رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل العاشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل العاشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل العاشر

طوال طريق عودتنا لم تكُف فينار عن التحديق بِكاغوا الذي ظل يبتسم لها تلكَ البسمة التي تقول انه مُدركاً انها لا تعلم ما سبب قدوم رجل غريب الأطوار معهم الى القصر.
لكن هي لم تسأل و كاغوا لم يتفوه بِكلمة إلا مرحباً في أول لقاء لهم حتى انها لم ترُدها بِل حدقت به بِفم مفتوح.

عندما وصلنا ترجلنا من العربة ثم دخلنا القصر بسرعة ليتوقفوا الخدم عند رؤيتنا و يحدقون بِكاغوا المُمسِك بِطرف قبعته يميلها بِتحية، يقول مرحباً لكلٍ منهم.
هل جيب علينا أخباره انهم لن يردوا عليه كُلما ألقى التحية؟ همس لي بلايز في أذُني لأهُز رأسي.
دعه فأنا أحِب أشكالهم المَصدومة.

أخذنا ردهات طويلة لأنني قررتُ أخذه الى ريزار أولاً ثم عند مَدخل فيه تفرقنا عن فينار لأنها قالت انها ستُعلِم فالين بِوجود الساحر بما انني لم أخبره من قبل.
و هكذا تفرقنا هي ذهبت في طريق و نحنُ نُكمل طريقنا الى غرفة صديقي أولاً فَحالته اسوأ من حالة كانيلا، لأنَ أستطاع جي أوكس أخذه لِلظلام لِفترة أطول. لهذا تأثر بِشكل أكبر من منها.

لقد قلتَ انه يوجد أثنان منهم، فَمن الأول؟ فجأة سألني كاغوا و نحنُ نمشي معاً لألقي نظرة عليه قبل أن أجيبه
الذي سأخذك اليه يكون صديق قريب مني.
هَمهَم هو يُمسك حقيبته بيده الثانية، التي لا اعلم ماذا يكون فيها فَلقد حملها من أسفل مكتبه و كأنها كانت جاهزة و تجلس هناك لِمدة، فَبدت قديمة، جلدها مُمزقة يتَفَتَت و حمالتها الحديدية صدِئة تحتاج لِتغيير.

وقفنا أمام باب غرفة ريزار لأطرق عليها مَرتين بعد أنتظار قصير فتحت لنا خادمة لِتنحني لي فور رؤيتي.
دعينا لوحدنا. أخبرتها بِلُطف لتومئ و تغادر تدعنا مع ريزار المُستلقي فوق سريره يتناول دوائه.
حرك رأسه نحونا ليضع كأس الماء على المنضدة بِجانب سريره رافع الحواجب.
فالكين؟، ما الذي تفعله هنا؟
لقد أحضرتُ شخصاً قد يُساعدكم.

ذهبتُ اليه أقف عنده ليلحق بنا كاغوا يضع حقيبته على طرف السرير و هو وقف عند أقدام ريزار المَكشوفة.
مرحباً سيد، قال هو ينظُر على ريزار.
ريزار. أجابه صديقي يرمش عليه بِفضول.
نعم، سيد ريزار. انا أدعى كاغوا و جئت اليوم لكي أعيد ساقيك الى مكانهم.
توَسعت عيون ريزار على الذي قاله و انا و بلايز أمسكنا ضحكاتنا ليبدأ كاغوا بِفتح حقيبته و أخراج ورقتين شجر واحدة لونها أصفر و الثانية أخضر.

أحضر كل هذه الحقيبة من أجل ورقتين؟
مَن يكون هذا؟ مالَ إليّ ريزار هامساً لأبادله النظرات.
بائع ملابس.
فتح ريزار فمه ثم أغلقه عدة مرات كما تفعل السمكة ليُقاطعنا كاغوا بِأخذ أذنً من ريزار كي يكشف ساقيه قليلاً بعد حتى يضع ورقة فوق ساق و الثانية فوق الأخرى.
أبقى مُسترخياً سيد ريزار. طلب منه هو ليومئ صديقي.

وضع كاغوا يديه الاثنتين على ساق ثم أغلق عينيه قليلاً كما فعلت العين على قبعته ليَظهر ضوءً من يديه أرجواني لِثواني قصيرة ثم تحول اللون الى الأخضر بعدها أبعدهم عنه يتنهد بِشدة.
ما الأمر؟ انا سألتها مُتعجب.
الأمر مُعقد بعض الشيء، لقد أحسستُ بِقوة ظلام جي أوكس في داخله تُجَمِد حسه و قدرته على التحرك.
و هل مُعقد كفاية ليكون مستحيل مُداواتهم منه؟
هَزة هو رأسه لتظهر بسمته الجانبية على شفتيه
بالطبع لا.

التَفتتَ الى ساقين ريزار يضع يديه فوقهم مجدداً لينظُر له بِطرف عينيه يُعطيه بسمة أعرض
الذي سأفعله سوف ينغزكَ قليلاً.
أومئ هو بِتفهم لأقف انا و على كتفي بلايز ننتظِر ما سيحدث. و عندما بدأ كاغوا عمله و بدأ ظهور الضوء من يديه فُتِحَت العين على قبعته لونها أحمر مُتوسعة. لم تَمُر اللحظة لينظُر لي ريزار و يصرخ بأعلى صوته يجعلني أغَطي أذُناي مِن قوته.

تركنا ريزار في غرفته لكي يرتاح، أو لكي يُكمل لعنه علينا بِمفرده على ما جرى له من ألم لم يكُن مستعداً له.
لستُ أدري كيف كان الألم لكني متأكد انه ليس هيّناً حتى جعله يصرخ مع أنَ كاغوا أخبره انه سوف ينغزه فَحسب.
المهم في الأخر انه شفية و رأينا انه باستطاعته تحريك أصابعه على الأقل لكنه يحتاج ليوم الكامل حتى يعود كما كان لهذا بعد أن تأكدنا من كل شيء غادرنا و ذهبنا الى وجهتنا التالية و الأخيرة.

وصلنا الى أمام باب غرفة كانيلا لأخُذ نفساً عميقاً أرفع يدي لكي أطرقه لكن سؤال كاغوا أوقفني لِلحظة
مَن يكون خلف هذا الباب؟
أعدتُ يدي لجانبي لأستدير اليه مُجيباً
أمممم كانيلا انها سفيرة البشر هنا.
آوه إذاً امرأة هاه؟
أومأتُ مرة لا أقابل عينيه أنظُر الى أية شي و بالأخص تلكَ التي على قبعته، ترمش كل ثانية كأنها ترى ما بِروحي.
هل هي شخص مهم؟

رفعتُ رأسي بِسرعة نحوه بنفس الوقت أخرج بلايز ضحكة من حلقه لأرمقه بِنظرة تجعله يَخرس.
مجرد شخص أعرفه. ردَدتُ عليه أستدير لِلباب لأطرقه و بعد القليل مِن الصبر فُتِحَ الباب تظهر لنا إكسانا.
سمو الأمير؟
مرحباً يا صغيرة، هل لنا بالدخول؟
نظرت لي من ثم على بلايز و كاغوا لتحدق به مطولاً ثم فتحت فمها تذكُر مَن يكون هذا الشخص لكننا دخلنا بعد أن فتحت الباب كله من أجلنا و أغلقته خلفنا.

لقد سبق و دخلت غرفة كانيلا مرة واحدة و مع ذلك لم انتبه لتفاصيلها ابداً إلا الأن. انها واسعة و مُريحة، جدرانها رمادية فاتحة أرضية خشبية لامعة أثاثها أبيض و ذهبي على اليمين توجد خزانة ملابس و بِجانبها الحمام.
أمام مباشرةً أبواب الشُرفة بِستائر من لون الجدران تقريباً و عندهم يوجد كراسي و بينهم طاولة دائرية فوقها مَزهرية فيها ورود وردية.

و أخيراً على اليسار السرير الكبير و فوقه تجلس كانيلا ظهرها مُستند على لوحه تقرأ كتاباً لترفع رأسها نحونا، ستائر من الشعر الأسود تقع على نصف وجهها و كَتفيها. تفاجأت لرؤيتي و رؤية مَن معي لتغلق الكتاب و تضعه فوق حضنها.
مرحباً يا أنسة، تقدم كاغوا اليها مُنحني الظهر لتَميل رأسها على جنبها تنظُر مني ثم لِكاغوا ذهاباً و إياباً.
انا كاغوا أكون--.

صاحب متجر كاغوا للألبسة؟ أكملت هي عنه ليقف مستقيم الظهر يداً خلف ظهره.
هو بِلحمه و شحمه. أخَذ خطواته الى سريرها يضع حقيبته فوقه.
ما الذي تفعله هنا؟ لقد عنته هو بِسؤالها إلا انها تنظُر لي.
هَززتُ أكتافي أذهب الى جانبها أنظُر للأسفل عليها بينما بلايز طار الى إكسانا مُمسكاً بيديها لأنها تبدو متوترة لا تفهم ما يجري أمامها أو سبب وجود كاغوا معي.
انه ساحر، سوف يُساعدكِ كما ساعد ريزار.
لقد كنتم عند ريزار؟

أومأتُ بِنعم أرسم بسمة خفيفة على شفتاي.
ثقي بي.
أعادت لي نفس البسمة لتنتَفِض عندما وضع كاغوا يديه على ساقيها فوق الأوراق.
أعتذر يا انسة لكن اريد منكِ أن تستعدي لأنَ ما سأفعله سوف ينغزكِ قليلاً.
بسمته الجانبية تلك أرسلت قشعريرة بأرجاء جسدي لأمُد يدي أمسك بِخاصتها الصغيرة بسرعة أعلم ما القادم.

بدأ كاغوا بالعمل و العين على قبعته بالتوسُع ليتحول لونها الى الأحمر تُذَكِرُني جيداً بِعيون مِن نفس اللون والشكل و هي سبب المُشكلة من الأساس...
عيون جي أوكس.
ما الذي يحدث لها بالضبط، ولماذا أصبحت مثلهم؟
هل لأنها مُتأثرة بِقوى الظلام التي في أجسادهم، تمنعهم من التحرك و الأحساس؟
لابُد و انه السبب فَهو المنطقي الوحيد لِشكل--.

لم أكمل الجملة في رأسي لأشعر بِضغط شديد على يدي من التي تمسك بها. أشحتُ بِنظري عليها أجدها منكمشة الوجه و مُغلقة العينين تعَض بأسنانها على بعضها تُخرج صوتً من حلقها.
ألقى كاغوا نظرة خاطفة عليها قبل أن يشع الضوء من يديه أكثر لأقرفص انا على الأرض أمسك يديها بِكلتا يداي أخبرها أنَ كل شيء سيكون على ما يرام و لكنها لم تسمعني لأنها صرخت صرخة قد رَنَت في أذُاني حتى ظهر طنين.

لكني لم أفلِت يدها مع انني أعلم أنَ خاصتي ملأتها الدماء و أصبحت زرقاء و حتى أرجوانية فأنا أعرف انها في ألم فظيع لا يمكن تحمله و هي تحملته بِصرخاتها و عصرها لِيداي.
بعد مرور لحظات لا تُنسى توقف الصراخ و أبتعد كاغوا عنها يُغلق حقيبته.
أخذت كانيلا تتنفس بِقوى، صدرها يرتفع و يهبط و على جبينها قطرات عرق تُبَلِل من شعرها الجميل و رقبتها لأمُد يدي تلقائياً اُبعِد شعرها عن وجهها.

أتَت إكسانا تحمل معها قطعة قماشة جافة لكي تُعطيني إياها حتى أجَفِف العرق عنها.
لكن كانيلا ابتسمت لي تأخُذ من يدي القطعة لتُجَفِف عرقها بِنفسها تشكُرني بالمقابل بِلطف.
كيف كانَ شعورك عندما لمسكِ جي أوكس؟ سألها كاغوا يُعَدِل من قبعته مُغلقة العين على رأسه.
هَمهمَت هي تُعطي القماشة لِمساعدتها برتقالية الشعر ثم ابتسمت تَفرُك ذراعيها كأنها تذكُر نفس الشعور الذي أكتسحها وقتما لمسها ذلك الوحش.

كان بارداً، جداً جداً.
بارداً جداً جداً، كَرر هو كلامها بِنبرة منخفضة يَحُك لحيته الخفيفة.
حسناً يا انسة هاندسين أرتاحي ليوم كامل و سوف ترجعي لِلمشي قريباً فَلا تضغطي على نفسك.
أومأت هي له متفهمة و مُمتنة ايضاً على ما فعله من أجلها لكن كما صُدِمَت هي مِن قوله لأسم عائلتها الذي لم أخبره بِنفسي عنه كما صدمتُ انا.
كيف عرفت-- أرادت أن تسأله لكنه التَفَت يودِعُها متجهاً نحوى الباب لألحق انا به بسرعة.

الى اين؟
فتح هو الباب قبل أن يُجيب
انتَ أبقى عند الأنسة و انا سوف أذهب الى الملك.
ألا تريد مَن يقودك الى قاعة عرشه؟
أومئ هو بِنعم ليُشير بأصبعه الأبهم على الباب و ما خلفه قائلاً
سوف اسأل الخدم إلا إذا كنتَ تريد تركها و هي لم تتعافى من الصدمة بعد فَلا مشكلة لدي.
رمشتُ عليه لأبلع ريقي أصَفي حلقي ثم أخبرته
سوف اراكَ قريباً.
أرتفعت زوايا شفتيه للأعلى بعدها أمالَ قبعته بِتحية و غادر الغرفة.

تنهدتُ بِخفة لأستدير نحوى مَن على السرير تبدو متسائلة لأذهب اليها أجلس عند أقدامها على طرف السرير.
انه غريب الأطوار. قالت كانيلا.
لكنه رجلاً جيد.
كيف عرفت انه سيُسادعنا؟ أو انه ساحر؟

لم أجبها على الفور بل أخذتُ أفكر إن ما يجب أن أخبرها أم لا فَلقد حذرني كاغوا مِن التفوه بالحقيقة لمَن لا يعرف مِن ضمنهم توك لأنه يُفَضِّل أخفاء هويته عن العالم بعدما أمره فالين بِذلك بِمقابل عيشه في فالينيا و خصيصاً في مدينة الشمس.
لهذا أخبرتها بدلاً من ذلك
هو أخبرني عندما زرتُ متجره لأول مرة انه ساحر بِسيط و تعلم إشفاء مَن يمتلكون السحر الأسود لأنه، أممممم أصيب أحَد أصدقائه به.
آوه صديق وفي.

أومأتُ أكمل الكذبة البيضاء من أجل حماية سره.
كيف تشعرين؟ طار بلايز يقف فوق حضنها يُغَيّر الموضوع لأشكُره بِصمت على ذلك.
لستُ أدري فأنا أحرك أصابعي لكني لا أقدر على تحريك ساقاي بعد.
هل تسمحين لي رؤيتهم؟ أشرتُ انا على ما يُغطي قدميها لتتردد هي قليلاً قبل أن تومئ لي بالسماح.
أعطيتها بسمة صغيرة ثم كشفتُ عن قدميها، فستانها يُغطيهم حتى الكاحلين فقط، تباً حتى قدميها خالية من الشوائب و ناعمة الشكل.

أمسكتُ بِقدم واحِدة أحركها بِلُطف اسألها إن ما كانت تشعر بالحركة.
أشعر بالحركة لكن ليس كاملاً كأنها شبه مُخدرة.
هَمهَمتُ أضعها فوق حضني بِعناية ثم نغزتُ أصبعاً أنتظِر ردة فعلها لكنها لم تتحرك.
و الأن؟
كما قلت، شبه مُخدرة، شعرتُ بِلمستك للأصبع لكني لم أشعُر بالنغزة جيداً.

بِمُزاح و تلطيف الأجواء الكئيبة، حركتُ أصابعها كما كانَ ريس يفعل لي عندما كنتُ أغضب أو أبكي حزناً و انا طفلاً كي يُضحكُني و تفاجأت عندما بدأت كانيلا بالضَحك تجعلني أضحك معها كما يفعلوا بلايز و إكسانا.

لا أعلم لماذا لكني شعرتُ بِراحة كبيرة في صدري على أصوات الضحكات، لحظة بسيطة لكنها جميلة أسعدتني جداً و خصيصاً تلكَ المرأة التي تضحك أسنانها المِثالية البيضاء واضِحة لِلرؤية تمنيتُ لو تستمر لكن لكل شيء جميل، نهاية.
تركتُ قدمها و غطيتُها بالغطاء الأبيض ابتسم على إكسانا ذات الوجه المُضيء راضية أنَ سيدتها تضحك و شفيت، أو سَتُشفى بعد القليل مِن الراحة و النوم.

و على ذِكر هذا، نهضتُ من على السرير أشير لِبلايز كي يأتي إليّ ليُشابك ذراعيه أمام صدره لا يُعجبه ذلك. حلق بأتجاهي ثم قف على كتفي قالب الشَفتين.
هل ستذهب؟ سألتني كانيلا رافعة الحواجب.
سوف أطمئن على حال كاغوا مع فالين، أخاف أن يتدمر القصر بِتجمع غرابتهم مع بعضها.
ضحكت هي تُعيد ظهرها على لوح السرير تضع خُصلات شعرها المُبَللة إثر عرقها خلف أذُنها.

أرسِل تحياتي لِلملك فَلقد زارني مرة أخرى مع اللورد مايكا قبل قدومك و أشكُرهما على الشاي. نظرت هي على صينية فوق المِنضدة الثانية لِلسرير على الجهة الأخرى و عليها أبريق شاي و فنجانين يبدو أنَ الأخر لِفالين.
سأفعل، قلتُ انا أتجِه نحوى الباب لأفتح و قبل مُغادرتي أخذتُ نظرة عليها و هي تفتح الكتاب من جديد تقرأه بينما مُساعدتها طارت الى منزلها الصغير على جِذع نبتة كبيرة بالقُرب من خزانة الملابس.

بعدها تركتها لِخصوصيتها و رحلت الى غرفة فالين لأنَ الخدم أخبروني انه ليس في قاعة العرش يستقبل ضيفه هناك.

طرقتُ على باب غرفة فالين مُنتظراً الجواب لأسمع بعدها مِن خلفه صوت فالين قائلاً
تفضل!
فتحتُ الباب ثم دخلت أغلقه خلفي أجِد غرفته كما رأيتها في ماضي فينار عندما حلِمتُ به في الغابة قبل أسابيع. انها غرفة بيضاء و فاخِرة حتى لِوَساعتِها بدت مُريحة لِلغاية.
رأيتُ على الفور كاغوا يجلس و ساق فوق الأخرى عند مَكتب الملك بينما فالين ظهره لي يتمعن بإطلالته على المدينة.

نظر لي كاغوا ليبتسم بسمته الجانبية التي فيها غموض غريب لأخُذ خطواتي اليه من دون أن أجلس على الكرسي المُقابل.
أمممم هل يجب عَليّ القلق بِشأن هذا الصمت؟ سألتهم انا أملئ الفراغ.
التفتَ الينا فالين يديه خلف ظهره مُضَيّق العينين قبل أن تظهر بسمة كبيرة على شفتيه
أتضح انكَ تعلم بأمره. أشار لي بِعينيه على الساحر لأومئ مرة واحدة.

هَمهَم الأشقر قليلاً ثم تقدم خطوة مُمسكاً بيد طرفاً من ستارته سُكرية اللون يلعب بها.
و هل مِن أحَد أخر يعلم بِسره؟
نظرتُ على بلايز الذي يبدو عليه الحيرة و التساؤل إلا انه لم يفتح فمه بل ظل صامتً يعلم انه ليس وقت الفضول الأن.
لا، لا أحَد غيري. أجبته بِصدق.
أخبرني كاغوا عن ما حصل و لقد تعجبت من تصرفك إلا انه ذكي و أشكرك عليه فالكين، حتى انا لم يخطُر على بالي إحضاره.

انه رجلاً ينتبه لأتفه التفاصيل لهذا أبقه بِجانبك جلالتك. قال كاغوا ينظُر على أظافره.
ضحك فالين يأتي الينا لكي يجلس على طرف طاولة مكتبه يُحَرك حواجبه بِطريقة فُكاهية لأشقلب مُقلتاي عليه.
المهم، أردت فقط الاطمئنان عليكما لهذا أتيت و الأن إن لم يكُن يوجد شيئاً يجعلني أبقى سأعود الى صديقي، قلتُ انا التَفِت نحوى الباب ليوقفني كلام فالين بسرعة.

أعلم انه ليس وقت الاحتفال و الى أخره، لكن لدينا ضيف و علينا أكرامه لهذا تعال معنا الى غرفة الاستراحة فَهنالك سيكون أفضل أنواع الطعام و المشروبات و، توقف هو لِلحظة كي يقف على ساقيه و يَفرُد ذراعيه في الهواء مُكملاً
النساء، الكثير منهن، ما رأيك؟
حدقتُ به أرمش لأنظر على بلايز الذي يجلس فوق كتفي مُشابك الذراعين.

ما رأيك انت؟ انا سألته أرسله له عن طريق دماغي رجاء، أن لا يوافق و يُعطي الملك عذراً لكنه لم يتفوه بِحرف و هَزة أكتافه لا يكترث.
تنهدتُ أضغط بأصابعي على جسر أنفي
لستُ أعلم فالين، فأنا لا أحِب كثيراً أن--
هيا! لا تكون مُتحفظ فقط تعال و أنضم إلينا قبل أن يغادر كاغوا الى المدينة.
أشحتُ بِنظري على الساحر الهادئ ليُبادلني النظرات و يبتسم فَحسب، هذا كل ما فعله.
ما قصته و تلكَ البسمات اللانهائية؟

اعتقد انكَ موافقاً لهذا هيا لنذهب معاً الى غرفة الاستراحة. قال فالين يتقدم إليّ ليلُف ذراعاً حول أكتافي و يفتح الباب.
ما هي غرفة الاستراحة؟ سألني بلايز في أذُني و نحنُ في طريقنا الى الغرفة.
انها قاعة و ليست غرفة، سوف تراها قريباً و انا متأكد انها سوف تعجبك.
و ماذا عن سر كاغوا؟ هل هنالك ما يجب عليّ معرفته؟
للأن، لا، لا يوجد ما عليكَ معرفته.

هَمهَم هو يومئ بِبطء كأنه غير مُقتنع لنكمل طريقنا بِصمت أو بالأحرى نحنُ نصمت و الملك يضحك و يتحدث من دون أخَذ نفساً يقول كم أنَ الليلة ستكون رائعة و مشوقة.

جلسنا كلنا فوق وسادات طرية جداً و مِن حولنا يوجد رجال و نساء مع بعضهم، أو فوق بعضهم و أياً كان جميعهم يستمتعون بالطعام و الفواكه الحلوة و المشروبات اللذيذة على أصوات نوافير المياه و رائحة الطبيعة الخلابة و أشعة الشمس الدافئة على الجلد.

لقد ظننت اننا سوف نكون لوحدنا لكن لدينا مُرافقة فَفي الأخِر انها قاعة و ليس كما يصفها فالين، بالغرفة...

كبيرة جداً جداً و لو لم تكُن قاعة للاستراحة على رأي فالين لكانت قاعة استرخاء و هدوء لِلتمتع بالطبيعة و لو بداخل القصر.
تقدمت الينا خادمة بِشعر بني طويل فيه ظفرات بين خُصلات حريرية معها صينية فواكه لتَضعه بيننا تنحني لِلملك و لي تلُقي نظرات مُغرية نحوي قبل أن تستدير و تعود من حيث أتت.
الى أحضان رجل ما.
آوه يا اللهي اليوم لن ينتهي في سلام.

هذا المكان رائع! هَمس بلايز بِحماس لأهُز رأسي أتضح اني مُحق بأنه سوف يعجبه.
أذهب إن أردت و أفعل ما تشاء.
نظر لي هو بِعيون مُتوسعة كأنه لم يصدق كلامي قبل أن يبتعد يطير بِجناحيه الصغيرة الى الأشجار و الزهور يُلَوح لِلفتيات التي تلَوِح له و تُقَهقِه.
يجعلني أفكر بِأحضار مُرافق خاص بي من جنسه. قال فالين يضحك على تصرف بلايز عينيه الملونة تلحق به في الأرجاء.

لديكَ مساعد خاص بك. ظهر فجأة مايكا من خلفي بِذلك الوجه المُتجمد ليذهب و يقف بِجانب وسادات ملكه الذي يجلس فوقهم.
رفع فالين رأسه للأعلى لكي يراه جيداً ثم ابتسم له يأخُذ كأساً من الشراب الأوكسارا مِن خادمة أتَت اليه و معها صينية مليئة به.
لقد كنتُ أمزح، لا تحزن مايكا فأنا لن أحضر مساعداً أخراً ابداً.
سمعتُ كاغوا يُخرِج صوتً من حلقه بدت الضحكة الساخرة.
اين كنت؟ فالين سأل يشرب من مشروبه كما نحنُ ايضاً.

أخذتنا كؤوسنا و بدأنا نشربها و السائل في طريقه بِالداخل يُحرِق حلقي يُكمل ليدفئ معدتي.
أزور خطيبتي. أجاب مايكا بِبرودة.
توقفتُ انا عن الشُرب لسماعي ما قاله أنتظِر المزيد من المعلومات فأنا حقاً أشعُر بالفضول بِشأنها، حتى معرفة انه خاطِب الى الأن صعب تصديقه مع انني سمعت عندما كنتُ صغيراً جداً انه كان مُرتبطاً بِأمرأة ما لكني لم اسأل و لم أهتم بِتلكَ الأشياء عدا العابي و طعامي.

آوه، و كيف حالها؟ فالين سأل.
بخير.
انتظرتُ أكثر المزيد من الكلمات لكنه لم يفتح فمه. تباً له و لِقِلة كلماته، ألا يعرف انه توجد كلمات كثيرة في لغتنا؟
جيد جداً و الأن لنعود الى موضوعنا الرئيسي، رفع فالين يدي أمامه ثم صفق مَرتين لتأتي باتجاهنا مجموعة فتيات يافعات و جميلات يضحكن يحملن معهم الفواكه لأتبادل النظرات مع كاغوا.

انها مرة في العمر. تَمتَم هو يَغمِز لي قبل أن تجلس فجأة فتاة فوق حضنه لا تبالي لأخذ أذنِه أولاً و فالين رحب باثنتين بينما غيرهن جلسن من حوله يُقهقِهن على ما يقوله و على همساته لهمن في أذانهم.

انا مِن الجهة الأخرى جلسوا من حولي لتَمُد واحدة منهم يدها، بين أصابعها توجد حبة توت لتضعها في فمي و تضحك على ملامحي المندهشة و انا لم أمنع نفسي من الضحك أدعم يُطعِموني الفواكه بينما انا أشرب كأساً وراء كأس وراء كأس.
أدع منه يغسل دماغي قليلاً و يُصفيه حتى أصبح فارغاً ليس فيه ما يُقلقني و ما يُشَتِت أنتباهي ابداً بل ضحكات و همسات الفتيات الجميلات تَملئ سمعي و لمساتهن الخفيفة على جسدي كل ما أشعر به.

لا أعلم كم مِن الوقت قضيتُ أضحك و أتسلى مع مَن معي في القاعة لكني أعلم جيداً انني ثمل، أو شبه ثمل، فأقدر أن أسمع جيداً و اتكلم و أفهم ما يقوله مَن معي لهذا لا أعتبر نفسي ثملاً كِفاية لأقع عندما نهضت من على الوسادات أخبر فالين الثمل بالكامل و كاغوا انني سوف أعود الى غرفتي و أستريح.

لقد اكتفيت مرحاً لأنَ الليل حَل و اعتقد أنَ وقت العشاء قد حل و ذهب لكن لا بأس لستُ أشعر بالجوع بعد كل الفواكه و المشروبات التي دخلت بطني و ملأته.
لا مُتسع لغيرها الأن.
لا أذكُر انني ناديتُ بلايز لأنه طار إليّ و وقف على كتفي ما يزال يضحك و يلوح لِلفتيات في القاعة حتى خروجنا. أول ما ضربني هي السكينة الجميلة، بعيداً عن ضجيج القاعة و الأحاديث المُختلطة و ضحكات الفتيات التي كان كل ما يدخل سمعي.

لماذا لم نبقى أكثر هناك؟ سألني بلايز مُحبطاً.
وضعتُ يداي في جيوب بنطالي الأسود أكمل طريقي في ردهات القصر الطويلة.
كان بأمكانك البقاء فأنا اكتفيت و أشعُر بالأرهاق.
مع الأسف لا يُسمَح لي تركك لهذا لا أقدر على البقاء.
هَمهَمتُ انا اعلم انه يكذب لأنه هو بِذاته يبدو متعباً أكثر مني فالطيران لفترة طويلة بين الزهور و الأشجار يُرهق الأجنحة حتى لو خُلِقَت لاستعمالها لِلطيران.

و انا أمشي مبتسماً مع نفسي كالأبله رأيتُ و ربما تَهيأ لي انني رأيتُ كانيلا بِفستان وردي فاتح جداً كأنه سُكري ظهرها لي تمشي في الردهة بِعكس الاتجاه و معها إكسانا لتختفي عند مُفتَرق.

هل رأيت ما رأيته أم انني حقاً ثمل؟ سألتُ بلايز مُحتاراً.
لا سموك، لستَ ثملاً لأني رأيتُ ما رأيته.
عقدتُ حواجبي بِبعضها لتأخُذني ساقاي لا إرادياً بنفس الطريق كأنها تتحكم بي بدلاً من تحكمي بها و مع ذلك لم أمنعها و تركتها تقودني.
كانيلا! صحتُ من خلفها لكنها لم تسمعني، أخذَت منعطفاً أخراً تختفي خلفه لأهروِل خلفها أحاول اللحاق بها.
كانيلا! ناديتها مرة أخرى لكن لا رد، تكمل طريقها تأخُذ منعطف ثالث.

ركضتُ انا هذه المرة بِشكل أسرع أخُذ نفس الطريق لأقف متجمداً عند درج عالي يَصل لِطابق ما لم أراه في حياتي.
ما هذا؟ سألتُ نفسي أنظُر من حولي لكن لم أجِد مَن يُجيب على السؤال فَلا خدم هنا و أمامي تماماً نوافِذ عملاقة مُطِلة على الحديقة الجانبية لِلقصر و على يميني و خاصةً الدرج مُلتصق بالجدار، و على جانبه قليلاً يوجد ردهة تُكمل الى طريق ما.

هذه أول مرة أرى هذا الدرج. أخبرني بلايز يطير أمامي فوق عِدة درجات كأنه خائف من الأكمال ينظُر نحوي.
لنكتشف ما هو.
الَن نكمل اللحاق بالسفيرة؟
ربما صعدت الدرج.
و ماذا لو لم تصعده؟
تنهدتُ انا أمَل من هذه الأسئلة البلهاء لأصعد الدرج لا أجيبه أتركه خلفي هو يقرر إن ما يريد أن يأتي معي أم يبقى هنا.
طبعاً قرر القدوم و عدم ترك الأمير لوحده يكتشف الى اين يقود هذا الدرج الطويل على شكل حلزوني.

صعدنا و صعدنا و صعدنا لمدة طويلة الى أن وصلتُ الى قاعة كبيرة شبه فارغة و عتمة مباشرةً أمامي يوجد مياه و على اليمين طريق ثم المزيد من المياه، حتى على يساري نفس الشيء، طريق ثم بِجانبه نهر صغير من المياه الهادئة.

و فوقها ورقات وردية تطفوا عليها. القاعة بلا أنوار عدا في منتصفها. فتحتُ فمي بِصُعق على ما أراه، توجد شجرة وردية كبيرة أوراقها تتساقط على بركة الماء مِن حولها و فوقها السقف مَفتوح يدع من أشعة القمر تدخُل، تنيرها.

و عندها تماماً تقف كانيلا و معها إكسانا تطير بِجانبها يتمعنوا بِجمال هذه الشجرة العجيبة، فأنني أحس بِهالة سحرية قادمة منها.
لأعرف انها ليست شجرة عادية، بل سحرية بِطريقةٍ ما، سحرها يدُغدِغ أطراف أصابع يداي.
أخذتُ خطواتي بِبطء اليهم أستفيق على الأخِر من شبه ثمالتي، عيناي لا تبتعد عن الشجرة أتساءل بِداخلي عن سبب وجودها هنا و ليس في الخارج، و لِما هي في غرفة خاصة.

انها خاطفة للأنفاس أليست كذلك؟ فجأة سألت كانيلا من دون أن تستدير إليّ تعلم بِوجودي.
تقدمتُ أكثر اليها لأقف بِجانبها األقي نظرة خاطفة باتجاهها مُتعجب من خروجها من غرفتها مع انها لم ترتاح بعد و حتى مُتعجب أكثر انها شُفيت بسرعة إلا انني سُعِدت لِرؤيتها في نشاطها و على ما يرام.
نعم هي كذلك. أجبتُ أعيد عيناي على الشجرة.

عَم صمت بيننا نسمع فيه صوت تحرك المياه اعتقد بسبب وجود الأسماك البرتقالية الامعة فيها تسبح مع بعضها و كلما رأت ورقة قد سقطت فوق سطح الماء تظُن انها طعام.
ما هذا المكان؟ سألتُ انا أكسر الصمت.
سر خاص بالملك فالين و مكانه المُفضل الذي نادراً ما يزوره، قد اكتشفته قبل سنوات عندما كنتُ أجول في القصر.
غريب لم يُخبرني عنه ابداً،
لم أنظُر لها لأعرف لكني خَمنت انها تبتسم مع نفسها بِرقة و هي تقول.

ليس عليه أن يُخبرك كل ما يوجد مِن جمال في هذا القصر، فيجدُر بكَ الاكتشاف و هو لا يُمانع على اية حال.
أومأتُ انا متفهماً أجدها ايضاً مُحقة فَلو كنتُ بِمطرح فالين لما أخبرتُ كل شخص أراه أو يعيش في قصري عن الأماكن التي أحبها فيه لكني بنفس الوقت لن أمنع مَن يعرفون و يكتشفون فَفي الأخِر هُم كذلك يعيشون أسفل نفس السقف.

لماذا غادرتِ غرفتك؟ فأنتِ لم تُشفي بعد. تساءلتُ أرى بلايز و إكسانا يطيرون معاً الى الشجرة يقفون على أحَد جذوعها و يُقهقهون معاً على شيء ما همس به بلايز.
في العادة أفَضِّل البقاء في غرفتي إلا انني شعرتُ بالملل و أردتُ استنشاق الهواء المنعش لهذا أتيتُ الى هذا المكان الهادئ و الجميل بِسحره يُلقي بي الى عالم أخر فَلق، أصبح مكاني المفضل، أفهم جيداً حُب الملك له.
ماذا عنكَ هل استمتعت بِالحفلة الصغيرة؟

نظرتُ لها على الفور مُنصدم لتبادلني بسمة تُظهِر أسنانها البيضاء.
انتِ تعرفين، همستُ من دون قصد أشعر بالأحراج لتكبر بسمتها أكثر تُعيد انتباهها على الشجرة.
بالطبع أعرف فَمن لا يعرف، هكذا يحِب الملك أن يقضي وقته لكي يُخَفِف عن نفسه التوتر و ضغط العمل و ليس لأنه حقاً يريد الاستمتاع.

انها مُحقة، مع انني أعرف فالين لمدة صغيرة و ليست كافية لأفهم طريقة تفكيره بالتفاصيل إلا انني اعلم انه يتهرب من المسؤولية و لو قليلاً عن طريق تسلية نفسه بتلكَ الطُرق و يُحِب جَر معه رفقة كي لا يكون لوحده.
و لا ألومه فَهو ملك و على عاتقه حِمل جبال ثقيل ليس له مَثيل.

ما هذه الشجرة؟ بعد سؤالي سقطت ورقة مِن على أحد الجذوع ليحملها الهواء يجعلها تتحرك من جهة لجهة بِخِفة حركة نحونا و إليّ لأمسك بها بين أصابعي أتمعن بِشكلها و بِنسيجها الناعم و الرقيق.
انها وردية فاتحة مِن المُقدمة و داكِنة من الأسفل و في منتصفها العروق، صفراء.

انها شجرة الحقيقة، أوراقها تتوَهج عندما تكون حقيقي. تَمتَمت كانيلا مُجيبة بنفس اللحظة توَهجت الورقة التي أحملها بيدي باللون الأصفر و الوردي.
انها تُخبرك بالحقيقة، أكملت هي بِنبرة لسببٍ ما حزينة لتتوقف الورقة عن التوهج، رفعت نظري عليها أجدها مُشابكة الذراعين أسفل صدرها تحدق بالشجرة.

لأنَك على قيد الحياة تتوَهج، تشعر بِنبضاتك و قلبك الحي فَهذه الحقيقة، انكَ على قيد الحياة. أنهت هي الجُملة تُحرك رأسها لي تنظُر في عيناي بِخاصتها العسلية جداً لكن في الظلام بدت كأنها سوداء تَخيلت انها عمق بئر غامض فيه ستقع و تَضيع.
تركتُ الورقة الجميلة ناعِمة الملمس من يدي لأستدير اليها كاملاً مُعقد حواجبي أعلم أنَ هنالك خَط بينهما نادراً ما يظهر.
ما الخطب كانيلا؟

الخطب موجود دائماً حتى لو لا تعرف به بعد سموك.
لم أفهم ما تعنيه بتاتاً لأقترب منها خطوة أتمنى لو باستطاعتي دخول عقلها و اكتشاف ما تخفيه فَلدي ذلك الشعور المَخفي بداخل رأسي يُخبرني انها حزينة، انها مُحبطة تُخفي شيئاً.
انتِ تقلقينني. قلتُ لها أجذب انتباهها هذه المرة من دون بسمة على تلكَ الشفتين المُمتلئة ناعمة الشكل و وردية من لون أوراق الشجرة.
انا بخير سموك.

حقاً؟ انتِ تعلمين انه بأمكانك أخباري و التكلم عن ما تشائين.
ابتسمت لي قليلاً أعلم انها ليست نابِعة من القلب و شبه فارغة كَهذه الغرفة التي نحنُ فيها أسمع بلايز و إكسانا يطيرون عائدون الينا.
أحياناً أخفاء ما بداخلك أفضل مِن أن تُشاركه مع غيرك سموك فَخُذ هذا الكلام كَدرس في الحياة.
كل ما تقولينه ليس مَنطقي كانيلا.
التفتتَ لي تواجهُني تختفي بسمتها عن شفتيها لتقول.

لدي مَن أشارك معه همومي و غمومي فَلا تُقلِق نفسك سمو الأمير.
رفعتُ حواجبي عليها
هل هو شخص يُساعدك بِحق فأنا أرى الحزن بِعينيكِ.
أحنَت رأسها على الأرض لا تُقابل عيناي تترك صمت بيننا عميق يحل مَحل صوتها كأنها تفكِر إن ما تستطيع الإجابة على سؤالي أم تركه مُعلق في الهواء هنا.
انه شخص أعرفه جيداً منذُ سنوات و أثق به كما يثق بي، شخص أعتمد عليه و لم يتركني لوحدي طيلة السنوات التي عشتُ فيها في هذا العالم.

لسببٍ ما أحسستُ بِشَد في صدري كما لو أن هنالك يداً تَشُد عليه، شعور بالضيق و التَمني على سحب ما سمعته.
رفعت رأسها ترتسم بسمة رقيقة على وجهها لكن لا تَصِل لعينيها لِتكمل
ربما لا تعلم سموك لكني في الواقع مخ--
تعال إليّ سمو الأمير،
فجأة قطع صوتها صوتٌ أخر في رأسي لأشيح بِعينها عنها بسرعة أنظُر من حولنا مُحاولاً إيجاد مصدر الصوت لكني لم أجد أحداً غير بلايز و إكسانا يطيرون من حولنا و كانيلا معي.

ما هذا بِحق السماء؟
هل من مشكلة سموك؟ أعادني سؤال كانيلا اليها لأرمش عدة مَرات مُشَوش.
ن-نعم- أعني لا، لا مشكلة أكملي ما كنتِ تقولينه.
كنتُ أقول انه ربما لا تعرف في حقيقة انني مخ--
انا أنتَظِرك في الغرف سمو الأمير،
عاد الصوت الهامس مجدداً أسمعه في رأسي لأنظُر من جديد من حولنا مذعور من الوضع فَمِن اين يأتي الصوت و لماذا بدا كَصوت كاغوا؟
هل تسمع هذا؟ انا سألتُ بلايز لعله يسمع ما أسمعه.

هَزة هو رأسه مُجيباً بِلا يبدو مستغرب من سؤالي كما تبدو كانيلا و مُرافقتها الصغيرة.
أممممم انا، حككتُ رأسي من الخلف لا اعتقد أن بأمكاني تجاهل الصوت إن عاد فقد يُجَن جنوني لأنه قريب جداً و بعيد بنفس الوقت، صدى في جمجمتي و مزعجاً لِلغاية.
دعينا نُكمل الحديث لاحقاً لدي ما يجب فعله.

أمالَت رأسها على جنب كالعصفور المُحتار لأتقدم خطوة نحوها أمسك بِذراعيها بكلتا الجهتين أشعر بِحرارتها أسفل لمستي و رقة جلدها.
عودي الى غرفتك و أرتاحي فأنتِ لا زلتِ مُصابة.
فتحت هي فمها لكي تُبادر لكني تركتها و أتجهتُ الى الدرج أواصِل سماع مُناداة ذلك الصوت المُزعج في رأسي مراراً و تكراراً.

لأذهب مُسرعاً الى الردهات التي تقودني لِغرفتي الشخصية أعلم انه كان يجب عَليّ البقاء مع كانيلا و سماع ما كانت سَتخبرني عنه و مع ذلك سأراها مرة أخرى و اسألها عن ما كانت ستتفوه به.
كل شيء لديه وقته المناسب.

فتحتُ باب غرفتي بِقوة ظننت أنَ المقبض سوف ينكسر بين أصابعي ثم أغلقته أجد لمفاجأتي كاغوا يجلس على الكرسي القريب من أبواب الشُرفة و فوق حضنه أيكس نائم يمسح هو على فروه.
رمشتُ بسرعة البرق لعلَ الوهم يختفي لكنه و مع الأسف ليس بِوَهم.
هل صوتك الذي كانَ في رأسي؟ سألته من بين أسناني.
لم أعلم اين كنت لهذا ناديتك على طريقتي.

شقلبتُ مُقلتاي على براءة صوته أهُز رأسي لا أصدق أنَ سحره وصلني حتى و انا بعيد عنه كثيراً أو لنقول انني كنتُ في الجهة الأخرى من القصر.
ما الأمر؟
لقد أردتُ توديعك قبل مغادرتي اليوم الى المدينة لكي لِحزم أغراضي.
رفعتُ حاجباً داكِناً عليه لأسئله
هل و أخيراً قرر فالين طردك من مملكته؟
أخرج هو ضحكة من حلقه ينهض من على الكرسي لكي يضع أيكس النائم فوقه بِحذر كي لا يوقظه.

من حُسن حظي انه لم يحِن ذلك الوقت بعد، لكنني تكلمتُ مع فالين مطولاً و أتخذَ قرار دعوتي لِلعيش في القصر حتى أعمل كَالساحر الملكي.
سيَجعلك تعمل كَساحر ملكي له في القصر؟
أومئ هو بتلكَ السمة الجانبية على وجهها يضع يدي في جيوب بنطاله المُخَطط.
هذا صحيح، فَكما تعلم جميع الملوك لديهم سُحَرَ خاصين بهم.
هل أخَذ فالين القرار و هو ثمل مثلاً؟
ضحك مجدداً كاغوا يُعيد رأسه لِلوراء.

لستُ متأكد لكنه كانَ جدياً لهذا ليس عَليّ الحكم عليه و على أتخاذه لِلقرار بنفسه، انه ملكاً و ما يقوله ليس لعباً.
هَمهَمتُ مُضَيّق عيوني لدي أحساس غريب بداخلي لكنني تجاهلته و أعدتُ البسمة له سعيد بِمعرفة ذلك لأكون صريح فَهو قد يكون غامض و مُخيف بعض الأحيان إلا انه رجلٌ جيد و قد أتى لِلمساعدة باللحظة التي أخبرته انني أحتاجُ اليها.

هنيئاً لك إذاً. قلتُ أمُد يدي لكي يُصافحها ليتقدم نحوي يمسك بها و يهُزها.
شكراً لكَ سموك.
أعدنا أيادينا الى جانبنا ثم مَر هو مِن جانبي يفتح الباب.
سوف أراكَ قريباً جداً ايها الأمير اليافع و، توقف لِلحظة ينظُر لي ليضع يداً فوق كتفي يُرَبِت عليه مُكملاً كلامه
و أبقي يديكَ لنفسك، كي لا تتأذى انت أكثر مِن غيرك.

و بذلك خرج من الغرفة و أغلق الباب يدعني لِلصمت فيها و مع كلامه العجيب، الذي رمى بي الى حفرة عميقة لا أفهم اين انا بالذات و ما الذي يعنيه.
انه حقاً غريب الأطوار كما وصفته السفيرة. قال بلايز يطير الى السرير لأظل انا أحدق بالباب.
فَما الذي عناه بِجملته القصيرة تلك؟
كل مرة أراه فيها، يتفوه بما لا يستوعبه دماغي ابداً. كلاماً عشوائياً ليس له دخل أو منطق بالموقف الذي نحنُ فيه أو بالذي نتحدث عنه.

أدري جيداً انه يعني ما يقوله لكني لا أدري ما تعنيه تلكَ الكلمات بالضبط كأنها صناديق كنوز يرميها عَليّ لكي أفتحها بنفسي كما لو انه يعلم انني أمتلك المفاتيح لِفتحها.
نعم انه كذلك. تَمتمَتُ أوافق بلايز الكلام أدخل الحمام لكي أستعد لِلنوم.

مطر غزير تهطل في كل مكان، قطراتها كبيرة تُبَلِل جسدي و شعري الطويل الذي يصل لأسفل أكتافي، أسود كَسواد سماء الليل فوق رأسي تقع خصلات مُبللة على جبيني و عيناي تجعل رؤية مَن أركض ورائه في غابة ظلمة، صعبة.
صوت البرق يلاحقنا بين حين و أخر يَهُز من قلبي الهائج إثر ملاحقتي لِلرجل منذُ فترة طويلة، أحمل بيدي اليُمنى سيفاً تغسل الأمطار التراب مِن عليه و دماء قُرمزي ليس لي.

توقف! صرختُ بِصوت عميق ثَخين بأعلى ما لدي لكنه لم يتوقف و ظل يركض.
توقف فَلن تستطيع الهروب الى الأبد! صحتُ مجدداً عليه ليتوقف فجأة في ساحة فارغة ليس فيها شجر أو نباتات، الأرض طين داكنة أرى ما وراء الساحة، أرض واسعة ايضاً ليس فيها شيئاً إلا الطين و أنوار مع دخان قادم من بيوت قريبة الى الأن لم يصلها محاربو شادونايت.

فَهذه الحرب دمرت جزءً كبيراً من مملكة أسليرا لم أظُن يوماً انني قادراً على أنقاذها من أيادي غادان و الأن أرى هذه القرية الصغيرة لم يلمسها الموت بعد.
التفتَ اليّ الرجل الذي الاحقه يحمل هو ايضاً بيده سيفاً كبيراً المَطر يغسل من شعره الأشقر القصير مِن لون الرمال الغامق الى قدميه.
تلكَ العيون البنفسجية تحدق بي فيها يسيل الكره و البغض يتنفس بِشدة كما أفعل فَهو ايضاً مُتعب من الركض و القتال.

ما الذي ستفعله؟ هل سَتقتلني و أخيراً بعد أن تمنيت هذا طيلة حياتك؟ سألني هو بِغضب يُحرك ذراعه بِقوى في الهواء.
هل هذا ما ظننته؟ انني أتمنى موتك؟ موت أقرب شخص لي من العائلة؟
ضحك هو صوته صدى من حولنا لتموت الضحكة و يعود ذلك الوجه القاسي
لطالما فشلت بالكذب عليّ فأنا أعرفك جيداً لكن أنظُر على نفسك، لأنكَ صريح و واضح أستطعت أن تأخُذ مني ما تمنيته و عملت من أجله طوال حياتي الخمسة مئة!

هذا ليس صحيحاً، لا تجرؤ و تتكلم عن هذا الأن.
لما؟ أتكره سماع الحقيقة؟
هذا يكفي! صحتُ عليه أركض نحوه رافع سيفي أصوب على رقبته، لكنه بِمهارة صَدَ الضربة يركلني بِمعدتي لأرجع خطوات كبيرة الى الخلف.
لماذا خنت عائلتك؟ لماذا خنت هذا العالم؟ ألا تأسف على زوجتك و طفلك الصغير؟ سألته أركض نحوه مجدداً أصوب بِالسيف عليه ليلتَفِت مبتعداً عني لأستدير انا بسرعة أصوب عليه مرة أخرى لتتقابل سيوفنا بِبعضها.

لقد اضطررت على فعله ما فعلته لكي أخُذ حقي من ظلمكم جميعاً و عائلتي سوف تتفهم ذلك.
لكمته انا بِقدمي على ركبته ليخرج أنيناً من حلقه يأخُذ خطوات لِلخلف.
ظهر ضوء البرق من فوقنا يُلَوِن السماء بالأبيض لِثانية سريعة بعدها لحقه صوته العظيم و الأشجار من حولنا تتحرك بِقوى كبيرة من العاصفة.
ركض هو اليّ يصرخ هاجماً لأقفز الى الأعلى أطير مُخرجاً جناحاي السوداء الضخمة، هو رفع رأسه غاضباً ليخرج خاصته و يطير لي.

انتَ تعلم كيف سينتهي هذا! صرختُ له و هو مُصَوت سيفه لأتشقلب في الهواء قبل أن يصيبني و أطير بِسرعة البرق أعلانا اليه.
لم أصبه كما أردت بل خدشتُ كتفه كفاية لينفتح و يصبه جرحاً عميقاً دمائه الحمراء تَسيل من سيفي.
نعم اعلم، فَهل ودعتَ عائلتك انت؟ لأنني سأحزن إن لم تودع أطفالك و زوجتك الجميلة.

عضتُ بأسناني على بعضها اتخيل رأسه بينهم لأطير أصرخ رافع السيف عليه. صده هو مرة يطير للخلف لألحق به من جديد أسَدِد ضربة جانبه ليصدها بِسرعة.
رفعتُ قبضتي لكونها الأقرب اليها ثم لكمته على وجهها مرة لكنه قرر أن يستعمل ما هو أسهل و أقل رجولية معي، ليرفع سيفه يستعدي قوته من النار التي تشتعل بداخله.

تكَوَرت كُرة كبيرة حمراء و برتقالية في مُقدمة سيفه لينظُر لي مبتسماً تلكَ العيون تضيء بعدها أطلقها عَليّ توسعت عيناي بِصعق قبل أن استعدي قوتي نفسها لتتضارب بِبعضها.
هو يدفع و انا ادفع نيران، أشعر بِألم شديد في صدري لأنه لكمني عليه في أول قتال لنا في الساحة لِلمدينة أخمن أنَ أضلاعي متكسرة.

و مع ذلك انا لستُ مُستسلماً لأضع المزيد من ضغط قوتي على قوته اتقدم و اتقدم عليه حتى ضربته بكل ما أوتيت منها لتصيبه و توقعه تحرقه على الارض أسفل المطر.
أخذتُ اتنفس بِصعوبة صدري يرتفع و يهبط مُنكمش الوجه الأطير الى الأسفل و أهبط على ساقاي.

لاحظتُ ملابسه نصفها مُحترقة، فقط بنطاله مُمزق و درعه على صدره فيه ثقب كبير لم يقدر على حمايته جيداً و الدخان يخرج منه فَمِن حسن حظه أنَ المطر ساعدته بأطفاء نيراني قبل أن تصل لِجلده.
تقدمتُ انا له بِخطوات ثقيلة و هو مستلقي يحدق بالسماء سيفه مازال بيده و جناحيه أحترقوا، ذلك الريش الأسود ممزق و محترق، شيء يحاول كل جني في هذا العالم تفاديه لأنَ الأجنحة أكثر شيء حساس تمتلكه الجنيات...

أستسلم فَلم يعد لديكَ القوة لِمواجهتي. أخبرته انا اقف بِجانبه.
حرك رأسه نحوي أرى انه لم يستسلم ايضاً فَفي الأخِر هو شقيقي و لدينا ما نتشاركه.
ابداً، فأنا لن انتهي.
رفعتُ سيفي فوق صدره مُمسكاً به بِكلتا يداي اعلم انه ليس الوقت لذلك لكنني ترددت اريد أن معرفة السبب الحقيقي وراء خيانته لي.
لماذا؟ كان كل الذي خرج من فمي.
لأنكَ لا تستحق و اعلم أن غادان لن يدعك و شأنك حتى بعدي فَهو لن يهزم بِسهولة.

أشعر بالأسف على زوجتك و طفلك المسكين.
لم يرُد عَليّ و إنما فَضّل أن يبتسم يُظهر أسنانه قبل أن أغرز السيف بِصدره و أنهي ما بدأ.

سمعتُ صوت صُراخ قوي كثيراً، صراخ من الألم الشديد، معاناة، لكنه مألوف.
ظل هذا الصراخ مُستمراً لا اعلم كيف لي أن أساعد صاحبه لأشعر بِلمسات ناعِمة و رقيقة على وجنتي و فوق صوت الصراخ صوت بِنعومة تلكَ اللمسات يقول شيئاً ما.
حاولتُ فتح عيناي لكن جفوني ثقيلة تمعني من ذلك.

انتَ بخير، فقط أبقى مُتيقظاً. قال الصوت الجميل يُعيد لي حواسي رويداً رويداً فَمثلاً أحسست انني أتحرك فوق السرير بِقسوة أقاتل اليدين التي تُمسِك بي و علمت أنَ ذلك الصراخ، صُراخي، يَخرج مني بألم فأنا أتألم مِن صدري.
كما لو أنَ ذلك السيف غرز بي انا، رئتاي تحرقني و قلبي ينبض بِسرعة سيُغادر قفصي الصدري.
أبقى مُتيقظاً أرجوك، هَمس الصوت الناعِم أشعر مجدداً بِاللمسات تمسح على شعري الذي يُغطي جبيني.

حرارتي مُشتعلة و جسدي مُبَلَل كما كان يُبللني ذلك المطر الغزير لكنه حار جداً جداً، انني أحترق بِبطء.
انا هنا و انتَ بخير، ستكون بخير.
فتحتُ عيناي قليلاً أرى وجه ضبابي قريب من وجهي لكن مِن حوله ستائر سوداء طويلة، استصعبتُ معرفة ملامح الفتاة لأغمض عيناي و أفتحهم مجدداً لكن لا فائدة.

ستكون بخير انا أعدك. تَمتَمت هي لي، مُمسكة بِيداي التي تُقاتلها ولكني بعد أن شعرتُ بالطمأنينة توقفت عن قتالها و استسلمت لِلمساتها اللطيفة، المتفهمة.
انا هنا، قالت هي تُقَرِب يداي من فمها لا اعلم ماذا تفعل الضبط بما أنَ رؤياي ضبابية.

أردتُ فتح فمي لكي أتفوه بِشيء ما إلا أنَ حلقي جاف لِلغاية، فلم أقدر على أخراج صوتً أو تحريك لساني الثقيل في حلقي لهذا أغلقته و فضَّلت سماع نبضات قلبي و تنفُسي و صوتها هي، مُريح و مُطَمئن.
أرجوك أبقي عيناك مفتوحة فالكين. ترجتني هي لكن أبقاء عيناي مفتوحة مستحيل، فأحس كأن هنالك يدين تغلقهم.

لمسَت وجنتي تُمَرِر أصابعها عليها تهمس لي بِكلمات لم أعُد أسمعها، ضبابية كَرؤياي لكني أحببتُ لمساتها كثيراً و تمنيتُ لو لدي القُدرة على الأمساك بهما ليسبقني الظلام و يرميني لِذراعيه حتى توقفت الأصوات من حولي.

أخذتُ طريقي في الصباح التالي في ردهات القصر متجهاً الى وجهتي و هي قاعة مكان تناولنا الفطور في العادة. لنقول أنَ مزاجي ليس في مَطرحه اليوم، لقد أستيقظتُ ضائع كما لو انني شخص وجد نفسه في مكان لا ينتمي اليه أو فقط فاقِداً لِلذاكرة لا يعلم ما حَل معه.
فَجسدي يؤلمني بشدة لا أذكُر ما حدث معي و بالكاد أذكُر الكابوس الذي رؤيته و مَن كان صاحبه أصلاً فَلا شيء منطقي منه.

الغريب انني وجدتُ غطاء السرير مُبَدّل جديد عدا بنطالي. هنا أحترتُ من أمري أكثر مِن قبل، فَكيف لِسريري أن يكون جافاً بينما انا اعتقد انني كنتُ مُبتلاً.
لقد سألتُ بلايز ليُخبرني انني بعد أن استيقظتُ من الكابوس بدلتُ مِن أغطية السرير جففتُ جسدي و بقيتُ بالبنطال فقط مِما وجد هو بنفسه الأمر مُضحكاً و غير طبيعي.
لكن كيف؟

فأنا لا أذكُر انني استيقظتُ من الأساس و انا أعرف أنَ بعد كل كابوس أراه عن ماضي أحدهم استيقظ أذكُر الكابوس و أذكُر ما فعلته.
لكن بعد مُحاولات فاشلة بالتذكُر استسلمت للأمر الواقع و أكملتُ يومي بِهذا المزاج المنزعج لأول مرة لا أصَبِّح على الخدم أو أعيد لهم الترحيب ولا أرُد على كلام بلايز حتى لا أسمعه.
لم أكُن في وعيي بَل شارداً عندما أصطدمتُ بِشخصٍ ما لأنظُر له و أجِد ريزار مع توك.

أوَد قول، صباح الخير لكن لا يبدو انه خيراً عليك صديقي.
أخرجتُ زفيراً عميقاً من فمي أغمض عيناي لِلحظة قبل أن أجيبه
لا تهتم لي، على اية حال، كيف حالك انت؟ نظرتُ على ساقيه بِقلق ليبتسم لي يضع يده على كتفي.
أفضل حالاً و الشُكر لكَ و لِكاغوا. أممم هل انتَ متفرغ لِشرب الشاي معي؟
الَن تذهب الى القاعة لتناول الفطور؟

هَزة هو رأسه يَلُف ذراعاً حول كتفاي لنُكمل طريقنا بلايز يطير أمامنا يلوح لِلخدم و توك يمشي بِجانبي
لا فطور عائلي اليوم بِسبب العمل لهذا سأخذك كي نتكلم عن العمل فَما رأيك؟
همهمتُ انا أدير كلامه في عقلي قبل أن أبادِر
سيكون جيداً فَعقلي مُشوش لِلغاية و أحتاج ما يُلهيني عن ذلك.
ممتاز!

أتجهنا الى شُرفة في نهاية الردهة مُطِلة على الباحة الخلفية لِلقصر، هناك توجد طاولة دائرية يُغطيها غطاء أبيض و عليها أبريق شاي مع فنجانين و مَزهرية فيها زهور صفراء بالمنتصف لأجلس انا و ريزار مواجهين لبعضها و توك وقف خلفي.
بدأ هو بِسكب لي الشاي و لنفسه و أعطاء بلايز قطعة صغيرة من البسكويت كي يأكله.

ما العمل الذي توَد التكلم عنه؟ سألته انا أشرب رشفة من الشاي بِطعم الفراولة اللذيذة، أحمر اللون و فيه بتلة زرقاء اللون تطفوا فوق السطح.
كنتُ قبل قليل مع الملك فالين و اللورد مايكا في قاعة العرش نتحدث عن العمل بين عالمنا و عالم البشر و بما أنَ أبي مسؤول كبير في هذا المجال أخبرني جلالته انه توجد بضاعة تنقُصنا من بذور أشجار في هذا العالم و غيرها من أغراض و تنتظُرنا عند الحدود.
حسناً، و ما شأني انا؟

انها لن تَمُر الى مملكة فالينيا إلا تحت أشراف من مملكة أسليرا و مِن حُسن حظنا توجد انت لهذا ليس علينا أنتِظار أحدٍ من القصر لِلقدوم و مساعدتنا بينما انتَ هنا.
وضعتُ فنجان الشاي الأبيض المُزخرف عليه بخطوط باللون الأزرق فوق الطاولة أرفع حواجبي.
انتَ تعلم انني تركتُ مملكة أسليرا فَكيف سيتم قبول أشرافي و ماذا عن حارس البوابة ألا يكون جزءً من أسليرا؟

بلع ريزار الشاي يجعل من حلقه يتحرك قبل أن ينظُر لي كما لو انني أستهزأتُ به.
فالكين أرجوك أخبرني انكَ تَدّعي الغباء، الَم تعمل في القصر الملكي قبل قدومك الى فالينيا؟
بلى فعلت.
إذاً انت تعلم أنَ حارس البوابة لوثر جزءً من المملكة و مع ذلك هو مُجرد حارس لعالمين و لا يتحيز الى طرف عندما يتعلق الأمر بالعمل لهذا على حسب الإرشادات، وجودك مهم.

ضَيّقتُ عيناي عليه لا أبادر أكثر، لأخذ رشفة من الشاي الحار يلذع السائل لساني ثم نظرتُ بِطرف عيني على بلايز الذي يأكل قطعة البسكويت نفسها يُحدق من ريزار ثم لي يمضغ بِصمت.
و هل فالين موافق؟ كسرتُ انا الصمت.
أومئ ريزار مرة واحدة
بالطبع، هو مَن أقترح عَليّ الفكرة.
متى يجدر بنا الذهاب الى البوابة؟
اليوم بعد موعد انتهاء الفطور. أجابني توك.

في حياتي كلها لم أقترب و لو قليلاً الى مكان تواجُد البوابة بين عالمنا و عالم البشر و لا أعلم حتى شكل البواب عدا معلوماتي البسيطة عنه و عن ماضيه مع تاليا.
لوثر أازايّ، حارس البوابة و الرجل القوي الذي يُعرَف على شجاعته و جراءته.
حسناً، لنذهب بعد الفطور.
هذه الأيام تتحول مِن غريبة الى أغرب و انا أحِب هذا. قال بلايز مُبتسماً بِفم مُمتلئ و فُتات البسكويت على فمه و مِن حوله.

نعم، هذه الأيام تتحول من غريبة لأغرب كل يوم و كل لحظة و لدي أحساس سيء لم أستطيع تجاهله بِشأن المستقبل.
لكن ركزت على مهمتي الجديدة أو المغامرة الجديدة الى بوابة العالمين و بالأخَص الى منزل البواب لوثر أازايّ.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 37 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب