُشير على بائع توابل و طَحين بأنواعه، أسمر و أبيض.
حسناً، دعنا نشتري ما يلزمنا كي نعود قبل أن يتأخر الوقت.
كما تريد، سيدي.
أخبرنا البائع بالقدر الذي نحتاجه ليبتسم بِسعادة و يبدأ يملئ لنا أكياس طحين كافية لأسبوع أما الباقي فَسوف يُرسِل فالين المزيد من الأشخاص لكي يشتروا ما يريدونه لِسنة.
ارحلي من هنا ايتها اللعينة! فجأة صرخ شخصٌ ما بِصوت ضخم و عميق لأدير رأسي على يميني أرى الجميع مثلي يُحدقون بِبائع الفواكه، سمين يَسحب من يد فتاة شابة كيس تفاح أحمر.
صدقني، انا لا اريد أن أبقى و اشتري منك أكثر لكني اريد حَقي! صاحَت الشابة بوجهِه تُحاول إعادة كيس التفاح التي أخذه منها.
انها بِطول لا بأس به ترتدي فستاناً أزرق و رداء فوقه بِقبعة يجعل رؤية وَجهها صَعب.
لقد اعطيتُكِ ما تستحق المال لشراء التفاح، لهذا خُذي الكيس و ارحلي قبل أن استدعي الحُراس. قال البائع بِلا مُبالاة.
همم أخرج أيكس أنيناً صغيراً لأنظُر اليه أجده ينظُر لي بِحزن على وَجهه اللطيف، انه حزين على الفتاة المسكينة.
أحياناً، أفكر أنَ أيكس يفهم تماماً ما يجري من حوله و أحياناً العكس، فَهذا المخلوق حقاً فريد و عمي ريس عرف جيداً ما أختار ليرافقني طيلة حياتي.
لقد اعطيتكَ قطعتين ذهبيتين و تلكَ القِطع تشتري ثلاثة أكياس تفاح فَلماذا لا تُعطيني الثالث؟ عارضته الشابة تُشير على كيس التفاح الذي بيد البائع.
هذا ليس صحيحاً، لقد غيرتُ من الأسعار مع انني أخبرتك قبل ذلك إلا انكِ عنيدة و غبية لا تفهمي.
لقد اعطيتَ ذلك الرجل ثلاثة أكياس بِقطعتين ايها الكاذب لقد رأيتُك!
زفر البائع الكاذب الهواء من فمه ثم لَوَح بيده عليها كي تذهب و عندما اندفعت حتى تأخذُ الكيس من يده، دفعها بِقوة لتسقط على مؤخرتها تقع معها أكياس التفاح.
بعدها اعطى انتباهه لِلزبون الذي ينتظِره يتركها على الأرض بين الجميع تُحدق به بِلا حِراك.
همم أخرج أيكس مرة من جديد نفس الأنين لأنظُر له اتفهم حزنه، فَهو يرى ما أراه و يفهم تماماً أنَ تلك الفتاة مظلومة و ذلك البائع خدعها و سرق مالها و هي لن تقدر على فعل شيء لكونها فقيرة و لن يُدافع عن حقها أحد.
هل تظُن انه يجب أن نُساعد؟ سألتُ أيكس ليُخرج لسانه الأزرق من فمه و يبتسم يوافق.
لقد انتهينا سيدي، دعنا نعود الى العربة. أتى توك معه أكياس الطحين كاملة يحملها بيديه الاثنتين، تبدو ثقيلة.
انتَ اذهب و ضعها فيها فأنا اريد أن أكمل التجوال قليلاً بعد.
حدق بي توك كأنه لم يفهم اللغة التي اتحدثها لأدفعه انا بِلطف لأمامي
كما أخبرتك، ضعها في العربة و انتظِر سوف أتي بعد قليل.
لكن لا يُسمح لي بِتركك لوحده هنا سيدي.
لا بأس، سوف أكون بخير أعِدُك انني لن اتأخر.
لم يتحرك توك من مكانه إلا بعد دقيقة صَمت ليومئ بِتفهم و يذهب مُتجهاً في طريق العربة حتى أختفى بين الحشود و لم أعُد أراه.
اردتُ أن اذهب الى الفتاة لكي اساعدها و إذ بها غير موجودة.
لقد اختفت من مكانها.
هل رحلت الى منزلها؟ تساءلتُ مع نفسي أُحَرِك عيناي على أيكس الذي يبدو انه هو ايضاً يبحث عنها.
باستسلام استدرتُ لكي أتجول كما أخبرت توك فَلقد رأيتُ أحداً يبيع الكريستالات الملونة و لكن بِطرف عيني لاحظتُ شخص ما يقترب من طاولة بائع الفواكه السمين مُحاوِلاً سرقة كيس التفاح الذي وضعه بالقُرب من مِنَصتِه و عندما ضَيّقتُ عيناي أكثر عليه، توضح لي أنَ الشخص هي الفتاة الشابة.
انها تُحاول أسترجاع حقها بِنفسها و بِسرية.
بما أنَ مِنصة البائع في منطقة لا يَصلها كل ضوء الشمس، فَيوجد ظلام من خلفه مكان تواجد كيس التفاح الذي تُحاول سرقته الشابة لهذا لم يراها أحداً أو ينتبه عليها غيري لأنني في وَضعية تسمح لي بِرؤيتها.
ابتسمتُ انا اضع يداي خلف ظهري ثم توَجهتُ نحوها مع أيكس بِبطء أتظاهر انني اتسوق و أشاهِد الأشياء المعروضة الى أن تحركتُ بِسرعة و أختلطتُ في الظلام لأصبح خلفها تماماً أراقب حركاتها البطيئة كالقِطة، أمسك رغبتي بِتخويفها.
اقتربتُ أكثر منها كِفاية لألمسها أو أخيفها لكني لم افعل اياً منهم بل احنيتُ ظهري قليلاً و هَمستُ لها بِمُكر
سوف تقعين بِمشكلة.
شَهقت هي بِشدة تلتفت اليّ لأرى عيون خضراء كبيرة متوسعة.
قرفصت هي تمسكني من يدي تجعلني اقرفص مثلها أسفل الطاولة، ارتطم رأسي بِحافتها لكني تجاهلتُ الألم احدق بها بِدهشة.
مَن انتَ بِحق الجحيم؟ صاحَت بِهمس.
لا أحَد و انتِ؟
شَقلب هي مُقلتيها قبل أن ترُد
ليس لكَ شأن و ارحل مِن هنا قبل أن يروك.
سوف يروكِ انتِ ايضاً.
لِلمرة الثانية، ما شأنُك؟
لم أجيبها بل تَعرضَت بسمتي أكثر لأنها غير مدركة انها تتحدث مع أمير. هَززتُ أكتافي ارفض إجابتها و هي تنهدت تَضع يدها على عينيها.
لديكِ ثوانيٍ لتأخُذي كيس التفاح و تَهرُبي لهذا ابدأي الأن قبل فوات الأوان.
و لماذا تُساعدني، ألا تريدهم أن يُمسكوا بي؟
لو أردتهم أن يمسكوا بكِ لأخبرتهم فور رؤيتي لكِ تُحاولين أخذ الكيس من وراء ظهر البائع.
انه مِن حقي!
اعلم لهذا لم اشتكي عليكِ.
رمشَت بِجفونها بسرعة كأنها لم تتوقع كلامي لتتنهد مجدداً و تستدير تَسحب الكيس بلمح البصر تمسكه بأحكام و تُعانقه لِصدرها تُخرِج زفيراً مريحاً كأن حياتها تعتمد عليه.
هيا بنا قبل أن يرانا البائع. أخبرتُها لتومئ هي موافقة.
تركتُ أيكس ثم الشابة يخرجونَ من أسفل الطاولة قبلي و من سوء الحَظ عندما خطينا أول خطوة بعيداً عن البائع استدار الى الخلف لتتقابل عيوننا بِعينيه و كما لو انه نيران حقيقية، تَحول لون وجهه الأسمر للأحمر و فتح فمه الكبير ليقول بِصُراخ
ايها السارقاااااان!
تبادلنا انا و الشابة النظرات و الخوف يشتاحنا نعلم ما سوف يجري بعد قليل.
آوبس لقد وقعنا في مشكلة.