رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخمسون
اخذتُ امشي وراء جيانا في ردهات القصر المُضيئة و الى المُظلمة بِهدوء تام. عندما سألتها لى اين تأخذني بالضبط أجابتني هي
الى السجون في بُرج بِجانب القصر، هناك نُبقي المجرمين و الأعداء.
أومأتُ انا لها بالتفهم و أكملنا طريقنا الى ذلك البُرج بسرعة نتجاهل من يرانا أو يبتسم لنا. في الحقيقة انا لا اعلم لماذا انا في طريقي لرؤية الرجل الشرير، هو صحيح قد حاول قتلي و أذيتي لكن ما الجدوى من رؤيته؟ ما الذي سوف اسأله و هل سيُجب من الأساس؟
قادتنا جيانا عبر ردهة مظلمة جداً لم أسلُكها من قبل، لتُمسك هي بأحدى الشموع و تكمل الطريق الى باب أسود حديد في أخر الردهة. وصلنا للباب و وقفنا امامه، اخرجت جيانا مفتاحاً من جيب ردائها، يبدو عتيقاً و قديماً ثم فتحت به الباب ليصدر الباب صوت مزعج بِسبب كونه يحتاج زيت ليخفف الصدئ أو بالأحرى يجب تغيره.
عندما دخلنا و اغلقنا الباب خلفنا، رأيت سلالم كثيرة تقود للأسفل. على كل جدار توجد نيران معلقة لتنير المكان قليلاً و مع ذلك مازال يوجد مناطق ظلمة لا يمكن رؤية شيء فيها.
الى اين تقود هذه السلالم؟ انا سألت نفسي اخذ خطوة على السلالم بِحذر و انظر للأسفل، لكن السواد مَن رَحَب بي.
سمعتني جيانا بِما أن صوتي عاليٍ لهذا أجابتني تمسك عصة من النيران كانت معلقة على جدار.
انها تقود للزنزانات و غُرَف التعذيب.
أرتعشتُ انا على ذكر غُرَف التعذيب و استطيع التخمين أنَ ذلك الرجل الذي سوف نراه موجود بإحداها.
نزلنا كِلانا على السلالم بِحذر كبير و بعد دقائق قد ظننتها ساعات من النزول و النزول، و صلنا للقاع لأرى المكان واسِع، مُنير بالنيران و يوجد حارسين يقفان بِجانب باب حديد يبدو كالأول لكنه أكبر و أكثر قوة على ما اظن.
أتَت معي السيدة هارث الذي طلبها السيد بيتر. اخبرتهم جيانا تُشير إليّ بيدها لكي يروني.
حدق بي كِلاهُما لثوانيٍ ثم أومئوا بِرؤوسهم ليرفع الحارس يده و يفتح الباب بِبطء لكي يدعنا ندخل. أومأتُ لهما بالشكر ثم دخلت عبر الباب خلف جيانا الى مكان الزنزانات. أول شيء وصلني هي روائِح مُتعددة قد جعلت من معدتي تتقلب و شعرت انني سوف أتقيأ. رائحة المكان عبارة عن دماء و تُراب رطب مع رطوبة الجدران و روائح الحديد الصَدئة، لا اعلم كيف يتحمل الحراس البقاء هنا كل يوم من دون أن يفقدو وعيهم من قوة الروائح.
المكان خالي لا يوجد فيه احد، ولكني و بكل تأكيد اسمع صراخاً قادم من بعيد و ايضاً قادم من جهة اخرى حتى للحظة شعرت أنَ النيران الموجودة ترتَعِش مع كل صرخة.
لنذهب من هنا. قالت لي جيانا تُشير لي لألحق بها.
اخذنا خطواتنا بِجانب بعضنا نمشي و نَمُر من جانب الكثير من الزنزانات التي تكون مفتوحة، اعني مكشوفة يمكنني رؤية السجناء بداخيلها على الأرض الباردة مُقيدين بالسلاسِل لكي لا يفكرو حتى بالهروب. بعضهم نائم على الأراضي بملابس ممزقة و قذرة مثلهم و الدماء تملئ جسدهم و وجوههم. الأخرين مستيقظين، يرمقونا بنظرات مرعبة قد أرسلت القشعريرة بأرجاء جسدي كله.
لا تنظري لهم و تجاهليهم. قالت لي فجأة جيانا.
هل هم أسليريين؟ سألتها انا اعود و انظر بسرعة للزنزانات.
أومأت هي برأسها ثم أجابتني بصوت جاد لم اسمعها تستعمله كثيراً
نعم، ليس لأن أسليرا مملكة مِثالية هذا يعني أَنَ شعبها مثالي. دائماً ما يوجد من امثالهم، سارقين و مجرمين، قُتلة لا يشبعهم إلا الدماء و الأشلاء.
مررنا من جانب غُرَف مختلفة مغلقة بأبواب حديدية عليها فتحة من الأعلى اعتقد لرؤية السجين من دون فتح الباب و فتحة اخرى كبيرة في اسفل كل باب من اجل إصال الطعام لهم. رأيتُ حُراس يمشون مع بعضهم و يتكلمون قادمون بعكس اتجاهنا، فور رأيتهم لنا أومئوا برؤوسهم و أكملوا الطريق كما لو انه يوماً عادياً مشمساً كأي يوم يقضوه هنا.
هل سبق و أتيتِ الى هذا المكان من قبل؟
انا سألت جيانا أكسِر الصمت بيننا.
لم تُجبني هي بسرعة و إنما اخذت وقتها، لقد ظننت انها لن تجيب الى أن قالت
لا، لا أحب الدخول إليه ابداً أو حتى التفكير بالقدوم، لكن في بعض الأحيان أُجبَر على ذلك لتوصيل رسائل أو احضار الطعام للحراس. مع انني أفَضِل عملي في الأعلى.
عم الصمت من جديد لنسمع فقط اصوات اقدامنا تطرق على الأرض الحجرية مع كل خطوة الى أن وصلنا الى باب زنزانة مغلق بِجانب ابواب اخرى.
لقد وصلنا. قالت جيانا تنظر لي.
رفعت هي يدها لتطرق الباب لكنها اوقفتها بالهواء لتستدير إليّ بوجه فيه صرامة
قبل أن ندخل، يجب عليكِ أن تعرفي أنَ ذلك الرجل كما تعرفين خطر جداً، لهذا احذري من اغضابه أو التقرب منه و لو خطوة صغيرة و ابقي بِجانب أدلار طيلة الوقت.
اعلم جيانا، فأنا لستُ حمقاء. قلت لها بِفارغ الصبر لا اريد الأنتظار أكثر.
أومأت هي بالتفهم ثم دقت الباب مرتين ليفتح بعد ثوانيٍ و يخرج لنا بيتر و على وجهه علامات الدهشة.
أوه لقد وصلتُما. قال هو يسمح لنا بالدخول كما لو انه لم يتوقع مجيئنا.
عندما دخلت للغرفة خافِتة الإنارة، انتبهت لوجود سلاسِل معلقة في كل مكان، أدوات كالسكاكين و السيوف و المطارق و المزيد منها بأحجام صغيرة موضوعة فوق طاولة خشبية قديمة على جانب الغرفة القذرة، و اعتقد انهم أدوات تعذيب.
مياه على الأرض قذرة للونها الداكِن، دماء في كل مكان، على الجدران حتى المياه الذي سبق و ذكرتها و بالطبع الرائحة ليست مختلفة عن ما شممته قبل قليل لكنها الأن اقوى تَعلق بالأنف. الشيء الوحيد الذي يُغير من هواء هذه الزنزانة، هي النافذة في الأعلى تسمح لتغير الأجواء و لِضوء القمر بالأنضمام إلينا يُنير الزنزانة بضوئه. لقد اصبحنا في المساء؟، لم انتبه لهذا.
تاليا لقد أتيتِ. قال لي أدلار الذي يقف مستدير الرأس امام احدٍ ما في منتصف الزنزانة يجلس على كرسي حديد مُقيَد بِسلاسِل عند المعاصم و الأقدام بالكرسي.
هذا اللعين الذي حاول قتلكِ صحيح؟ سألني الجنرال هودي الذي يقف بجانب طاولة الأسلحة و الأداوت.
ضَيّقتُ عيناي لأنني لا أرى الرجل بما أنَ أدلار يقف بالوجه ثم اخذتُ خطواتي بِبطء الى أن وصلت لجانبه و رأيتُ الرجل و أخيراً برأس مُنحني دِمائي يرتدي ملابس ممزقة عليها بقع كبيرة من الدماء كذلك و وجهه به كل انواع الكدمات و التورم.
أومأت انا له على سؤاله ثم قلت
نعم هذا هو الذي حاول قتلي.
جيد جداً.
إذاً هل من تطور معه؟ هل اخرجتم منه معلومات؟ انا سألتهم جيمعاً لا اوجه الكلام لشخص مُحدَد.
لم يجبني احد كأنهم لم يسمعوني اتكلم اصلاً، رفعتُ حاجباً انتظرهم الى أن أجابني أدلار يتنهد
لا، مع الأسف لم نستطع. اتضح أن في جسده تجري تعويذة سحرية تمنع زهرة الحقيقة مِن اخراج اية شيء من عقله و التعذيب المُستمر معه لم يُجدي اية نفع. انه عنيد يتحمل كل ما نفعله به.
سمعتُ الجنرال هودي يلفظ كلمات غير مُناسبة للأذان ثم بسق على الأرض.
إذاً لماذا طلبتم رؤيتي؟ لكي تخبروني بِهذا الخبر السيء؟
هزة أدلار رأسه بِ لا لكن الجواب خرج من بيتر الذي يقف في زاوية الزنزانة لا يُصدر صوتاً.
لا سيدة هارث، لم نكن نريدكِ أن تتدخلي بالأمر، لكنه في الحقيقة هو من طلب رؤيتكِ.
حدقتُ بِبيتر مصعوقة من الذي سمعته لأعود و انظر الى الرجل الذي على ما يبدو فاقِداً للوعي و لعابه يسيل من فمه مَخلوط بالدماء.
ماذا؟ طلب رؤيتي؟ و هل اخبركم السبب؟
لا لم يفعل، لكنه قال انه يريد التكلم معكِ انتِ.
لقد رفض اخبارنا بالسبب و لم نكن نُريد قدومك. و لأننا نجهل ما بداخل عقله لم نعد نملك خياراً اخراً إلا احضارك.
أكمل أدلار الكلام عن بيتر ليجعلني التفت إليه بِحيرة.
لكنه فاقد الوعي. انا قلت له اعيد عيناي على الرجل.
لا إنَ الحقير يَدَّعي ذلك، لكنه مُستيقظ انظري، تحرك أدلار من مكانه ليُمسك بِدَلو فيه مياه على ما اعتقد انها باردة ثلجية ثم سكب المياه كلها على الرجل ليشهق بقوى لتفاجئه بالمياه المجمدة ثم بدأ بالسُعال بِشدة للحظة ظننت انه سوف يختنق و يموت.
هيا استيقظي ايتها الأميرة النائِمة فَحان وقت جلستنا اليومية. قال له أدلار بعدما ألقى بالدلو على الارض بجانب كرسي الرجل.
اخذتُ انا خطوة كبيرة للوراء اضع مسافة بيني و بين الرجل السجين لأنه رفع عينيه الصفراء المُخيفة للأعلى لينظر لي بِطريقة مخيفة شعرتُ بها بِعظامي.
امسك أدلار شعره ليرفع رأسه من الأنحناء ثم همس بأذنه بصوت عاليٍ
ها هي هنا، لقد طلبتها و احضرناها إليك و الأن تكلم.
لم يخرج كلمة من فمه لكنه أبتسم أبتسامة بأسنان مَكسورة و دماء جافة عليهم، انا يجب عَليّ أن ابعد عيناي عنه لكنني لم أقدِر، بَل أبقيتُهُم عليه كأننا في مسابقة تحديق من يُبعد نظره عن الأخر يخسر.
من الجميل رؤيتكِ ايتها السيدة اليافِعة. قال الرجل و أخيراً بِصوت فيه بَحة عميقة بعد صمت طويل.
من انت و ما الذي تريده مني؟ انا سألته اشابك ذراعيي امام صدري لشعوري فجأة بالبرد.
صمت اخر اطول من الأول في الزنزانة حتى قرر أن يجيب مجدداً
أردتُ أن اتأكد انكِ مازلتِ على قيد الحياة، ألا يُمكنني أن اتمنى امنية صغيرة قبل موتي.
من قال انكَ سوف تموت قريباً ايها الحقير!
قال له أدلار يَشُد على شعره أكثر ليخرج الرجل صوت من فمه من الألم.
رفعتُ يدي لأدلار لكي يتوقف و يدع الرجل حتى اعيد و اسأله مجدداً
من انت و ما الذي تريده؟
من انا، انا شادونايت. ما الذي اريده، فهذا ليس من شأن اية احد.
لقد دخلتَ المملكة و القصر الملكي من دن علم احد و حاولت أغتيال الملك و أذيتَ خادمته الشخصية و الأن تقول أن لا شأن لأحد؟
سأله بيتر يتقدم خطوة نحونا ليقف بجانبي و مُضيّق العينين على الرجل.
رفع الرجل رأسه للأعلى لينظر الى بيتر و بعد ثانية نصف ابتسامة ظهرت على شفتيه الجافة و المتورمة و قال
السيد أناليس! من اين احضرتَ الشجاعة للتكلم بهذه الطريقة؟ هل لأن احداً مثلك في نفس ال--.
لم يُكمل جملته ليتلقى لكمة من أدلار حتى يخرس.
اخرس ايها اللعين! قال أدلار بِغضب.
انا لستُ غبية، انتَ لم تطلب رؤيتي لتتفوه بالهراء لهذا تكلم و إلا سوف اخرج و أدعهم يُكملون عملهم معك. انا قلت له استعِد للمغادرة.
اندفع الرجل فور انتهائي من الجملة ليقول
حسناً حسناً، أرجوكِ فقط دعيهم يتوقفوا قليلاً عن ضربي فَلم اعد اشعر بِفمي لكي استخدمه.
حركتُ عيناي لأنظر الى أدلار حتى يبتعد و يقف بجانب جنراله هودي عند طاولة الأدوات لكن بيتر مازال بجانبي مشابك ذراعيه بِفضول ينتظر.
تكلم. قلت للرجل الذي يحاول أن يرمش و يُصَفي رؤياه كما لو انه لا يرى جيداً.
انا ادعى لاين، و انا اكون جاسوساً لا أكثر.
جاسوس لتنقل كل ما يحدث في القصر لملك؟ صرخ الجنرال هودي يتحرك ليذهب للرجل لكن أدلار اوقفه بيد على كتفه.
نعم هذا صحيح. أجابه الرجل الذي يُدعى لاين من دون اية مشاعر على وجهه.
الم تُحاول أغتيال الملك ريساند؟ انا سألته غير مقتنعة.
هزة لاين رأسه بِبطء ثم أجابني يبلع ريقه لتتغير ملامح وجهه للتقزز كأنه ابتلع دماءاً مع لعابه.
لا انا أقسم انني لم اكن لأغتاله، فَالملك غادان لن يُنهي ما بينكم و بيننا بالغَدر و السهولة، لقد مرت قرون و هو يستعد لهذه الحرب، لهذا سوف يواجه ملكِكم وجهاً لوجه و يقتله امام الجميع مُعلِناً فوزنا.
رفعتُ حاجِباً عليه و اخرجت صوتاً من حلقي اضحك مستهزائة
واثِق كثيراً بالفوز؟
أبتسم لاين و أجابني ينظر لي بِمُكر في عينيه.
غادان ليس كالسابق، لقد اصبح وحشاً مُتعطِشاً للدماء، قوته اصبحت تفوق الخيال و مع مملكة سنويان، فهوا لا يُهزم.
ضحك الجنرال هودي بِصوتٍ عاليٍ لينضم إليه الحارس في زاوية الزنزانة الذي لم الاحظ وجوده و معهم أدلار.
ملكك اللعين يحتاج من يقف معه حتى يُقاتل، لولا وجود سنويان لما كان سيُفكر بالحرب حتى.
قال الجنرال ساخِراً.
حرك لاين رأسه لينظر الى الجنرال ثم أبتسم أبتسامة خبيثة.
و هل تظنون أنَ الممالك الأخرى سوف تَهُم بمساعدتكم؟ أوه لا لا هذا لن يحدث، فَجميع الممالك الأخرى لا تريد اية يد بِهذه الحرب، جميع الملوك خائفة و لن توافق على الأنضمام. قد تملِكون الملك فالين لكن لن ينضم غيره لكم.
توقف الرجل ليسَعُل بِشدة و يبسق الدماء على الأرض بعدها أكمل بِصوت ضعيف مختلف عن الأول
لو أنَ الملك فالين ليس قريباً من مَلكِكُم، لما كان سينضم للحرب من الأساس.
ماهذه الثقة العمياء ايها اللعين؟ سأله الجنرال هذه المرة لا توجد سُخرية بِنبرته، بل الجدية المخيفة كأنه سوف يمسك سكينة من على الطاولة و يضعها في وجهه.
ليست ثقة ايها الجنرال، بَل حقيقة.
مملكة سنويان قد وقفت بِجانبكم في الحرب الأخيرة و فشلتم فشل عظيم، كيف لكَ الأن أن تضمُن فوزكم؟ سألته انا اعيد انتباهه إليّ و بعيداً عن الجنرال.
حرك رأسه لاين ليُحدق بي كالذي تذكر وجودي.
من المستحيل أن اتفوه بِكلمة و لا يمكنكم اجباري فهذا سر سوف تكتشِفونه بالحرب بعد امساك غادان العظيم رأسه ملكِكُم و يفصله عن جسده المثير للشفقة و انتِ ايتها السيدة، وجودكِ بجانب ريساند كَعدَمُه.
فتحتُ فمي لكي أعارض كلامه و اصرخ عليه لأتفاجئ بِالجنرال هودي مُسرعاً نحو لاين حتى لكمه لكمة اعتقد انني سمعتُ صوت كسر لعظمة فكُه و بسبب قوة اللكمة و قع لاين على الأرض مع كرسيه المربوط به.
لا تتكلم عن ملكنا بتلكَ الطريقة ايها الحقير القذر! صرخ الجنرال على الرجل المَرمي و لا يتحرك على الأرض.
الرجل لا يتحرك كأن الزمن توقف و عم الصمت في الزنزانة فقط نسمع صوت تنفس الجنرال القوي كأنه ثور هائِج.
نعم انا متأكدة أنَ الرجل لاين فقد وعيه لهذا لا يتحرك و انا لا الومه، فَتلكَ اللكمة شعرتُ بها على وجهي مع أنَ لا دخلَ لي ابداً.
حسناً بِما أنَ الرجل لن يستفيق و الشكر للجنرال، دعونا نعود لعملنا و يومنا. قال بيتر للجميع يتنهد مُحدقاً بالرجل فاقد الوعي.
أومأت لبيتر بالموافقة ثم تحركتُ الى الباب لأفتحه لكن انتبهت أن أدلار لم يتحرك و حتى الجنرال أو الحارس.
الن تأتوا ايضاً؟ سألت أدلار بِقلق.
هزة هو رأسه ثم أجابني يبتسم بِلطف
لا، سوف نبقى هنا قليلاً و انتم اذهبوا فَبقائكم هنا غير مُلزم.
حسناً قلت له لأغادر الزنزانة مع بيتر و نغلق الباب ورائنا.
حركتُ عيناي في الأرجاء ابحث عن جيانا لكني لم أعثر عليه ابداً.
لقد عادت الى عملها، لا تقلقي. هي فقط اوصلتكِ و عادت فوراً. المكان لا يُعجبها هنا.
قال بيتر كأنه قرأء أفكاري.
أوه انا أرى ذلك، هي سبق و اخبرتني انها لا تُحِب المكان و انا أوافقها الكلام.
اشار لي بيتر بيده لكي نبدأ بالمشي بعيداً في الردهة ثم قال لي و نحن نمشي بِجانب بعضنا.
سيدة هارث سوف اطلب منكِ طلباً.
تفضل.
امسكني مِن ذراعي العُلية ليوقفني و ينظر لي بعيونه الزرقاء مُباشرة
لا تخبري ريس عن الذي حدث اليوم أو عن استيقاظ الرجل بعد.
لماذا؟ انا سألته لا افهم.
من الأفضل عدم اخباره الأن، لكون رأسه مَليء بالكثير من المشاكل و الأعمال، لا نريد أن نُضيف المزيد له ربما قد نخبره لاحِقاً لكن ليس الأن و من الممكن أن يمنعكِ من رؤية الرجل مرة اخرى خوفاً عليكِ كما تعرفين.
شعرتُ بِوجنتاي تَحمر خجلاً لأحني رأسي و أكمل المشي لكي لا يراني كالطمام.
انا اتفهم بيتر و اعدك انني لن اخبره بِحرف.
شكراً لكِ سيدة هارث.
رفعتُ رأسي و حدقتُ به لبعض الوقت
لماذا تشكرني؟
لم يُجبني على الفور بل اخذ وقته حتى رأيتُ زاوية من شفتيه الصغيرة ترتفع للأعلى
على البقاء بِجانبه و تحمله.
لم اسأل عن من يتكلم لأنني اعرف مَن، و لم اقول اية حرف اخر لأنني لا اريد أن ندخُل بِأحاديث لستُ مستعدة للبدأ بِها بعد. لهذا أكملنا طريقنا في ردهات المكان بِصمت الى أن غادرنا.
هل معدتكِ بخير؟ سألني فجأة ريس لا يرفع رأسه عن الأوراق التي بيده و هو يجلس على مكتبه يعمل منذ الصباح الباكِر.
ماذا؟ انا سألته لم أستوعِب ما قاله.
رفع ريس رأسه و حرك عينيه البراقة ليُقابل عيناي ثم اعاد سؤاله من جديد
البارحة تأخرتي بالعودة و لقد قلقتُ عليكِ كثيراً، لهذا سألتكِ هل معدتكِ بخير؟ ام أنَ حمامكِ كانَ شيئاً اخراً بِما أنَ الخادمة جيانا من أتت لتأخذكِ.
في نبرته التسائُل أكثر من القلق كأنه مُتضايق و يعرف انني لم اذهب من الأساس للحمام. بلعتُ ريقي ثم اعدتُ ظهري على الكرسي بِجانب مكتبه
في الحقيقة لم اذهب الى الحمام،
رفع هو حواجبه لكن ليس بِتفاجئ و إنما خائيب الأمل و فضولي لكنه لم يلفظ بِكلمة و تركني أكمل
جيانا أرادتني بأمر مُهم يخصُها هي لهذا اضطررت الذهاب و أخفاء الأمر عنك.
هل كان يجب عليكِ الكذب عَليّ تاليا؟
حدقتُ به أرمِش بِجفوني بسرعة احاول أن افهم نبرته ثم تنهدتُ لأجيبه
انا أعتذر، لقد كرهتُ اللحظة التي كذبت عليكَ بها، لكنني لم املك وقتاً لأشرح لك الى اين و لماذا يجب أن اغادر بينما انتَ تستمتع بِرفقة صديقك العزيز و الفتيات الشبه عاريات.
اعرف انني قسوتُ عليه بكلامي مع انه فقط قلق عَليّ و ليس أكثر، لكنني لا أحِب أن يتدخل احداً بِحياتي أو يخبرني ما يجب فعله، إلا انني بسرعة تذكرت انني لستُ انسانة تعيش لوحدها و بعالمها، بل في عالم اخر و كوني خادمة لملك فأنه يملك الحَق بِمعرفة لماذا و الى اين انا ذاهبة حتى لو كان شخص أحبه و اعتبره أهَم من اية احد في حياتي، بالأخر هو ملك و كونه ملكاً كلمته قبل اية شيء.
تاليا انا لا احاسِبكِ ابداً و لن افعل، لكنكِ اقلقتني جداً و لدي الحق بِمعرفة ماكان يحدث معكِ.
قال هو يضع الأوراق من يده لينظر لي بعيون صارِمة.
إن حدث لكِ اية مكروه، فَلن أسامِح نفسي. أكمل هو هذه المرة بِنرة مُنخفضة كأنه يهمس و في عينيه اختفت الصرامة ليصبح بدلاً منها الرِقة فيهم.
قبل أن اقِف من على الكرسي لأذهب إليه لأنني لم اتحمل و قلبي انكسر على شكله، لأراه هو من يقف و يَمشي حول الطاولة الى أن وصل إليّ. ف
جأة قَرفَص هو امامي ثم وضع يديه على رُكبتاي يرفع رأسه للأعلى ليُحدق بي. هل اخبرتكم أنَ قلبي سيخرُج من مكانه؟
اعتقد انني قلت هذه الجملة مليون مرة في كل لحظة يكون هو قريب هكذا مني.
ريس، بالكاد خرج اسمه مِن فمي عندما حركتُ عيناي للأسفل لأنظر لهذا الرجل الذي سوف يُفقدني عقلي يوماً ما.
اريد أن أعتذر عن تصرُفات فالين الوقِحة البارِحة. قال هو يضغط قليلاً على رُكبتاي بِلطف.
لماذا تعتذر عنه هو؟ الشخص الذي يجب عليه الأعتذار هو فالين و ليس انت. انا اخبرته اضع يدي اليُسرى على وجنته لأشعر بدفء وجهه الجميل الذي لن امَل مِن النظر له.
اعلم، و مع ذلك سوف أرغمه على الأعتذار لكِ، بنفس الوقت انا أعتذر لأنني لم اعرف ما يَخطُر على باله. هو ليس احداً سيئاً تاليا، لا تُسيء الفهم، فالين لا يفعل ذلك إلا عندما يشعر بالخطر من حولي. انه رجل بِقلب كبير و رائع ليس من عاداته فعل ما فعله معكِ لهذا أرجوكِ سامحيه و لا تأخذي الأمور شخصية.
هو يشعر انني خطراً عليك؟ انا سألته مَصعوقة و بنفس الوقت اجد الأمر مضحك كثيراً.
أومئ هو برأسه ثم أجابني يبتسم قليلاً و ينظر الى يدي الأخرى التي تستريح على فخذي ثم رفعهم لينظر الى رقبتي مِما جعلني أتوتر و أشتعِل كالنيران من نظراته تلك.
نعم و لا، دعينا نقول أنَ ما حدث معك حدث من قبل لكن لشخص اخر لم يُحِب كون ذلك الشخص من حولي. لكني اخبرته أن يدعكِ و شأنك لهذا لا تفكري أو تخافي منه.
اخذتُ وقتي ادخل كلامَه لعقلي، شخص اخر مثلي كان من حوله. لقد سمعت فالين ينعتني و يُشَبهني بِفتاة قد قال انني مثلها. هل هنالك سِراً اخراً يُخفيه ريس عني؟ لا اريد التفكير بالأمر كثيراً لأنه قد يقودني للجنون أو لذلك الفضول الذي يَرميني لجحيم المشاكل كلما تركتُ من فضولي يقودني كالحصان.
لن افتح فمي و اسأله عن ذلك الشخص أو الفتاة بالأحرى التي يُشبهني بِها فالين لكني أومأت لريس بالتفهم على ما اخبرني به ثم أنحنيتُ و وضعتُ قبلة صغيرة ولكنها مليئة بالحُب على وجنته.
علي ما يبدو انني فاجئته بِفعلتي و مع ذلك رأيتُ شفتيه تكبر لتَرسُم أبتسامة جذابة.
لا تعتذر ريس بسبب انكَ لم تعرف مُسبقاً بِماذا يفكر و ما يجول في بال فالين. انكَ لستَ بِقارئ للأفكار أو ترى المستقبل، و انا بإمكاني حماية نفسي و الأهتمام بالذي يحدث معي، لهذا لا تعطي نفسك المسؤولية عني، انا فقط احتاجك بِجانبي.
قلت له أعيد و اعطيه قبلة اخرى على وجنته الأخرى.
حركة خطيرة منكِ سيدة هارث. قال ريس بِصوت ثَخين يقف على ساقيه لكن من دون أن يتحرك بعيداً.
رفعتُ حواجِبي و شابكتُ ذراعي امام صدري لأقول له بِأغاظة
أوه حقاً؟، و ماذا سوف تفعل إن استخدمتها مرة اخرى؟
لم يَجبني على الفور بل اخذ وقته بالتفكير لا يَكُف عن التحديق بي. للحظة رأيتُ عينيه الفُضية تلمع تحت اضواء الغرفة في هذا المساء و انا احسستُ أنَ ما سألته سيقودني لطريق مختلف لم اكن لألاحِظُه.
هل تريدين المعرفة سيدتي؟ هو سأل يأخذ خطوة اقرب لي حتى تلامست ركبتيه بِركبتاي.
مع انني ارتدي فستاناً يُغطي ساقاي إلا أنَ بفعلته تلك شعرتُ بِحرارة جسده لم تصل فقط لرُكبتاي أسفل الفُستان، بَل لجسدي و روحي ايضاً.
بلعتُ ريقي احاول أن احرك لِساني ليجيبه و لكن ما خرج مني كانت احرف مُتقطعة كأنني لم اعد اعلم كيف اوصلها سوياً لأكَون جُملة
ما، ذا، سو، فَ، تف، عل؟
ظهرت اسنانه اللؤلؤية بِسبب ضحكته بعدما رأني أتوتر كالحمقاء، لكنه امسك يدي و اوقفني من على الكرسي ليسحبني بقوة الى صدره ثم يلف ذراعيه الطويلة حولي بِعناق.
هذا ما سيحدث، قال هو على شعري مازال يضحك تلكَ الضحكة التي اصبحت كالأغنية لأذاني.
مع انني كنتُ أفَكِر بِسرقة قُبلة، اثنتين، ثلاثة، اربعة في كُل مكان يُمكن لكني اخاف أن اتلقى لكمة قوية منكِ لينكسر سن أو عَظمة قد احتاجها في حياتي. هو أكمل يُقبل شعري و يعصرني بعناقه مازال يضحك.
شعرتُ بِوجهي يَحمَرُ عندما سمعت كلامه لهذا صفعته على صدره ثم لففتُ كلتا ذراعيي حول خصره لأغمر وجهي بصدره و اشتم رائحته. عم الصمت بيننا من دون ان يخرج احدنا صوتاً إلا اصوات انفاسنا طبعاً. و انا استمتع بِالشعور و سماع دقات قلبه ريس فمه ليكسر الصمت الجميل و يتكلم.
لم اخبركِ بِهذا من قبل لأنني لم اكن اريد أن أفاجئكِ و مع ذلك لا اعتقد انني استطيع الأنتظار أكثر تاليا.
قال ريس بِصوت مُنخفض يضع يد على ظهري و الأخرى مُمسِكة بِخصري الصغير.
رفعتُ رأسي من على صدره لأقابل عينيه التي تنظر لي ايضاً و فيها شيء لم اراه من قبل، انه ليس الدفء، و ليست الرقة بَل شيء اخر أكثر قوة، شيء رُبما قد رأيته لكن بِعيون اشخاص لمن يكونوا مُهمين لهم و نظرات تقول للأشخاص أن من دونهم لا يمكن العيش.
لقد سبق و رأيتُ ابي ينظر لأمي بنفس هذه النظرات...
ماذا تريد أن تقول؟
انا سألته أهمِس و أرجف قليلاً بين ذراعيه.
فتح هو فمه لكنه اغلقه من جديد يدع من عينيه تتكلم و يدع دموع تتكون في عيناي.
انا أحبكِ تاليا الكساندر هارث، يا صاحبة القلب الجميل و الروح اليافِعة. أحبكِ يا صاحبة المَزاج المتقلب و الجمال الجاذب.
هل تعرفون تلكَ اللحظات عندما تكونوا في موقف لم يعد بأمكانكم التكلم به لأسباب مُختلفة مواقف لا تُحَسدون عليها؟، حسناً، انا في نفس الموقف لكن بطريقة مُميزة و بنفس الوقت أُحسَد عليه جداً جداً انا متأكدة.
لم اكن لأتخيل نفسي في موقف كهذا ابداً في حياتي، لم اكن لأتخيل انني سأقع بِحُب رجل مثله، بل ظننت أنَ مستقبلي سوف يكون مع رجل طبيعي مُمِل يعمل بِتقطيع الخشب و لا يبتسم إلا عند موعد العشاء و وقت الإجازة لكن الأن و هنا مع هذا الرجل الذي ينظر لي كأنني الشخص الوحيد في حياته جعلني اشعر كم انني مهمة له، كم انني احداً قد يُفديه بِروحه، انه قد يعطيني الدنيا لو استطاع. لِلبعض قد يكون اعتراف بالحُب فقط، لي، انه كالحلم الذي لا اريد الأستيقاظ منه. انها سعادة قد لا تكون أبَدية لكنها سعادة لم اتوقع حدوثها لي بِهذا العمر.
تاليا؟، هل انتِ على ما يرام؟ لماذا تبكين؟ سألني ريس يُعيدني للواقع و من أفكاري.
رمشتُ انا احدق به ثم أريته أبتسامة كبيرة و واسِعة نادراً ما تَظهر على شفتاي.
نعم، انا على ما يرام. أجبته أنشُق من انفي من البكاء.
اعاد لي هو الأبتسامة ثم ابعد يده عن خصري ليمسح دموعي المالحة عن وجنتاي.
هل استعجلتُ بِقولي؟ سألني هو يُخرج ضحكة صغيرة من حلقه.
هززتُ رأسي بقوة أعارضه.
لا لا، انا ابكي من السعادة لأنني في الحقيقة انا ايضاً أحبك.
توسعت عينيه بعدما سمع كلامي ليغلقهم و يتنهد كأنه كان تحتَ ضغط أختبار و أجتازه بِصعوبة و من دون اية سابق انذار شعرتُ بِشفتيه الدافِئة على شفتيه و هنا انا طِرتُ كالعصفور الذي تعلم لتوه التحليق.
لنقول أنَ بعد تلكَ القُبلة انضمت لها اخرى و اخرى لكن الفرحة لم تُكمل لأن صوت طرق على باب غرف ريس قد أوقفتنا.