رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والخمسون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والخمسون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والخمسون

لا اصدق انهم سوف يحتفلون بدلاً من الأستعداد لِلحرب التي على الأبواب.
قالت تيلار تتذمر و نحنُ نتمشى في الساحة الرئيسية لِلقصر الملكي الخاص بِفالين.

اخبرني ريس في الصباح الباكر بعد أن عاد مِن الأجتماع مع الملوك، أنَ اليوم هو اخر يوم لنا في فالينيا.
لهذا بعد الحفلة، يجب علينا أن نحزِم اغراضنا لكي نغاد و نعود لأسليرا بأسرع وقتٍ ممكن.

أحنيتُ رأسي للأسفل حتى انظر الى القزمة التي تتذمر منذ فترة الأن. انها ليست مِن مُحبي الحفلات و في الحقيقة انا اتفهمها لأنني لا أحِب الحفلات كذلك، لكن يجب علينا الحضور من اجل ريس. لا اريد أن افكر بالأمر، لكنها قد تكون اخر حفلة نحضرها جميعنا.

هل لكِ أن تتوقفي عن التذمر، حاولي الأستمتاع بِكُل لحظة لرُبما تتعرفي على الفرح قليلاً.
قلت لها اتنهد مبتسمة لِلخدم الذين يَمرو بِجانبنا.
انتظروا من تتكلم عن الفرح، صاحِبة الهالة السلبية.
توقفتُ بِمكاني لأجعل جيانا تَصطدم بي من الخلف.
أوتش! قالت جيانا تقف بِجانبي واضِعة يدها على جبينها.
اعتذر جيانا، و انتِ سيدة خشبية! لا تتفلسَفي. صحيح انني امتلك طاقة سلبية لكنني على الأقل اعرف ما هو المرح.

اخبرتُ تيلار أشير بأصبعي عليها.

هي لم تُبدي اية ردة فعل، حدقت بي بعيون فيها ملل و وجه جامد، تشابك ذراعيها امام صدرها لا تترك عيناي.
لا يهم. قالت هي تستدير و تكمل مشيها مبتعدة عني و عن جيانا.
ماخطبها؟ انا سألت لا احد بِصوت عاليٍ ارفع يداي بالهواء.
اظن انها ليست متشوقة لفكرة الحرب القادمة بشكل عام. اعلم أنَ تيلار شاركت بِجميع الحروب و اخبرتني انها تكره كل واحدة أكثر من الثانية، جميعها جعلتها تَمُر بِحالة كأبة لِفترة.

أجاب جيانا على سؤالي الذي يُحلق بالهواء بيننا.

حركتُ رأسي بأتجاه جيانا انظر لها بِحاجب مرفوع
لماذا تخبركِ عن الكثير و انا لا؟ اتعلمين، لا يهم، دعينا نكمل التمتع بهذا الطقس الجميل اليوم، فيبدو اننا احضرنا معنا غيمة سوداء لا اريد منها أن تُدمر يومي.

و بذلك تحركتُ لا استمع لِرد جيانا، الحق بِتيلار التي اصبحت امامنا تمشي بِخطوات بطيئة.
انا اتفهم موقف تيلار، انني حقاً اتفهم، لكن الشيء الذي يزعجني بشأنها، انها ليست منفتحة معي. انا صديقتها و قريبة منها جداً، لكنها لم تُصارحني بِمشاعرها عندما تكون، حزينة، سعيدة، غاضبة أو مكتئبة و انا دوماً ما أكتشف عن طريق الأخرين و ليسَ منها هي.

اريد منها اعطائي ثقتها كما فعلتُ انا. اريدها أن تشعر بالراحة عند التكلم معي، لكنها دائماً ما تُخفي و تدعني اخِر مَن يعلم. جيانا أكبر مِثال، لقد اخبرتها عن سبب كأبتِها، لكنها لم تخبرني انا.

هل خطأي انا لأنني اندفع بالرد عليها بِطريقة غير صحيحة؟
ام انها هي من ترفُض الأنفتاح لي؟
انا سألتُ نفسي اشعر بالقليل من الحزن.

شكراً تيلار لِتدمير يومي المشرق.
تاليا! فجأة سمعتُ اسمي قادم من الجهة اليُسرى. انه بعيد و انا اعرف الصوت جيداً.
حركتُ رأسي بأتجاه الصوت لأرى ريس يمشي على الأعشاب الخضراء يضع يديه بِجيوبه متجه نحونا.
يبدو أنَ جلالته كان بِالبيت الأخضر هناك.
قالت جيانا تُرسل أبتسامة لطيفة لريس و تنحني له.
هل قاطعتُ نزهتكم في هذا اليوم الجميل؟
سأل ريس فور وصوله لنا، يبتسم لِجيانا و يومئ بِرأسه لي.

لا لا، على اية حال كنتُ سأذهب من اجل الأطمِئنان على تيلار.
هل هي بخير؟ رأيتُها تبتعد عنكم و على وجهها علامات الغضب.
اعني هي دوماً غاضبة لكنها بخير لا تقلق جلالتك. و الأن اعذروني، سوف ادعكم لوحدكم.
قبل أن تذهب بِطريقها التفتت لي و هَمست بأذني
لا تقلقي عليها، سوف اجعلها تتكلم معكِ و تشرح لكِ كل شيء.

أومأتُ لها بالشكر ثم تركتها تذهب الى تلكَ الآمرأة الخشبية ذات المَزاج المتقلب.
حدق ريس بِجيانا تتجه الى طريق مختلف و تختفي خلف القصر الملكي.
هل انتِ بخير؟ سأل ريس يُعيدني اليه و بنبرته هَم.
رفعتُ رأسي له انظر بِتلك العينين التي تبدو اجمل و اشعة الشمس عليها
نعم انا بأفضل الأحوال، للأن. هل كنتَ انت في البيت الأخضر؟

نعم، المكان يبدو جميلاً و ساحِراً بفضل هذا الفصل الذي لا يتبدل ليجعل الأزهار و النباتات تذبل و تموت. هل تريدين الدخول له؟
أومأُت بِ نعم و أبتسمت بِحماس. ريس لديه بيت أخضر بِحديقة قصره، لكنه بِسبب فصل الخريف و الشتاء، حتى الصيف يَصعُب علينا الأهتمام بالنباتات و الزهور بِشكل دائِم.

اقترب ريس مني يلف يده حول خصري و يحني رأسه حتى يقبلني على وجنتي، يدهشني بِفعله الجَريء امام الجميع في الساحة الرئيسية. بعدَ تقبيله لِجبيني بِشفتيه الدافئة و الناعِمة حدق بِعيناي للحظة يأخذ الأذن ليُكمل تقبيلي على شفتاي و انا بالطبع تركته يفعل ما يريد.

شعرتُ بِفراشات بِبطني تحلق بِجنون و معها أحمرت وجنتاي و أذُناي مع أنَ لمساته تجعلني ضعيفة لكوني استخدم قدرتي لا إرادياً، لكنني تجاهلت الشعور بالبرودة و الضعف و ركزتُ على القُبلة.
انه يصبح جريئاً كل يوم مِما يجعلني اتعود عليه أكثر و افتخر بِكوني الآمرأة التي يحبها.
كُل عامٍ و انتِ بخير ايتها الفاتِنة. قال ريس بعدَ القُبلة يبتسم أبتسامة عريضة يُظهر اسنانه المثالية.

لثانية، لم استوعب ما قاله كأنني صَماء لا تسمع، لكنني الأن تذكرت و فهمت ما اخبرني إياه.

إنَ يوم مولدي غداً في عالم البشر و لقد اصحبتُ في العشرون من عمري، اما هنا في هذا العالم فأنا يجب أن أكون في الثالثة و العشرون بِما أنَ هذا العالم يجري بِسرعة بالمُقارنة بِعالم البشر، السنة هي سنتين هنا لهذا انا مازلتُ لم اتغير لأنني بشرية، أكبر مع الوقت في عالم البشر. اعتقد أنَ ريس يَحسُب الوقت حتى تذكر يوم مولدي و هذا الطف شيء قد حدث لي اليوم.
انتَ تتذكر. قلت له اعانِقُه بِشدة.

قَبَل هو شعري و عانقني ايضاً.
بكل تأكيد سأتذكر أهم يوم في حياة الآمرأة الأهم في حياتي.
ابتعدتُ عن العناق لأحدق بِوجهه الحاد و أرى كم انه كنزاً لن اجد مثله ابداً.
انتِ محظوظة لكوننا سنحتفل بأجتماع الملوك و يوم ولادتك. لقد ضربنا عصفورين بِحجر لا؟
قال هو يضع يده على وجنتي بِرقة و انا مِلتُ على لمسته اغمض عيناي.

قاطعنا صوتٌ يخرج من حلقه شخصٍ ما قادم من خلف ريس. التفتَ ريس للوراء و انا نظرتُ من فوق كتفه لننتبه أنَ لوثر يقف بعيداً عنا لكنه قريب كفاية لرؤيته بِوضوح و سماعه.
اسف على مقاطعة هذه اللحظة الثمينة لكني احتاج أن اتكلم مع جلالتك قليلاً، إن لم تُمانع.
قال لوثر يحرك عينيه من ريس و اليّ، بعدها يُعيدهم على ريس.

شعرتُ بالحرج لسببٍ ما اقف الأن امام هذين الرجلين، واحِدٌ منهم كانَ سيصبح بِمكان الأخر و الثاني يبدو انه ليسَ سعيداً بِوجوده.
علي ملامح لوثر البرودة و الضَجر، كأنه مُعتاد على رؤية هذا المنظر امام عينيه و مع ذلك مازلتُ اشعر بالأحراج.
نعم بالطبع، لِنتكلم لوثر. أجابه ريس ثم انزل عينيه عَليّ يُعيد أبتسامته من جديد.

سوفَ اعود بعض قليل، اذهبي انتِ الى داخل البيت الأخضر و دَعي من احد العمال يروكِ المكان، انا سألحق بكِ و لن اتأخر.
حسناً.
قَبلني على جبيني ثم امسكني من الجزء العلوي من ذراعي يضغط عليها بِخفة بعدها ابتعد يتجه الى لوثر الذي يرمقنا بِنظرات باردة مُملة.
حدقتُ بعينيه البنية للحظة ثم التفتُ بِمكاني و اخذتُ خطواتي بِثُقل فوق العشب الى البيت الأخضر واجِهتي.

سمعتُ جزءاً بسيطاً من محادثة ريس و لوثر قبل أن اصبح بعيدة عنهم و عن قُدرة أذاني من الوصول لهم.

رئيس المصرف، أيزاك ميلار سوف ينضم لنا مع مساعديه البشر بالأعداد لِلحرب، كذلك سمعت أنَ كبير عشيرة بيلافي (العشيرة الزرقاء) يُريد ايضاً الأنضمام لنا.
مُمتاز،
لم اعد اسمع المزيد من المحادثة لكوني اصبحتُ خارج نطاق اصواتهم و امام ابواب البيت الأخضر الزجاجي الكبير.

(للذين يتسائلوا عن البيت الأخضر، هكذا يكون شكله و هو للزراعة و الطبيعة، يوجد منه احجام و اشكال يسمى بالانجليزي نفس العربي اعتقد، Greenhouse. ).

رأيتُ عامل من الجنيات بِبشرة حنطية و لحية بنية، يرتدي ملابس زِراعة و قبعة زرقاء تغطي شعره و أذُنيه المُدببة. انه يمتلك اربع أذرع و يبدو كبيراً في العمر بِما أنَ التجاعيد تملئ وجهه البشوش و الذي على ما يبدو لطيفاً.
انه يرتدي قفازات حمراء تصل لِلمعصم و بيده اليمنى يحمل ابريقاً لكي يروي الزهور و بيده الأخرى شيء ما يُشبه المِجرفة لكن صغير جداً اما باقي أذرعه فارغة تتدلى على جانبه.

اظن انه شعر بأحدٍ يحدق به لهذا توقف عن سِقاية الزهور و حرك رأسه لِتتسع عينيه عند رؤيتي اقف ساكِنة.
سيدتي! لم انتبه لوجودك هنا. قال الرجل بِصوت ضعيف ينتمي لعجوز طبعاً و تعابير متفاجئة لتتبدل لأبتسامة كبيرة.
يبدو انكَ مشغول سيد،.

زيو، يمكنكِ مناداتي بِزيو سيدتي و لا لا بالعكس انا لستُ مشغولاً، قبل قليل كانَ جلالة الملك ريس هنا و انتبه أنَ هذه الزهور تحتاج لبعض المياه و هنا انا اسقيها و انتهيت بهذه الثانية.

أومأتُ له بِالتفهم ثم اخذتُ خطوتين اليه اشابك اصابع يداي امامي و انظر الى الزهور الملونة خاطفة للأنفاس لجمالها.
انها حقاً جميلة و تبدو قوية الأغصان و البتلات، اعتني بِها جيداً سيد زيو.

انتِ محقة سيدتي، انها قوية. مع انها تبدو قوية الشكل، إلا نها في الحقيقة فورَ لمسها بِطريقة خاطئة سيجعلها تموت بِسرعة. الأشياء الجميلة لا تدوم و احياناً تكون ضعيفة من الداخل. قال زيو بِنبرة تغيرت عن التي سمعته بِها قبل قليل، فيها حزن نوعاً ما و لاحظتُ نظراته للزهور، يشرد بِها كالذي يرى شيئاً مَخفي لا أراه.

نعم، انا اوافقكَ الكلام. لكن حتى الأشياء البشعة و القبيحة، لا تدوم،
قلت له اتكتف و انظر مثله للزهور اتمعن بِشكلها.

لا سيدتي، البشع يدوم لكونه مَرئي لا يهتم به احد، انه غير ملحوظ لهذا يدوم ليكبر و يصبح قوياً يتعدى قوة الجمال. كَتلكَ النباتات السامة التي تنمو هناك بين و حول الزهور و النباتات.
اعترض زيو مُشيراً بيده على نباتات و زهور حول البيت الأخضر. رأيتُ انه توجد اغصان و عروق داكِنة تبدو بشعة و لا تنتمي للباقي.

لو اننا لا ننظر بتدقيق لكانت تلكَ النباتات السامة قد قتلت كل شيء من حولها. لهذا يجب علينا دائماً اخذ الحذر و قتلها حتى نحمي تلكَ الزهور البريئة و الساحرة. لو لم نفعل ذلك، لكنتِ رأيتي تلك النباتات السامة من حول البيت و عليه ايضاً. لكنتِ رأيتيها في كل مكان تسيطر على المنطقة و تنتشر كالطُفيليات.

وراء كلماتك عِبرة سيد زيو. قلتُ انا له ابعد انظاري عن النباتات القبيحة لأضعها على الرجل الذي عادت ملامحه من الجادة الى البشوشة كأنه لم يكن يتكلم بِغرابة.

نعم يوجد، و لن تعرفي معناها جيداً إلا إذا مَررتي بِتجارب تملكِ نفس معنى كلامي.
ردة هو عَليّ يُشير مجدداً للنباتات السامة.
أومأُتُ بِرأسي اوافقه ثم عَم الصمت بيننا حتى فتح هو فمه و سألني يَخلع القفازات من يده.
هل تريدين مني اخذكِ بِنزهة في داخل البيت الأخضر سيدتي؟
نعم، سيكون لطيفاً منك ايها السيد المُحترم.

اخرج زيو ضِحكة صغيرة ثم أومئ و اشار لي حتى الحق به الى البيت لأندهش بِروعة المكان من الداخل و سحر الحديقة الصغيرة هنا.

- وجهة نظر شخص ثالث -
- 3 person s pov -.

ليست مِن عادة ريس أن يتدايق مِن اشياء بسيطة أو سخيفة ليست لها داعي. انه رجل متوازن و هادئ يستطيع التحكم بِأعصابه متى شاء. لكن، هذه الظلال التي على جسده تتغذى في كل نَفَس و هي من تتحكم بِمشاعره احياناً.

إلا أنَ وجود تاليا في حياته، جعله يعود و يعرف كيف يكون المسؤول عن احاسيسه. انهُ لا يُحِب استغلال قدرتها حتى يُرضي نفسه لأنه يُحبها كثيراً ولا يُريد إذائها، لكنه مَجبور، قد يفقد نفسه مجدداً إن لم يلمسها على الأقل مرة في اليوم.

بالثانية التي أكتشفت ظلاله انه يوجد احداً يُخَفِف عن الألم بِقدراته، اصبحت مثل المهووسة بها. تحتاجها كل ثانية و كل دقيقة، لكن ريس تعلم كيف يوقفها عن ازعاجه و يضعها في تحكم لبعض الوقت، هكذا تعلم من الفتاة التي تُدعى كارا، التي كانت أول فتاة بِقدرات تساعده.

عندما قاطع لوثر اللحظة التي بينه و بين تاليا، شعر بِغضب كبير ينمو بِداخله. اراد أن يلكُم الرجل الذي دايقهم على وجهه حتى ينكسر شيء ما فيه، اسنان، انف، فَك، اية شيء.
لِنقول أنَ ريس و لوثر اصدقاء و قريبين من بعضهم، لكن اليوم، ريس ليسَ معجباً به.
لكن صوت تاليا كان كالتعويذة التي يَصعُب الهرب منها، صوتها هدئه من بنفس اللحظة التي نَما غضبه فيه.

بعد إخبار تاليا انه سيعود و انها يمكنها الدخول للبيت الأخضر. اتجه الى الرجل صاحِب الشعر الذهبي الذي يقف واضعاً يديه بِجيوب بنطاله الزيتي ينتظره بِكل صبر.

ما الأمر الأن؟ سأله ريس بِنبرة ضَجرة يتنهد.
لاحظ أن لوثر يختلس النظرات على الفتاة الجميلة التي تمشي الأن متوجه لِلبيت الأخضر.
امممم، وصلتنا اخبار قبل قليل من رئيس المصرف، أيزاك ميلار سوف ينضم لنا مع مساعديه البشر بالأعداد لِلحرب، كذلك سمعت أنَ كبير عشيرة بيلافي (العشيرة الزرقاء) يريد ايضاً الأنضمام لنا. اخبره لوثر.
مُمتاز. قال ريس بِبساطة، لكنه سعيد من الداخل.

هل سوف تقابله ام سوف تدعوه الى قصرك للمزيد من النقاش؟
اخذ ريس يفكر ملياً بالذي يجدر به فعله، يجب عليه رؤية أيزاك، انه رجلٌ محترم و بشري صاحِب قوة هنا في هذا العالم. لهذا يجب عليه شكره و اخباره بِخططهم عن الحرب حتى يكون لعونه فائِدة كبيرة مستقبلاً.
سوف ادعوه الى قصري. أو يمكننا مقابلته عندما نبدأ التخييم عندَ حدود مملكة اريزو. هل هو مازال هناك ام انه في أسليرا؟

انه في أسليرا. أجابه لوثر بِسرعة لِمعرفته بموقع الرجل البشري.
ماذا عن كبير عشيرة بيلافي. سأل لوثر ليُكمل الحديث قبل توقفه.
لوثر يعلم أن ريس يتمنى لو انه مع الفتاة البشرية و ليس هنا معه يتناقش عن الحُلفاء الجُدد. لكن لديه شيئاً ابدى من شيء. قد يكون لِلوثر حديثاً طويلاً مع الفتاة البشرية تاليا، إلا أنَ الأولوية تكون ما يتعلق بالحرب التي على الأبواب.

ماذا بشأنه؟ سأله ريس بدلاً من أن يُجيب يرفع حواجبه بِتعجب.
الا تريد رؤيته و شكره ايضاً؟
نعم أكيد اريد. ظنننتُ انكَ تعرف مسبقاً، لأنه احد الحلفاء الأولياء لنا في المملكة، صحيح أن عشيرته مزعجة و تُحِب المشاكل، لكنهم احد شعب أسليرا. لهذا إن رأيتَ بيتر أو أدلار، اخبرهم انني اريد رؤيتهم عند مكتب فالين الرئيسي.

حسناً كما تشاء.
أومئ لوثر بِرأسه احتراماً للملك امامه ثم اخذ خطوته لكي يذهب و يتركه وحده مع الجميلة التي تنتظره في الداخل، لكن كلام الملك حاد الشخصية، اوقفه بِأرضه يجعله يلتفت له
لوثر،
نعم ريس؟
ابتعد عنها و لا تخبرها شيئاً مُجدداً و شكراً لك على كل شيء. أجابه ريس يضع هذه المرة هو يديه في جيوب بِنطاله الأسود.

ضَيّق لوثر عينيه على ريس لثانية طويلة ثم أومئ هو بِالموافقة و الشكر، لأنه يعلم جيداً أنَ مناقشته سوف تدخله بِمشكلة أكبر مِما يظن. صحيح انهم اصدقاء و يعرفون بعضهم منذُ الطفولة، لكن ريس لم يعد ذلك الصديق بسبب لعنته. بل اصبح شخصاً اخراً بِعقل مختلف تماماً. لوثر يعرف أكثر من اية احد انه يجب أن ينفذ اوامره و يوافق على كل شيء إلا إذا كان امراً خطيراً فَيجب على الأقل اخباره بِرأيه.

لقد سبق و فعل ذلك قبل سنتين، لكن رد ريس لم يكن بالذي توقعه. إنما كانَ اسوأ، رده كان غير مُرضي و غير مناسب كما كان لوثر يظن.
لهذا ترك الموضوع و لم يعد يتكلم عنه مع ريس.

هل مِن امر اخر؟ سأله لوثر قبل الذهاب لكي يعود لِداخل القصر.
هزة ريس رأسه ثم أجابه يبدأ بالمغادرة و إعطاء ظهره لِلرجل الأشقر.
لا، و أهتم بِنفسك.

لم يراه ريس عندما أومئ لوثر رأسه على كلامه و لم يراه عندما اظهر أبتسامة صغيرة على شفتيه. صحيح أن ريس قد يكون مُخيفاً و غريباً بعض الأحيان لكون حياته رأساً على عقب منذُ موت والديه. و على الرغم من ذلك، ريس يعرف دائماً كيف يرسم الأبتسمات على أفواه الجميع. انه احداً بارد و مُتحَجر الرأس، لكنه بنفس الوقت متفهم و رقيق من الداخل و هذا ما يُحبه به.

في الأخر انهم مازالوا اصدقاء و لا يمكن لِأي احد أن يُنفي ذلك. صداقة عُمرها قرون. لن يدمرها شيء ابداً.

بعد التنزه مع ريس و السيد زيو في البيت لأخضر، عدتُ من دون ريس الى غرفتنا لأجد الأميرة فينار تنتظر بِجانب الباب و على وجهها أكبر أبتسامة فور وصولي اليها.
سألتها ما سبب الزيارة الجميلة، لترد عَليّ انها تريد اصطِحابي الى غرفتها حتى اختار فُستاناً من عندهم من اجل الحفل اليوم في المساء. مع انني جلبتُ معي فستانين إلا انني ارتدي إحداهما الأن و الأخر في الغرفة لكن ليس مُناسباً ابداً لِلحفل.

لهذا وافقتُ على الذهاب معها و اختيار احد الفستانين الخيالية التي نادراً ما أرى مثلها في أسليرا. فَتلكَ الألوان البراقة و الحادة تناسب جسدي.
غرفة الأميرة، لطيفة و تخبرني عن شخصيتها ايضاً. انها كبيرة كأي غرفة تنتمي لأحد افراد العائلة الملكية، لكنها مختلفة. في كل مكان الورود الصغيرة و كبيرة الحجم، تُزين الغرفة. في أول نظرة تقول انها مليئة بالأشياء، لكن في الثانية تقول انها بَسيطة و مريحة جداً.

يوجد فيها خادِمات منهم مَن ينظف و منهم من يقف بزاوية الغرفة ينتظر من الأميرة كلمة.

انظري هناك، الفساتين مُجهزة لِكي تختاري ما تريدين. قالت فينار تُشير بيدها على فساتين مُعلقة بِصف واحد بِجميع الوانها و اشكالها.
لستُ متعجبة من كمية الفساتين التي لديها، اعرف انها جديدة لكني لم اتخيل انها تختار مِن بين المئات منهم.
ذهبتُ اليهم و وقفتُ امامهم المِس القماش الناعم و الخَشِن بأصابعي، اتمعن بأشكالهم الفريدة من نوعها.

كل واحد اجمل من الأخر، كيف لي الأختيار؟
انا تمتمتُ مع نفسي ضائِعة لا اعرف بِماذا ابدأ.
خذي وقتكِ تاليا، الأهم أن يعجبكِ شيء و ترتاحي فيه بِما انه اليوم يومكِ انتِ ايضاً.
حركتُ رأسي احدق بِفينار مندهشة من كلامها، لكنني تذكرت انه رُبما ريس من اخبرهم بيوم ميلادي.
معكِ حق. قلتُ انا أبتسم لها ثم اعيد عيناي على الفساتين.

و انا امشي بِخطوات بطيئة انظر الى كل فستان، خطف فستان ازرق فاتح، ناعم الشكل انظاري. انه رقيق و يبدو مناسباً جداً لِحفلة و خاصةً أنَ اللون الأزرق السماوي هي إحدى الالوان التي يُفضلها ريس عَليّ.

سحبتُ الفستان من مكانه و رفعته بيدي حتى انظر إلى تفاصيله أكثر. انه بدا افضل عندما رأيتُ عليه وروداً وردية على منطقة الصدر و الى البطن تقريباً. ليس لديه أكماماً و مفتوح عند الصدر، لكنه نوعي المفضل من الأزياء.

على ما يبدو انكِ اخترتي الأجدد بينهم. لديكِ ذوق جميل بالأزياء. قالت فينار من خلفي بِنبرة فيها أعجاب.

التفتُ اليها مازلت أحمِل الفستان
شكراً لكِ فينار. اجد الملابس تُعبر عني كثيراً. قد يبدو كلامي غريباً لكنها الحقيقة، منذ أن كنتُ صغيرة و انا مُهتمة بالأزياء.

هذا يسعدني، لأنني املك نفس التفكير و الأهتمام. انتبهتُ عليكِ منذ أن رأيتكِ، فَذلك المِعطف الطويل الذي كنتِ ترتدينه كان رائعاً جداً.

أومأتُ انا اوافقها كلامها اظهر اسناني
ذكريني أن احضِر لكِ واحِداً مثله في المرة القادمة التي سأراكِ فيها. فأنتِ لديكِ جسداً يناسب انواع من تلكَ المَعاطف.

هذا لطفٌ منكِ. قالت هي تضع يدها على وجنتها تَحمر خجلاً.
انها تبدو لطيفة جداً و في الواقع جميلة ايضاً، اجمل من اخاها فالين لأكون صريحة.
إذاً هذا قراركِ الأخير؟ الن تبحثي عن خياراً اخر؟ سألتني هي تُشير الى باقي الفساتين التي تنتظر لكي يرتديها احداً.

هززتُ رأسي أجيبها مُتمسكة بالذي بيدي أكثر كما لو أنَ حياتي تعتمد عليه.
لا بأس، هذا كافيٍ و اجده افضل للحفل.
حسناً كما تريدين، كامي، خذي الفستان وعَدلي عليه حتى يصبح مناسباً لجسدها. اخبرت فينار الخادمة كامي التي تقف مع اخرى بِجانب الفساتين المُعلقة.

كما تريدين سموكِ. هل لكِ أن تتبعيني سيدة هارث. اخبرتني الخادمة تُشير بيدها الصغيرة حتى اتبعها.
استأذنتُ من فينار و ذهبتُ مع الخادمة الى منصة صغيرة قريبة من السرير الكبير، لأقف عليها و تبدأ الخادمات بأخذ المقاسات حتى يُعدلوا على قياس الفستان.

مَرَت ساعات و انا استعد مع فينار من اجل الحفل الذي سيبدأ بعد ساعة أو اقل. انضموا الينا كُلا من تيلار و جيانا يُساعدونا لكي نكون اسرع.
تركتُ من جيانا تُعدل على شعري من الخلف تُعطيه حركة لكنها تركته مُنسدل بِما انني أحِب تركه على ظهري.

وضعتُ على أُذناي نوع مُختلف من الأقراط التي تبدو كالأذان المُدببة الخاصة بالجنيات و أكسسوار على ذِراعي العُلية.

الطوق خاصتك يتوافق مع الفستان بِشكل ممتاز. من أهداكِ إياه؟ سألت جيانا بعد أن ابتعد عني لتنظر الى شعري من الأمام.

نعم انها مُحقة، يبدو رائعاً و رقيقاً مع الفستان. وافقتها فينار تبتسم و هي تدع من الخادمة تضع لمساتها الأخيرة على البودرة لوجهها الطفولي.

انتبهتُ أنَ تيلار بدت هادِئة و ساكنة فقط تُحدق بالطوق لكنها لا تتفوه بِحرف أو تُعَلِق على الأقل.
هل مازالت مُستائة مني؟ ظننتُ اننا تصالحنا عندما قدمت مع جيانا لِغرفة الأميرة.

انه هدية من جلالة الملك. انا اخبرتهم امسك بالطوق على رقبتي و اشعر بِبرودت الذهب اسفل يدي.
منذُ أن اهداني إياه ريس و انا لم اخلعه ابداً. انام استيقظ أكل فيه، حتى عندما استحممت اليوم في الصباح الباكر.
يالكِ من مَحظوظة، انا اشعر بالغيرة. قالت جيانا بِصوت صغير حزين تبدو كالطفلة بِعمر السادسة، جعلتنا جميعنا نضحك سوياً حتى تيلار كذلك.

اقتربت مني صاحبة البشرة الخشبية و صاحبت المزاج المتقلب ثم امسكت بيدي مِما جعلتني انتفض بِمكاني كأنني صُعِقت أو شيء ما، على حركتها المفاجئة.

انا اعرف هذا الطوق جيداً. هَمَست تيلار لأول مرة في حياتي أراها تتكلم بِهذه النبرة التي فيها مشاعر واضحة بِصوتها الصغير.
تَعر، تَعرفيه، كيف؟ سألتها بصوت متقطع لا اعلم لماذا اتوتر.
انه، انه ينتمي لآمرأة عظيمة كانت افضل شيء قد حدث لأسليرا. أجابتني تيلار و في عينيها السوداء دموع.
هل، هي تبكي امامي الأن؟
ام انني اتخيل و اتوهم، تيلار نظهر مشاعرها امام الكل.

سألتُ نفسي احدق بِصاحبت الوجه الخشبي التي تبكي.

أوه يا اللهي. قالت جيانا بِصوت مرتفع قليلاً تضع كلتا يديها على فمها و عيونها متوسعة.
انتِ فتاة حقاً محظوظة تاليا. أهتمي بهذا الطوق على ما يبدو من كلام تيلار، انه يَخُص الملكة الراحِلة دايانا.
اخبرتني فينار تُمسك بِيديها و تشابكَهُم امام جسمها.

الملكة دايانا؟ والدة ريس نفسه؟ سألتُ لا احد بالتحديد، لا اعرف ماذا اسأل غير ذلك.
لأنني سمعتُ منذُ أن كنتُ طفلة انه عندما يقدم الملك لِفتاة هدية خاصة بِعائلته، فهذا يعني انه يَعِدُها بالحُب الأبدي. لم أكن اعلم انهُ خاص بوالدته. لكني في هذه الدقيقة فهمت.
إنَ الطوق أسود، انه لون والدته المفضل و هو على شكل وردة الجوري التي تكون ايضاً المفضلة لدى والدته.
لماذا لم يخبرني بالأمر؟

نعم هي، جلالتكِ. أجابتني تيلار، تنحني بِرأسها قليلاً ليتبعها الجميع حتى فينار.
صُعقتُ لدرجة انني لم اعد اعرف كيف احرك جسدي أو لِساني لأوقفهم من فعل ما يحدُث امامي.
جلالتكِ! منذ متى اصبحتُ ملكة لهم؟
لا لا توقفوا لا تفعلوا هذا انا--
الملك ريساند اختار ملكته، لهذا أرجوكِ دعينا نُريكِ تقديرنا لكِ تاليا، قد لا يكون كل شيء رسمي الأن، لكنه كافيٍ لنعرف انه اختاركِ ملكته.

قاطعتني فينار لتخبرني ما اجهَلُه.
انها محقة، لكنني لا اريده أن يكون عَلنياً الى أن يكون كل شيء رسمي امام العالم. مع انني في الداخل اطير مِنَ السعادة و اريد البقاء في هذه اللحظة للأبد و لا اريد من اية شيء تخريب ما اشعر به حالياً.

ملكة...
هذا لا يصدق...
انتظري اين كنتُ و ماذا اصبحتي...
قال صوتٌ بِداخلي.

اعلم انه يجب أن أريهم كم انا سعيدة و ممتنة لهم، لكن رفع الأمال بِسرعة أكبر خطأ، لهذا أومأتُ لهم بِشكر ثم قلتُ للجميع أن يتوقفوا قبل أن اغادر الغرفة و هُم عادو ليضحكوا عَليّ و على شعوري بالأحراج.
انتِ أول بشرية كامِلة سَتصبح زوجة لملك في هذا العالم. قالت فينار بِتشجيع تقترب مني و تضع يدها على كتفي.

اتمنى أنَ ردة فعل شعب أسليرا مُمالثلاً لخاصتك. تمتمتُ انا بِهمس انظر الى الأرض الامِعة اسفل اقدامي، استطيع رؤية انعِكاسي عليها.

لا تهتمي طالما ريس موجود معكِ. فَكما تحدى والده العالم لأجل الملكة دايانا، فهو في الأخر يكون ابن اباه، سيفعل ما فعله الملك أيكسا السابق. اعترضت فينار على كلامي الذي سمعته.

رفعتُ عيناي انظر الى خاصتها الملونة أرى صراحتها بِوجهها و نبرتها الرقيقة.
اتمنى ذلك. رددتُ بِبساطة.
لا تتمني الهُراء، بَل اعرفي انها الحقيقة، لأن ريس كوالده. اندفعت تيلار فجأة تشابك ذراعيها و تستند على ساق أكثر من الأخرى.
ها هي عادت مع سلوكها السيء.

قبل قليل كنتِ تناديني جلالتكِ، ماذا حدث الأن؟ اين الأحترام ايتها القزمة؟ قلتُ لها بِمزاح ليضحك الجميع مرة اخرى و تيلار تهز رأسها و تُدير عينيها بِعدم مُبالاة.
كم انها لحظة ثمينة بِحق، اخزِنُها في ذاكرتي ليوم مَماتي.
أعتذر على المُقاطعة سموكِ، لكن الحفل قد بدأ و جلالة الملك فالين يَطلب حضور الجميع.
قاطعتنا خادمة قد دخلت الغرفة.
التفتَت لها فينار و أومأت بِ حسناً ثُم عادت لنا لتقول.

هيا بنا، دعونا نحتفل بهذا اليوم و بنفس الوقت بيوم الفتاة المحظوظة.
أدعوا الله أن ابقى محظوظة و أن يَمُر هذا اليوم على خير من دون اية مَشاكل أو شيء يتبدل بِحزن.
فأنا اعلم جيداً انه سوف يكون اخر يوم نستمتع فيه بهذه الطريقة لأنه خلفه تأتي ايام مختلفة لن يكون فيها إلا الأنشغال و الأنشغال، قد تصبح السعادة شيئاً غريباً لفترة زمنية لهذا سَأتمَسك بِها اليوم قبل مغادرتها لنا.

غادرنا غرفة الأميرة فينار و اخذنا خطواتنا على السلالم ننزل الى الطابق الأخير، لأن قاعة الحفل توجد هناك، نفس مبدأ قصر ريس تقريباً.
رأيتُ جنيات و بشر تدخل ابواب القصر يرتدون أروع ما لديهم من ملابس و طقوم رسمية و على وجوههم السعادة و الحماس لهذه الحفلة.
هل جميع الملوك في الحفلة؟ انا سألتُ فينار اهمس قريبة من أذنها بعدَ أن نزلنا السلالم العِملاق و نمشي حالياً في ردهة تقود لِلقاعة.

نعم انهم بالفعل هناك. أجابتني هي تومئ بِرأسها.
اصوات الآلات الموسيقية تخرج من القاعة بألحان جميلة و كلاسيكية. مُحادثات بينَ الضيوف تطفوا في الأرجاء كالصدى هنا في الردهة، ضِحك عاليٍ و تصفيق معه يصل لنا من على بُعد.
رسمتُ أبتسامة صغيرة على طرف شفتاي لكوني اشتاق لهذه الأجواء. لقد مرت فترة منذُ اخر مرة احتفلنا فيها بأي شيء. ليس لأنه يوجد، لكنني اشتقتُ على اية حال.

وصلنا لِلقاعة مفتوحة الأبواب العِملاقة الطويلة و على كِلا جانبيها حُراس يِقيفون من دون حركة واحِدة. حاضرين يدخلون مع بعضهم أو ممسكين ببعضهم الى القاعة المُزينة باللون الأحمر و الأصفر و بِكُل تأكيد توجد الأزهار الملونة في كل مكان، على زوايا القاعة، فوق عند الثُريا الكبيرة التي تُضيئ المكان. على طاولات الطعام و المشروبات حتى على الآت العزف التي يعزفوا بِها الموسيقار.

اشخاص ترقص بِمنتصف القاعة بِكل استمتاع كأنه لا يوجد يوم غد. الباقي يقفون بِمجموعات تتحدث بين بعضهم و يحملون كؤوس نبيذ أو مشروب من نوع ما بيديهم. خادمات و خدم يمشون في الأرجاء يحملون صواني طعام و مُقبلات خفيفة و على وجوههم أكبر الأبتسامات.

قد لا أكون مِن مُحبي الحفلات، إلا أنَ الملك فالين يعرف كيف يُنظِم واحِدة جميلة.
قالت تيلار من جانبي الأيسر بِدهشة.
اعتقد انكم أنتبهتم أنَ فالين يُحِب الحفلات.
قالت فينار تُقهقه و تهز رأسها.
نعم أنتبهنا. اخبرتها اشاركها القَهقهة.

دخلنا أكثر الى القاعة لِلنختلط مع الحضور ثم توجهنا الى طاولة الطعام و الشراب حتى تأخذ فينار و تيلار كوؤس زُجاجية طويلة فيها مشروب أخضر و عرفتُ فوراً انه الأوكسارا. أما انا اخذتُ كأساً فيه مياه، لكوني لستُ متحمسة لِشراب الكحول بِسرعة.

سيداتي! واااو هل القمر الأبيض حطَ على الأرض ام ماذا؟ فجأة سمعنا و رأينا الملك لايتا مع الملك تيريان يتجهون نحونا و خدمهم موجودين ورائهم.
انحنيتُ انا و تيلار لهم ثم رفعهنا رؤوسنا نعطيهم أبتسامات لطيفة.
شكراً لكَ جلالتك. انا قلتُ له أومئ رأسي بأمتنان.
أعتذر على صوته المرتفع، يبدو انه شَرب الكثير من الأوكسارا. بَرر الملك تيريان و هو يُمسك بِذراع لايتا كالذي يَخاف أن يفقده.

لم أراهما قريبان هكذا في الأجتماع البارحة.
ما الذي فاتني؟
انا سألتُ نفسي بِفضول لكني تجالهتُ الأمر و أكملتُ عيناي على الملك تيريان، يبدو وسيماً بِطقمه الأخضر الراقي.

هل رأيتم فالين في اية مكان جلالتكم؟ سألتهم فينار قبل أن يَحل الصمت بيننا حتى لو القاعة تَعُج بالضجة مازال الأمر غير مريح و مُحرج.
نعم رأيته، انه مع الملك سيون و ريس و لوثر وايضاً بيتر في الجهة الأخرى مِن الحفل.
أجابني لايتا بِبطء كأنه يُحاول التفكير جيداً، انه يتمايل من اليمين لليسار و لحسن الحظ أنَ تيريان صبوراً جداً ليمسكه من دون أن يصفعه على وجهه لكي يستفيق، نعم انه حقاً، ثَمِل.

سيدة هارث، ريس كان يبحث عنكِ قبل قليل، يبدو انه قلق، لهذا انصحكِ بالذهاب اليه قبل أن يُغادر القاعة بحثاً عنكِ.
اخبرني تيريان يحرك عينيه عني ليرمق لايتا الذي يُتمتم كلمات لا احد يفهمها.

يبدو شكل لايتا مُضحكاً، لاحظتُ الأميرة فينار تضع يدها فوق فمها حتى تمنع ضحكتها من الخروج. و تيلار تبدو في عالمها الخاص، رأيتُ عينيها تتبحلق كأنها رأت شبحاً ثم تحركت بِسرعة قُسوى تذهب الى احدٍ ما قَصير مثلها خشبي البشرة و ورائه مجموعة صغيرة من نفس النوع.
هل هذه عائلة تيلار؟ أول مرة أراهم.

انها العشيرة التي تنتمي تيلار لها، الودوانز. يوجد منهم كثيراً هنا مثل مملكة أريزو بِما انهم مخلوقين من الخشب، يحتاجون ممالك فيها خشب أكثر من غيرها ليعشوا بِتوازن. أجابت فينار على سؤالي الذي لم الفظه كأنها قرأت افكاري.

أوه، هذا رائع، فأنا لم أراهم بِمجموعة سوياً هكذا.
عانقت تيلار كل واحد بِكل فرح ظاهر على تصرفاتها و وجهها الذي كان كئيباً قبل لحظة ليتحول للأسعد الأن.
ابعدتُ نظري عنهم ثم استأذنتُ مِن مَن حولي حتى اذهب الى الرجل الذي اشتاق لرؤيته في كل الوقت.

اخذتُ اتحرك بين الحضور احاول الوقوف على رؤوس اصابعي لكي تلتقط عيناي شاب أسود الشعر و طويل، لأرى انه يوجد الكثير من الرجال التي تمتلك شعراً أسود و طِوال القامة.

تنهدتُ بِديق ثم أكملتُ المشي لَعَلي اصطدم به بالصدفة أو يخرج فجأة امامي هكذا حتى يوفر عَليّ المشي بِهذا الحذاء ذو الكعب. وصلتُ الى طاولة اخرى من المشروبات و الطعام لأنتبه الى شاب يرتدي ملابس رسمية ذات طابع ملكي و انتبهت انه طويل يقف بأستقامة بِجانب رجال اخرين بنفس طوله تقريباً.

انه الملك سيون، مع فالين و لوثر و بيتر بِجانبه.
لا اعلم لماذا لكن ريس فجأة التفتَ للوراء كأنه شعر بتحديقي له ليظهر لي ذلك الوجه الأوسم على الأرض، و تلكَ العيون الرمادية تنظر لي. إن شعره يبدو مختلفاً، يبدو اقصر و مُصفف بِطريقة جميلة مُناسبة له.

شكله قد خطف من انفاسي، لم اعد اتنفس كأنه يوجد شيء ما في صدري يمنع دخول الهواء اليه. إن ريس يبرق كالضوء و هالته تَصُرخ فخامة. انا في هذه اللحظة شعرتُ أنَ الزمن يتحرك ببِطء شديد أو لا يتحرك ابداً. لم اعد اسمع اية صوت من حولي غير نبضات قلبي المُتسارِعة تتسابق في قفصي الصدري.

بدأ ريس بأخذ خطواته الكبيرة نحوي و على وجهه أكبر أبتسامة تجعله يبدو اصغرَ سناً. اعني هو ليس كبيراً، بَل يبدو شاباً في العشرينات، المهم أنَ الفكرة وصلت لكم.
توقف هو امامي و انا لم اعد أرى غيره.
حرك عينيه عَليّ يتمعن بِشكلي ثم لاحظتُ أحمِرار وجنتيه البيضاء.
هل، هل هو يَحمَرُ خجلاً؟
يا اللهي ساعدني، هذا المنظر يجعل من قلبي يرفرف كأجنحة طائر.

لقد تأكدتُ الأن، ان، أن كل ما ترتدينه حتى، حتى لو كانَ بشعاً ستجعلينه ا-أجمل شيء.
قال ريس يتلعثم قليلاً بِكلماته و يَحُك رقبته من الخلف، مِما بدا لطيف الشكل.

شكراً لك، و انتَ تبدو، لا بأس بِك.
قلتُ بِنبرة فيها إغاظة و هو اخرج ضحكة خفيفة من حلقه يرفع حواجبه.
شكراً على الصراحة.
العفو.
الفرقة التي تعزف الأن موسيقى فيها ضجة و حماس، تبدلت بِموسيقى هادئة و جميلة جداً. لو انني لستُ بِحفل صاخِب و بِفستان طويل، لكنتُ احضرتُ وسادتي و غطائي لكي انام هنا على الحان هذه الموسيقى العَذبة.

رفع ريس رأسه ينظر الى الحضور الذين يرقصون مع بعضهم بِحركات بطيئة و رومانسية ليُعيد عينيه الساحِرة عَليّ رأيتُ فيهم بَريقاً تمنيتُ لو امكنني السباحة فيهم.
رفع هو يده امامي في الهواء و يده الأخرى خلفَ ظهره يبدو كرجلٍ نبيل ثم سألني بِصوته مُثير جعلني أعَض على شفتي بِقوة.
هل تَسمحي لي بِهذه الرقصة سيدتي؟

اختفت تعابير وجهي التي تحلم به، الى تعابير فيها خوف حقيقي و عيون متبحلقة، الم اقول انني أكره الحفلات لهذا السبب بالتحديد؟
انني أكره، الرقص لأنني لا اعرف كيف ارقص اساساً. صحيح انني تعلمت و حاولتُ كثيراً، و مع ذلك مازلتُ اخاف ارتكاب خطأ أو الخطو على اقدام من يرقص معي و اجعل من نفسي اضحوكة.

انا، انا لا يمكنني الرقص جيداً.
قلتُ له بِصوت متقطع احاول أن لا اتعرق مِن توتري الذي لا استطيع إيقافه متى شئت في وقتٍ كهذا.
و اين المشكلة؟ سوف اعلمكِ بِطريقتي، فقط الحقي بِخطواتي. قال ريس بِرقة مازال واضِعاً يده في الهواء ينتظر مني رداً.

لسببٍ ما كلامه جعل الديجا فو تَظهر و تذكرني بِنفس الكلمات التي اخبرني بِها لوثر قبل سنتين عندما قلت انا نفسي الكلام ايضاً. يا له من عالم، يضعك في مكان و يرميكَ بِمكان اخر مختلف مع اشخاص مختلفين.
(الديجا فو هي كلمة فرنسية تدل على ذكرة قديمة قد حدثت معك من قبلرو تحدث مجدداً لكن بزمن مختلف، أو شيء لم يحدث معك لكن عقلك يخبرك بأنك سبق و فعلت. ).

لكن، هذه المرة انا مُمتنة لهذا المكان الذي رماني به العالم، لأنني اشعر بِدفء جميع من معي و بالأمان بِجانبهم.
تمنيتُ لو أنَ والداي و عائلتي معي حتى أريهم اين انا الأن، و ماذا حدث معي و كيف اصبحت عليه.
وضعتُ يد على صدري أدع من ذكرة امي تُطَمإني و باليد الأخرى فوق يد ريس المُمتدة، ارسم أبتسامة واسِعة له أومئ بِرأسي بالموافقة.

سحبني هو بِجانبه يرفع يدينا في الأعلى كأنه يُري الجميع مع من سيرقص و اخذنا الى منتصف القاعة للرقص بين الحضور. كُل الرؤوس و العيون اصبحت علينا، بعضهم توقف عن الرقص ليحدقوا بنا و على وجوههم التعجب و منهم الفضول و اخيراً تلكَ النظرات التي تَملئها الغيرة و الحرقة.
وقفَ امامي ريس تماماً يضع يده على ظهري السُفلي و انا وضعتُ خاصتي على كتفه استقيم بِظهري و ارفع رأسي للأعلى لأقابل عينيه، تنظر لي وحدي.

و هنا، بدأنا كِلانا بالتراقص على انغام الموسيقى الراقية. هو يأخذ خطواته للوراء يجعلني اتبعه للأمام مُمسكتاً بِيده بِشدة متوترة، لكنه غَمز لي يرفع زاوية من شفتيه للأعلى ثم اقترب بِرأسه و همس بِأذني
استريحي و دعي مِن الموسيقى تأخذكِ الى اين عالمكِ الخاص.

انصتُ له و اغمضتُ عيناي أدع فقط من الموسيقى تصل لي و من يده على ظهري المكشوف و التي تمسك بي تَدُلني له مع كل خطوة يأخذها هو بهذه الرقصة.
إن حركاته خفيفة و سريعة، لكنني تمكنتُ من تقليدها لكونه يتباطئ في كل مرة يراني قد اضيع. يده على ظهري اشعرتني بأنني ذات ثمن غالي، انني كالريشة و انني له هو فقط و ليس لأحد ثاني.

سمعتُ اصوات اقدامي تطرق على الأرض الصُلبة بِتوحد. فتحتُ عيناي لأرى الجميع يرقصوا مع شركائهم مثلنا، ينضموا لفرحتنا و سعادتنا في هذا المساء الساحِر. فجأة تغيرت الحان الموسيقى الهادئة الى السريعة و بدأ الراقصون بِتسريع حركاتهم و نحنُ معهم ثم اخذ الراقصون يُغيرو من شركائهم ليرقصوا مع احدٍ اخر، إن المنظر جميل جداً و فيه احترافية رائعة. في كل تغير مع لحن يُغيرو الراقصون شركائهم.

هل نجرب؟ سألني ريس يحرك حواجبه بِطريقة مضحكة و انا لم يكن لدي خيار سوا الموافقة.
بعد أن وافقتُ ابتعد هو عني ليستبدل بِرجل شائِب بِشعر ابيض و لِحية خفيفة بيضاء، لكن من وجهِه بدت لي روحه يافِعة.
تشرفتُ سيدتي. قال لي هو يبتسم و انا رددتُ له الأبتسامة أومئ.

بِحركاتنا السريعة نَستدير في دوائر و نرقص بأرجاء القاعة، تغيرت الألحان مُجدداً، لنستبدل شركائنا مرة اخرى. هذه المرة من يرقص معي شاب صغير يمتلك شعر بني قصير و بشرة عسلية تبدو ناعمة.

تشرفتُ بالرقص مع انسة جميلة مثلكِ سيدتي. قال هو يومئ لي بأحترام و انا شكرته أرُد له التحية.
رأيتُ بِطرف عيني، ريس يرقص مع فتاة شابة تبدو كأنها في الجنة بين يديه و انا كدُت أن اخرج قهقهة على تعابير وجهها. لَمحني ريس اختلس النظر اليه، ليغمز لي قبل أن تتغير الألحان من جديد و يستبدل شريكي بِ...
لوثر! انا قلتُ بِصوت مرتفع قليلاً يفاجأني بِظهوره.
تاليا. قال هو يبتسم بِبرودة.

كنتُ اريد الأبتعاد عنه و تركه لكن يده التي على ظهري منعتني بَل دفعني نحوه أكثر.
لا تذهبي، انا فقط، دعينا نرقص.
لم اتفوه بِكلمة و تركته يمسك بي نرقص على الموسيقى التي تبدو انها لن تتوقف بأي وقتٍ الأن. انه قريب مني جداً لدرجة انني اشعر بِأنفاسه على وجهي. رائحته عطرة لكنها قوية جداً على انفي و لستُ معتادة على كوني قريبة من احدِ الى هذا الحد لأنني اعتقد أنَ رائِحة ريس من اللافِندار هي ما اعتدتُ عليها.

كيفَ حالكِ؟ سألني لوثر بِصوت فيه أهتمام.
بخير، و انت؟ سألته انظر الى اية مكان غير عينيه.
انا، بخير.
سعيدة لسماع ذلك.
تاليا، انظري لي أرجوكِ. لأن نبرته تغيرت لِلحزينة و فيها بعضاً من خيبة الأمل رفعتُ رأسي له و حدقت بعينيه البنية.
الم تشتاقي لي؟
لم أجبه بسرعة، بَل اخذتُ افكر، هل اشتقتُ له؟

نعم، اشتاق له لكوني قضيتُ معه فترة تعلمتُ فيها الكثير عن نفسي، اشتاق له لأنه الرجل الأول الذي املتكتُ مشاعِراً له في حياتي الواحد و العشرين.
اشتاق لكونه صديقاً قبل كل شيء، لكنه دَمر تلكَ الصداقة التي تمنيتُ لو انها مازالت بيننا. مع اننا لسنا سوياً و لا نتكلم إلا انه مازال يملك مكانة في قلبي.

الن تُيجيبِ؟ سألني هو يُعيدني من افكاري اليه.
فتحتُ فمي و اخرجتُ ما افكر به لكن بِأختصار
نعم افعل، اشتاق لك، كثيراً، لكنني الأن مع من اريد و انا مُمتنة لك و على كل شيء لوثر.

ظهرت أبتسامة حقيقية غير مُزيفة على شفتيه الوردية ثم اغمض عينيه بعدها فتحهم يحدق بِخاصتي.
ماذا عنك؟، الن تسأليني نفس السؤال؟
حدقتُ بِه لثواني اتفاجئ من جديد لكني سألته نفس السؤال ليجيُبني هو لا يَكُف عن الأبتسامة.

اشتاق لكِ دوماً و اتمنى لو أنَ ما حدث بيننا كانَ مختلفاً، لرُبما مازلنا اصدقاء على الأقل. انا اسف على كل شيء تاليا، اسف لأذيتكِ و ابعادكِ عني من دون أن انتبه لأنني كنتُ أعمى. لكني اراكِ سعيدة جداً الأن و اعتقد أنَ لِريس علاقة بالأمر. سوفَ اخبركِ بأمر قبل كل لشيء، اتمنى لكِ السعادة دائماً، اتمنى أن تبقي قوية و أن لا تهتزي من اية عاصِفة.

شكراً لك لوثر و انا اتمنى لكَ المِثل بَل و أكثر. فأنتَ تستحق فتاة تُحِبك افضل مني و تبقى معك للأبد.

لن توجد فتاة افضل منكِ لكن شكراً على تمنيك على اية حال.
و بذلك تغير اللحن كأنه كان ينتظر منا الأنتهاء من التكلم. قبل أن نُبَدِل الشركاء، لوثر فعل شيء لم أكُن اتوقعه منه، احنى رأسه بعدَ أن توقفنا عن الرقص و وضع قُبلة دافِئة على جَبيني و انا اغمضتُ عيناي اشعر بِها لأخر مرة.

ابتعد هو عني قبل أن افتح عيناي، لأشعر بِيدين مألوفة تُمسِكُني مُجدداً و هنا انا أبتسمت لا إرادياً ارفع رأسي و انظر لِريس و في عيونه القلق ثم وضعتُ جبيني على صدره.
هل كل شيء على ما يرام؟ سألني هو و نَحنُ مازلنا لم نتحرك.
أومأت بِ نعم و أجبته بِصراحة
نعم، كل شيء على افضل حال.

توقفت الموسيقى لِتجعل من الراقصين يتجمدو و يبتعدو عن بعضهم ينحنوا لشركائهم بأمتنان و مَحبة. اخذت خطواتي لكي ابتعد عن قَلب القاعة لكن يد ريس اوقفتني بِمكاني. استدرتُ و حدقت بِه مُعقدة الحواجب اسأله بِعيناي على سَبب مَنعي مِن المُغادرة، لكنه فاجأني بِسحبي اليه بِسرعة و تقبيلي على شفتاي امام جميع الحاضرين!

اردتُ دفعه و إيقافه من جنونه لأنني اشعر بِنظرات الجميع علينا كِلانا و حتى سمعِتُ شهقات قادِمة في كل مكان.
اوقف ريس تقبيلي بِرقة ليبعد رأسه قليلاً عني و ينظر لي بِعينيه البراقة.

كل عامٍ و انتِ بخير. قال هو يهمس بِصوته الجذاب و انا ذِبتُ كالثلج لأصبح مياه.
استقام ريس بوقفته و نظر الى كل الحضور التي تشاهدنا كأننا مَسرحية مَفتوحة. بعدها امسك يدي و قال يوجه الكلام لكل أذُن تسمع.

ايها الحضور الأعزاء، اريد أن اخبركم اليوم بأمر مُهم، هذه الآمرأة التي تقف بِجانبي، تدعى تاليا الكساندر هارث و هي من انقذت حياتي مِن التعاسة و جلبت لي لا شيء إلا السعادة و الحُب. هذه الآمرأة هي كل ما احتاجه في حياتي، هي طاقتي الإيجابية و كل امر جميل. اريدكم أن تحترموها و تضعوها بِمكانة عالية على قائمتكم، من يؤذيها أو يُهينَها يكون قد أذاني و أهانَني. انها عائلة، حُبي حتى لو انها من البشر فهذا اخر ما يهمني. لو لدى اية كائن اعتراض على كلامي، فَليقف ضدي الأن.

عَم الصمت في القاعة كأنها ليست مليئة بالأحياء، بَل الأموات. هذا الصمت شعرتُ به بِعظامي، يجري اسفل جلدي. لو امكنني الأختفاء في اية لحظة لتمنيت أن تكون الأن و مع ذلك، ريس تَجرىء على إخبار العالم و علناً عنا امام المِئات و هذه المِئات سوفَ تصبح الَفات و ملايين لكون الكلام يَطير لِلجميع بينَ يوم و ليلة.

لا اعلم لماذا فعل ريس هذا اليوم، لكني فخورة به و بِجرئته. انه يثبت لي كل يوم انني اخترتُ الشخص الصحيح لأضعه بِقلبي بِجانب الأشخاص التي تسكنه.
قررتُ في هذه اللحظة انه لو طلب مني اية احداً القفز من على جرف لأجله، لفعلت من دون تفكير. هل سمعتم بِتلكَ الفُرسان التي تقود خيول بيضاء، قادِمة لِمساعدة تلكَ الفتاة البائِسة و التعيسة في القِصَصَ؟

ريس هو ليس فارسي و حسب بَل كل امنية اتمناها في حياتي، اسمه يكون الأول عندي و باقي الفرسان التي كنتُ احلم بها؟، لا شيء مقارنتاً به الأن و لن يكون.
أنتبهتُ الى وجود تيلار، فينار، لوثر و كل الملوك بين الحاضرين يحدقون بنا و على وجوههم الهدوء و لمحت الفخر؟

بيتر يقف مشابك ذراعيه امام ضدره و فيه عيونه دموع؟، ياله من عجوز حساس بِحق. لكنه يبدو لي سعيداً جداً من اجلي. في الحقيقة انه الشخص الأول الذي اريد مباركتاه قبل أي احدٍ اخر.
ارسلت فينار أبتسامة لطيفة تجعلني اشتعل خجلاً و تيلار أومأت لي كأنها تقول، انها سعيدة لأجلي و أنَ ريس كنزاً، لو فقدته انا سَتحرقني حية.

اريد الضحك بِشدة لكنني امسكتُ نفسي لأن ما يحدث الأن غير مُناسب لِلفكاهة و الضحِك فيه. انها لحظة مُهمة و نعتمد عليها جداً. مازال الصمت موجود في القاعة لا احدث يعترض أو يوافق. جميعم ساكِنين متجمدين بِمكانهم كالذين فقدو قدرتهم على الحركة.
رأيتُ ايضاً، لوثر يقف بِجانب فالين مُتكتف الذراعين لكن نِصف أبتسامة ظاهِرة على شفيته و بنفس الوقت أومئ لي.

فجأة و من دون اية سابق انذار، بدأو الحضور بالتصفيق و الصُراخ بأسمي و اسم ريس. أحسستُ انني انا من فقدتُ قدرة الحركة هذه المرة على ردة فعلهم الصادِمة.

هل انا احلم ام انني جُنِنت؟
سألت نفسي بِدهشة انظر الى كُل شخص يصفق و يصرخ بأعلى صوته.

التفتَ اليّ ريس يضع يداً على وجنتي و بالأخرى يمسك بِذراعي.
و الأن، هل مازالت تلكَ الأفكار السَلبية موجودة في رأسك بعد؟
سأل ريس يرفع حاجِباً واحِداً بِتساؤول.
هززتُ رأسي بِسرعة ظننت انه سَينقلع من مكانه.
اختفت كُلها. انا أجبته بِصوت ضَعيف لكوني بدأتُ ابكي كالطِفلة التي رأت الفخر بِعيون والدتها.
جيد جداً.

مَسح دموعي بِاصابعه النحيلة ثم اخذني بِعناق لأخفي وجهي في صدره و أدع نفسي ابكي مع صراخ و تصفيق الحاضرين.

لم اتخيل ما كانَ سَيحدث اليوم و لو بِمئة سنة. لم أكن لأتوقع ردودهم الداعِمة بتلكَ الطريقة، مع أنَ بعضهم بدا لي مُتردد لكنهم و على ما اظن انهم تذكرو والد ريس و والدته بِنفس الموقف، لهذا لا اعتقد انهم يملكون خياراً سوى الموافقة. و انا أدعوا الله أن يُغيرو مِن رأيهم الغريب عني ليتحول الى احترام و مَحبة كما اصبح مع والدة ريس دايانا الملكة الأعظم في تاريخ أسليرا.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب