رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثالث والستون
هل انتَ متأكد أنَ هذه الطريقة سَتساعدني؟ سألتُ ريس الذي يقف امامي يحمل كُرات من الطين قد شَكَلها بنفسه عن طريق استخدام قوته للتحكم لكي يُدربني على التحكم بِقواي اليوم قبل الغد.
لقد اخبرتُ أدلار عن قوتي و هو اقترح عليّ المساعدة بِأكتشافها أكثر، لكن فور سماع ريس للأمر، قرر هو أن يأخذ مكان أدلار و يُساعدني. في البداية لم امانع ابداً، لكن بعد بدأنا لِلتدريب سوياً و الأن، اصبحت اندم، لأنه يستخدم اساليب مختلفة عن الخاصة بأدلار و، انه زوجي، لا يمكنني التركيز جيداً بِتدريبي و هو معي.
بالطبع، هكذا تعلمت عندما كنتُ شاباً صغيراً و هكذا سأعلمكِ لكي على الأقل تعرفي ماهي قوتكِ بالضبط.
أجابني هو يبتسم نصف أبتسامة و يرمي كرة طين في الهواء ليمسكها مجدداً بيده. باقي الكرات تطفوا من حوله و على استعداد لأمر منه حتى تهجم عليّ و تُطيحُني أرضاً كما فعلت منذُ ساعة تقريباً.
انا مختلفة ريس، انتَ انجبتكَ أمك بِتلكَ القوات، اما انا فأكتشفتها في الصباح الباكر و الا يجب عليكَ أن تكون مع الملوك و الجنرالات لكي تكملوا خططكم للحرب غداً؟
هزة ريس رأسه ثم رمى الكرة التي بيده عليّ، لأتفاداها انا بسرعة قسوة ثم اقف بأستعداد للهجوم الأخر. لا اعرف كيفَ لهذا التدريب جعلي اقوى أو استخدام قوتي، لكن اعتقد انه يعرف ماذا يفعله.
انتِ لا تُقلقي نفسكِ بذلك الأمر في هذه اللحظة. لديكِ ساعات قليلة فقط للأستعداد للغد و الى الأن مازلتِ لم تعرفي ما هي قوتكِ تماماً. قال هو يضع يداً نظيفة بِجيب بنطاله و ينظر لي بِمُكر و استمتاع.
ادرتُ مقلتاي عليه ثم انحنيتُ قليلاً و وضعتُ كِلتا يداي امامي حتى استدعي قوتي المجهولة، لكن لا شيء حدث.
لن يفلح الأمر ريس. اخبرتُه بِنفاذ صبر اتنهد و اقف مُستقيمة.
لا تستسلمي بِتلكَ السرعة تاليا. استدعاء القوة ليس كالمشي أو شرب الماء. مع انني ولدتُ مع قوايي، لكن استدعائها صعب و يحتاج التركيز و انتِ، لا تركزي.
شابكتُ ذراعيي امام صدري ارفع حاجباً.
هل انتَ جاد؟ كيف لي أن اركز و انتَ ترمي عليّ تلك الكرات اللعينة كل حين و اخر؟
ضحك هو بِخفة يرمي رأسه لِلوراء.
انه جزءاً من التدريب ملكتي الجميلة. إن اردتي استخدام القوة بالحرب على الأعداء و في فوضى عارمة من حولكِ، فَيجب عليكِ التمسك بالتركيز مهما حدث لكي لا يقتلوكِ بغمضة عين. شرح لي هو يستدعي كرة كانت تطفوا على يمينه لتصبح امامه.
كيف لي أن افعل ذلك هاه؟ تذمرت أدهس على كرة طين متجمدة من البرد اسفل قدمي.
فكري بالقوة على انها دموع. لكي تبكي أو تدمع عينيكِ فَيجب عليكِ التفكير بشيء حزين و إلا لن تبكي ابداً. لهذا افعلي المثل مع قواكِ.
حدقتُ به على انه مجنون قد تفوه بِالهراء ليُكمل هو الشرح مُبتسِماً.
فكري بِالقوة في داخلك، ليست التي اعطتكِ اياها الساحرة، بَل قوتكِ انتِ، الخاصة بكِ، الموجودة بكِ. بعدها فكري بِهدفكِ، أو بالشخص الذي تريدين إذائه و أهم نقطة، فكري بِنفسك على انكِ تريدين الدفاع عن نفسك، القليل من الخوف و الطاقة سوياً لن تؤذي حتى ينضخ الأدرينالين بِدمائك و يساعدكِ أكثر.
هل انتَ عالم ام ماذا؟ سألته مندهشة من كلامه ليضحك هو من جديد بِصوت عذب.
توقفي عن التسائُل و ركزي تاليا. اختفت تعابير المرح و الأستمتاع من وجهه و اصبح جاداً بِملامح باردة و ضجرة.
انحنيتُ انا مرة اخرى، اغلق عيناي للحظة و افكر بِكل كلمة اخبرني إياها ريس. شعرتُ بِحرارة صغيرة بِكفوف يداي لأفتح عيناي و أرى ضوءاً أبيضاً يرقص بيداي. انه أبيض كالنور و سائل لكن خفيف كالريشة. كأنه هواءاً لكنه بِلون و سائل من دون مزيج. لا اعلم كيف يمكنني شرحه بِتفاصيل و منطق أكثر لكن هذا ما أراه و اشعر به. رفعتُ رأسي لكي انظر الى وجه ريس و أراه يحدق بالضوء بِيداي بِصدمة و يوجد معه انبهار بعينيه.
احسنتِ. تَمتَم هو بِصوت منخفض.
قبل أن افتح فمي و اخبره عن مدة سعادتي، تلقيتُ كرة طين صغيرة بِوجهي مِما جعلتني اقع على الأرض الباردة بين العشب المُبلل، اسفل الأمطار الغزيرة.
لم اشعر بالألم و إنما فقط كأن كرة ثلجية لكن لزجة و مقرفة لطخت وجهي. فتحتُ عيناي ثم وقفتُ على ساقاي مجدداً العن تحت انفاسي و ارمق ريس بِنظرات خطيرة.
تركيز! صاح ريس يستدعي كرة طين اخرى.
مسحتُ الطين من على وجهي و عيناي، بعدها وقفتُ بعيدة عنه بأستعداد لِلهجوم الثاني. أثني رُكبتاي قليلاً مع ظهري و ارفع يداي بِمستوى صدري.
اعطني ما لديكِ. اخبرته انا بِنبرة كالسُم ليبتسم هو و يرمي ليسَ كرة واحدة بأتجاهي، بَل أثنتين بنفس الوقت.
اندفعتُ انا اتفادى الكُرتين و ارمي الضوء من يداي عليهم حتى يضربهم قبل وصولهم للأرض و ليختفوا من الوجود كألدخان.
انتبهي! سمعتُ ريس يخبرني و انا بِسرعة حركتُ رأسي لأتجاه ريس لكي أرى كرتين غيرهما، تُحلِقان نحوي بِسرعة كبيرة.
تفاديتُ الأولى بِأخر لحظة لأرمي ضوئي عليها و تختفي اما الثانية فَلقد ارتطمت بِركبتي.
بِطيئة جداً. قال ريس يضع كلتا يديه بِجيبه.
يبدو هادئاً جداً و لا يمانع الوقوف تحت الأمطار معي في وقت غروب الشمس لكي نتدرب على قواي. لقد تخطينا وقت الغداء منذ زمن و مع ذلك لم يتذمر و لو لمرة حتى لو أنَ ملابسه مِن الحرير تسبح بالمياه. انا في الجهة الأخرى، ارتدي الجلد، ملابس خاصة بالقتال. لقد مرت ايام و انا بِملابس قتالية مختلفة، لم ارتدي فستاناً ابداً.
في الحقيقة انني اشتاق لأرتداء الفساتين كثيراً، لم اتخيل يوماً أن اقول هذه الجملة.
بِماذا تشردين؟ سألني ريس يرفع يُضَيّق عينيه الفُضية التي تلمع كالألماسات.
هززتُ رأسي ارفض إجابته ثم اشرتُ بيدي لكي نعود لِلتدريب. هذه المرة ارتفعت مجموعة من الكرات في الهواء من حوله و على شفتيه الوردية، ارتسمت أبتسامة خبيثة مِما جعل من معدتي تتشقلب من القلق لكنني رميتُ ذلك الشعور و ركزتُ على نفسي و تلكَ الكرات المقرفة التي بعدها انني اخطط لأخذ حماماً طويلاً.
هذا ليسَ عادلاً. قلتُ انا لكني تحركت مسرعة بعدما رمى ريس الكرات واحدة تِلوى الأخرى من دون توقف.
ركضتُ انا بأسرع ما يمكنني ارمي نفسي على الأرض لأتفادى أثنتين ثم اقف من جديد لأكمل ركضي و ارمي قوتي على الباقي قبل أن يُلامسوني. رأيتُ كرة كادت أن تضربني بالبطن، لأقفز بِقوة و اتفاداها. سمعتُ صوت اقدام على العشب من خلفي و استدرت بِرعب للوراء لأتفاجئ بِريس يركض نحوي يُحاول الهجوم.
رمى نفسه عليّ لكنني كنتُ اسرع، اخذت جهة اليمين و تفاديتُ هجومه. هو كبرت أبتسامته و شَكَل كرة طينية من جديد و بسرعة لم الحق بها ثم رماها عليّ. وضعتُ يدي التي فيها الوشم امام وجهي بعدها اخرجتُ قوتي عليها.
ابعدتُ لكني لم أرى مُنافسي امامي. علمتُ انه خلفي لأنني قبل أن افكر بالأستدار، امسكتني يدين قوية و كبيرة من أكتافي ثم رفعتني للأعلى، اقدامي لم تعد تلمس العشب.
امسكتكِ، ايتها الجميلة. قال ريس بِنبرة شريرة.
أبتسمت انا على نبرته، لكنني فكرتُ بسرعة و لكمته بِكوعي الأيمن على وجهه ليُفلتني و يلعن بِصوت مرتفع الى أن عدتُ على الأرض. استدرت اليه ثم هبطت على الأرض و ركلته بِقدمي كاللولَب على كاحله لكي يقع على و ارمي نفسي فوقه مُمسكة بِذراعيه.
هزمتك و الأن قل انكَ تستسلم. اخبرته اشعر بالفوز العظيم.
هو بدأ بالضحك لكن لم ينصت لي و بقية مُحاولاً الأفلات من قبضتي. اعلم انه اقوى مني بِكثير و انه يَدَعي الضعف، لكنه فتح عينيه و حدق بي يضحك أكثر.
الن تستسلم ايها المزعج؟
هزة رأسه يحرك حواجبه بِإغاظة ثم أجابني
انتِ فزتي صحيح، لكنني لن استسلم إلا بِشرط واحد.
ضَيَقّتُ عيناي عليه ثم قلت
لم أكن اعلم أنَ الأعداء تستسلم بِشروط.
انا زوجكِ، كيفَ لكِ أن تُشَبهيني بالعدو؟
لم اضحك لكنني أبتسمت و أجبته بِنبرة شريرة مشابه لخاصته
يجب أن تعرف أن اعداء المرأة في الحياة هُما اثنان، من يُقَلِل مِن شأنها و من يُحاول مُنافستها.
هذا عميق. لكن شرطي سَيُعجبكِ بما انكِ استطعتي التحكم بِقواكِ جيداً و تفادي تلكَ الكرات بِذكاء.
رفعتُ حواجبي بِفضول ثم أكمل هو متوقفاً عن الحركة يحرك نظره من عيناي الى شفتاي ثم يعود لِعيناي.
عرفتُ ماهو شرطه.
انتَ رجلٌ ملعون. اخبرته اهُز رأسي بِخيبة ظن.
انتِ محقة، لكن اعتبريها جائزة لكِ مني مع انها بسيطة و يمكنكِ اخذها متى شأتي لكن هذا ما يمكنني اعطائه لكِ الأن.
ادرتُ مقلتاي لا اصدق ما اسمعه لكنني أبتسمت أكثر و احنيتُ رأسي اعطيه قُبلة عميقة بِشفتين باردة على شفتيه الدافئة. ابتعدتُ عن القبلة بعدما سمعت صوتاً يبدو حزيناً يخرج منه. حدقتُ بعينيه لكني رأيت تعابير وجهه مستاءة.
ما الخطب؟ سألته بِقلق.
إذاً انتِ مَن أكل فطيرة الفراولة التي خبأتُها هذا الصباح؟
حركتُ رأسي على جنب بِحيرة ثم سألته متفاجئة
كيف عرفت؟
توء توء، يمكنني تذوق الفراولة على شفتيكِ ايتها المشاكسة لا تنسي أنَ حواسي اقوى من حواسكِ.
ضحكتُ بِصوت عاليٍ من القلب ثم ابتعدتُ عنه اقف و امد يدي له لكي يأخذه لا اشعر بالندم على تناولها هذا الصباح لأنها كانت الذ فطيرة قد تناولتها. اعتقد انها مُعِدة مِن قبل بيتر.
اخذ ريس يدي و وقف امامي مازالت علامات الحزن اللطيفة على وجهه الأجمل، يبدو كأنه طفلاً صغيراً قد خسر لعبته المفضلة.
هل الملك الأقوى في العالم يبكي على قطعة فطيرة بالفراولة؟
لو لم تكُن اطيب فطيرة لما كنتُ حزنت عليها. لقد خبأتها منكِ انتِ بالذات، كيفَ عثرتي عليها؟
شابكتُ ذراعي بِذراعه اليسرى اشعر بِحرارة جسده تصل لجسدي البارد و عضلاته اسفل ملابسه المُبللة تبدو مرئية عليه.
الخيمة ليست مَتاهة عزيزي، يمكنني العثور على قطعة غبار هناك إن اردت. اخبرته اهُز أكتافي ثم سحبته معي لكي نبدأ بالعودة لِلمخيمات و بعيداً عن هذه الأمطار.
أبتسم هو يُظهِر اسنانه الؤلؤية ثم هدئة مِن ملامح وجهه لِلمرحة لكن بنفس الوقت باردة.
بما انكِ أكلتِ القطعة الخاصة بي، ما رأيكِ لو تُكافئيني بِقُبلة اخرى؟
وجهي مليء بالطين و الشُكر لك و لا اشعر بِشفتاي اصلاً أو بأي جزء من جسدي و الشُكر لكَ مجدداً لأنكَ لم تعطيني استراحة منذُ ساعات من التدريب، لهذا لِلقبلة وقتٌ اخر.
ليسَ لدينا وقت كافي لأخذ استراحة تاليا. الحرب غداً لهذا اضطررت أن اضغط عليكِ حتى تعرفي التحكم بقواكِ.
هل عرفت ماهي بالضبط؟ سألته اعقد حواجبي لأنني تذكرت كلام أدلار على انها مَزيج بينَ اثنين و على ما يبدو نادرة و مجهولة.
أومئ هو بِ نعم ثم أجابني
انها مزيج، كما توقع أدلار. الساحرة اعطتكِ اثنتين بِواحدة. لا اعلم لماذا فعلت ذلك و الى الأن لا اعلم لماذا لم تأخذ منكِ شيئاً، لكنني اعلم انها قوة قوية جداً و اليوم لم تستعملي إلا القليل منها.
انتَ تعني انه يوجد المزيد فيها؟
أومئ مرة اخرى يوافقني.
يجب أن تكوني حذرة تاليا. قد تكون خطيرة و قد تؤذيكِ إن لم تعرفي ماهي جيداً. رأيتُ انها مزيج بين الضوء و الحرارة لا اعلم إن انتبهتي لكنني رأيتُ الكرة التي رميتُها عليكِ تتجمد قبل أن تتبخر. لم افهم كيف حدث ذلك لهذا يجب عليكِ الحذر.
رمشتُ انا على جانب وجهه لستُ افهم ما قاله جيداً مع انه واضح. لكنني فهمت، لقد قال انها مزيج بين الضوء و الحرارة. لا توجد قوة ثالثة لأن الحرارة يُمكن التلاعُب بها. يمكن تَسخين الأشياء بأرتفاع الحرارة و يُمكن تبريدها بِأخفاضها. لكن قوة الضوء شبيهة بالنيران لا؟
ما هي قوة الضوء ريس؟ لايتا يمتلكها لكن لم افهمها جيداً.
ظهر المخيم امامنا بِما اننا نقف على رأس تلة ثم توقفنا قليلاً نحدق بالخيمات البيضاء و بنية اللون. الجنود التي في الخارج تتقاتل و منها من يحرس الخييَم. لا يهتمون للمطر كأنها لا شيء.
قوة الضوء قوة لا يمتلكها إلا شعب كاداري مملكة لايتا. قد تبدو قوة ضعيفة أو سخيفة مِن اسمها، لكنها خطيرة و ذات تأثير مُدمر. انها كالنيران إن اردتي و كالضوء الذي يفقدكِ بصرك، حتى إن اردتي يمكن أن تحولكِ لِرماد اسرع من النيران.
واو انها حقاً اخطر مِما توقعت.
تنهد ريس ثم بدأ بالتحرك و انا معه متمسكة بِذراعه ننزل التلة لِلمخيم حتى وصلنا له قال ريس يومئ لِلجنود التي ترانا بِرأسه.
لايتا ثاني اقوى ملك، قواه لا يُستهان بها ابداً. في الحرب التي حدثت في القرون الماضية. عَم هجوم كبير على مملكة كاداري من قِبَل شادونايت، كان الهجوم مفاجئ و لم يتوقعه احد. لايتا كان شاباً مثلي مازال غير صالح لتولي العرش بعد. والده استطاع حماية مملكته بأرسال قوته الضوئية على الشادونايتس بِمكانه امام قصره من دون تحرك. احرقهم بِحركة يد مع انه كان يوجد الكثير من شعبه في طُرقات المدينة لكنه تحكم بالضوء على هدفه فقط كأنه حيوان حي.
و الأن انا امتلكها؟ سألته اقف لكي يفتح ريس خيمتنا و ندخل الى دفئ النيران المُشتعلة و الجفاف.
اعتقد هذا. كريسيدا اعطتكِ شيئاً لم تعطيه لِبشري منذَ مئات السنين.
استيقظنا في اليوم الثاني قبل شروق الشمس و ارتدينا دروعنا و وضعنا سيوفنا و الخوذ بِأيدينا. عندما خرجتُ انا و ريس من خيمتنا انتبهتُ أَن المخيم هادئ جداً. لا يوجد اصوات غير صوت المطر التي لسببٍ ما تبدو ايضاً هادئة و ليست غزيرة كما كانت منذُ أول يوم مِن وصولي لممكلة أريزو. الجنود بِدروعها و خوذها و سيوفها المعلقة على خصرها. بوجوه ثابتة كأنهم الهدوء نفسه قبل الأعصار.
يبدون مخيفون جداً لدرجة انه اقشعر بدني من منظرهم. لا يبدون رحيمين و لا من الأخيار ابداً، للحظة ظننتهم من الشادونايت لكون الخوذ تغطي وجوههم بأكملها و تترك فقط عيونهم.
توجهنا مع أدلار و بيتر لخيمة الأجتماع ثم دخلنا لنجد فالين، لايتا، الجنرال و السيد ويليو مع السيد روين و المزيد من الجنرالات الأخرى يقفون حول الطاولة. توجه ريس لوحده لِرأس الطاولة في منتصف الخيمة ليقف هناك و ينظر للجميع بِملامحه القاسية و الملكية.
هل وصلكم اية خبر مِن تيريان؟ سألهم ريس.
اقترب السيد ويليو و أجابه يضع اصبعاً على منطقة قريبة من نهر الكريستال و على طرف الغابات.
نعم، لقد ارسل خبراً أنَ جنوده مستعدة في مكانها في الغابات. إن حاول غادان الدخول عبرها سَيتفاجئ بوجود جنود تيريان هناك.
أومئ ريس بالتفهم ثم حرك رأسه لينظر الى السيد روين صاحب الشعر الأشقر.
ماذا عن سيون؟ هل ارسل لكم خبراً من البحار؟
أومئ روين له ثم أشار على البحار القريبة من النهر و مملكة أريزو.
لقد ارسل جنوده للبحث عن اية سفن غريبة، لكنهم لم يعثرو على شيء. على ما يبدو أنَ غادان لن يلعب بالخفاء و إنما سَيتخذ طريقه عبر النهر كما توقعنا.
لا ترفع من الأمال و تُخفِض دفاعك سيد روين، فَغادان لن يَكُف ابداً عن اللعِب بالخفاء.
عارضه الجنرال هودي يتقدم خطوة للطاولة بين الجميع يجعل من ضوء الثُريا في الأعلى ينعكس على وجهه و يسبب بِظلام اسفل عينيه البغيضة.
انه يتوقع ما نحنُ نتوقع، لهذا لم يرسل جزء من جيشه للبحار و إنما سَيتقدم مباشرة من النهر لساحة الحرب، لهذا سَندعه يفعل ذلك من دون الوقوف بطريقه.
قال ريس يَجُر اصبعه على الخريطة من النهر لساحة الحرب.
اندفع فالين من الرأس الأخر للطاولة و عارض كلامه معقد حواجبه يُشير بيده على الخريطة.
كيف لنا أن ندعه يُكمل طريقه من دون إيقافه ريس؟ يجب أن نُنهي الحرب قبل بدأها. لماذا تريدهم أن يكملوا طريقهم الينا؟
رفع ريس عينيه عليه بِضَجر لم تزعجه نبرة فالين
إن ارسلنا جميع جيوشنا لإيقافهم فَسوف نخسر عدداً كبيراً منهم، لأنني متأكد أنَ غادان و كيجا لن يرسلوا جميع جيوشهم بالعدد الكامل للساحة على الفور. بَل جزءاً بسيطاً منهم. يريدنا أن نهجم عليهم بكامل قوانا حتى نَنفَر من الطاقة و هُم يفاجئونا بِجيش اخر و في تلكَ اللحظة سَنخسر قبل أن نتحرك حتى.
فتح فالين فمه، لكن لايتا قاطعه و أكمل يوافق ريس.
هو محق فالين. تذكر أنَ عددنا اقل بِكثير من عدد جيش غادان و كيجا سوياً. يجب أن لا نأخذ خطوة واحدة قبل غادان، بَل عدة خطوات مسبقاً.
لهذا نحنُ نخبئ خمسة الاف جندي في الغابة مع جنود تيريان و الخمسة الباقي سَيكونون الطُعم لهم. وافق الجنرال هودي ينظر الى ريس الذي يحدق بِهدوء بالخريطة امام الجميع.
اين السيد أيزاك؟ سأل ريس بيتر الذي يقف بِزاوية الخيمة مع أدلار.
انه مع رسول مِن عالم البشر قد ارسله الملك مع الأسلحة الباقية التي طلبها.
جيد جداً. أومئ ريس لبيتر ليعود تركيزه على الخريطة كأنها الشيء الوحيد المهم في هذه الخيمة.
هل سَتقف معنا جلالتك في الساحة اليوم؟
سأل السيد ويليو بعد صمت قصير ثقيل بين الجميع.
رفع ريس رأسه ينظر اليه لثانية ثم أومئ يحرك رأسه بأتجاهي لينظر لي بِطرف عينيه.
نعم. يجب عليّ دعم الجنود، لا يجب عليهم أن يكونوا لوحدهم من دون ملكهم ليقاتل بجانبهم. فأنا لستُ من يجلس على عرشه و يقودهم لحتفهم.
حتى ملكتهم لن تفعل ذلك. انا شاركته اتحدث لأول مرة منذُ أن دخلت الخيمة.
اصبح انتباه الجميع عليّ بعدما انتهيت من التحدث و من دون أن يتفوه احدهم بِكلمة. شعرتُ بِضغط شديد من نظراتهم و توتر جعل من يداي ترتجف قليلاً مع انني أرى أبتسامات مِن السيد ويليو و فالين مع لايتا. اما الباقي فقط يحدقون بي من دون وجود تعابير على وجوههم الثابتة.
انتِ، قال الجنرال هودي ليقف للحظة ثم يكمل.
انتِ لستِ فتاة بشرية ضعيفة و صغيرة بعد الأن. انتِ ملكة بِحق تقف مع شعبها بجانب جنودها و ملكها. لكِ كامل احترامي سيدتي. انحنى هو يضع يده اليمنى على صدره.
الباقي نظرو به كأنهم يروه للمرة الأولى، لكنهم و بعد أن حدقوا ببعضهم البعض، وضعوا ايدهم على صدورهم، فوق قلوبهم ثم انحنوا بأحترام يقلدوا الجنرال. لم أبتسم و لم اشكرهم، بَل أومأتُ لهم كما تفعل الملكة، اريهم احترامي المُتبادل لهم و وعدي بِحمايتهم مع ريس.
حسناً ايها السادة. لنذهب و ندمر اللعين غادان. قال فالين بعدما استقام الجميع.
أومأو كلهم ثم بدأو بالتحرك يغادرو الخيمة ليدعو كُلاً من ريس، انا، بيتر و أدلار.
تقدم بيتر الينا و ورائه أدلار ينظر لي ثم لريس بِعيون زرقاء ساكِنة لا يوجد فيها إلا موعظة و الرقة.
هل انتَ متأكد ريس؟
حدقتُ به و بِريس لا افهم عن ماذا يتحدثان أو ماذا يعني ذلك السؤال. حركتُ عيناي على أدلار لأسئله بِصمت لكنه هزة رأسه و اعاد نظره لِلعجوز و الملك.
اسألها هي، انا لا اريدها أن تكون بِخطر لكنها تُصِر و انا لن اوقفها، العمل عليكَ انت الأن.
أجابه ريس يأخذ خطواته لِلخوذة التي تستريح على المنضدة بين الكراسي الخشبية في الجهة الأخرى من الخيمة.
تاليا. قال بيتر يُعيد انتباهي له بعيداً عن ريس.
وضعتُ يدي على سيفي المُعلق بِخصري.
بيتر انا سأكون بخير. أرجوكِ توقف عن القلق. انني ملكتهم، انه واجبي أن أكون معهم كما سَيفعل ريس، محاولة إيقافك لي لن تجدي.
مازلتِ مبتدأ، كيف لكِ--
سأكون بخير بيتر. لقد تدربت لأشهر، صحيح انني اكتشفتُ قواي البارحة، لكنني سأكون على ما يرام. معي ريس و أدلار. خوفك عليّ سَيجعلني قلقة أكثر.
تقدم بيتر اليّ ثم وضع يده على كتفي، يضغط بِلطف.
اتفهم موقفكِ طفلتي. انا اعرف انكِ تمتلكين رأساً عنيداً، لكني لم أكن لأخسر شيء لو حاولت على الأقل منعكِ مرة.
أبتسمت له بِأمتنان له ثم تقدمت و عانقته اشتم رائحته و اشعر بِنبضات قلبه المتناغمة اسفل اذني. انه الحنان الذي لطالما تمنيته أن لا يُغادر قلبي مع انني اتلقاه من ريس إلا أنَ بيتر مختلف. انه كالوالد و الجَد لي، حنانه مختلف يحتاجه قلبي أكثر من اية شيء اخر في هذه اللحظات.
انه عناقي ليس وداعاً، بَل وعداً بالعودة لكنني لم استطع منع نفسي من البكاء بِصمت في احضانه، ادعو الله أن يبقيني على قيد الحياة لكي اعود له و للجميع.
عندما ابتعدتُ عن بيتر دخلت تيلار و بِجانبها جيانا للخيمة. شهقت بِقوة لرؤيتي لجيانا مع انني اعلم انها في أسليرا لكوني رفضت بقائها هنا معنا، لقد اخبرتها أن تبقى في القصر لكي تُساعد السيدة مورغن بِتنظيم الخدم هناك من دوني، على ما يبدو انني لستُ الفتاة الوحيدة بِرأس عنيد.
سيدتي. صاحَت جيانا راكِضة نحوي لتعانقني بِشدة، شعرتُ بالهواء يخرج من صدري و يديها تخنقني.
أوه جيانا. هَمستُ على شعرها اعانقها بالمقابل.
أرجوكِ عودي لنا مع جلالته.
أومأتُ ابتعد من عناقها و امسح دموعها عن وجنتيها اضع قُبلة صغيرة على جبينها.
اعدك.
سوف اتأكد مِن سلامتها لا تقلقي. اخبرها أدلار و هو ينظر اليها بالعينين.
أومأت هي مُبتسمة و بِوجنتين حمراء. لقد مرت فترة منذُ أن علمت عن علاقة أدلار و جيانا بِبعضهما. لقد اكتشفت الأمر لوحدي لأنني رأيتهما مرتين يمشيان معاً في حديقة القصر و مرة رأيتُ أدلار يمسك بيدها و يقبلها قبل أن يغادر ليكمل عمله.
لم اسألهما إن ما تجمعهُما الرومانسية لأنني لم ارد أن احرجهما إن لم يكن ما بينهم حقيقي أو امر جاد، لكنني سأفعل عندما اعود قطعة واحِدة من الحرب و معي أدلار.
حسناً حسناً، هيا بنا، لا مزيد من الوداع فأنا أكرهه. قالت تيلار تحرك يدها بالهواء ثم خرجت قبل أن افتح فمي.
هذه أول مرة في حياتي ارتدي درعاً كاملاً، أو درعاً بشكل عام. إنَ خاصتي فولاذي لكنه بطريقةٍ ما خفيف لا يزعجني عندما اتحرك مع انني ظننتُ العكس في كل مرة أرى فيها حارساً يرتدي درعه مع خوذته.
ريس يرتدي درعاً ذهبياً و أزرق مع اكمام حمراء اسفل درعه بارِزة. يبدو لي وسيماً جداً و هذه أول مرة أراه بِواحد ايضاً.
فَدوماً ما يرتدي الملابس الفاخرة و الأنيقة لهذا رؤيته بِدرع و سيف كبير حاد على خصره. جعله يبدو رجلاٌ مختلفاً قوياً و ضخماً. اننا نقف بأخر المخيم و معنا الجميع بِدروعهم المختلفة بِفخر و تحمس. انا لدي التوتر و الخوف معاً بداخلي يتحكمان بي. انني لا اشعر بأنني اقف مع احد بَل لوحدي و من حولي اجساد على الأرض و دماء في كل مكان لا امتلك سيفاً بيدي بَل نفسي فقط، وحدي في ساحة ممتلئة بالجثث من حولي.
اريد العودة للخيمة و عدم مغادرتها ابداً. اريد ارتداء فساتيني و التجول بِالقصر مع تيلار و جيانا لنُحَيي الخدم و نتأكد انهم يعلمون جيداً. اريد العودة لِخيالي و اللحظات التي أحِب قضائها مع مَن أحِب و كيفما اتمنى، لكن الواقع مؤلم، يهزم كُل خيال.
يجب علينا الفوز، يجب علينا تدميرهم لكي نعود بأمان للقصر، بِنصر لنعطيه لشعبنا و للعالم اجمع. يجب عليّ الخروج من الحرب حية، يجب أن أكون قوية و ادافع عن نفسي لأنني الأضعف بينهم، لا!
انا قوية، لقد عشت سنتين في عالم لا اعرف عنه إلا القليل و بين جنيات و حيوانات خطيرة، لقد نجوت مِن هجوم و من رجال قد حاولت قتلي عدة مرات. لقد تزوجت و اصحبتُ أول ملكة بشرية في هذا العالم. قابلتُ ساحرات و اصبحت لدي قوة لم اتخيل يوماً امتلاكِها. لقد نجوت!
و سوف انجو هذه المرة ايضاً، قد اتألم، لكنني سأنجوا و اعود لمنزلي، لشعبي و عائلتي. احسستُ بِيد دافئة قوية تمسك بِخاصتي. رفعتُ رأسي لأنظر الى ريس، لعينيه التي تسبح بالرقة و الحُب.
هذا الرجل، من اجله سأعيش و انجوا.
هل انتِ خائفة؟ سألني هو يضغط على يدي قليلاً.
أومأتُ رأسي بِ نعم ثم أكمل هو
و انا ايضاً.
حدقتُ به بِتسائُل ليبتسم بِحزن بعدها حدق بالأفق البعيد، كأنه يرى جيوش اعدائنا من هنا.
دوماً ما اشعر بالخوف في لحظات كهذه. اخاف أن اُخَيب من ظنهم. اخاف أن لا اعود و ابقي شعبي بِأمان و سعادة كما فعلوا لعائلتي و لي. لقد وعدتهم، وعدتهم بِحمايتهم للأبد لهذا اخاف أن اُخلِف الوعد و اتركهم بين أيدي اعدائنا.
ضغطتُ انا على يده بالمُقابل اخبره انني اتفهمه و انني معه
اعلم. انها مسؤولية سوف احملها معك ريس. الخوف ليس ضعفاً بَل قوى، يمكننا أن نتحكم بها، إما نجلعها تُقَوي من انفسنا أو تضعفنا.
لم نعد نتحدث بالمزيد بَل صمتنا نسمع لأصوات الرياح و الأمطار. اغلقتُ عيناي اشعر بِهما كلاهُما على وجهي. لأخر مرة قبل ذهابنا اريد الشعور بهما كَنِعمة سأعود لأشعر بها من جديد لكن بوضع مختلف.
فتحتُ عيناي من جديد ثم نظرتُ الى ريس لأراه يحدق بي
هيا بنا.
انني اشعر بهم قريبون. هَمس أدلار من جانبي و نحنُ نقف ممسكين السيوف بأيدينا امام نهر الكريستال مع جيشنا.
النهر كما يُسمونه، كريستالي و جميل. انه ليسَ عريضاً جداً لكنه طويل يصل لمملكة البحار. النهر يبرُق بألوان مختلفة مثل الوان الكريستالات، يلمع حتى لو لم يكن لِلشمس وجود في هذا اليوم الغائم. تمينتُ لو بِأمكاني لمس المياه لو لم يكن بعيداً عني امتار.
ماهذا الصوت؟ فجأة سأل أدلار ليرفع الجميع رؤوسهم للأعلى كأن الصوت القادم من هناك.
انا لم اسمع شيئاً، لكن بعد ثواني قصيرة، رأيتُ ليسَ شيئاً واحداً يطير في اعالي السماء، بَل مجموعة أسهم عددها بالألاف يطيرو نحونا.
توسعت عيناي بِصدمة و خوف لأستدير للجميع و اصرخ بأعلى صوت.
الدروع!
ضعوا الدروع! صاح الجنرال هودي ليرفعوا دروعهم و يضعوها امامهم لكي يحموا انفهم من السهام.
امسكني ريس من ذراعي و نظر لي بعينيه المليئة بالرعب.
ابقي بِجانبي و ضعي درعك الأن! امسكتُ ذرعي من يدين ريس و وضعته امامي ليغطي جسدي من السهام الحادة التي بدأت تهبط علينا كتلكَ الأمطار فوقنا.
سهم خلف سهم خلف سهم قد هبط علينا، يرتطموا بِدروعنا. لم أكن اعلم أنَ يمكن لِقلبي أن يدق بهذه القوة من قبل، كأنه لا يدق في صدري فَحسب، بَل في كامل جسدي يجعلني ارتجف بِشدة.
هل انتِ بخير؟ سألني ريس ينظر لي من مكانه اسفل درعه.
حركتُ رأسي المنحني بأتجاهه و أومأت من دون أن اتفوه بِكلمة.
ارفعوا الدروع! صاح الجنرال مرة اخرى ليتحرك الجميع و يقفوا مستعدين، حاملين الدروع بيد و السيوف بيد اخرى.
اللعينين، القذرين. تَمتَم أدلار من جانبي يحدق بالأفق لأتبع انا نظريه و أرى منظراً قد جعلني افقد لوني.
جيش غادان بِدروعهم الحديدية التي تغطي كل اجسداهم إلا الأذرع العضلية مع سيوفهم العريضة و مطارقهم الضخمة يتوجهون إلينا بِسرعة منهم على الأقدام و منهم على احصنة بِأجنحة.
استعدو للهجوم! سمعتُ كلام الجنرال كأنه بعيد جداً جداً، كأنني اسفل المياه اسمع الأصوات.
انا معكِ. قال ريس من دون النظر لي، عينيه لا تترك جيش غادان المتجه الينا.
لقد اصبحوا قريبين جداً، سَيعبرون النهر و يصلوا الى الساحة، الينا.
رفع ريس يده التي تحمل السيف في الأعلى يجعل جيشنا يرى انه عندما ينزل السيف، هذه إشارة للهجوم بالسهام ليسَ من هذا الجيش، و أنما من الجنود التي في اعلى الجبل فوقنا ينتظرون إشارته، يرفعون اقواسهم. جيش غادان اصبح امام النهر تماماً، انهم يعبرونه كالوحوش المتعطشة للدماء.
و قبل أن اغمض عيني، انزل ريس سيفه و كما تهجمت علينا امطار من السهار من قبل اعدائنا، اصبح المِثل عليهم هُم. مئات و المئات من السِهام في السماء متجهة على اعادائنا المشغولة بِعبور النهر.
عندما انتبهوا للسهام اعلاهم، صرخوا لكي يدافعوا عن نفسهم و ريس أشار بِسيفه و بأعلى صوته قال
اهجوا عليهم الأن و اقتلوهم من دون رحمة!
و بذلك صرخ جيشنا و بدأو بالركض اليهم بأسرع ما يمكنهم. ريس امسك بِيدي يضعها بِخاصته ثم قال لي من جديد
ابقي بِجانبي و لا تدعيني إلا إذا اضطررتي.
لا تقلق، سأكون معك.
اخذنا خطواتنا نركض مع جيشنا الى قلب ساحة القتال، أنَ الكثير من جيش غادان قد نجو من هجوم السهام و القليل جداً من تأذى أو مات. فور وصولنا لِلقلب، تهجم علينا الأعداء بِكل شراسة و انا و ريس مع أدلار و الباقي، دافعنا عن انفسنا و قتلناهم.
ظهر احمق من جانبي يرمي بسيفه العملاق عليّ، لأتفاداه و اغرز سيفي بِخصره و من دون تفكير حركته و هو بداخله امزق المنطقة الى معدته ثم سحبته انظر بعينيه المتبحلقة، كأنه لا يصدق على أن فتاة بشرية مثلي قد فعلت هذا. لم انتظر الى أن يقع على الأرض، بَل اخذتُ خطواتي الكبيرة للأخر الذي بيده مطرقة فيها اشواك حديدية قد تمزقني لأشلاء بِضربة واحدة.
وجهة ضربة عليّ لكنني وضعتُ درعي امام الضربة لأصدها. هو اقوى مني بكِثير لهذا دفع المطرقة على الدرع يجعلني اقَرفِص و اهبط على ركبة واحدة بينما انا بِكُل ما امتلك من قوى ادفع لكن لا جدوى. سمعته يضحك بِخباثة و شر لكنني تجاهلته و ركزت على أن اعيش لأنني لم ابدأ بعد.
ابتعد عنها ايها الحقير! رفعتُ رأسي لأرى ريس يركله بالوجه ثم بِحركة سيف، قطع رأسه كأنه يحمل سكينة بدلاً من السيف و يقطع الطعام بدلاً من الرؤوس.
امسكني ريس من ذراعي و رفعني من على الأرض.
هل انتِ بخير؟
نعم و شكراً.
ابتسم و قليلاً
هذا ما يفعله الشريك.
اعدتُ له الأبتسامة ثم عدنا لعملنا. الرجل الثاني الذي حاول قتلي، قابل سيفي بِجسده قبل أن يرفع سيفه حتى، لكن الأخر الذي اتى بعده على الفور، كان لا يحمل شيئاً بيديه، فقط بسمة عريضة مقززة مثل وجهه الأسود و عينيه الحمراء التي جعلت من قلبي يسقط في معدتي أو على الطين، لستُ ادري. علمتُ انه سَيستخدم قوته و ليس شيء اخر و انا اخذتُ نفساً امسك سيفي بيد واحدة استعد لهجومه.
بشرية هَمس الرجل بِصوت ضخم فيه بحة.
رفع يده للأمام ليخرج ظلام أسود كَسواد الليل أو أكثر من يده و يتوجه مُسرعاً عليّ. توسعت عيناي بِتفاجئ لكنني اخذتُ جهة اليسار اتفادى الظلام. اكمل هو ضرباته لا يُعطيني فرصة لكي اخذ نفساً لكنني قررتُ عدم الأنتظار أكثر لأرفع يدي امامي و استدعي قوتي. خرج ضوء ليس بنفس القوة التي خرج البارحة مع ريس أو على كارا، لكنه قوي كفاية ليرمي بالرجل أرضاً عندما تقابلت قوتي بِجسده. اقتربتُ أكثر من جسده، لأرى مالم أكن اتوقعه رؤيته.
توجد حُفرة بحجم الضوء التي خرج من يدي في جسده، انني أرى اشلائه و دمائه الأسود يجري ليُشَكل بِركة من حوله. احسستُ بِأنني سأتقيأ، انني اتعرق بِكثرة كما لم اتعرق من قبل. لا اعرف ماذا افعل الأن و الى اين اذهب، و لا يمكنني رؤية ريس أو أدلار معي في اية مكان. فقط رجال تتقاتل و جثث من حولي لا تتحرك، دماء و دماء و دماء في كل مكان كما تخيلت. لم أكن اعلم انه يمكنني القتل بتلكَ السهولة، لم اعلم انني بِدم بارد، اقتل من دون تفكير.
أكره هذا، أكرهه جداً و اريده أن يتوقف--
تاليا! انظري اليّ حالاً. سمعتُ صوت مألوف من خلفي و بيدين تمسكني من الأكتاف لتجعلني استدير لِصاحب الصوت و أرى فالين بحواجب مُعقدة و وجه قذر يُغطيه الدماء الأسود و، الأحمر. انه دمائه.
انتَ، انتَ تنزف.
هزة هو رأسه يبتسم ليظهر اسنانه.
انا بخير لا تقلقي، لكن اسمعيني. القتل ليس سهلاً ابداً، و لن يكون ابداً، لكن يجب عليكِ التركيز جيداً و الدفاع عن نفسكِ، انتِ تقتلين العدو و ليسَ احداً بريئاً لهذا ركزي أرجوكِ.
لم افتح فمي لأتحدث لأنني لم اعد اشعر بِلساني.
سوف تكرهين كل شيء فور انتهائه، سوف تندمين و تبكين بِحرقة كل يوم، لكننا نفعل هذا اليوم من اجل شعوبنا و من اجل هذا العالم. لا تخافي بَل اجعليهم يخافونَكِ.
مرة اخرى لم اتفوه بِحرف، بَل حدقتُ بعينيه الملونة فاقدة للمتعة و المرح الذي لطالما كان موجود. انني أرى فيهم ما اشعر ايضاً، الخوف، القلق و الرعب.
ريس يبحث عنكِ مع أدلار، مع الأسف لن نستطيع البحث عنهم في هذه الفوضى، لهذا ابقي معي انا الى أن يعثرو علينا.
هذه المرة أومأتُ بالتفهم و لحقتُ به مع مايكا، خادمه بِجانبه. عندما تقابلت عيناي بِعينيه، أومئ لي بوجه ثابت ثم ركض ليقتل الرجل القادم. هكذا بقينا نفعل طيلة اليوم، ركض، هجوم، قتل، ركض صَد بالسيف و قتل. نادراً ما نستخدم قوانا لكننا نفعل عندما يفعلوا هُم ذلك، فور استخدامهم لِظلامهم الشرير، نفعل نحنُ بِقوانا المختلفة و خاصتي دائماً ما تُبهر فالين في كل مرة استخدمها.
انني لا أرى لايتا و السيد ويليو أو احد اعرف في اية مكان و خاصتةً ريس. جعلوني قلقة كثيراً و خائفة عليهم، مع انني اعرف انهم بِخير بِمكانٍ ما لكني مازلت لم أكُف عن التفكير بهم و بِسلامتهم.
اعداد كبيرة من الشادونايتس قد ماتوا، اننا نفوز لكنني ادركتُ شيئاً لم ادركه إلا في هذه اللحظة التي توقفنا للحظة لأن النهر قد ظَهر امامنا. هذا الجيش الذي نقاتله يوجد فيه شادونايتس فقط، لا يوجد اية احد من جيش سنويان.
تحركتُ قريباً من فالين و قررتُ أن اخبره بِما افكر به مع انني اعتقد انه ادرك الأمر مثلي في هذه الثانية، ينظر لما يوجد من فراغ في الجهة الأخرى من النهر.
هل تعتقد انهم ينتظرون هناك؟
لم يجبني بسرعة و لم يدع عينيه تُغادر المنطقة التي يحدق بها في الجهة الأخرى.
لستُ ادري. لقد توقعنا على انه لن يرمي بِكامل الجنود في دفعة واحدة، انه يفعل ما نحنُ نفعل، نقاتل بِجزء بسيط من جيشنا لندع الجزء الأكبر لِلقتال الحاسم بيننا.
تعني أنَ اليوم ليسَ الحاسم؟
أومئ هو بِرأسه يتنهد و يبعد عينيه لينظر لي في خاصتي لأرى الحيرة و الغضب بهم.
لا تاليا، هذا القتال لم يكن الحاسم ابداً. فلا وجود لغادان أو كيجا معنا في الساحة و هذا الجيش، ليس بالعدد الكبير لأن جيشه الأكبر ينتظر كما نحنُ ننتظر.
حركتُ رأسي لكي انظر الى الأفق ما بعد نهر الكريستال احاول رؤية ما يراه هو، لكنني لم استطع بما انني لا امتلك النظر الحاد الذي لديهم الجنيات.
يجب أن نعود بعدما ننتهي و نخبر ريس.
قال فالين ينظر لمايكا خادمه و لي ثم الى خلفنا الى القتال المُستمر.
لقد فزنا، جيشنا هزم الشادونايتس مع اننا خسرنا عدداً كبيراً من جنودنا إلا اننا هزمناهم و فزنا، لكن لم ننتهي بعد. انه ليس وقت الأحتفال أو الشعور بالسعادة بعد، مازال يوجد قتال اخر، قتال أكثر خطورة من اية شيء.
وصلتُ مع فالين و مايكا الى المخيم لأعثر على أدلار غير مُصاب و بخير لكن درعه يغطيه الدماء الأسود و ليس دمائه، الحمدلله.
الجنود في المخيم، مثله، غير مُصابين لكنهم متسخين بدماء الشادونايتس الداكِن. لكن كُلما اخذتُ خطواتي أكثر لداخل المخيم كُلما رأيتُ المصابين منهم. معدتي عادت لِتتشَقلب بِداخلي من المناظر و دمائهم، حتى بعضهم فاقداً لِذراع، قدم أو عين.
هذا امر طبيعي تاليا، هذا ما تفعله الحروب. اخبرني فالني عندما انتبه انني احدق بهم.
يوجد خادمات تساعدهم تحضر المياه و تمسح الجروح و الأطِباء ايضاً تعمل بِكل ما يمكنها عليهم، لتشفيهم و تُضَمِد إصاباتهم العميقة.
اين ريس، أدلار؟ سألتُه انظر من حولي لكنني لا أراه بأي مكان مِما جعل قلبي يَغلي بِحرقة.
انه في خيمتكم مع الطبيب. في اللحظة التي قال هو الجملة، لم انتظر المزيد بَل اخذتُ راكضة بسرعة نحوى خيمتنا لِسماعي كلمة طبيب.
انه مصاب، ريس مصاب!
صارخ صوت بِداخلي يجعلني اركض اسرع و اسرع.
وصلتُ للخيمة و دخلتها كالمجنونة انظر في كل جهة الى أن عثرت على الطبيب يجلس على كرسي خشبي و مقابله يجلس ريس لا يرتدي الجزء العلوي من درعه إنما بِقميص أزرق مفتوح يُظهِر صدر عاري عليه دماء، أحمر!
ريس! صحت اتحرك اليه و الدموع بِعيناي.
وقف هو على ساقيه فور رؤيته لي رمي يديه عليّ ليعانقني يهمس بأسمي و يشتم شعري.
يا اللهي اين كنتِ؟
رفعتُ رأسي له لأجيبه انظر بِكُل منطقة في وجهه.
اين كنتَ انت؟ لقد جعلتني اقلق عليكَ كثيراً.
انا بخير حبيبتي لا تخافي.
ابتعدتُ عنه قليلاً لأنظر الى صدره و أرى جرح كبير هناك لكنه لا ينزف.
ماهذا؟ كيفَ حدث؟ سألته بِصدمة انظر من وجهه لِلجرح.
لقد فاجئني لعين عندما كنتُ اقتال ثلاثة سوياً. انها ضربة ظلال صغيرة لا يوجد ما تقلقين عليه. الطبيب هنا ساعدني كثيراً.
أومئ له ريس بِشُكر و الطبيب فعل المِثل يجمع اغراض من على المنضدة الصغيرة و يحملهم ثم نظر لي بملامح هادئة على وجهه البُني بعدها اخبرني
الجرح ليسَ مَسموماً أو خطيراً جلالتكِ. لقد اوقفتُ النزيف و سوف ادع لكِ الضمادة حتى تضعيها عليه.
شكراً لك ايها الطبيب. تَمتَمتُ الكلِمات مغلقة العينين اضع جبيني على صدر ريس.
سمعتُ الطبيب يُغادر الخيمة و الصمت كانَ كل ما بقية معنا كِلانا، نقف هكذا، ذراعيه من حولي على ظهري و انا مُلتسِقة به لا ابتعد عنه، احمد الله على ابقائه على قيد الحياة و بخير. ابتعدتُ بعد دقيقة طويلة من ريس و اخذتُ اجلس في مكان الطبيب على الكرسي ثم اخذتُ الضمادة أشير لريس بالجلوس امامي حتى اعمل على جرحه. انصت لي و جلس امامي بِهدوء يُراقب تحركاتي بِفم مغلق.
لقد سمعتُ أنَ ملكة أسليرا قاتلت بِكُل شجاعة و جدارة ضد اعدائنا. قال هو بينما اضَمِد جرحه بِتركيز و امسح دمائه الجاف من على صدره و حول الجرح بِحذر.
همممممم، هل يجب أن اشعر بالفخر ام القلق من كلامهم؟ سألته بِمزاح انظر اليه بِطرف عيني ثم عدت لعملي.
كِلاهُما، لكن يجب أن تعرفي انهم مُمتنون لكِ للأبد و انهم محظوظين بِوجود ملكة مثلكِ تُقاتل معهم و تدافع عن عالم ليس عالمها.
انتهيتُ من التضميد و التنظيف بعدها ابتعدتُ لأستند على ظهر الكرسي و اتنهد بأرهاق شديد، فَجسدي يؤلمني بكل مكان، فأنا لم اتحرك أو اقاتل هكذا في حياتي العشرين و لو لمرة.
كيف حالكِ انتِ؟ اسف لم اسأل عنكِ.
فتحتُ عيناي لأحدق بِخاصته ثم أبتسمت أبتسامة مُزيفة لأنه بالكاد يمكنني فعل ذلك بعد أن رأيتُ ما رأيته في ساحة القتال اليوم، لأنني تذكرتُ سيفي يقتل اشخاص لا اعرفها و اعرف عنها شيء، لا اعرف إن ما تملِك عائلات تنتظرها كما يمتلكون جنودنا عائلات في أسليرا.
انا، متعبة جداً جداً. اريد كل شيء أن ينتهي بأسرع مايُمكن.
أومئ هو يوافقني ثم عاد بِظهره لكي يُريح نفسه على الكرسي كما افعل.
عندما كنتُ بعيدة عنك، كنتُ مع فالين و مايكا بالقرب من النهر. نعتقد أنَ غادان و كيجا ينتظرون بِجيشهم الأكبر كما نفعل نحنُ، ماذا تظن سَيحدث و ماذا يجدر بنا فعله؟ اخبرته انا لأنني لن انتظر الى أن يُقابل فالين ليتناقش معه و مع الجميع بالموضوع.
اخرج ريس كمية كبيرة من الهواء من فمه يَنقُر بأصابعه على مَسند اليد الخاص بالكرسي و يُحدق بِسقف الخيمة.
انه يتوقع ما نحنُ نتوقعه و يعرف جيداً اننا نعرف انه لن يُرسل كامل جيشه بدفعة واحدة. لستُ ادري كيف يفكر هذ المرة، لكننا يجب علينا أن نكون حذرين و مستعدين في كل لحظة لعله يهجم من جديد.
تعني انه في المرة القادمة سَيكون مع جيشه؟
نعم، سوف يكون موجوداً حتى يُنافسني انا بالذات.
تقدمتُ بِجسدي للأمام ثم سألته معقدة الحواجب اعض على شفتي السفلية
هل، هل يمكنكَ هزيمته؟
اعلم انه سؤال غبي و ما كان يجدر بي سؤاله إياه لكنني متوترة أكثر منه على الأمر و لا يمكنني تخيله ضد غادان في الساحة، لا اريده هناك لا احد يعلم مايكون غادان الأن و ماذا سَيفعله لريس. هو من اعطى اللعنة له في اخر حرب بينهما و هو من دمر حياته لهذا اخاف من فكرة وجوده معه.
لم يجبني إلا بعد صمت دامَ فترة ظننته لن يُجيبني ابداً لكنه فتح فمه و قال.
لستُ ادري. انا متأكد من شيء واحد، و هو انه اصبح اقوى و أكثر شراً. لكن يجب عليّ هزيمته، يجب عليّ حماية مملكتي منه و هذا العالم من شره.
وضعتُ يداً على ركبته اضغطُها بِرقة ثم هَمستُ له
سوف تهزمه، و انا سوف أكون معك دوماً مهما حدث.
حرك رأسه للأمام لكي يحدق بي لبعض الوقت بعدها أبتسم اأبتسامة صغيرة لا تصل للعينين. فجأة سمعنا صراخاً ينتمي لِفتاة تصرخ كلاماً و إهانات. وقفتُ على ساقاي انظر من ريس ثم لِمخرج الخيمة.
ماهذا الأن؟ سأل ريس يقف بِجانبي متنهداً.
لستُ ادري، لكننا سَنكتشف.
الا يمكننا فقط البقاء هنا و الأستحمام؟ يبدو انها احد الخادِمات تتشاجر مع احد الجنود.
هززتُ رأسي ارمقه بِنظرة ثم تحركت لِمخرج الخيمة من دون أن انتظر منهُ اللحاق بي.
غادرتُ الخيمة انظر لِلمخيم امامي ثم اقتربتُ مِن الحارس الذي يحرس خيمتنا و سألته بِتعجب
ما الذي يحدث؟
لا اعلم جلالتكِ، لكنهم يقولون انها فتاة قادمة من مملكة أريزو تبحث عن احدٍ ما.
دعينا نرى بأنفسنا ما المشكلة. قال ريس من خلفي هذه المرة يرتدي قميصاً مختلفاً، أسود مغلق يُخفي جرحه و صدره.
أومأتُ له ثم تحركت معه الى داخل المخيم و الى صوت تلكَ الفتاة التي يَرُن صوتها بأذناي. وصلنا الى مجموعة جنود و خادمات يقفون على شكل نصف دائرة، يبتعدون أكثر لأنهم رأو كُلاً مِن ريس و انا. في منتصف التجمع يوجد جندي مُمسكاً بِفتاة من ذراعيها لا يدعها تذهب و هي تتحرك بِعنف تحاول الأفلات من قبضته. لا استطيع رؤية وجهها لأنَ ظهرها لي لكنها ترتدي فُستاناً أحمر بِقطعة بُنية في منتصف جسدها اسفل الصدر و فوق الخصر.
تمتلك شعراً أسوداً طويل ناعم مع انه مُبلل إلا انه لم يفقد لمعانه.
دعني ايها الأحمق، فأنا يجب أن اعثر عليها حالاً. الا تفهم انا صديقتها! ص. د. ي. ق. ت. ه. ا الا يمكنكَ فهم هذه اللغة ام يجب أن اتحدث معكَ بِلغة اخرى! صاحَت هي بوجه الجندي بارد الملامح لم يتأثر و لو قليلاً بِكلامها كأنه لا يسمعها اساساً.
ما الذي يجري هنا؟ سأل ريس احد الجنود بِصوت صارم و ملكي.
انها بشرية مجنونة دخلت المخيم لوحدها تَدَعي على انها تعرف جلالة المَلِكة، و لا اقصد الإهانة سيدتي. أجابه الجندي ينظر اليّ عندما قال جملة بشرية مجنونة، بِما انني من البشر.
لم اكترث لكلامه لكنني اخبرته أبتسم
لا مشكلة.
تقدمتُ انا أكثر مِن الفتاة لكنني تركتُ مسافة خمسة امتار بيننا و قلت حتى تتوقف عن التكلم و التحرك كالقِطة المتوحشة
مَن تكونين؟
توقفت الفتاة حقاً فور سماعها لصوتي و بِبطئ شديد التفتتَ لي و هنا خسرتُ نفسي لم اعد اشعر بِساقاي و سقطتُ على الأرض.
كانيلا! هَمستُ اسمها لا اصدق ما تراه عيناي.
انها صديقتي المفضلة، التي أحبها و اثق بها و التي قضيتُ طفولتي معها. انها هنا، انها امامي جميلة و يافعة تبدو ناضِجة جداً بعد سَنتين مِن فقدانها و عدم رؤيتها.
يا اللهي تاليا! ركضت هي اليّ و هبطت على ركبتيها لتعانقني بِشدة.
لم أكن اعلم انني ابكي لكنني الأن اصبحت ابكي أكثر بِحرقة، اخرِج كل حزني. الحزن الذي كَتمتُه لسنتين من دون اخراجه. انها اخر من اعرفه من عالم البشر، الشخص الوحيد الذي لطالما اعتبرته من عائلتي، كَتوأم روحي و جزء من قلبي.
لم أكن اعلم انني سوف أراها يوماً ما، بَل إطلاقاً. و الأن هي معي هنا اسفل المَطر بين الجميع في مخيم على الأرض الباردة نُعانق بعضنا و نبكي و نبكي و نبكي حتى لم اعد بأمكاني التفرِقة بينَ دموعي و الأمطار على وجهي.
انها هنا، صديقتي كانيلا.