رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثالث والأربعون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثالث والأربعون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثالث والأربعون

وصلت الى داخل القصر و الى غُرَف ريس الذي كان ينتظِرُني و بيده كوبٌ مِنَ الشاي جالساً على إحدى الأريكات الموجودة بِجانب ابواب الشرفة. اخبرته بِكل ما اخبرني به الجنرال هودي عن وضع المدينة مِن دون نِسيان اية تفاصيل صَغيرة. في الجهة الأخرى ابقيتُ تَركيزي ايضاً على ريس، أختَلِس النَظَر عليه لأنهُ بدا لي مُتعباً فَجأة و انتبهتُ انهُ يَعقِد حواجِبَه كُل حين و أخر كأنه يتألم أو يُعاني مِن مُشكلة.

سألته إن ما كان بِخير أو يؤلمه شيء، لكنه هَزة رأسه يقول انه بِخير لكن مَعدَتَهُ مُتَوَعِكة قليلاً لِهذا كانَ يشرب الشاي بالأعشاب موصوفة من الطبيب.
بَقينا نعمل و نتكلم عَن كُل ما يتعلق بِمُخططات و أفكار موجودة في رأسه ليس مُتأكد مِنها، و انا كنتُ مُساعِدة جيدة أساعده بِكتابة بَعض الرسائل و الرَد عليها و البحث عَن كُتُب في المَكتبة، ريس يَحتاجُها لأنها مُتعلِقة بالحروب بمساعدة بيتر.

مَرَت ايام طويلة لأنشِغالي، لم أعُد أرى كُلاً مِن جيانا و تيلار لكوني شبه اعيش في الطابق الملكي مع ريس. لا أخرج مِن غُرَفِه إلا عندما يَحين موعد النوم فأنا بشرية أحتاج الطاقة بِعكس الجنيات التي لا تعرف ماهي الراحة.

بعد الكثير مِن العمل مِن دون توقف، أقترح ريس أن نذهب للحديقة الخلفية و نستَمتع بالهواء الدافِئ مع اننا في نِصف فَصل الشِتاء إلا أنَ هذا اليوم بالذات دافِئ و جميل. الحديقة الخلفية لِلقصر مَليئة بالثلوج مِن المُستَحيل الجلوس على الأرض او في اية منطِقة مِن دون التَجَمُد لِهذا قال ريس انه يوجد مكان لطيف و صغير شِبه مُغلَق فيه مَقاعد و الإطلالة جميلة.

تَعَجَبتُ مِن أقتراحِه المُفاجئ، لم أكُن يوماً أتخيله خارِج غُرفته يَمشي في فِناء القصر يستمتِع بِأجواء هذا الفصل أو يُظهِر نفسه امامَ الجميع، أعني الكُل يَعرِف كيفَ يبدو و يَعروفوه طبعاً، لكن مِنَ الصَعب تَخيُلُه في مكان أخر غير غُرَفِه وغُرَف الأجتِماع و لأنني خادِمته الشَخصية أو مُساعدته كما يُسَميني فَيجب عَليّ مُرافَقتُه في كل مكان يذهب إليه، لهذا وافقتُ و ذهبتُ الى المَطبخ في طابق الخدم لأعُدَ بعضاً مِن الطعام الخَفيف يُناسب النُزهة في سَلة مِن القَش و فوقها غِطاء أبيض حتى يُغطي الطَعام مِن الأوساخ في الهواء.

نُزهة هاه؟
سألتني جيانا و هي تُمسِك التُفاح المُقَطَع و تَضعُه في السلة مع باقي الفواكِه مثل العنب، الموز و البرتقال المُقطع ايضاً.
أومأتُ بِرأسي لها و أجبتها مِن دون تَحريك عيناي على الخبز الذي في يَدي و انا أدهَنُه بالزبدة و العسل.
نعم نُزهة، في الحقيقة لقد فاجأني عِندما قَرر الخروج لِلتنزُه، لم أكُن أتوَقَع انني سأسمع هذه الجُملة تُغادِر فَمهُ في حياتي.

هذا لأنه مَضغوط لِذلك أرادَ الذهاب بَعيداً عَن الأعمال و اخذ أستِراحة قصيرة. لكنه دوماً ما يَخرُج مِن غُرَفِه و يذهب للحديقة لكي يتمشى، لماذا اعتقدتي انه لا يفعل ذلك؟
رفعتُ رأسي مِن الخُبز في يدي ثم حَدقتُ أرمش بِسرعة و هي توقفت عن وضع الفواكه في السلة لكي تستدير لي بِكامل جَسدها و تعيد التحديق بي تَرفع حاجِباً
ماذا بكِ؟ هل صُعقتي لكونه ايضاً كائِناً مِثلنا يتنفس و يُحِب الأستمتاع بالحياة؟

هَززتُ رأسي انا ثم عُدت أرَكِز على دَهن الزبدة على الخبز.
لا بالطبع لا، فقط أنسي الأمر، هذا ليسَ مِن شأنِنا. المُهِم انه و بعد اشهر سوفَ يَخرج مِن غُرَفِه لِلعالم.
عَمَ الصَمت بيننا فقط نَعمل على وضع الطعام بأنواعه في السلة و اصوات مَن في المطبخ معنا مثل صوت السكينة على اللوح الخشبي يُقطِع الخُضار و صوت الالة اليدوية التي تَصنَع الزِبدة حتى الخادِمات يتكلمن بين بَعضهن و يَضحَكن.

انظُري لِلجانب المُشرِق، انتِ مَن سوف تُرافِقي الملك، لو كنتُ في مَطرَحَكِ لَكنتُ حلقتُ مِن الفَرح. فلا أحد يرافقه غير حُراسِه عادتاً.
قالت جيانا تُقَهقِه و تَنكُزني مِن على جانبي.

رَمَقتُها بِنظرة قاتِلة مِما جعلها تُغلق فمها فوراً و تُكِمل عملها لأنني أحسَستُ أن الخادِمات توقفن عن العمل و وضعوا تَركيزهم علينا نحنُ. فَهذا أخر ما اريدُه في هذه اللحظة، أن يتكلموا الخدم بين بَعضِهم و يعتقدو ما ليسَ صَحيحاً و يُخطِئوا بالظَن.
أسِفة، كنتُ أمازِحُكِ فقط.
هَمَست لي هي تَقترب مِن أذني.
هَزَزتُ رأسي ثُم نظرتُ لها أبتسم
لا بأس.

لكني كنتُ مُحِقة عِندما أخبرتكِ انه لا يُرافق أحداً، اليسَ هذا غَريباً انه يَصَطَحِبكِ مَعه؟
قالت هي مازالت تَهمِس لكي لا يسمعنا أحد و في نَبرتها الإغاظة.
تنهدتُ بِنفاذ صبر ثُم رفعتُ يدي و قَرَصتُها مِن ذِراعها أجعلها تُخرِج صوتاً مِن حَلقِها مِن الألم. ما الذي تُحاول القول؟ انني أنسانة مُمَيزة لديه؟

فَهذا سَخيف جداً و لن يَحدُث ابداً. صَحيح انني أحترمه و أعتبره كالصديق لدي لكن ليسَ بِأكثر لأنني بَشرية و هو جني، بل ملك و انا خادمة.

ذهبنا انا و ريس مع أثنان مِن حُراسِه الذين دوماً ما يقفون و يحرسوا غُرَفِه في القصر، الى الفِناء الخَلفي. يوجد هناك الحديقة الصغيرة بأشجارِها البيضاء و أعشابها التي تُغَطيها الثلوج كَغِطاء ناصِع و ساحِر. و لأنه مِن المُستحيل الجلوس على الأرض أو في اية مَكان مِن شِدة البرودة، اخذنا ريس الى طَريق أخر لَم أسلُكَهُ مِن قبل.

انه طويل و في كِلا الجِهَتين ثلوج سَميكة قد أغرَق بِها إن وضعتُ ساق واحِدة فوقها. ظللنا نَمشي و نمشي تَحتَ اشِعة الشمس الدافئة و السماء الصافية لا نرى غيمات تَطفوا فيها، بل مجموعة مِن الغِربان السوداء تُحَلِق في أعالي السَماء سوياً تُرافِق بَعضها.

اخذنا طَريقاً ثاني مُختلِف الى أن بدأتُ بِرؤية مباني صَغيرة بيضاء و مِن حولها الطبيعة الخَضراء الجَميلة التي لم تَتأثر بِهذا الفَصل الثلجي. انه مكان خيالي لم أكن اعرف انه موجود أصلاً، انتبهتُ اننا على قِمة تَلة و أنَ جميع المَباني فوق شلال لأنني أسمع صوت مياه قوية جداً.

اينَ نحنُ انا سألت لا أحد إنما نفسي أتَمتِم الكلمات و أحدق مِن حولي مَذهولة مِن جمال هذا المكان.
انه مَكاني السري الذي أحِب أن أقضي فيه أوقات فراغي مِن دون وجود أحداً يُزعجني.
أجابني ريس يُعطيني ظَهرُه مُكمِلاً المَشي بِخطواته الكبيرة.
اخذتُ انا أقترب الى جانِبه أكثر و أدَع الحراس ورائنا.
مَكانكَ السري؟ ألا يعلم أحداً عنهُ غيرك؟

هَزة هو رأسه لا يَنظُر إليّ بَل يُبقي عينيه امامه لكني أرى أبتِسامة صغيرة على شفتيه.
ليسَ حَرفياً، فَحُراسي تَعلم و بعضاً مِن الخَدم لكن لا أحد يأتي الى هُنا غيري و غير أغاثا زوجة عمي، انه مُخَصَص لِلعائلة المَلكية، إن أردنا قضاء بعض الوقت العائلي سوياً. و انتِ الأن تعلمين.

بعدَ انتهائِه مِن الكلام نظر لي بِطَرف عينه حتى تقابلت أعيُننا ثُم أبعدهم بِسرعة يُكمِل مَشيه بِجانبي. حركتُ عيناي انظُر مِن حولي مُجدداً، لأرى جنيات يَرتدون رِداء أبيض طويل و على خَصورِهِم حِبال ذَهبية تُلائِم الرِداء. تَعَجبتُ مِنهم فأنا لم أرى اية جنيات هنا في القصر ترتدي رِادء كَهذا، على ما يبدو انني كنتُ مُحقة أنَ ريس ليس الوَحيد بأسرار بَل القَصر كذلك، انه يُشبه مَلِكهُ.
لقد وصلنا!

قال ريس يُعيدُني اليه، رافِعاً ذِراعُه يُشير لشيء ما امامنا. أدرتُ رأسي الحق بِذراعه الى أن رأيتُ مَكان كَبير مَكشوف دائري الشَكل مَفتوح مِن جميع الجهات لكن شبه مُغلق مِن الأعلى، في المُنتصف يوجد طاولة صَغيرة و كراسي مِن حولها و أكثر ما ذهلنا و جعل مِن فَمي ينفتح ليَقَع على الأرض بِدهشة هي الأطلالة...

أنَ المكان مَبني على جَرف التَلة و مِن أسفَلِه يُمكِن سماع صوت قُدوم المياه القوية التي تُشَكِل الشلال و عندما تنظرللأفق يمكنك رؤية غابات تَمتَد لأميال بأشجارها العِملاقة مع تِلال أخرى من حولها. لو امكَنني الوقوف هنا للأبد لِلتحديق و التَمَعُن بِهذا المَنظر، لكنتُ قد فعلت مِن دون تَفكير لأن المَكان يَبعَث للراحة و الأطمِئنان كأنَ يَدين لطيفة و رقيقة تَلتَفُ حولي و تُشعِرُني بأجمل شعور في العالم من دفئ، حنان و حِماية كأنني فَتاة صَغيرة بين يَدين كبيرة.

رائِحة المَكان عَطِرة بأجمل العُطور و هي الطبيعة نفسها التي مِنَ المُستحيل الأستِغناء عنها. لو أروني أفضَل و ألمع المُجوهرات و الكنوز لكنتُ فَضَلتُ هذا الكنز الطبيعي مِن صُنع الخالق على اية شيء.

شَمَمتُ رائِحة مُختلفة مألوفة قد لَقطَها أنفي مِن اللافِندار و هواء الليل المُنعِش ثُم شعرتُ بِوجود شخص بِجانبي قريب جداً. التفتُ قليلاً لأرى ريس يقف معي و يَنظُر لِما انظُر له بِعيون مُضيئة ناعِسة لكن يُمكن رؤية فيها رِقة و هدوء كالذي يريد النوم في هذه اللحظة. حَرك ريس رأسه للأسفل لكي ينظر لي في العينين بِسبب طوله طبعاً فأنا ابدو طِفلتُه مع انني طويلة بِنَفسي لكن لا يمكن مُقارنة قامَتُه بِخصَتي.

هل أعجبكِ؟ سألني هو مع نِصف أبتِسامة رَسَمَت نفسها على وجنَتِه تَجعله أصغر سِناً.
أومأت له بِ نعم من دون الفظ بكلمة فَلِساني عاجز عن الوصف لأنه لا توجد كلمة توصف المَنظر بِعَدل. أشار لي ريس لكي أتبَعُه و نجلس على الكراسي في داخل هذا المكان الراقي خيالي الشكل.
قبل جلوسي أستدرت لأرى أنَ الحُراس قد اختفوا و لا يوجد أحد غيرنا الأن. نظرتُ الى ريس الذي قد اخذَ السلة مِن يدي و وضعها فوقَ الطاولة.

انهم قَريبين مِنا لا تقلقي.
اخبرني ريس بِنفسه كأن أفكاري قد طافَت إليه مع انني أضع الجِدار الخَفي بيننا لكي لا يَشعُر بي.
ذهبتُ الى المِنضدة و جلستُ بالأتجاه المُعاكِس لِريس، هو على الجِهة اليسرى و انا اليمنى. الشمس امامنا مُباشرة تُدَفِئ أجسامنا كالتي تُبقينا رِفقة. لا إرادياً ظَهرت أبتسامة على شفتاي و أغلقتُ عيوني اخذُ نفساً عميقاً أملئ صَدري بالهواء النقي ثُم زَفرته أفتح عيناي مِن جديد.

هذا المكان لديه سِحر خاص بِه، انه كالدواء الذي لا يَحتاج وصَفة طَبيب.
فجأة قال ريس ينظر لي بوجه كله أبتسامات.
معكَ حَق، انهُ حقاً كالدواء. و معكَ حَق بأبقاء هذا المَكان سري، لو أكتشفه الجميع لَتحول الى َمكان مُكتَظ فاقِد لسِحرِه.
وافقته انا مازالت لا ابعد انظاري عن الطبيعة امامنا.
بعض الأسرار يَكمُن جَمالها بِأخفائِها.

حَركتُ رأسي أحدق بِه يُحدق بي، لكنه ابعد عينيه عني. لقد رأيتُ شيء بِنظراته تِلك، لكنني لم اعرف ماهي...
اليسَ أبقاء الأسرار كالحمل على شخص واحِد بِمُتعِب؟ بعض الأحيان مُشاركة تِلك الأسرار مع مَن تَثِق بِهم يَجعل الحياة أسهل.
انا سألته لا اعلم الى اين اريد الوصول، لكنني اخذتُ الطريق و سأكمِله.

أعادَ ريس رأسه بأتجاهي لِتتقابل أعيننا مِن جديد و هذه المرة عينيه ظلمة لم أعُد أرى الشُعاع و اللَمَعان فيها فقط، ظلمة كأنها فَقدت ضوئها الجميل.
مُشاركة الأسرار لن يجعل مِنها اسراراً.
و ماذا إن كانَ ذلك السِر كِذبة؟
أنتفَضَ ريس مِن مكانه بِتفاجُئ مِن سؤال كأنه لم يتوقعه ابداً.
ما أفهمه بِكلامك انكِ توجهينه إليّ؟ سألني هو يَرفع حواجِبه بِفضول.

هَزَزتُ رأسي انا بالرِفض مع انهُ جزء ضَئيل يوافِقهُ الكلام ثم أجبته بِصوت هادِئ
لا، لستُ أحَدِد أحداً بَل اتكلم بِشكل عام.
تاليا أسمعَيني، لا اعلم بِماذا مَلأو مَن في القصر مِن كلام عني في رأسِك و لا اريد أن اعلم، لكن يَجب أن تعرفي شيء واحِد مُهم جِداً لطالما أردتُ اخبارك بِه.
ما هو؟ سألته بِحيرة انتظِره بِفارغ الصبر.

أنَ ما أخفيه عَن الجميع، ليس مِن أختياري، انا أخفي ما أخفيه لِحماية مَن أحِبُهُم و أهتَم لهم لا يُمكنني خسارة المَزيد في حياتي. لقد سَبق و خَسِرت أثمن ماكنتُ أمِلك و الأن لم يَعُد لدي القوة لِتَحَمُل أكثر.
لِماذا تعتقد أنَ حِمل ذلك العِبئ لوحدك جيد؟ لماذا لا تُجَرب مُشاركة قوتك و ضعفك مع أحد؟
تَنَهَد هو بِشدة يُعيد ظَهره لِلكرسي و يُدَلِك رأسه بيده مُغلقاً العينين.

لا اريد أذية كائِن، لقد أكتشفتُ انني املك صُعوبة بالوثوق بِمَن حولي بِسهولة، لأنني فعلتُ في الماضي و نَدِمت أشَد النَدَم، الى الأن لا أنسى ما حدث مَعي و لن أنسى.
نَغزة صغيرة قَد ظَهرت في صَدري على كلماته المَليئة بالضِعف لكن بِمَعنى كبير. فُضولي يقتلني لمعرفة ماذا حدث معه لكنني إن أردتُ أكتِساب ثِقته فَيجب عَليّ أبقاء فمي مغلقاً وأستخدام طَريقة أخرى للفوز بِها.

انا لن أجبرك و لن أضغط عليك. لكن اخبرني، اخبرني ريس كيف لي مُساعدتك؟ قد لا أكون قَريبة مِنك أو انسانة تَعرِفك مُنذُ زمن إلا انني أرى نَفسي فيك، ألمي شَبيه لألمك، لدي ماضي مازال الى الأن يُلاحقني و لا يدعني بِسلام.

أعاد ريس يُحدق بي يسمع لِكُل حَرف أنطُق بِه مِن دون اظهار اية تعابير على وجهِه البارِد، في ثوانيٍ تَغيرت شَخصيته لذلك الصندوق المُغلق الذي مَهما أستخدمتُ مفاتيح مُختلفة، يَرفُض الأنفِتاح لي و جعلني أرى ما بِداخله.
كيفَ لكِ مُساعدتي و انتِ أول شخص مَن أخفي عنه تِلكَ الأسرار لأبقائكِ بِخير؟، هذه الأسرار قَد تؤذيكِ و انا لن أسمح بذلك.
قال هو بِصوت قلق و عنيد بِنفس الوقت.

اخذتُ أرمش بِصدمة مِن ما سمعته، بقيتُ أحدق به لا اعرف ماذا أجيب، انا؟ أو شخص يُخفي عنه كل شيء؟
لقد كان فضولي كبير للخروج مِن الحفرة الظلمة للضوء ولكن الأن أصبح أعظم، يُريد كل الأضواء. عَمَ الصَمت بيننا لفترة قد بدت لي بدلاً مِن الثواني دقائق تتحول لساعات فقط ننظُر لبعضنا لا أحد يتفوه بِحرف.

أردتُ فتح فمي و سؤاله المزيد، لكن صوت صغير قادِم من بَعيد خَرج ليُشَتِت تركيزي على الرَجُل الذي يَجلس امامي و يَجذُبنا نحوه.
أدرتُ رأسي انا و ريس لأتجاه الصوت، لأرى أحداً صغير يَركُض نَحونا بِسرعة يرتدي سِروالاً أسود و قميص فَضفاضاً يَبدو أكبر من مَقاسِه، كُحلي اللون مُرَصَع بالألماس على مَنطِقة الأزرار و كُفوف يديه و فوق رأسه تاج فُضي.

ضَيقتُ عيناي قليلاً حتى توَضَحت رؤياي لأرى انهُ ذلك الطفل لطيف الشكل و مُحتَرم الشخصية بِعُمر صَغير و الذي يُدعى بِفالكين. لقد مَرَت اشهُر مُنذُ أخر مرة رأيته فيها مع ريس عندما كنتُ أجهل مَن يكون كِلاهُما.
عَمي ريس! صَرخ فالكين الى ريس و على وجهِه البَشوش أبتسامة عَريضة قد تُنسيك كُل الهُموم و ما يُشغِل البال في هذا العالم.

وقفَ ريس على ساقيه و أتجه الى فالكين يُقَرفِص للأرض فاتِحاً ذِراعيه كثيراً لكي يَضُمُه الى صَدره. ركض فالكين بأسرع ما يمكنه الى أن وصل لأحضان ريس. بقوا بِهذا الشَكل الى أن أبتعد فالكين عن ريس و حَرك رأسه للورائه حتى رأني انا ايضاً اقف مِن مَقعدي و انظُر إليهم مَسرورة لِرؤيته و للعِناق اللطيف الذي حدث بينهما. إن علاقتهما جميلة جداً، انهما كالاخوة و يبدو على ريس انه مُستعد أعطاء العالم أجمعه لِهذا الطفل الصغير إن أمكنه.

انها تاليا!
قال فالكين ينظُر الى ريس كأنه يأخذ أذناً قبل التحرك إليّ، أومئ ريس له بالسماح ثُم رَكض فالكين نَحوي يُعانقني و انا بالطبع بادَرتُه، لقد مَرَ زَمن طويل و لم أرى هذا الطِفل اللطيف.
كيفَ حالك ايها المُشاغب؟ هل هذا تاج جديد؟
انا سألته امسك بيده الصغيرة و أقوده لكي يَجلس بِجانبي.
نعم، فَكما تعرفين انا سوف أكون الملك يوماً ما، لهذا املك الكثييييييييير مِنها. إن اضعتُ واحِداً فَلدي أخر ينتظرني.

ضحِكتُ على كلامه. انه يَتحدث بِسرعة لولا جلوسه بِجانبي لما كنتُ سأفهم حرفاً واحِد.
ماذا تفعلين هنا انتِ؟ سألني فالكين.
تنهدتُ بقوة ثم أجبته
انا اعمل هُنا.
رفع هو حواجِبه بِتفاجئ و لقد فاجئني مَعه، الم يُخبِره أحد عني؟ اين يكون طيلة الوقت اصلاً؟ فأنا لم أراهُ بأي مكان في القصر.
ماذا تعملين؟ سألني مجدداً.
اعمل كالخادمة لدى عَمِك ريس.
أووووووووه هذا رائِع. سوف أراكِ أكثر في المستقبل.

أومأتُ له أبتسم ثُم قَررتُ سؤاله أملاً أن يُجيبني
بالمُناسبة اين تَعيش؟ مع والدتكِ؟
هَمهَم فالكين قليلاً يَتجاهل سؤالي لأنه تَشَتَت انتباهه بِشيء ما في الأفق البَعيد لكنه حَرك رأسه نَحوي و قال
لا، انا اعيش مع نومالي.
نومالي؟ مَن تكون؟
انها مُرَبيته الخاصة. كِلاهُما يعيشان هنا في هذه المنطقة.
أجابني ريس هذه المرة يَنظُر الى فالكين و يبتسم له بِكل رِقة.
لماذا يعيشان هنا و ليسَ مع والدته؟

سألته بِفضول و حيرة بنفس الوقت.
اخذ ريس وقته يُفَكر
هي مَشغولة جداً، لا تملك وقتاً للأهتمام به ابداً. انها تمضي بعض الوقت معه و احياناً إن حالفها الحظ يُشاركها الغُرفة في المساء حتى الصباح الباكر.

اية أم في هذا العالم لا تملك الوقت للأهتمام بِطفلها الوَحيد؟ لو انها تَملك مَجموعة اطفال، فَلا مُشكلة يبدو مَنطقياً، لكنه مازل طفلاً صغيراً ليس لديه أحد. انا مُتأكدة مِئة بالمِئة انه عندما يَكبُر سوفَ يعتبر المُربة كأمه أكثر مِن الحقيقية.
لا بأس، إنَ نومالي مُمتعة جداً، فَنحنُ نلعب دوماً و نتناول أطيب الحلويات. حتى كَلبي الصغير معي ايضاً. انا أحِبُهُم كثيراً.

قال فالكين يبتعد عَن المقعد و يتجه الى السَلة التي فيها الطعام يبحث عن شيئاً قد يُعجِبُه.
سَمعتُ ريس مِن جانبي الأخر يُصدِر صوتاً مِن حلقه ليجذب انتباهي إليه. حركتُ عيناي حتى انظر له يعيد النظر لي، رفعتُ حاجِباً بِتساؤول و هو قال لي بِصوت مُنخَفِض
لكِ ما تُريدين.

و بذلك ابعد عينيه الفُضية النادِرة و أعاد التحديق بالافق امامه يأخذ قطعة مِن التُفاحة المُقطعة. انا في الجهة الاخرى، لم اعرف ماذا اقول، لهذا ابقيتُ فمي مُغلقاً و تَركتُ الأمور تَجري مع الرياح.

يومين! يومين و النوم لا يَغلبني أبداً.
كِلتا الليلَتين لم أستطِع النوم بِراحة ولو للحظة واحِدة، كأن شيء ما يَمنعني مِن فعل ذلك. كل مرة أتحرك بِنومي في كل الجهات املاً مِن وجود الوَضعية المُريحة حتى أغفوا. لكن أحزِرو ماذا، لا أمل.
ذهبتُ الى الطبيب و اخبرته عن الأمر و هو وَصَف لي بعض الأعشاب لكي اشربها مع الشاي كُل ليلة و أحزِرو ماذا مِن جديد، لا نَفع.

حتى لو اقترحوا عَليّ الاستعانة بأحد الساحِرات لِتَضع عَليّ تَعويذة، فأنا مُتأكد انهُ لن يَكون أقوى مِن عنادي. لا اعلم ما المُشكلة، انام كُل يوم في نفس الوقت أو اتأخر قليلاً مِما لا يَجعل الوضع مُختلفاً جداً بعدها استيقظ في نفس الوقت أو ابكر مِما لا يجعل الوضع مُختلفاً كذلك، لهذا ظللت اسأل نفسي اين المشكلة؟

لماذا لا انام و لا أغفوا؟، لا توجد أصوات تُزعِجني و لا اية شيء يَمنعني مِن النوم. لكن في هذه الليلة أستَسَلم جسدي كامِلاً و قرر و أخيراً تَرك عيناي تُغلِقان حتى انام و اذهب الى عالم الأحلام.
لكن، وبعد فترة مِن السُبات، شَعرتُ بِشيء ما بارِد يَطفو مِن حولي و حتى عِند ساقاي أسفل الأغطية، فَتحتُ عيوني بِسرعة اجلس على السرير مُمسِكة بالأغطية لأبعدها عني.

لمُافجأتي رايتُ دُخان أسود اللون شَكلُه كالسائِل يَطير في الهواء في كل مكان. ظننتُ انني احلم أو أتوَهَم ما أراه. لكنني فركتُ عيناي و قرصتُ نفسي لكي أتأكد انني لا أتخيل الأشياء و إذ بالدُخان نفسه مازال امامي و من حولي.
ماهذا الشيء؟ انا تَمتَمتُ لنفسي أحاول وضع يدي على الدُخان، لكن يدي دَخلت مِن خِلاله.

حركتُ عيناي انظر في الأرجاء أحاول العثور على مَصدَرُه، رأيتُ انه قادِم مِن باب غُرفتي. تنهدتُ بِتوتر و وقفتُ على ساقاي اخذ مِعطَفي الخاص بالنوم، حريري، ثم لبسته و أتجهت للباب لأفتحه. إن الدُخان كَشكل خَط كامل في الهواء في الرُدهة يَتحرك الى ردهة أخرى.

لم يَكُن لدي خيار أخر غير أتِباعُه لأعرف الى اين يَقود و ما مُسَبِبُه. مَشيت و مَشيت و مَشيت، الى أن وصلت امام باب جُزء كبير مني قد توقع وقوفي امامه هذا اليوم. انه باب غُرَف ريس. أقتربتُ أكثر مِن الباب و وضعتُ أذُني عليه، لكن لا شيء، لا يوجد اية صوت قادِم من الداخِل، المكان ساكِن كأن لا أحد موجود.
إذاً لماذا الدُخان قادِم من هُنا؟ سألت نفسي بِتَعَجُب لا اعرف ماذا افعل الأن.

هل ادخُل؟ ام أطرُق الباب أولاً، ربما ريس نائِم و شيء ما يَحتَرِق. لكن هذا الدُخان لا يُشبِه اية شيء رأيته في حياتي، انه أسود كَسواد الليل و يَطفوا بأنتِظام على نفس العِلو و يبدو سائِلي مع انني حاولتُ لمسُه إلا انه دُخان، لن اشعر بِه ابداً. اخذتُ نفساً عميقاً و زَرفتُه مِن فمي أهدئ مِن الضوجة التي تحدث في ذُهني، توتر و خوف يَكسو جَسدي، خائِفة مِن أمر لا اعرف ما هو حتى.

أولاً الصُراخ المُتكَرِر القادِم مِن هُنا و الأن هذا الدُخان الغَريب. هل ريس بِساحِر؟ رُبما إحدى قُواه هي السَبب؟ لماذا انا الوَحيدة مَن تَقِف هُنا، لماذا لا يوجَد معي أحد في نفس حيرتي و وضعي؟

هَززتُ رأسي و مِن دون تَفكير جَربتُ فتح الباب و لِحظي انه ليس مُغلقاً. أكملتُ فتحُه و دخلت و المفاجئ الكُبرى، أن الدُخان كما توقعت في أرجاء الغُرفة كالأنهار، على الأرض في الهواء و حتى في الأعلى يَصِل لِسقف الغُرفة.

نبضات قلبي اصبحت تَصرُخ و تَخفِق بِشدة، جَسدي يَصرُخ عَليّ بالألتِفات و الُمغادرة حالاً، عَقلي مُشَوش لا اعرف ما هي الأفكار التي تَدور فيه. بَلعتُ ريقي و رفعتُ أذرُعي اضعها مِن حولي لأن الأجواء هُنا بارِدة جداً، كأن فَصل الشتاء قَرر مُشاركة غُرَف ريس و بالطبع لأنني البِس رِداء النوم فالساقين و الذِراعين حتى القليل مِن الظهر و مَنطقة الصَدر مَكشوفة مِما جعل البرد أقوى.

لِكثرة الدُخان في المكان، لم انتبه على شاب يَقِف امام أبواب الشُرفة الزُجاجية بِقامَته الطويلة، يَرتدي سِروالاً أسود تَصِل نِهايَتُه للأقدام و عِند الخَصر عَريض جداً، انه عاري الظَهر لا يرتدي شيء. رأسه مُنحَني يَضع يديه في جيوب سِرواله.

الأغرب و ما جَذب انتباهي أنَ، ظهره، على ظهره لون أسود و يتحرك، هذه البُقَع السوداء التي تَسبَح على ظَهِره أرعَبتني لِشكلها كأنها تُحاول بَلعُه بِسوادِها. انه، انه ريساند!
لماذا يبدو بِهذا الشكل؟ ماهذه البُقَع السوداء على جَسَدِه؟ ما الذي يَحصُل بِحق السماء؟

فجأة و كأنهُ شَعَر بِوجودي في غُرفته، التفتَ ريس بِمكانه حتى رأني اقِف كالتمثال لا اتحَرك امام الباب. لأنه التفتَ بِكامل جسده، أعطاني مَنَظَراً افضل لِصدره العَضلي العَريض، شَهِقتُ بِقوة و كُل الهواء الموجود في صدري قد خرج ليجعل رئتاي فارِغة تماماً.

بدأتُ بالأرتِجاف مِن شكله و لا استطيع أبعاد عيناي عَنه، اريد فعل ذلك لكن لا يُمكنني. صَدره مَليئ بالسواد و أكثر مِن ظهره كأنه جُزء مِن الظلام يَعيش بِداخله و يَغزو جَسده.

(فكرة عن ما اتخيله انا، لكن السواد على الجسم يكون اغمق من ذلك و يبدو سائلي ^ ^)
شَعرُه الفوضوي و عينيه الناعِسة و ايضاً وجهَهُ الذي يبدو عليه التَعب و الأرهاق، يُخبرني انه في ألم، انه يُعاني. أحسَستُ بأن مُقلتاي سوف تَخرُج مِن مكانها لِشدة البَحلقة، وضعتُ يَدي على فَمي من خوفي و صَدمتي. قلبي اصبح بمعِدَتي و انا أرجُف، أرجُف كالذي يُمسِك بي و يَهُزُني بِقسوى.

تاليا! نادى هو بأسمي و عينيه مُتبَحلقة مِن رؤيتي هُنا.
ذِراعيه، صدره، بِطنه، رقبته و يبدو أن السواد يَمتَد للأسفل حتى في كُل مَكان يَترُك القليل مِن لون بشرتُه الطبيعية.
ما الذي تفعلينه هُنا؟ سألني هو بِهَلَع يأخذ خُطواته بِبطئ نحوي و انا اخذ خاصِتي لِلوراء.
ما، م ما هذا ريس؟

رأيته يَبَلع ريقَه و يَعَض على شَفتُه السُفلية لا يُقابِل عيناي كأنني أمسكتُه يَسرِق شيء ما. انه يبدو بَريئ و خائِف، هل هذا ما كان يُخفيه عني؟ هل هذا السِر العَظيم الذي لطالما ابقى فمَهُ مُغلقاً لا يجيب على اسألتي؟
أرجوكِ اذهبي مِن هُنا و عودي الى غُرفتك. يجب أن لا تبقي. قال لي يرفع نظره اليّ.

هَززتُ رأسي مُحاوِلتاً التَهدِئ مِن روعي فأنا لا اريد أن ابدو كالخائِفة و المَرعوب امامه بِتلك الطريقة، لا اريد أن اجعل مِن الموقف أكثَرَ سوأ، لكن لا يُمكنني، لا يمكنني و هذا الشيء المُخيف على جَسده.

لقد رايتُ اشياء مُخيفة بأنواعِها في أخر سنتين و النِصف، لم أرى في هذا العالم إلا الرُعب و المَشاكِل و الدِماء حتى أشلاء مُتناثِرة على الأرض لا تَترُك ذاكِرَتي أحياناً. هذا الشاب الذي يقِف امامي و يبدو عليه الألم و المُعاناة شَكلُه عاجِز لا يستطيع اخذ خُطوة لِضعف قدميه و ذلك السواد يكسوه كالجِلد الثاني و الدُخان كالرفيق لا يدعه...

مِن دون إرداة، اخذتُ خطوتين إليه أركز على وجهه أكثر من جسده الأسود. أركز على عينيه التي تَملأها البؤس و اليأس. لم أراهُم في حياتي كلها، مُتعبة بِهذه الطريقة، ضَعيفة فاقِدة لِضوئها الجَميل. أتذَكُرها فُضية مائِلة لِلأزرق السماوي اما الأن، فَهي ظلمة تبدو سوداء ايضاً تُماثِل هذا الظَلام مِن حوله و عَليه.

اخذتُ امشي نَحوه الى أن وصلت امامه بالظبط، يُمكنني الشعور بِبرودة جسده مِن دون أن المِسَه. لقد ظننتُ انني انا مَن التي تَرتَجِف بقوة، إلا انه هو و بِكل وضوح مَن يرتَجِف إما مِنَ البرودة أو هذا الشيء الذي يأكُلُه حَياً.
ريس، رفعتُ رأسي انظر إليه، يَهُزة رأسه و يأخذ خطوة للوراء يبتعد عني.
اغلق عينيه و قال لي يَهمِس بالكاد سَمِعت كلامِته
أرجوكِ، اذهبي و لا تعودي.

هل كانت تِلكَ الصرخات التي كنتُ اسمعها قادِمة مِنك انت؟
فتح هو عينيه بِسُرعة مُنصَدِم كأنه تَلقى صَفعة على وجنَتُه.
لقد كنتِ تَسمَعينَني؟ كيف؟ سألني بِصوت مُتقطِع لا يُصَدِق ما اخبرته بِه.
هل هذا هو مُسَبِبُه؟ ما الذي يَحدُث لكَ ريس؟
هَزة رأسه مُجدداً يَرفُض التَحدُث، و انا بالطبع أعنَد مِنه وضعتُ خوفي و توتري على جَنب ثُمَ اخذتُ خطوة أخرى له أريه انني هُنا، مَعه و لن أتركهُ وحده.

هل هَذه قوتك؟ رُبما إحداها و هي مَن تَمنَعك مِن الخروج مِن قَصرِك؟
سألته مرة أخرى أدَع لِساني يَنطِق بِنفسه.
انا أترَجاكِ تاليا، اذه اذهبي لا اريد أن أؤذيكِ، فَلن أتحَمَل أكثَر.
قال هو لي و في عيونه دموع قد ظهرتَ كالزُجاج تلمع، لكنه امسك نفسه و أعاد تِلك النظرات البارِدة كالقِناع يُخفي مَشاعِره.

لكني رأيته أحسَسَتُ به، و لن أفلِتُه بِتلك السُهولة. لا اريد تَركُه وَحدُه شعور في داخلي يُخبرني انه لن يؤذيني حقاً و انا اصَدِقُه. ما سبب سَماعي لأصواته و رؤيتي لهذا الدُخان القادِم مِنه؟
عرفتُ انني الوَحيدة مَن تَشعُر بِكُل تلكَ الأشياء الخاصة به، رُبما السيدة أغاثا زوجة عَمه تعرف، لكنها ليست معنا، و اين هي أصلاً؟

اقتربتُ مِنه أكثر الى أن وصلت قريبة، أشعُر بأنفاسِه تَتَصادَم بِوجهي و برودة جَسَدِه تُبَرِدني مَعه. يبدو انه يَتَجَمَد مِن البَرد، لماذا لا يرتدي و يُغطي بَدَنُه، قد يَمرَض و يصبح الوضع اسوأ.
لا تقتربي أكثر. قال هو لي يُحدِق بِعيناي بِخوف لأول مرة رأيته فيه.
هل تؤلمُك؟ سألته انا ارفع يدي لأضعها على صَدره، لكنه امسك بِمعصَمي و أوقفني مِن لمَسِه.

انتبهتُ أن كِلا يديه عارِية ايضاً لا يَرتدي القُفازات كَكُل مرة أراهُ فيها. انها تبدو طبيعية و ليست كما تَخيلتُها أن تكون، لكن القليل من السواد يغطيها. لديه يَد كبيرة و اصابع نَحيلة طويلة.
لا تلمسيني. قال ريس مازال مُمسِكاً بِمعصمي المُغطى بِمعطف نومي يمنع تَلاُمس جلودنا بِبعضها.
لماذا؟ ما الذي سَيحدث؟ الهذا كنتَ تَرتدي مَلابس داكِنة مع قُفازات طوال الوقت؟ تُخفي هذا الشيء أسفلهُم.

توقفي عن سؤالي تاليا.
إذاً أجبني و توقف عن الهروب!
أندفعتُ انا غاضِبة مع انه هو مَن يجدر بِه الغضب عَليّ لأنني انا مَن أتعدى خصوصيته في غرفته.
تنهد هو بقوة يدع مِعصَمي و يبتعِد عني لكي يجلس على طرف سريره مُبَعثَر الأغطية، كأنه كانَ نائماً و استيقظ. وضع ريس رأسه بين يديه يتنهد مِن جديد و انا بقيتُ في مكاني انظر إليه.

كل شيء يؤلم، لكني تَحملته لِقرون و سوف ابقى أتحمله لقرون أخرى. انه دوماً موجود تاليا، هذا الظلام، انه جزء مني الأن.
إذاً انهُ ليسَ إحدى قواك؟ لماذا تُخفيه؟
رفعَ رأسه مِن بين يديه يُحدق بي. لم يُجبني فوراً و ظننتُ انه لن يفعل، لكنه فتح فمه و قال.

لا توجد قوة فيني تؤذيني. و للأجابة على سؤالك الثاني، انني أخفيه لأنني قد أؤذي غيري و إن عَلِم الشَعب بالذي لدي، فَسوف تكون نِهايتي تاليا، هل سَمعتيني؟ نِهايتي.
ما هو هذا الشيء؟ لماذا انتَ الوحيد مَن تَملِكُه؟
هذه لعنة قد وضعها عَليّ غادان في أخر حرب بيننا. انها قِصة طويلة لكنه هو السَبب بِجعل حياتي سوداء كِقوتِه. الشادونايتس يَملِكون قوى الظلام و كَجزاء لفوزنا هذا ما حدث لي.

تذكرتُ كلام الجنرال هودي عندما اخبرني أن لِفوزِهِم بأخر حَرب عواقب مِن الظلام و العذاب، هذا يعني انني لستُ الوحيدة التي تعلم بِمُعاناة ريس. بل يوجد الجنرال، أغاثا و ربما بيتر. هل يعرف الأخرين ايضاً؟
ألا يوجد لهُ علاج؟ سألته انا بَعد صَمت قصير.
هَزة رأسه بِخفة و انزل عينيه على الأرض يَشرُد بِها.

لا، لقد حاولنا كل شيء يُمكِن فِعله. حتى انني ذهبتُ مع بيتر و أغاثا للساحرات لَرُبما يمكنهم مُساعدتي بِسِحرِهِم، لكن لا أمل، لم تُجدي اية طَريقة نَفعاً لِهذا تعلمتُ التعايش مع هذه اللعنة لأنه افضل حَل و لا يوجد غيره مِنَ البداية.

تحركتُ مِن مكاني و ذهبت الى سريره اجلس على الطرف الأخر منه بعيداً عنه. مِن طريقة كلامه اعتقد انه مُعتاد على ما يَحصُل له، فلقد قال أنَهُ تلقى هذه اللعنة مُنذُ قرون. هذا يعني قبل أن تُنجِبني أمي أو قبل أن تُنجِبها جدتي.
انه كذلك أحد الأسباب لِعَدَم لَمسه اية كائِن، هل هذه اللعنة مُعدية؟ أو قاتِلة؟ أعني واحِد من الأثنان مُخيف كِفاية لِكي يُرسِل قَشعريرة لِكامل جَسدي.

لا يمكنني تَخيل نفسي في مكانه، يبدو أن الألم الذي لديه أعظم مِن اية ألَم أخر و لقد قال انه يتحمله لقرون، يا الهي ساعده و ساعدني، انا الأن اعرف ما الذي يحدث له و لا يمكنني فعل اية شيء لمساعدته أو لِتَخفيف أوجاعِه و لو قليلاً.

لا تحاولي تاليا، فلا يُمكنكِ فعل اية شيء لِمُساعدتي. لهذا لا تُفكري بالموضوع و لا تُتعبي نفسك. انا اخبرك بِما اخبرك بِه لكي أَخَفِف فضولك و ليس لكي أرى التعاطُف و الحُزن على وجِهك. انا أكره رؤية الشَفقة على وجوه الجميع عند رؤيتهم لي.
قال هو ينظر لي بِعيون ناعِسة ليس فيها اية مَشاعر.

ابعدتُ انظاري عنه أركز على القمر الأبيض الذي يملك ضوء خافِت و غير أعتيادي عَبر ابواب الشرفة. انه يبدو أصغر حجماً و الوانُه ليست قوية كَكُل يوم.
لا اعلم لِماذا انتِ الوحيدة مَن تَشعُر و تسمعني، لكن أتمنى أن لا تخبري أحداً--
أوقفتُه قبل أن يُكمِل جُملته ثُم أكملت عنه
لن افتح فمي و لن يعرف أحداً عن اية شيء رأيته و سمعته اليوم أو في الايام التي قبلها، هل تثق بي؟

عَمَ الصَمت القاتِل بيننا مُجدداً و انا بدأتُ أتعرق في كُفوف يداي الأثنتين أخاف من أجابته.
نعم، لقد وضعتُ ثقتي بكِ منذُ، مدة أجابني هو و في نبرته بَعض البَهجة مِما جعلني أبتسم نِصف أبتسامة.
هذا سيء، لا يَجب عليكَ الوثوق بأحد بِتلك السُرعة. انا قلت أمازِحُه.
اخرج هو صوتاً مِن حلقه يضحك بِخفة، لكنها تبدَلت بأغلاق عينيه من الأوجاع كأن الظلام يمنعه من الضحك.
انتِ مُختلفة عن الباقي.

ما المختلف بي؟ انا مُجرد فتاة في التاسِعة عشر مِن عمرها بشرية لا تفهم بأي عمل إلا الصيد. سريعة الغضب فضولها أكبر منها و عنيدة بِرأس كالصخرة.
هَمهَم هو قليلاً ثم أجابني.

صحيح لكن ما أراهُ انا، انكِ جميلة و فاتنِة، ذكية و مُفعَمة بالحيوية، تُحِب الخير للجميع أكثر من نفسها، صريحة و لطيفة. أكثر ما يجذبني بكِ انكِ جريئة و شُجاعة. لهذا لا تظلمي نفسك بأمور سَلبية فحسب، تذكري أن الجميع يَملِكون السلبيات و الأجابيات في شخصياتهم.
كيف ترى نفسك؟ انا سألته بِفضول و في نفس الوقت اوقفه عن التكلم عني لأن كلماته تُنبِت نبتة بِداخل قلبي أخاف منها أن تكبر و تؤثر فيني.

خرجت سعلة من حلقه جعلني أتألم عنه من قوتها ثم أجاب يُهَمهِم.
لم افكر يوماً بِشخصيتي، يبدو انني غافلاً عن نفسي بسبب ما يُحيطُني.
إذاً انا سوف اخبرك.
رفع حواجِبه عَليّ َيرمِش بِسُرعة مُتفاجئ مِن كلامي.

قد لا اعرف عنكَ الكثير، لكني أرى انكَ رجلٌ مُحترم و نبيل، يُحِب ايضاً مُساعدة الجميع و دوماً ما أراكَ مُمتناً لِكل مَن حولك. مع انكَ بارد الشكل و الشخصية إلا انني أرى دفئ و رقة قلبك، انتَ حساس و بنفس الوقت مُتَمَكِن و صارِم. كَتوم و تُفضل الأستماع على التكلم و هذا ما يعجبني بك.

حدق بي ريس مِن دون التفوه بكلمة فقط ينظر إليّ مَدهوش بِتلك العينين التي عادَ الضوء و اللمعان اليهِما. قد يقول الجميع انه وسيم المَلامح و خاصَتاً بذلك الفَك الحاد و العينين المَشدودة و بَشرَتُه الخالية مِن الشوائب تَلمع تَحتَ ضوء القَمر و بذلك الشَعر الأسود الفَوضَوي يبدو شكله لطيفاً جداً، جعل مِن قلبي يَتخطى نَبضة و حرارة لم أشعر بِها مِن قبل في حياتي قد ظهرت على أذاني و رقبتي. حاوَلتُ بَلع ريقي لكن لم أستطع لِجفاف حَلقي.

ما الذي يَحدُث لي؟
هل سوف تُخبرني المَزيد عَن قِصَصِك؟ انا سألته أكسر الصمت.
لا اعلم تاليا، هذا السر الذي أكتشفتيه أخطَرهم، يبدو أن باقي الأسرار لا يُمكِن مُقارنتها بِهذا الذي يحدث معي. رُبما يوماً ما سأتفتح لكِ و اخبرك بِما أخفيه و ربما قد افضل أبقاء ما أملُكه لنفسي، لهذا أرجوكِ تَفَهَمي موقفي و لا تَضغطي عَليّ. فلا اريد أن أؤذيكِ
كيف لك أن تؤذيني؟ هل هذا الظلام يجعلك تفعل ما لا تستطيع التحكم به؟

انه ليس بِمُجرد ظلام على جسدي، انه شيء اكثر خطورة لا يمكنني التكلم عنه لأنه يَسمعني.
يسمعني؟، هل يعيش بداخله مَخلوق أو وَحش و هذا الظلام يَخرُج منه؟ لقد ظننتُ انني أكتشفت و أخيراً سِره الكبير لأرى انني مازلتُ في بئر الأسرار في كل مرة يفتح باب أجد باب أخر ورائُه.
يجب عليكِ الذهاب الأن.

اخبرني ريس واقفاً على ساقيه يعطيني الرؤية الكاملة لصدره العاري، انه يملك جلد يبدو ناعِماً، لم أكُن أتوقع انه بِتلك الضَخامة، فَتِلك الملابس التي يرتديها دائماً، تُخفي شكله، لولا السواد الذي يُغطي و يتحرك على جسده لكان و بِكل تأكيد افضل شَكلاً.

أنصَتُ انا له و تحركت مِن جلوسي على سريره، أتجه نحوه. قبل فتح الباب للمغادرة، أستدرتُ لجنبي أختلس النظر إليه و هو يقف في منتصف الغرفة يَضع يديه داخِل جيوب سرواله و على شفتيه أبتسامة مُزيفة ورائها أوجاع غيره لن يتحملها.

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 53 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب