رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثامن والخمسون
انه يوم جنازة سموها أغاثا، لقد وصلنا البارحة مساءاً لِلمملكة و توجهنا بأسرع ما يمكن للطبيب، لكن جميعنا كُنا نعرف أنَ لا امل لأنقاذها و مع ذلك كان ريس هو من اخذها اليه، لكونه مازال في صدمة لا يصدق انها غير حية. و فور إعلان الطبيب موتها رسمياً، غادرنا غُرفة الطب مِن دون ريس، لكي يبقى معها و يودعها قبل قدوم هذا اليوم للأعلان عن موتها امام كُل أسليري ثم نبدأ بِجنازتها حتى لا تُفرِز جثتها رائِحة العفونة كما شرح لنا الطبيب.
اننا اليوم نقف في شُرفة القصر المُطِلة على الساحة الكبرى امام المئات من الأسليريين الذينَ قد سُمِح لهم بدخول القصر لكي يودعوا أغاثا لِلمرة الأخيرة قبل دفنها بِجانب قبور العائلة الملكية.
كل كائن يرتدي الأسود للحداد. انا اقف بِجانب ريس الذي لم يلفظ بِحرف منذُ البارحة، لا يتحدث مع احد أو يُبدي اية ردة فعل على كلام احد كأنه أصَم لا يمتلك لِساناً للتكلم أو أذنين ليَسمع بها. كُلما حاول شخص ما التكلم معه، إما يومئ بِرأسه أو يُهمهِم بِصوت منخفض بالكاد يمكنك سماعه.
و معي، لم يتحدث، انا مِن الأصل لم احاول فتح حديث أو حاولت جعله يتكلم، كما اخبرني بيتر، انه يجب أن ادعه و شأنه لفترة حتى على الأقل يستعيد نفسه، متى تنتهي هذه لفترة؟ لستُ ادري.
بيتر، أدلار و كُل المهمين في القصر يقفون معنا في الشرفة تُطل على معظم الشعب الذينَ يُشاركونا الحزن يبكون بِصمت بِحرقة و باقي الشعب في المدينة ايضاً يشاركون عندما سمعوا عن هذا الخبر المُحزن، لتتغير اجواء المملكة للكأبة كأنَ غيمة سوداء طَلت عليها و لن تذهب إلا بعد أن تتأكد أنَ جميعنا كَئيبين.
و فالكين المسكين، لقد اضطُرِرنا أن نرسله مع خادمته التي يحبها التي لا اذكر اسمها الى المنطقة السرية الخاصة بريس و عائلته، المنطقة نفسها التي اخذني اليها في الماضي. مكانها فوق جبل صغير يُطِل على غابات أسليرا بأكملها و الذي يكون مَبني عليه بيوت بيضاء سرية خاصة.
لقد سأل و تذمر فاكلين كثيراً لكي يرى والدته و نحنُ اقنعناه انها متعبة و سوف تعود مِن اجله قريباً. لم يجرئ احداً على اخباره أنَ والدته لم تَعُد موجودة اساساً، لهذا قررنا ابقاء الأمر سِراً عنه حتى يصبح بالعمر المناسب لأخباره أو رُبما يوماً ما سَنخبره بطريقة مناسبة و ليس الأن فَمازال صغيراً و لن يتحمل.
حركتُ رأسي للأعلى انظر الى وجه ريس الثابت خاليٍ من المشاعر و عيونه الناعِسة، انتبه لتحركات الظلال اسفل قميصه الأسود. عندما حاولتُ لمس ريس البارحة بعدما عاد لغرفته متعباً و لأنني رأيتُ ظلاله تتحرك بسرعة كبيرة على جسده، رفض لمسي و دخل الحمام لا يخرج منه. لم أنَم بِغرفته معه، بَل انصَتُ من جديد لكلام بيتر عن تركه لوحده و عدتُ لغرفتي في طابق الخدم مع أنَ السيدة مورغن اخبرتني انه توجد غرفة جديدة مُعِدى خاصةً مِن اجلي في الطابق الخاص بالضيوف لكي انام فيها إن اردت، لكني رفضت و ذهبت الى غرفتي التي حقاً احبها و اشعر بالأمان فيها.
حان الوقت جلالتك. اخرجني صوت احد الوزراء الذي يقف بِجانب ريس يُشير له لكي يتقدم و يُعطي خطابه الملكي عن الذي حدث.
المكان هادئ، لا نسمع شيء غير اصوات الرياح الباردة و الثلج يَهطل في هذه اللحظة من الغيوم الداكنة فوقنا في سماء هذا اليوم الحزين، كأنها تعلم بالذي نَمُر به و تشعر كما نشعر نحن.
وقف ريس امامنا و امام شعبه يضع يديه على الحافة ينظر لشعبه قليلاً قبل أن يفتح فمه و يتكلم لأول مرة، لم أكن اعلم كم اشتاق لصوته إلا بعد أن لفظ جملته الأولى.
شعب أسليرا العظيم! اليوم، و كما تعرفون، يوم جنازة سموها الأميرة، الأميرة العُلية أغاثا كيون ساتيان لوماريل. لأن البارحة كانَ يوم موتها على ايدي اعدائنا الشادونايتس في هجوم مفاجئ و كمين قد خطط له غادان لعنة الله عليه! كون عدم وجودها بِجانبي اليوم، يَكسر من قلبي لِشتاتاً من المستحيل إصلاحها بعد خسارتنا لأخر فَرد من العائلة الملكية. انا! كَملك، فشلتُ بِحمايتها و كسرتُ من وعدي لها!
تقدم الوزير فجأة مندهش من الذي يسمعه يُحاول ايقافه عن التحدث بِهذه الطريقة لكونهم لم يخططون للتكلم عن هذا الموضوع أو الأفصاح عنه بشكل عام.
ما الذي تفعله جلالتك؟ هذا ليس صحيحاً!
لكن ريس ابعد يد الوزير عنه و اكمل كلامه لا يهتم للوزير أو لأية احد يتقدم لأيقافه، انه يخرج ما بِقلبه و الحقيقة لشعبه، اين المشكلة بذلك؟
انا اعلم انهم يحبوه و يثقوا به و اعلم أنَ تصرفه و صراحته هذه سوف تجلعهم يثقون به أكثر.
لكني! سوف اُضَحي بِحياتي من اجلكم! هذه المرة اعدكم انني لن اكسر وعدي. الحرب القادمة ستكون اخر حرب في تاريخ هذا العالم بين مملكة أسليرا العظيمة و شادونايت، موت أغاثا لن يذهب هباءاً، لن تنزف دمائها على الأرض سُداً! سوف انتقم لها و لكم، سنين و سنين من الموت و سكب الدماء، لكن هذه المرة ستكون الأخيرة و لا مزيد منها. الحرب ستنتهي بِرأس غادان معي أو بِدوني!
و بذلك عَم المكان بِصراخ الأسليريين بأسم ريس و عائلته، يرفعون قبضاتهم في الهواء و يُرَددون بأعالي اصواتهم لريس و أغاثا التي بدأ الحُراس بفتح ابواب القصر و إخراج جسد أغاثا بِفستانها الأبيض مُحمَلة في تابوت مُناسب لها يحمله حراس القصر ليتنقلوا بين الشعب كَتقدير و لكي يودعوها شخصياً. الشعب حاولوا لمسها عن طريق تَمديد اذرعهم اليها لكن الحراس منعوهم و اكملوا مشيهم بينهم بِبطء.
اصوات بُكائهم يملئ اذاني و يحطم من قلبي أكثر، حتى انا مازلتُ لا اصدق موتها الى الأن.
اتسائل، متى سينتهي هذا الحزن؟
و اتسائل مجدداً، ما الذي سيحدث لاحقاً؟
لقد مرت ايام طويلة شعرتُ بِكل جزء من الثانية بها، بعد الجنازة، قضى كل شحص في القصر بالعمل و الأعداد للحرب القريبة. حراس، اعضاء المجلس، الوزراء، الجنرال و جنوده، حتى الخدم يعملون في اعداد الحرب.
انا قضيتُ معظم الأيام في غرفتي مع تيلار أو جيانا نتحدث عن الحرب بِما انها اخبار الأيام كلها. هل قلتُ من قبل، انه لا يوجد وجود لريس طيلة الأيام التي قضيتها بعيداً عنه؟
ثرثرة اصبحت مشهورة بين الخدم عن أنَ ريس ليس موجوداً في القصر منذُ ايام...
بعضهم يقوله انه هرب قبل البدأ بالحرب خوفاً من موته مع أنَ هذا الكلام هو الأضعف بين باقيهم. ثرثرة اخرى وصلت اليّ على أن ريس اصبح مجنوناً يرفض رؤية احد، يبقى في غُرَفِه لا يتناول الطعام و لم يعد يعرف الحياة اصلاً.
الأغلبية تقول أن ما يحدث معه يحدث مجدداً كما خسر عائلته منذُ اعوام. لم افهم بالذي يعنيه كلامهم بالظبط، لكن إحساس قوي جداً بِداخلي يخبرني على أنَ شيء ما غير صحيح و مقلق كثيراً و يجب أن اذهب لرؤية ريس بأقرب وقت ممكن.
خرجتُ من غرفتي في صباح باكر اتجه نحوى غُرَف ريس. بعد فترة، عندما وصلت حاولوا الحراس منعي من الدخول و لكن بعد اعتراض مني، تركوني ادخل لكوني عاشِقة ملكهم و على ما يبدو ملكتَهُم المستقبلية كما يَدعونني الخدم هنا في القصر.
الأمر الرهيب أن اصبح لِكلمتي اهمية أكبر و انني فوق الجميع، مِما جعلني الوضع مُحرَجَة و خائفة قليلاً من عيون و كلام الخدم بين بعضهم و عَليّ. عندما دخلتُ الغُرَف لم اشتم رائِحة الافِندار التي اعتدت على اشتِمامها فور دخولي لغرفته كل مرة.
انها موجودة لكن ليست قوية، فَصاحبها غير موجود ايضاً. الغرفة فارغة تماماً، فقط ستائر الشرفة تتراقص بالهواء لكون ابواب الشرفة مفتوحة تدع نسمة الشتاء القارس تدخل لتبرد المكان. لففتُ ذراعيي حولي اشعر بالنسمة تلامس جلدي في كل منطقة مكشوفة ثم استدرتُ و عدتُ لأغادر الغرفة اتأكد الأن أن ريس حقاً ليس في غرفه كالذي اختفى مثل الدُخان.
اين جلالة الملك؟ انا سألت احد الحراس التي تحرس غرفه.
لم يُجبني ايهما بَل ابقيا افواههم مَختومة لا يعطوني اي اهتمام.
شابكتُ ذراعي امام صدري و اتكأت على ساق أكثر من الأخرى ثم سألت مجدداً بِنبرة اعلى
اين جلالة الملك؟
بعد صمت قصير، حرك احدهم رأسه بأتجاهي و هو الذي يقف على جهة اليمين ثم أجابني
لا نعلم سيدتي.
تنهدتُ بِشدة استسلم مِن المحاولة لأنني اعلم انهم لن يخبروني، ثم ابتعدتُ عنهم اخذ خطواتي لِمكتب بيتر لأتفاجئ برؤيته في الردهة يحمل بعضاً من الكتب بيديه.
اكلمتُ خطواتي بِثقل على الأرض اللامعة اليه اعقُد حواجبي اجعله يتجمد بِمكانه ينظر اليّ بِحيرة.
سيدة هارث، هل من مشكلة؟
نعم مشكلة كبيرة، لا يمكنني العثور عليه!
اخرج بيتر الهواء من انفه يحدق بي قليلاً ثم قال بِهدوء
الم اخبركِ أن تدعيه و شأنه حتى يعود لنفسه سيدة هارث؟
رفعتُ حاجباً ارمش بسرعة عليه كالتي لم تفهم اللغة التي يتحدث بها ثم أجبته من بين اسناني.
لقد مرت ايام بيتر، ايام! لا اسمع عنه ولا منه اية حرف، لم أراه أو حتى اسمح لنفسي بالذهاب اليه، لأيام! كيفَ لكَ أن تخبرني بهذا الأن؟
انا اتفهم قلقكِ عليه، فهذا طبيعي، لكن اعذريني على قولي القاسي، لكنه لا يحتاج الى وجودك، يجدر به البقاء وح.
اعلم اعلم، وحده، يجب البقاء وحده، لكن الى متى؟ الحرب قريبة جداً و يجب عليه العودة و انا، انا اريد رؤيته و لو لِلحظة أرجوك بيتر. أرجوك خذني اليه فأنا اجهل مكانه و الجميع يرفض اخباري كأنه اختفى من الوجود.
لم يتفوه بيتر بِكلمة، يحدق بي ينسى انني هنا معه في الردهة لكنه تنهد بِخفة و اخذ يمشي مُكملاً طريقه يجعلني اتبعه.
هل ستخبرني ام سَتتجالهني كما يفعل الجميع؟ هل هو بخير اصلاً؟ هل حدث شيء له؟ هل هو--.
سيدة هارث! توقف بيتر عن المشي يستدير اليّ رافعاً نبرته.
تثبتُ بِمكاني ابلع ريقي على نبرته الفُجائية تلك.
خفت ملامح وجهه الغاضِبة لتعود للهادئة ثم رفع يده يضع اصابعه على جانب رأسه يُدَلِك المنطقة بِلطف كأن لديه الم رأس.
انه، انه على ما يرام. سوفَ ترينه قريباً، فقط توقفي عن البحث عنه لبعض الوقت و هو سَيعو--.
قاطعه فجأة صوت ضخم قادم من خلف بيتر يجذب انتباهي و انتباهه ايضاً. حركتُ عيناي انظر من فوق كتف بيتر الى الرجل الذي يتقدم نحونا و على وجهه علامات غريبة.
انه الجنرال هودي! ما الذي يفعله هنا؟
سيدة هارث، انا سأخذكِ اليه.
صدمتُ بكلامه الذي لم اتوقعه و جعل من بيتر يُشاركني نفس الصدمة. تقدم بيتر لِلجنرال يُعقِد حواجبه ليسأل بِتساؤول
ما الذي احضركَ الى هنا؟ و لماذا تريد اخذها اليه؟
لم يُجيب الجنرال على اسئلته بَل حرك عينيه عَليّ ليخبرني
انه في البرج الأبيض.
شعرتُ بِالقلق الصغير الذي كانَ ينمو بداخل قلبي و عقلي، يزدَهِر ليُصبح أكبر. توسعت عيناي كالتي تلقت صفعة على وجنتيها ثم تقدمت خطوة الى الجنرال لا اجد الكلامات بِسهولة لأشكل سؤالاً.
ما-ماذا؟
أومئ الجنرال يُشير بيده لورائه ثم أجابني
انه، في حالة سيئة و يجب عليكِ القدوم، لعلكِ توقفيه و لو لِثانية.
هذا ليسَ بِتصرف حكيم ايها الجنرال! حياتها ليس لُعبة، انها بشرية بحق السماء! اندفع بيتر بِكلامه يعترض.
لكني لم ابالي و اخذتُ اتجاهل بيتر و اتبع الجنرال هودي في الردهة الى باب القصر الخلفي الذي يقود للأبراج.
البرج الأبيض؟، لم اسمع به من قبل.
و لماذا ريس هناك؟ ما الذي فاتني في الأيام الفائِتة؟ فتح الجنرال الباب و تركني اخرج أولاً ليلحق بي و معنا بيتر لم يعد يفتح فمه لكي يوقفنا.
لماذا هو هنالك؟ انا سألته اسرع بِخطواتي لكي الحق بِالجنرال لكونه أكبر و يتحرك بِخطوات كبيرة بين كُل واحدة.
سوف تعرفين بنفسك، لم نكن سَنخبرك في الحقيقة لأنها اوامر الملك نفسه، لكنه بنفس الوقت، يؤذي نفسه و غيره، حتى انه يلفظ بأسمك بين حين و اخر لهذا اتيت اليك طلباً للمساعدة.
يؤذي نفسه؟ انا سألتُ بصوت مرتفع اضم يداي على شكل قبضات.
اقتربنا مِن برج كما يدعى بالأبيض لكونه البرج الوحيد الأبيض بين باقي الأبراج. انه بنفس لون القصر الملكي، كبير، طويل و جميل من الخارج.
كيف لي أن لا انتبه لوجوده؟
انا سألتُ نفسي تمنيتُ لو بأمكاني ضرب نفسي على عدم ملاحظتي لأشياء كهذه.
توجد حُراس كثيرة من حول البرج، جميعهم بِسيوف حادة معلقة على خصرهم، المنظر جعلني متوترة و اسبح بِالرعب لكوني لا اعرف ما بالداخل.
افتحوا الباب! امرهم الجنرال هودي ليفتحوا الباب لنا و يسمحوا بدخولنا.
البرج من الداخل ليس مختلفاً عن باقي الأبراج، كئيب، مخيف، خافت الإيضاءة لا توجد إلا اضواء الشمعات في كل مكان. جنود يرتدون ملابس عادية لكن سيوفهم و ادواتهم الحادة مازالت موجودة معهم، حدقوا بِنا نحن الثلاثة نمشي بينهم لنأخذ السلالم الى الأعلى بدلاً من الأسفل.
ماهذا المكان؟ انا سألتُ الجنرال لا افهم شيئاً.
امسك الجنرال خشبة مُشتعلة من على الجدار لكي يُنير السلالم بها.
زنزانة خاصة به. أجابني بِصوت منخفض يرسل القشعرية بأرجاء جسدي.
خاصة بِريس؟ ما السبب؟
و ليتني لم اسأل، لأنني تذكرت شيء ما عن كونه وحشاً مرة قد اخبرني بنفسه مازِحاً، لم اخذ كلامه بِجدية لكني الأن اندم.
اندم اشد الندم لعدم فهمي لكلامه المَخفي خلفَ تلكَ المزحات و الضِحكات الجميلة.
هل، هل يتم حبسه هنا؟ سألت بِتوتر اتعرق بِكفوف يداي.
لا يتم حبسه من قِبَل احد هنا ايتها السيدة، بَل هو من طلب بِناء هذا البرج لكي يحبس نفس بنفسه.
شعرتُ بِدمائي تجف في داخلي، فمَي اصبح جافاً كَتراب الصحراء، اعلم انه بكلمة اخرى سأفقد عقلي. الوضع اسوأ مِما ظننت، اسوأ بِكثير مع انني لم أرى شيئاً بعد. كلام بيتر اعاد نفسه في دماغي، عن كل معلومة قد سمعتها منه عن ريس.
عن كل حرف و قصة مِن كل شخص تكلم عنه، يجب عَليّ رؤيته حالاً.
وصلنا لأعلى البرج لنقف امام بابً اسوداً مصنوع من الحديد يقف بِجانبه حارِساً للحظة لم أكن لألاحظه لكون المكان عَتِم.
افتح الباب. اخبره الجنرال ليتحرك من مكانه و يفتح لنا الباب، و عند فتحه للباب، سمعتُ صوت صُراخ عاليِ جداً ظننتُ انني سأفقد سَمعي حقاً بِسببه.
علمتُ لمن ينتمي هذا الصراخ لأنني سمعته مِراراً و تِكراراً قبل معرفتي بِريس على انه الملك. و فوق صُراخه الذي وصل لِعظامي يجعلها ترتَج، اصوات وقوع اجساد على الأرض و كَسر اشياء. دخلنا جميعنا سوياً أرى رُدهة مُضائة بالنيران على كل جدار و توجد زنزانات قليلة تشبه غيرها.
و نحنُ نمشي في الردهة شعرتُ ببرد فجأة مع انه لا توجد إلا نافذة واحدة صغيرة مغلقة. رأيتُ باب زنزانة حديدي رمادي داكِن مفتوح و يخرج منه رجلاً يَطير بِعنف ليرتطم ظهره بالجدار.
شهقتُ انا اتوقف عن التحرك انظر بِعيون واسِعة على الرجل المُغمى عليه و بِجانبه يُحاول رجال يبدو صديقه أن يوقِظه. رأيتُ ايضاً، السيدة مورغن مع احد اعضاء المجلس السيد النبيل ويليو امادين صاحِب رقعة العين، يقفون بعيداً عن الباب ينظرون بِدهشة على الرجل فاقد الوعي. السيد امادين يعلم عن سر ريس ايضاً؟
لقد كنتُ مشبوهة بمعرفته لكن لم أكن متأكدة قبل الأن.
لا اعتقد انها فكرة جيدة ايها الجنرال، قد يؤذيها! قال بيتر يُعارض مُمسكاً بِذراعي لكي لا اكمل تحركي.
عيون السيدة مورغن و السيد امادين تحركوا علينا لِسماعهم صوت بيتر. السيد امادين بدا لي متفاجئ لرؤيتي هنا معهم لكن مورغن، رأيتُ على ملامِحها التأسف؟
تجاهلتُ يد بيتر و اكملتُ خطواتي بِبطء اخذ شَهيقاً و زفيراً في كل خطوة وراء الأخرى، ابعِد خوفي جانباً لا أدع من الأصوات القادمة من داخل الزنزانة تؤثر عَليّ.
الباب الأن شبه مُغلق لكني اسمع ايضاً صوت سلاسِل، تتحرك بِعنف و قوى مع صوت انفاس قوية و مرتفعة كأن صاحِبها يُحاول اخذ انفاساً.
ما الذي يحدث؟ انا سألتُهم كلِاهُما اقف امامهم لا اجرئ على النظر الى فتحة الزنزانة.
تنهدت السيدة مورغن و نظرت قليلاً بِبيتر تأخذ الأذن لِلتتكلم.
انه في الداخل، لقد فقد السيطرة و لم يأكل منذُ ايام أو يشرب الماء حتى. انه يؤذي كُل مَن يحاول مساعدته، أدلار نفسه لم يستطع مساعدته، نعتقد، انكِ،
الأمل الوحيد سيدة هارث.
أكمل عنها السيد امادين، لكون مورغن توقفت لا تجد الكلِمات لتخبرني بالذي لم اعلم عنه.
سوف ادخل. قلتُ انا بِشجاعة لرغبتي برؤيته.
أومئ لي بالتفهم ثم اشار لحارس غير مُصاب بِفتح الباب لي و انا بدأتُ بالتنفس بِسرعة لا اعرف كيف ادخل و اخرج الهواء من صدري بأنتظام، شعرتُ بِجسدي يتحول لثلج كأنني فقدتُ الدِماء.
توقفوا! خرج صوت من الردهة مألوف ليتحرك الجميع و ينظر الى صاحِبه أخضر الوجه و القادم مُسرعاً الينا مُعَقِد الحواجب و يبدو انه غاضب جداً.
ما الذي تعتقدون انكم تفعلونه؟ سأل أدلار يُغلق الباب بِقوة يبعد الحارس عنه ليوقف هنا بِمكانه يسده عني.
اتريدون موتها؟ ريس سَوف يكون غاضباً عليكم!
دعني اذهب اليه أدلار. لم اعد اتحمل إخفائه عني، الى متى ستفعلون ذلك؟ اقتربتُ منه أرمي اذرُعي بالهواء اهِس عليه لأيقافي.
تاليا، انه ليس بِحالة يمكنكِ رؤيته فيها. لعنته تصبح اقوى عندما تكونين من حوله، لأن ظلاله تريدكِ انتِ.
عمَ الصمت بيننا لا يتكلم احد منا فقط نحدق ببعضنا البعض نتكلم بأعيننا أكثر مِن افواهِنا. انه محق، لكني لن استسلم، اريد حمايته كما حماني على الأقل، يجب أن أراه.
رفعتُ يدي في الأعلى و و جهتُها اُشير على الريس الموجود في الزنزانة ثم قلتُ لأدلار بِنبرة اقل غضباً.
الرجل في الداخل يحتاجني أكثر من اي وقت، لن اسمح له بأذية نفسه أو الأخرين. دعني احاول و إن، إن حاول اذيَتي فَهُنا يمكنكَ أن تخرجني و اعدك انني لن اعود مجدداً.
اخذ أدلار يفكر بِصمت لا يرد لكن يحدق بي بِعيون مُضيّقة ثمَ و بعد لحظات طويلة أومئ بِرأسه يوافق و ابتعد عن الباب قائلاً
سوف ادخل معكِ، و إن فكر بأذيتك سأخرجكِ من دون اعتراض.
اعتقد انه سَيُحاول لكن اعطني فرصة واحدة بعدها اخرجني.
أومئ من جديد يفتح الباب كِفاية لندخل كلانا و قبل ذلك امسكتني يَد مورغن تجعلني التَف اليها و على وجهِها القلق
انتِ، انتِ امله الوحيد، لكن، لا نريد فقدانك، ضعي نفسك أولاً و انتبهي جيداً.
كلامها الرقيق الذي فيه اهتمام كبير بِكلماته وصل الى قلبي، لستُ قريبة جداً منها، لكنني مُمتنة لقلقها عَليّ. لم افهم كوني الأمل الوحيد، لكنني سأكتشف يوماً ما. دخلنا انا و أدلار الزنزانة و اغلقوا الباب خلفنا ليَعُمل الهدوء المُخيف في الغرفة الداكِنة التي يدخلها اشعة الشمس الخافِتة عبر نافذة صغيرة بالكاد تَسع لكائن في اعلى الغرفة مستحيل الوصول اليها.
حركتُ عيناي انظر في الأرجاء، محاولتاً العثور على ريس، لكني سمعت صوت سلاسِل حديدية و لاحظتُ تحركات في زاوية الزنزانة الظلمة، عرفت انه هناك، لكن ليس بأمكاني رأيته.
الزنزانة مُتسخة، كَراسي خشبية مكسورة في كل مكان، طعام و مياه مبعثرة في الأرجاء، دماء توجد على الأرض منها الجاف و منها الجديد. علامات غريبة على الجُدران و الأرض كأنها علامات حيوان شرس مُسببها بِمخالبه.
الزنزانة جعلتني اشعر بأن جدرانها تضغَط عَليّ، تُحاصرني بكل جهة، حاولتُ تهدئة نفسي بأخذ نفساً عميقاً، ولكن رائحة المكان اوقفتني من الأكمال لقوتها.
ريس؟ ناديته اتمنى رداً بالمُقابل، لكن الذي وصلني هو تحرك السلاسل أكثر ليظهر من الظلام رجل لا اعرفه.
انه عاري الصدر يرتدي بنطالاً كبيراً حول خصره، شعره الأسود القصير مُبعثر و جسده ملوث بالمياه القذرة من حوله و لأنه على الأرض و عليه كدمات و جروح بسيطة، عيونه، عيونه ليست فُضية، بَل سوداء! البياض من حوله أسود، ينظر اليّ بِها يتحرك على اربعته، يديه و ركبتيه.
ما الذي تفعلينه هنا! اخرجي حالاً! قال ريس لي بِصوت ليسَ صوته. فجأة تحرك بسرعة يقف على ساقيه و يتجه نحوي، لكن السلاسل على اقدامه و معصميه منعته من الوصول لي.
اذهبي قبل أن قتلكِ ايتها الحمقاء!
لم اعد اتذكر كيفَ استخدم لساني، أو جسدي حتى. انني منصدمة، مَصعوقة لا اعرف بِماذا اشعر. انه ليس ريس، من المستحيل أن يكون. انه مرعب، يبدو كالوحوش، عينيه التي احبها ليس موجودة بَل مكانها عيون ليس خاصته.
صوته الذي يُرسل الدفء لقلبي، ليس ما يتكلم به، بل صوت ليس له. انني أرى الظلال على جسده بِكمية هائلة لا تتحرك لكنها تنتشِر بِبطء لم أراها تفعل ذلك من قبل.
اخرجها من هنا! اعاد ريس يوجه صراخه على أدلار الذي يقف بِجانبي.
ريس. انا قلتُ ادع من نفسي اخذ خطوة صغيرة جداً له.
حدق هو بي كأنه تذكر من أكون ثم توقف لا يبعد عينيه عني، كالذي يراني لأول مرة.
تاليا؟ سألني بِنبرة مُنخفضة قريبة لِلهمس و انا تقطعتُ لأجزاء على شكله.
نعم، انا. انا هي من تحبها و تحبك، انا هي تاليا.
أجبته اخذ خطوة اخرى مثل التي قبلها و نبضات قلبي مُتسارعة ظننتها سَتخرج من صدري اليه.
قبل أن أكمل خطواتي نحوه، عقد حواجبه و حاول انتزاع السلاسِل بسحبهم بِعنف يصرخ يجعلني اخذ خطوتين للوراء.
اذهبي من هنا إن كنتِ تريدين أن تعيشي! قال ريس من بين اسنانه ينظر لي بِعيونه السوداء.
لا! لن اتركك وحدك. لماذا لم تخبرني؟ لماذا اخفيت المَك عني؟
ااااااااا! قلتِ لكِ غادري. انا لا اريدك و لا احتاجك.
لم انصت له و لم ادع كلماته تؤثر عَليّ لأنني اعلم انه في وضع لا يفكر بكلماته أو مشاعرنا كلانا، لهذا لم يكن لدي خيار سوى محاولة تهدئته عن طريق التكلم معه.
ريس انظري لي. انا هنا معك، سنتخطى كل شيء. كل ما يؤلمك سينتهي و تنتهي المعاناة معه، لهذا دعني لأكون بِجانبك، دعني اساعدك.
تحرك مجدداً بقوة يسحب السلاسل يحاول الوصول اليّ مادداً يديه، ليسَ لكي امسك بها، بَل لكي يسحبني له و الله يعلم ما سيفعله بي.
تاليا! أرجوكِ غادري، فأنا لن اتحمل اذيت احدً اخر. ليس انتِ، بالذات انت. غادري قبل أن افقد السيطرة، لم يعد بأمكاني امساك نفسي أكثر.
هززتُ رأسي امنع دموعي من النزول و البكاء الأن. اخذتُ خطوة مرة اخرى نحوه امسك بِيداي امامي.
لن ادعك لوحدك ريس. انا هنا معك للأبد، دعني اخفف المَك و نعود لغرفتنا هاه؟ دعنا نذهب لرؤية فالكين، لقد اشتاق اليك كثيراً، هو يحتاجك ايضاً. اخبرته بِصوت رقيق منخفض اتمنى أن ينصت اليّ لذكري فالكين.
توقف هو عن التحرك و احنى رأسه للأرض يبدو شكله صغيراً و ضعيفاً، اريد الركض اليه و معانقته و عدم تركه مجدداً. الجميع اغبياء، اخفوه عني و هذا الذي حدث. لو اخبروني بالأمر لما كان ريس في هذه الحالة ابداً.
كم أكره الأسرار و خاصة عندما تتعلق به هو. اقتربتُ أكثر لأصبح امامه تماماً لكن يوجد فراغ جيد بيننا. شعرتُ بِهذه اللحظة بِحرارة المكان، انها قادمة منه لكونه لا يمكنه التحكم بِقوته تلك.
ظننت انه متسخ بالمياه على الأرض، لأرى انه في الحقيقة مُتعرق بسبب حرارته المرتفعة. مددتُ يدي لكي المسه و ابعد تلكَ الظلال اللعينة عنه، ليُفاجأني برفع رأسه و التحرك بأسرع ما يمكن لِلعين اللحاق به. دفعني بقوة على صدري يجعلني اُحَلِق و ارتطم بالجدار لأشعر بِألم فظيع قد انتشر بِكامل ظهري و رأسي من الخلف.
تاليا! صاحَ أدلار يركض اليّ و يقرفص بجانبي يضع يده خلف رأسي.
أوه يا اللهي! هل انتِ بخير؟
فتتُ عيناي لا أرى شيئاً غير الظلام و بعد الرمش كثيراً احاول أن اصفي نظري، اصبح وجه أدلار واضح. اعتقدتُ انني مُصابة أو قد كسرت عظمة مِن عظامي، لكن الحمدلله لم يحدث اي شيء اسوأ.
استقمتُ و وقفتُ على ساقاي بِمساعدة أدلار لي و هو قلق يسأل
هل انتِ حقاً بخير؟ يمكنكِ المشي؟
أومأتُ له بِ نعم ثم أجبته اضع يدي على وجنته
انا بخير لا تقلق.
تباً تاليا! الم اخبركِ انه سيؤذيكِ؟ انظري ماذا حدث. هيا دعينا نخرج.
لا! انتظري قليلاً. اوقفته من اخذي لِلباب و حركتُ رأسي انظر الى ريس يضع رأسه بين يديه و يُتَمتِم كلمات لم افهمها.
تاليا أرجوكِ، هذه المرة كنتِ محظوظة لأنه دفعكِ و لم يمسك بكِ، المرة القادمة لن تكون كهذه. لقد فعل الأسوأ لِلحُراس.
انا اتفهم، لكن دعني احاول لِمرة اخيرة اعدك.
ابتعدتُ عنه و اخذتُ فرصتي لكون ريس مُتَشَتِت و انتباهه في امر اخر. لهذا ركضتُ كالمجنونة و رميتُ نفسي عليه الُف ذِراعيي من حوله و وجهي بالمنطقة ما بين رقبته و كتفه.
قد يبدو انني اعانقه، لكنني في الحقيقة مُمسكة بِيداي السلاسِل المُتصلة بالجدار لكي اسحبها و اجعل من يديه تنسحب لِلخلف ليَلتَسِق بالجدار حتى لا يضع يديه عَليّ و يقتلني.
ااااااا ما الذي تفعلينه ايتها ال--.
وضعتُ كف يدي على فمه امنعه مِن اللفظ بالكلمة مازلتُ مُمسكة بيدي الأخرى بِسلاسله. لا اعلم كيف لي أن افعل ذلك و امنعه من الأفلات مع انه أكثر قوى بِمئات المَرات. يبدو أنَ لمستي تهدئه و لو قليلاً.
أرجوكِ تاليا، اذهبي. ترجاني هو هذه المرة بِصوت منخفض ينظر الى وجهي، أرى دموعه في طرف عينيه.
انتَ تطلب المستحيل. قلتُ له ابتسم بِحزن اعانقه اضع يدي كامِلاً على ظهره اسحب ظلاله كلها.
انني اشعر بِالدوار و مُشوشة الذُهن، حلقي اصبح جافاً أكثر كأنني لم اشرب المياه منذُ اشهر. حرارة جسدي انخفضت، اصابع يداي و اقدامي باردة كأنه توجد ثلوج عليها. لا اعلم ما الذي يحدث لي، لكن بِكُل تأكيد يجب أن ابتعد عنه الأن و إلا سافقد نفسي و ينتهي كُل ما حاولت إعادته.
ابتعدتُ عنه اتنفس بِصعوبة لكنني زيفتُ أبتسامة صغيرة على شفتاي احدق بِعيون ريس التي تَتحول لِلونها الطبيعي و الظلام من حوله يختفي ايضاً.
تاليا، انا--
لا تتكلم. دعني اساعدك فقط.
لكن،
قبلته على شفتيه لا أكترث لوجود أدلار معنا أو لوضعنا. اريد أسكاتُه لِلحظة حتى أرى انه يعود لي من جديد. مع ان جسده مرتفع الحرارة إلا أنَ شفتيه زرقاء و باردة لكني لم اهتم كذلك و تركتُ نفسي أذوب بين يديه انسى ما حدث لثانية.
ابتعد هو عن القبلة و ترك عينيه تَحوم على وجهي كالذي عادَ لنفسه و تذكر اين هو و ما هو.
تاليا، يا اللهي، انا أسف. تَمتَم ريس بِحزن يُعناقني قليلاً ثم ابتعد يجعلني اجلس على حضنه لأنني كنتُ على رُكبتاي في المياه.
لم أكن اقصد اذيتك، لم أكن نفسي. يا اللهي، انا حقاً أسف. أرجوكِ سامحيني. قال هو يَهمس مُنخفض الرأس يرفض النظر اليّ.
وضعتُ كلتا يداي على وجهه ارفعه لكي اقابل عينيه الجميلة.
سامحتك. لكن يجب أن لا تُعيد الكَرَّى و تخبرني بالذي تخوضه ريس، انظر ماذا حدث لأخفائك الأمر عني. انا اعلم انكَ في الم كبير و اعلم أن فقدان من تحبهم يجعلنا نتصرف بِتهور و نكون في كأبة، يأس و حزن، لكن احياناً مُشاركة تلكَ المشاعر تُخفف عنا و لو القليل، فأنا خسرت عائلتي كما فعلتَ انت، لهذا انا افهم بِما اتشعر به جيداً.
لم يتفوه هو بِحرف أو يَرُد على كلامي. بَل ابقى نفسه صامتاً يحدق بي كأنه لم يفهم ما اخبرته به الأن. تنهد هو مُغمض العينين لدقيقة ثم اعاد فتحهم يأخذ نفساً عميقاً لأنتبه أنَ الظلال حقاً اختفت و لم يعد لها وجود على جسده.
لفَ يديه حول خصري و وضع جبينه على كتفي. لا يوجد ما افعله، لهذا تركته كما هو يستريح كما يشاء. حركتُ عيناي أرى أدلار يحدق بنا لا اعلم بِماذا يفكر، لكنه ابتسم لي بِطرف شفتيه و توجه نحوى الباب ثم فتحه و غادر. جميع مَن في الخارج، ادخلوا رؤوسَهم لينظرو الينا نجلس على الأرض، أو بالأحرى ريس يجلس على الأرض و انا على حضنه امسح على شعره المُتعاقد بِبعضه.
رأيتُ على وجوههم الأنبِهار و الدهشة، منهم متوسعين الأعيُن و منهم من يومئ لي. السيدة مورغن تبتسم لي و تبكي بِصمت واضِعة يدها على صدرها و بيتر، يرمش بِدهشة لكوني فعلت ما لم يتوقعوه أن يحدث.
السيد امادين فاجأني بِردة فعله، انه يومئ بِرأسه مُضَيّق العينين. لكنني تركت النظر اليهم و عدتُ انظر الى الرجل البريئ يتنفس بِهدوء مازال جبينه على كتفي مُغلق العينين و نائِم. نائِم كالطفل يخرج اصواتً لطيفة من انفه. لو كان سيبقى هكذا بِذراعي للأبد، فلا امانع أن ابقى هنا للأبد معه هو.
لقد تغير، لقد ظننتُ انني اعدته لكونه الملك و الرجل الذي احبه. لكنني كنتُ مخطئة. لم يعد كما كان معي احسستُ بهذه الأيام بعد أن اعدته الى غرفته مِن الزنزانة التي كان يتعذب بِها لوحده. اخذته لِلحمام ليستحم بعدها نمتُ معه طوال الليل ابقيه نائِم من دون الم أو معاناة. أما الأن، فَهو كالصخرة لا تهتز و بارد كَهواء الشتاء.
في كل مرة أتي لأزورُه في غرفته لأنني مازلتُ اقضي الأيام في خاصتي ادعه كما يريد حتى يطلب عودتي و لا اجبر نفسي عليه، يتصرف ريس معي بِبرودة و صرامة كأنني شخص غريب يزوره.
احياناً يتجاهلني و لا ينصت اليّ أو يومئ بِرأسه كإجابة على سؤالي. بالكاد ينظر لي ايضاً، حتى يوم من الأيام، كنتُ احمل صينية عليها الشاي و الفناجين بالطبع، و انا اتجه اليه، تعثرتُ بشيء ما على الأرض و وقعت الصينية من يدي لِتتناثَر قِطع الزُجاج السميك في كل مكان من حولي و انتبهتُ أنَ خدش طويلة على كاحلي ينزف لأن قطعة قد لامست جلدي عندما انكسر الزُجاج.
الأمر المزعج و المنَرفِز، انه لم يرفع رأسه مِن قراءة ورقة بيده، بَل حدق بالزجاج على الأرض ثم على كاحلي و بعدها اعاد تركيزه على ورقته يُنادي بصوت عاليٍ لِلحارس في الخارج لكي يُحضر خادمة لتنظف الفوضى و الشاي من على السجاد.
لم يسألني إن كنتُ بخير، لم يذهب لي مسرعاً لكي يساعدني أو يتأكد من انني على ما يرام. لم يخبرني انه لا بأس بِكسر الفناجين التي على ما يبدو غالية الثمن، لم يتفوه بِحرف مِما جعلني احترق غضباً لكن لم اجرئ على الصراخ عليه أو التذمر في وجهه. صحيح انه غاضب، حزين و مكسور لخسارته أغاثا منذ اسبوع تقريباً، لكن لماذا يتصرف معي بهذه الطريقة؟
لماذا انا؟ كأنني انا التي قتلتها.
لم استطع النوم لِليالي، فقط استلقي في سريري احدق بِسقف السرير اتسائل إن ما كنتُ مصدر ازعاج و الم في الرأس له ام انني تسرعتُ بأفعالي معه، مع انني لم اقدِم على فعل اية شيء يجعله يتعامل معي كالتي ليس لها اهمية في حياته. لكن في هذا الصباح الباكر رأيتُ شيئاً يحدث في غرفتي، تركني اغادر غرفتي مُسرعة بِأضطراب و صدمة اخذ خطواتي الى وجهتي، و هي غُرَف ريس.
وصلتُ لأبواب غرفه و الحراس لم يفعلوا شيء غير النظر لي بِطرف عيونهم قبل أن افتح الأبواب من دون النقر أو الأنتظار و الدخول مُنفعلة اغلقهم خلفي بِقوة. رأيتُ ريس يقف امام الشرفة يضع يديه خلف ظهره ليلتَلفِت على غلق الأبواب يُعطيني كامل انتباهه لأول مرة منذ فترة طويلة.
كيفَ تفعل هذا بي؟ انا سألته بِنبرة مرتفعة اُشير على اغراضي جميعها مِن الملابس، المجوهرات، الأحذية، العطور و المزيد، موضبة بِصناديق خشبية كصناديق الكنوز التي احضرتها جيانا و الخادمات معي الى غرفته الأن، اريه.
رفع حاجباً بِنظر لي بعينيه الناعِسة ثم سأل
ماهذا؟
وقفتُ مُنبهرة لتمثيله العظيم، انه يتظاهر بعدم فهمي الأن؟
هذا! لماذا امرتَ الخادمات حزم امتعتي و اخلاء غرفتي من اغراضي؟ هل تحاول التخلص مني؟
شعرتُ بِعيون الخادِمات في الغرفة معنا ثم سمعتُ جيانا تخبره بالمغادرة لتركِنا وحدنا، لكنني اوقفتها قبل خروجها قائلة من دون النظر اليها
جيانا انتِ ابقي هنا و احضري تلكَ الصناديق و ضعيهم بِجانب الخزانة.
تحركت جيانا تدفع الصناديق على الأرض الى الخزانة.
لا جيانا اعيدهم الى الخارج و دعي الحُراس يأخذوها.
توقفت هي و حدقت بِريس ثم بي لا تعرف الى مَن تستمع، لأخبرها انا بِصرامة اُشير بأصبعي لِتكمل.
لا! اكملي عملكِ و خذيهم لخزانته.
انا الملك جيانا! سَتنصتي لأوامري انا!
لا! جيانا خذيهم لل--
هذا يكفي! صاحت جيانا تتوقف بيننا و الصناديق من حولها توقفنا كِلانا عن التكلم مُتفاجئين بِنبرتها.
حدقت هي بِنا ايضاً مُتفاجئة من نفسها لأنها نسيت انها تقف امام الملك و لأنها استخدمت نبرة مَمنوع استخدامها بوجوده لتحني رأسها بِخزي تعتذر لنا مع أنني متأكدة انها قوتها التي جعلتها تنفعل.
هل لكِ أن تخرجي و تدعينا لوحدنا. لم يَكُن سؤالاً منه بَل امراً و هي تفهمت تنحني له ثم ترمقني بِنظرة قبل أن تُغادر الغُرَف.
الن تُجيب عن سؤالي؟ هل سَتبقى تتجاهلني مدة الحياة ريس؟ شابكتُ ذراعي امام صدري انتظر جوابه.
هذا ما كان يجب عَليّ فعله منذ زمن.
رمشتُ عليه مليون مرة كأنه يتكلم لغة لا اعرفها بعدها عدتُ لرشدي اشعر بِكلماته تصلني و تخترقني كمجموعة سِهام حادة.
ماذا قلت؟ ما الذي يحدث لك؟
الم تكوني تريدين الجواب؟، هذا جوابي.
ابعد عينيه عني و اخذ خطوة ليتحرك لكني تحركتُ قبله و امسكتُ بِذراعه اجعله يتوقف بِمكانه و يواجهني.
ما الذي فعلته لك لكي تتصرف معي هكذا؟ و الى اين سَترسلني اصلاً مِن دون اخباري؟
حدق بي هو لثواني من دون لفظ كلمة بعدها وقف بأستقامة يبعد يدي عنه.
سوف تعودين لِعالمك تاليا. الى عالم البشر التي اتيتِ منه. قررتُ أن ادع الذكريات لكِ، إن كنتِ تريدين عدم تذكر اية شيء عن هذا العالم، اخبري بيتر بالأمر و هو سَيُساعدك. هذا افضل لكِ و، لنا.
لم اعد اشعر بِنفسي موجودة هنا معه. بَل شعرتُ انني شبحاً يطفوا لا يمتلِك احاسيس و لا مشاعر ليشعر بشيء، كأنني جسد مُتحرك فقط. هل يُحاول مَقلَبَتي؟
ام انه يريد إخافتي قليلاً بكلامه؟
لأنه سخيف و ليس مُضحكاً بتاتاً.
سَترسلني لِعالمي؟ بعد كل هذه السنين الأن قررت فعلها؟ بعد أن وقعتُ بِحبك و قضيتُ سنين في هذا العالم حتى، اتعذب و اتألم ادخل بحالات كأبة و يأس، فكرتُ بها مراراً بالهروب لكوني بشرية ضعيفة فشلت ثم تعرفتُ عليك و غيرتُ رأي كامِلاً لكونكَ الرجل الذي جعلني اعيش من جديد و جعل من جروحي تلتَئِم لتخبرني في هذه اللحظة انه من الأفضل لي و، لنا، مُغادرتي؟
أومئ هو مازالت تلكَ البرودة على ملامحه ليُجيب بِصوت فيه مَلل و عدم مُبالاة.
نعم، هذا افضل حل لِلجميع. بقائك هنا، خطير و غير صالح لأحد لن يُفيد احد و خاصةً انا. سأتأكد من وصولك بخير و بسلامة لِلبوابة ما بين العالمين مع أدلار و لوثر إن اردتي. لقد اشتريتُ لكِ بيتاً في المدينة هناك و في نفس القرية التي كنتِ تعيشين بها، يمكنكِ اختيار ما تشائين و سوف اتأكد مِن وصول النقود و كل ما تحتاجينه لبدأ حياة جديدة هناك، و لن اقطع عنك اية شيء، كُل ما تريدينه سَتملكينه فور وصولك حتى العمل، لا تُفكري به، عيشي حياتك كما تحلمين، لا شيء سَيقف بطريقك.
لم اعد استحمل، لهذا صفعته، نعم كما سمعتوا، رفعتُ يدي و صفعته بِكُل ما اُتيتُ من قوى على وجهه، لأشعر بِحرارة بِكف يدي لكني تجاهلتها، احدق به و في صدري ضيق كبير يمنعني من التنفس بِسهولة كأنه توجد يدين تضغط على رئتاي و قلبي تُعذبني بِبطء.
توسعت عيون ريس مصعوقاً لفعلتي تلك. لم يكن يتوقعها و لم أكن اخطط لها، لكن حدثت و لا اندم و لو القليل. لقد استحق الصفعة و يستحق اللكمة على وجهه، لكن لا اعتقد انه بأمكاني لكمه، اخاف أن يتورم وجهه الوسيم.
تباً! انا اخاف على وجهه في لحظة حساسة كهذه!
قلت انا في داخلي اضحك عل نفسي.
رأيتُ ريس يَعض على شفتيه يضم يديه على شكل قبضات لكنه لم يفعل شيئاً فقط بقية يحدق بي لا يصدق ما فعلته. خده الذي صفعته عليه بدأ بالأحمِرار علامات يدي ظهرت كذلك، كدت لثانية واحدة أن اعتذر له، لكن امسكتُ نفسي و ابقيت ساكِنة اعيد له التحديق من دون تحريك جفن.
لا اريد اموالك! لا اريد منازلاً لأختار بينها، لا اريد العودة لعالم لم اعد اعرفه، احلامي لم يعد لها وجود منذ اللحظة التي خطوتُ فيها لهذا العالم. لا احتاج اية شيء منك إلا انت! كيفَ بِأمكاني الذهاب و تركك بعد كل الذي خُضناه سوياً؟ كيف يمكنه أن يكون سهلاً عليكَ تركي؟ صرختُ الجمل ادعها تخرج من قلبي لا اترك من دموعي تظهر.
انا لا اسألكِ تاليا، هذا قرار اتخذته بعد تفكير.
كيف تجرئ! دفعته بِكلتا يداي على صدره استسلم لدموعي من دون إرادة.
كان يجب عَليّ إعادتك منذ اليوم الأول لرؤيتي لكِ.
اصمت! قلت انا ادفعه اقوى لِلوراء.
لم اعد احتاجكِ لأنكِ لم تكوني سوى وسيلة لأرضائي.
اخرس! توقف عن الهراء! عدتُ ادفعه من جديد حتى ارتطم ظهره بِباب الشرفة ليُمسك هو بِمعصم يداي الأثتنين و يوقفني عن ضربه على صدره.
انا السبب! انا السبب بِكل ما حدث لكِ! انا من وضعكِ بِكل الذي مَرَرتِ به منذ اليوم الأول لكِ في أسليرا. انا من دمر حياتك و جعلكِ تخسري كل من تحبيه. صاحَ هو في وجهي يجعلني اتجمد كالبلهاء امامه، اغلق فمي.
لقد رأيتُكِ يوماً، بِحلم من احلامي. لم احلم بِبشرية في حياتي كلها و لو لمرة واحدة و انتِ، انتِ ظهرتي من العدم في حلم. رأيتكِ سعيدة و أجمل ما تكونين، تضحكين مع اخواتك و والديك. في غرفة في كوخ صغير. لم أكن اعلم لماذا حلمتُ بكِ انتِ بالذات. حاولتُ نسيانك كثيراً لكنني فشلت لأنكِ عالقة هنا في عقلي ترفضي الذهاب. اكمل حديثه لكن ليسَ بصراخ و إنما مازال بنبرة مرتفعة.
يوماً ما اخبرتُ لوثر عنكِ، اخبرته عن كل تفاصيل الحلم، كانت ردة فعله هي بتحذيري و اخباري أن اتجاهلكِ و انساكِ و لا اهتم بذلك الحلم لكي لا اقع بنفس المشكلة مع كارا و اضعكِ بِمشاكل أكبر. حاولتُ الأنصات اليه لكنني لم استطع، لأنني كنتُ اتألم، اتألم كثيراً واتعذب في كل يوم لا انام بأي ليلة و اصحوا باكِراً وحيداً خائِفاً من اي شيء و لا شيء. امرتُ برؤية لوثر مجدداًلكي اخبره عن معرفة و لو القليل عنكِ. رفض هو كثيراً لكن في الأخر انصت لي و ذهب لعالمك ليأخذ معلومات عنك فَحسب. علمتُ منه أنَ والديكِ و اخواتك أكشتفوا عالمنا و انهم يُخالفوا قانون العالمين بأعمالهم السرية بين عالمينا.
توقف هو يتنهد و يبتعد عني يضع وجهه بين يديه ثم اكمل كلامه لي.
امرتُه بِحمايتك مِن عالمنا و تحذير والديكِ دوماً حتى يتوقفوا عن عملهم و يعودو من دون مشاكل لكي لا يندموا لاحقاً و مع كل التحذير، خالفوني مرات عديدة و سرقو منا و من أراضينا. اخبرته أن يتركهم لفترة لرُبما ينتبهوا و يتوقفوا لكي لا يواجهوا العواقب و لكي لا يُضطر لوثر على، قتلهم كما يأمر قانون عالمنا. اتذكرين ذلكَ اليوم عندما كنتِ انتِ و والدكِ تَصطادون في الغابة و هَجم عليكِ اسداً ثم توقف فجأة و هرب؟، كان ذلكَ لوثر، هو من لديه القدرة على التحول لأسد لكي يُراقبكِ و يعرف عنكِ أكثر مِن اجلي.
ماذا؟ لوثر؟ انا سألته مصدومة لا اعلم كيف فتحتُ فمي و سألته لا اعلم الى اين يذهب ريس بِكلامه، هل مازال يُحاول إيخافتي لكي أكرهه أو شيء من هذا القبيل؟
أومئ بِرأسه بِ نعم ثم عاد ليُخبرني.
لقد تمادى لكنه كان مُضطر، بعدَ حدوث ما حدث بعائلتكِ ذلكَ اليوم، اخذكِ لوثر الى منزله بأمر مني. ابقاكِ هناك ليس لأنه يريد بَل لأنه يُنصت لي انا. لم أكن اريد موت عائلتكِ و حاولتُ إيقاف لوثر، لكن القانون يمنع كسره. إن فعل فَسوف يتعاقب اشَد العِقاب للأبد و سَيصبح مَنفياً مِن المملكة و العار على اكتافه اينما يذهب.
لماذا تخبرني بهذا؟ مازلتُ لم اقتنع--.
انا الذي أرسل أدلار، تيلار حتى جيانا الى بيت لوثر لكي احميكِ و ابقيكِ تحتَ مُراقبتي. انا مَن امرهم بالبقاء معكِ دوماً و بكون تيلار خادمتكِ الشخصية. لقد كنتُ انانياً افكر بنفسي، لم اعلم كيفَ اقابلكِ لأنني خائف من رفضك لي و هروبك مني. انا الغُراب الأسود الذي كانَ معكِ اينما ذهبتي، انا تلكَ النسمة في كُل ليل التي كانت تهدئكِ و تجلعكِ تتخيلين اشياء. انا مَن دمركِ و ابقاكِ مع لوثر انا من احضركِ الى هنا بِتظاهري في الحديقة بأنني أراكِ لأول مرة. حاولتُ إغرائك بالعمل هنا في القصر لكي تبقي معي. دائماً ما كانَ لدي حِس على انكِ بِطريقتٍ ما سَتُساعديني بِشأن اللعنة.
حدقتُ بِه لا اتحرك ساكِنة، لا اتفوه بِكلمة و لا ابدي اية ردة فعل، فقط انظر اليه كأنني أرى مخلوقاً عَجيباً لا يُخيفني لكن يبهرني يجلعني فاقِدة لِلكمات و التعبير.
امسكَ ريس اكتافي و حركني بِشدة يصرخ بوجهي.
الم تفهمي بعد؟ انا الشخص الذي يجب عليكِ الهروب منه و عدم العيش معه. لا استحق وجودك بحياتي لأنني دمرتُ خاصتك. احضرتكِ الى عالمي مِن دون اخبارك. جعلتكِ تُصبحي كالمجنونة. حطمتكِ و بالأخر اريتُكِ كم انا بَريئ و كم انا شخص يمكنكِ وضع ثقتك به.
لن ادعكِ، ليسَ بعد كل الذي حصل بيننا، ليس بعد أن تعلقتُ بك و بِقلبك. انتَ لا دخل لك بموت عائلتي و انا لم اعد الوم لوثر. كِلاكُما بَريئ و عائلتي التي تخطت الحدود مع انها تعرف العواقب لتتجاهلها. قصتكِ هذه لن تؤثر عَليّ ريس. انا أحِبك وسأحب--.
قاطعني هو يُخرج هواء من فمه بِقوى و نفاذ صبر ينظر لي بِعينيه الحادة و فيه لا شيء غير الأشتعال و الغضب، للحظة ظننته سيؤذيني بطريقة ما لكنه لم يفعل و قال في عينيه دموع.
لا تتفوهي بالغباء تاليا! سَيحدث معك كما حدث مع كارا! لقد اذيتكِ و سأؤذيكِ مُجدداً من دون أن اتحكم بنفسي. لقد حاولتُ قلتها لبقائها معي، لقد عذبتها و وضعتها بألم لم تتحمله لتتركني و تهرب مني. كيفَ لكِ أن تعرفي انكِ لن تفعلي مثلها؟ هي أحبتني حُباً جماً! لكنها تركتني و ذهبت و انا لا الومها ابداً و لن الومك إن فعلتي ما فعلته هي! يوماً ما سأستقظ لأراكِ ميتة بِسريري. سأستيقظ مِن كوني وحشاً قد قتلكِ بدمٍ بارد لا يهتم لكِ أو لكونك احداً مهم بالنسبة اليّ. و انظري اليّ الأن! لم استطع حماية أغاثا. تركت طفلها خلفها بِسببي و لن تعود. ماذا سأخبر فاكلين عندما يكبر؟ انني تركتها تموت؟ انني لم استطع انقاذها بِهجوم سخيف؟ كيف لي أن انظر بوجهه حتى؟ كيف سأجعله يتقبل واقع أن عمه ضعيف مُثير للشفقة لا يمكنه حماية احد و لا حتى نفسه من لعنته!
غيري قد يُنصت اليه يتركه، ليَعود لموطنه بعدَ سنين في العيش بعالم ليس عالمه، يجدر بي قتله، تركه وحيداً و عدم الأكتِراث اليه. يجدر بي الصياح و البكاء بِحرقة على الأسرار التي كانَ يُخفيها عني الى الأن، يستخدمها لكي يُبعدني عنه و يجعلني أكره كونه امامي ايضاً، لكن كُل تلكَ الأفكار و الأحاسيس لم تصل لي أو تدعني امتلك و لو ذرة كره نحوه. بَل لدي شيء مختلف، مشاعر قوية تريد الوصول اليه و اخباره انني مختلفة و انني لستُ شخصاً يستسلم بِسهولة.
ريس، انا لستُ هي. لستُ كارا و لن أكون مثلها. كما قلت لكَ سابقاً كلامك لن يؤثر عَليّ لأن حُبي لك اقوى. لقد ارتكبتَ اخطاء و وضعتني بِمكان لم أكن لأتخيل كوني به. لكنكَ و لو للحظة صغيرة لم تتركني وحيدة. لم تجلعني اشعر بأنني نَكِرة و انني ضعيفة. كنتَ دوماً معي و لي.
اخذتُ خطوة اخرى نحوه اتحدث معه بنبرة رقيقة و منخفضة، هادئة لا اصرخ مثله لكي لا اجعل من الوضع أكثر سوأ.
الماضي، ماضي ريس. التفكير به و الندم عليه لن يفيد كِلانا بَل سيؤذينا. انا مُمتنة على اخباري بالحقيقة حتى لو بعد وقتٍ طويل مِن اخفائها لكنني مازلتُ مُمتنة لك. اعلم انكَ كنتَ تكبُتها و الأن ترسلها بعيداً و هذا لا بأس. لا بأس ابداً، لأنني هنا معك. سيكبر فالكين ليتفهم موقفك و موت والدته، كما في الأخر يتقبل الجميع موت احبائهم. انتَ معه و انا ايضاً، سنربيه و نحميه بأرواحنا مهما كلفنا ذلك. انه يحبك و سيتفهم منك أكثر من غيرك.
عمَ الصمت بيننا اسمع صوت تنفسي الضيق و تنفسه السريع كأنه كانَ يركض مسافة حول القصر. عينيه تضيء بلونها الفضي الجميل تدهشني دوماً مع انني رأيتها بهذا الضوء مِن قبل. رفعتُ يدي و وضعتها فوق ملابسه فوق قلبه اشعر بِنبضاته مُتناغمة لِخاصتي أسفل يدي.
تنفسه اصبح اهدئ، ينظر لي بِرقة يتنهد بِخفة و يدعني اقترب منه.
تاليا، أرجوكِ توقفي لا تفعلي المزيد. لديكِ الفرصة لِلعودة كما كُنتِ تريدين، لقد اردتِ العودة لموطنك و ها هي الفرصة امامكِ لن تُتاح مجدداً.
ابتسمتُ بِحزن و خيبة ظن ثم رفعتُ رأسي انظر اليه
لا اريد الذهاب، لقد قررتُ انا، العيش هنا، معك و مع كل الذين احبهم و اعرفهم. هذا اصبح عالمي، هُنا امتلك من اعرفهم أما هناك، لا احد.
وضع ريس يديه الدافِئة فوق يدي التي تستريح على صدره و اعطاها ضَغطة صغيرة غير مؤذية.
هل تعلمين كم فكرة خسارتك أو اذيتك ترعبني؟، الفكرة وحدها تدعني افكر مِئة مرة بِطريقة لأجعلكِ تذهبين. تركك و ارسالك بعيداً عني اصعب قرار اتخذته في حياتي تاليا. لا اعلم كيف سأعيش من دون وجودك بِجانبي كل يوم. تصرفاتي معك بتلكَ الأيام، كانت لأبعادك عني، لم أكن اقصد جرحك ابداً.
هذه المرة اغلقتُ المسافة بيننا و وضعتُ جبيني على جبينه اتنفس الهواء الذي يتنفسه، ادعَهُ يعرف كم انني اشعر به و اعرف ما بداخله كأننا متصلين ببعضنا، كل ما يمُر به يمُر بي. مَهما فعل و مهما قال، لن يبعدني عنه. انه الرجل الذي أحبه، انه يظن على انه قد دمر حياتي، لكنه لا يعرف كم انه اعادني لِلحياة باليوم الذي تصادفتُ به و بِفالكين في الحديقة الوردية.
انا أسف. كانَ كل الذي قاله قبل أن يهبِط على الأرض يأخذني معه و يبدأ بالبُكاء بِشدة كالطفل الصغير.
جعلني ابكي معه، يتشَبَث بي يبكي على صدري من دون توقف كأنه كان يَكبُت دموعه لأيام و الأن تركها تَنهمر بِحرية. بدأ بالتأسُف و التأسُف لدرجة انَ تأسفه عَلِق بِرأسي و صوت شَهقاته تتكرر في عقلي. الشيء الذي اتذكره من بعد بُكائه الطويل لأخر الليل، هو انني اخذته لِسريره و اعطيتُه و اريه كُل ما يُمكنني مِن الحُب و هو وعدني بالكثير من الوعود اللانِهائية يلفظ بأسمي كأنه دواء يُشفيه.