رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والخمسون والأخير

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والخمسون والأخير

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والخمسون والأخير

وقفنا جميعنا نُحدق بِأولينتيا وهي تَحُك رأس جيلبو بأبتسامة واسعة على شفتيها وهي تقول
سوف يكون هو من سيأخذكم إلى مملكة فالينيا.

كي-كيف سيكون هذا؟ أعني هل يعرف الطريق أصلاً؟ كانيلا سألته بِحيرة ليتقدم لاميوس شقيق بيك شعره الطويلة جداً يحتك بِملابسه يُظهِر حفيف خفيف ليُجيب بِصوت هادئ لِلغاية بدى كأنه يهمس لنا
جيلبو لم يُغادر أراضي جبال العسل قط، ولكنه كائن أسطوري قديم جداً، عمره يفوق الألاف مِن السنين لهذا نحنُ تأكدنا مِن أنه يعرف أين تقع الممالك الستة.

كيف تأكدتم؟ أنا مَن سألت الرجل الذي نادرًا ما يتكلم مثل دوكسان زوج دينيسا.

توقفت أولينتيا عن حك رأس جيلبو ثم أشارت له بِيد تجعله يجلس على ساقيه و ذراعيه. التفتَت القائدة إلينا تُشابك أصابعها النحيلة بِبعضها أمام معدتها قبل أن ترد عليّ
جيلبو مخلوق ذكي لديه قدرة غيره مِن المخلوقات لا تمتلكها، توقفت هي تلقي نظرة له وهو يضع رأسه الكبير فوق مَخالبه ليُكمل بيك زوجها عنها.

قبل سنين قليلة وعند حديث اكتشافنا لِجيلبو، بعثنا أثنان مِن باحثين الغابة لكي يبحثوا عن منجم جديد لِلأحجار الكريمة وبالفعل بعد فترة عثروا على واحد لكنه بعيداً جداً ومرتفع في جبال العسل نفسها ولأنها خطيرة وقع واحد منهما لِحتفه بينما الآخر نجى لكن إحدى ذراعيه لم تنجو معه،.

--لهذا لم نوَد المخاطرة و قررنا الاستعانة بِجيلبو. مرة مِن المرات وبالصدفة بِحضور جيلبو، رسم الرجل الذي نجى مِن الموت خريطة صغيرة لِلطريق والمنجم لكي نذهب نحنُ وعندما أخذنا جيلبو لِلسفر بِلمح البصر وجدنا أنفسنا في قلب المنجم مِن دون لفظ كلمة له أو تحريك قدم.

توسعت عينايّ بِدهشة وكانيلا بِجانبي همست بِ هذا مستحيل ليومئ بيك لها يبتسم يقول العكس لِتتقدم بيلا إلى جانبنا تجذب انتباهنا حتى تبرر وتطفئ نار فضولنا
جيلبو يستطيع قراءة الخرائط ويحفظها جيداً ذهابًا و إيابًا. نحن غير قادرين على رسم خريطة الممالك الستة لهذا أنتَما الوحيدان اللذان يستطيعان رسمها لكي يأخذكما جيلبو إلى وجهتكم ولو حتى كانت قريبة مِن مملكة فالينيا.

ليس عليها أن تكون خريطة دقيقة بالتفاصيل وإنما رسم بياني بسيط لكي يقرأها ويحفظها وبِتلكَ الطريقة سيكون قادر على أخذكم والعودة بِسرعة. أضافت أولينتيا.

عادت هي بِخطوات إلى الوراء حتى أصبحت بِجوار الكائن الذي ينظُر لنا واحد واحد يرمِش بِخفة وبِطء كما لو أنه حقًا يفهم ما يحدث مِن حوله وعن ماذا بالضبط نحنُ نتكلم.

جيلبو مخلوق مُهدد بالأنقراض وفي الحقيقة كانَ لديه عائلة صغيرة ولكن بِسبب وحش الكونكاسا فقدها وأصبح وحيدًا لا غيره في جبال العسل، لهذا هو ثمين بالنسبة لنا.

ما تقصده أولينتيا، بدأ كالون بِشرح ما تعنيه خلف تلكَ الكلمات هو أنَّ جيلبو ما إن مات أو أختفى، لن يكون لنا طريقة آخرى لكي نصل لِمَناجمنا ونقدر على الصيد في المناطق التي تكون فيها الحيوانات أكثر وغير ذلك، أنه من العائلة ويهُمنا أمره أكثر مِن أيّ شيء.

تبادلتُ أنا و كانيلا النظرات قبل أن أومئ لهم جميعهم أنظُر لِجيلبو الذي وضع تلكَ المُقلتين البُنية عليّ يبدو أنه ينتظِر مني رداً مُقنعًا
جيلبو أمانة لدينا، سوف أحميه بِحياتي.

نحنُ واثقون مِن هذا، فالكين. بادرت أولينتيا تُعطيني بسمة رقيقة وهي تشير بِيدها لِمساعدتها أوكتانا.

تقدمت أوكتانا نحوي أنا و كانيلا لأرى أنَّ بيديها قطعة مِن القماش، زجاجة حبر سوداء، قلم ريشة و لوح خشبي مناسب لِلكتابة عليه.

وضعتُ هذه الأشياء أمامنا على الأرض لأجلس أنا و كانيلا نحدق بِهم. تجمعوا الآخرين من حولنا ثم بدأتُ أنا بِرسم خريطة الممالك. لقد سبق وذكرت أنني درستُ الخرائط في صغري والتاريخ، كانت دروس لم أحبها كثيراً ولكني أستمتعتُ بِها بعض الأحيان كما أنني أستفدتُ منها في مرات لا تُعد ولا تحصى في سفري وكلما وقعنا في ورطة.

ولكني لم أكُن يومًا لأتخيل فائدتها في موقف كَهذا، فلو لم أعلم كيف تكون مواقع الممالك بِتفاصيلها المملة لما كنتُ الأن أستطيع العودة لِلمنزل ابداً.

شكرتُ الإله ألف مرة أثناء رسمي لِلخريطة الصغيرة على القماشة بِالريشة السوداء وظللتُ حتى انتهيت منها لأضع القلم مِن يدي وأنظر على من حولي. لاحظت أنَّ بعضهم وخاصةً أبناء بيلا، بِحواجب مرفوعة وانبهار مرسوم كالخريطة على وجوههم.

واو، هذه الممالك عملاقة. كانَ كالون أول مَن تحدث في الهدوء الذي حل علينا ليومئ شقيقه كونور بِصمت يوافقه الرأيّ أما دينيسا تركت جانب زوجها وأنحنت بِقرب كانيلا تنظُر لِلخريطة عن كثب من فوق كتفها.

أنا لم أرى شيئًا كَهذا في حياتي، هل هذه الأراضي كلها موجودة مع بعضها وكل الذي تفرقهم هي مجرد أنهار وغابات؟

هذا صحيح. كانيلا أجابتها تبتسم على شكل تعابير وجهها كأنها أكتشفت أعظم شيء في العالم.

أعني أنه كذلك.
الممالك الستة أعظم ما وجد على الأرض وغير ذلك وبِذات الوقت أخطر ما وجد.

ما هي أجمل مملكة؟ سألت دينيسا تنظُر لي و لِزوجتي بِفضول.

هذا سؤال سخيف دينيسا، بالطبع جميعها. قال كالون ساخراً.

كالون محق ولكني شخصيًا أرى أنَّ مملكة سنويان هي الأجمل. صحيح أنها مملكة ثلج وباردة ولكن كل ما فيها أبيض وخيالي. أنا أخبرتهم لِتُهمهم دينيسا تمرر أناملها بِخفة على الخريطة وفوق اسم مملكة سنويان وموقعها على يسار أسفل الخريطة تقريبًا عند نهر الكريستال الشهير الذي يفصل بينها وبين شادونايت.

أنا في رأيّ مملكة أريزو أجمل مملكة فَهي مليئة بالخضار و الطبيعة الخلابة وأمطارها لها رائحة منعشة كما أنها متعددة الأنهار والبحيرات الشفافة. أضافت كانيلا رأيها لينظُر الآن الجميع على موقع مملكة أريزو فوق نهر الكريستال وفي وسط الخريطة.

همهم الجميع يومئون بِتفهم لأتبادل البسمات مع كانيلا على أختلاف أرائنا مع أنَّ جزء مني كبير يوافقها كلامها. أريزو مملكة جميلة لِلغاية ومع ذلك قلتُ لهم بِصدق
كل مملكة تمتلك جمالها الخاص وتكون فريدة على طريقتها، تمتلك شيء غيرها لا يمتلكه فَكل مرة زرتُ مملكة كنتُ انبهر وأتفاجئ بِمدى أختلاف كل ممكلة عن الآخرى.

هذا واضح مِن الخريطة ولكني لا أقدر على تخيل شكلها في الحقيقة. قال كالون يحك ذقنه.

حسنًا يا أطفال، هذا يكفي تضيع وقت دعونا نعود إلى العمل. أخبرتنا أولينتيا ترجع لِلموضوع الرئيسي ليبتعد الكل عن الخريطة بينما أنا أمسكتُ بيد كانيلا ونهضنا سويًا.

أشارت لنا بيلا بِيدها كي نرجع إلى الوراء إلى جانب الآخرين من دون التفوه بِكلمة. في البداية لم أفهم لماذا طلبت هذا منا ولكن عندما نهض جيلبو من استلقائه على الأرض وتوجه نحوَ الخريطة، استوعبنا لماذا.

أحنى جيلبو رأسه الكبير لأسفل قليلاً فوق وعلى طرف اللوح الذي تستريح عليه الخريطة شعره الأبيض الطويلة يلامس اللوح ثم بدأ يحرك عينيه عليها بِبطء، يقرأها خطًا خطًا بِكل تفصيلها إلى أن أخرج مِن حلقه صوتً لم أفهم ما يعنيه بعدها ابتعد و وقف بِجانب أولينتيا.

يبدو وكأنها أقرب واحدة له مِن الباقي أو قد أكون مُخطئ ومع ذلك بدى أنه يحبها ويحب مرافقتها، أعني أنا أرى السبب، فَتلك القائدة لها الهالة الجاذبة التي تُشعِر الشخص بالأمان والثقة بِها وهذا ما يجب على كل قائد أن يحمل، عدا كاستيل.

كل ما شعرتُ به فور رؤيتي له هو الكذب، النفاق، الخيانة والقذارة. مازلتُ أواجه صعوبة تفهم كيف يثقون الأتلانتيانز به ويمشون على خطاه وينصتونَ لِكلامه الملوث بالكذب واللعب بالعقول لكي يصل لِمُراده الخاص وتأسيسه لِمملكة سابعة سيكون هو من سيحكمها وليسَ الأتلانتيانز كما يظنون.

جيلبو مستعد الآن. أعادتني جملة أولينتيا إلى الواقع نرى أنه يجلس مجدداً على أطرافه الأربعة لكن رأسه مرفوعة يذكرني بِوضعية الحصان أو الجمل عندما ينتظِر الذي سيركب عليه.

آوه، لقد حان الوقت. تمتمت كانيلا مع نفسها أكثر لكني سمعتها لأضع يداً على كتفها أجعلها تنظُر لي.

سوف نعود إلى المنزل. أخبرته بِمواساة لتومئ هي لي مرة قبل أن تدعني وتذهب إلى جيلبو الذي ألقى نظرة سريعة عليها قبل أن يعيد رأسه أمامه.

هل أنتَ خائف؟ فجأة وقف كالون بِجانبي يديه بِجيوب بنطاله. لم أنظُر له بل أبقيتُ عينايّ على كانيلا وهي تأخُذ يد بيك لكي يساعدها بالصعود على ظهر جيلبو.

لستُ خائفًا، لكني قلق.

لمَ هذا؟

هززتُ كتفايّ لستُ متأكدًا مِن أنه سبب وحيد لكني أجبته
من الكثير من الأشياء.

أخبرني عن أكبرها.

لم أجبه على الفور وإنما أحنيتُ ظهري قليلاً لأخُذ السلة من عند أقدامي بعدها وقفتُ مستقيمًا وقلت
من مواجهة كاستيل مجدداً لكن تحت ظروف مختلفة.

همهم هو يتحرك على عقب (كُرات) قدميه مِن الأمام لِلخلف يطرقُ بِلسانه على أسنانه
يقولون أنه يجب على المرء الخوف من الذي لا يمتلك شيء لِخسارته ولكني أنا أقول أنه على المرء أن يخاف من الذي يمتلك كل شيء لِخسارته.

هنا حركتُ رأسي نحوه عاقد لِحواجبي مُستغرب مِن كلامه
لماذا؟

تقابلت عينيه بِخاصتي لِلحظة طويلة قبل أن ترتسم بسمة على شفتيه قائلاً
لأنَّ مَن لديه كل شيء، سيفعل المستحيل حتى لا يخسره بينما الذي لا يمتلك شيء، يكون وحيد بِلا آمل و أصرار أو هدف.

وهكذا طَبطَب على ظهري و دفعني بِخِفة لكي أذهب إلى جيلبو. صعدتُ على ظهره أجلس وراء كانيلا أخذ بعدها السلة مِن أيادي بيك أعطيها لِها لكي تضعها على حضنها وتمسك بِها جيداً. جسد جيلبو دافء من كثرة الشعر الذي يغطيه وغير ذلك ناعم بِعكس ما يبدو.

أنتبهوا جيداً و سوف ننتظِر خبراً على أنكم وصلتم بِسلام وأمان إلى مملكتكم عندما يعود جيلبو إلينا. أخبرتنا أولينتيا.

ابتسمتُ لها ولِلجميع بِحُزن لم أتحكم به على تركنا لِهم. على تركنا الأشخاص الذينَ ساعدونا مع أنهم لا يعرفوننا ولكنهم مدوا أيادي المساعدة بِلا مقابل أو تردد وهنا نحنُ اليوم سوف نعود إلى حيث ننتمي بِفضلهم هُم.

لا تقلقوا على جيلبو، سوف يوصلنا ونتأكد مِن أنه سيعود لكم بِسرعة. أنا قلتُ للِقائدة لتهُز هي رأسها بِكلتا الجهتين قائلة
هذا ليس ما عنيته. انتبهوا على أنفسكم ريتار و كانيلا. كلاكُما أصبحتما من العائلة كذلك وأمركم يهمنا كَأمر جيلبو أيضًا.

فتحتُ فمي لكي أشكرهم على كل ما فعلوه لنا لأشعُر بِجسد كانيلا يرجِف بين ذراعايّ أسمعها تنشُق مِن أنفها وتسمح عينيها بِأصابعها تحني رأسها تُخفيه عنا.

أنها تبكي.
أقتربت دينيسا منا هي وعائلتها لتبتعد أولينتيا تُعطيهم المساحة لِلوداع. مدت دينيسا يدها نحوَ كانيلا تُمسك بِخاصتها تبعدها عن عينيها أرى دموع تمتلىء بِخاصتها الخضراء الجميلة كذلك.

سوف نشتاق لكم جداً ولِتواجدكم معنا في ذات المنزل الذي ملأته الحياة بعدما أتيتم إليه ولو لبضع أيام ولكن أعلمي أننا معكم هنا، أشارت على قلبها وعقلها بعدها أكملت
مهما حدث.

لن ننساكم أبداً. قالت لها كانيلا تمسح دموعها تمسك يد دينيسا بِيديها الاثنتين.

ونحنُ لن ننساكم ابداً كانيلا.

قبَّلت دينيسا يد كانيلا ثم عادت بِخطواته إلى زوجها الذي اومئ بِرأسه لي لأعيد له ذلك كما فعلت لِلاميوس وزوجته أوكتانا و بيك صاحب الابتسامة المشرقة التي تُظهِر أسنانه البيضاء المثالية.

أتى كالون، كونور، و والدتهم بيلا يودعوننا أيضًا بِدموع و ابتسامات لطيفة. صافح كالون يدي بخاصته الاثنتين وهو يُخبرني ألاحِظ دموع تتجمع على أطراف عينيه لكنها ترفض مغادرتها
أنتم مرحب بكم دائمًا، إن قررتم بعد التخلص من اللعين كاستيل أن تعودوا إلى أولينا فأعلموا أنها مفتوحة لكم للأبد وأنه سيكون هنا منزلاً جميلاً يليق بِحضراتكم.

ضحكتُ أنا والجميع على النكتة الداخلية قبل أن أربِت على يديه كذلك لا أقدر منع دموعي مِن الظهور كذلك.
و أنتم لكم مكانًا في قصر فالينيا إذا أرتم يومًا ما زيارتنا بما أنكم الآن تمتلكون خريطة لها.

لا أعتقد أننا نود الخروج مِن جبال العسل ولكن من أجلكم قد يكون هناك استثناء.

اومئ كونور يوافِق شقيقه الكلام يغمِز لي أيضًا لأبتسم له أصافح يده.

شكراً لكم على كل شيء يا رفاق. لن ننسى ما فعلتموه طالما حيينا. قلتُ لهم جميعًا لتتقدم بيلا نحونا تضع يدها على ساقي وساق كانيلا تشعرنا بِدفء لمساتها الحنونة والأمومية فَهذه المرأة أعتبرتنا كأحد أولادها منذُ اليوم الأول الذي تقابلنا به.

ليكُن دربكما سلامًا وأتمنى لكما نصراً فيما ستواجهونه وعودتكما قريبًا لنا.

شكراً لكي بيلا. قالت كانيلا لها قبل أن تُفلتنا لتأتي أولينتيا تهمس شيئًا بأذُن جيلبو قبل أن ينهض عن الأرض يُخرِج زئيراً مرتفعًا مِن فمه المَخفي خلف شعره الأبيض الكثيف.

فجأة قفز هو بِقوة في الهواء يجعل مِن معدتي و قلبي يقفزان معه أثناء تلويح الجميع لنا وبِلمح البصر أختفينا في الهواء ليستقبلنا ظلام التنقُل الآني.

كما توقعوا أهل أولينا.
جيلبو كانَ سريعًا بالسفر و أسرع مِن ما توقعنا نحن في الحقيقة.

لم يتوقف للأستراحة كثيراً وإنما مرتين بين مناطق بعيدة في جبال العسل وفي تلكَ المرات التي توقفنا فيها، شربنا بعض المياه وأكلنا الطعام (جيلبو تناول الفواكه الموجودة من الغابات وشرب من البحيرات والأنهار التي وقف عندها لكونه يعرف بِوجودها) ثم استمرينا على ظهره وهو يتنقل بنا إلى مناطق يعرفها كأنها منزله.

حتى وصلنا إلى أعلى جبال العسل، إلى مكان فيه رأينا الجهة الآخرى من عالمي، الجهة التي توجد فيها غابات ونهر مألوفة لِلغاية.

هناك قفز جيلبو بِقوة إلى أسفل الجبال بتلكَ اللحظة صرخت كانيلا مِن الخوف وجعلت جيلبو يُخرِج صوتً من صدره بدى كالضحكة ليعود ويتنقل بنا في الغابات.

أخذ منا السفر يومين لا أكثر إلى أن وقفنا فجأة في غابة حرارتها مرتفعة جداً فيها بعضًا مِن الأشجار الجافة و الأعشاب الصفراء بِسبب قوة الشمس الحارقة فوقنا ولكن مِن حسن الحظ أنني عرفتُ جيداً أين وقفنا.

نحنُ في أراضي مملكة كاداري وهي قريبة من فالينيا.

أخبرتُ جيلبو بالإكمال وهو بِطريقةٍ ما فهمني ليتنقل مجدداً حتى وصلنا إلى غابة رطبة، فيها أزهار ملونة وطبيعة تفوق الجمال ذاته لأرى من بعيد بحيرة أعرفها كما أعرف كَف يدي بالتفصيل.

أنها بحيرة مررتُ منها عِدة مرات في سفرنا إلى الممالك الأخرى.

أننا في غابات فالينيا. تمتمتُ في أذُن كانيلا ليستقيم عامودها الفقري و تنظُر لي من فوق كتفها بِسعادة كبيرة لا توصف.

قبّلتها على وجنتها لِتحمر قليلاً قبل أن طلبتُ من جيلبو الجلوس حتى نترجل من على ظهره وهو أنصت بِسرعة ليَهبِط بِبطء وحذر على الأرض كي أنزل أنا أولاً بعدها أخذتُ يد كانيلا وساعدتها على قدميها.

أخرج جيلبو صوتً صغيراً مِن صدره يذكرني بِكلبي أيكس كُلما كانَ حزينًا أو يشعر بالعار عندما يُسبِب مشكلة ولكن جيلبو لا يشعُر بالعار الأن لأفهم أنه، حزين يجعلنا ننظُر له بِقلق.

هل مِن خطب، جيلبو؟ سألته كانيلا تقترب منه تمسح على رأسه.

أثناء سفرنا لنقول أننا تقربنا من جيلبو بِشكلٍ جيد. هو أصبح لطيفًا لِلغاية معنا وخاصةً مع كانيلا، أنه لم يُفارق جانبها ابداً كلما وقفنا لِكي نستريح و دومًا يضع رأسه على حضنها عندما نجلس ويرفُض تركي الصعود على ظهره أولاً ينتظِر منها أن تكون أول من يصعد قبلي.

هذا اللعين يحاول سرقة زوجتي مني.
لكني لم أمانع فَهو السبب لِتواجدنا الآن في فالينيا.

عاد يُخرِج ذات الصوت من صدره يضع رأسه على كتف كانيلا لِتُربت عليه تبتسم بِحزن على فراقه كأنها فهمت سبب الاصوات وتصرفه.

أعلم أعلم، وأنا سوف أشتاق لك كثيراً ولكني أعدك أننا سوف نتقابل مجدداً لهذا أهتم بنفسك وعُد إلى أولينا بِسرعة لكي تخبرهم أننا وصلنا إلى فالينيا، هل فهمت؟ سألته هي تبعِد رأسه عن كتفها ليُخرج صوت مختلف من صدره مرتفع يذكرني بِأيكس عندما يكون حقًا يفهم ما أعنيه لحظة تكلمي معه.

هذه الحيوانات في النهاية تشبه بعضها وعلى نفس الأسلوب.

وضعت كانيلا قُبلة صغيرة على جبينه ثم قالت
جيد والآن هيا ودع فالكين.

حرك جيلبو رأسه إليّ ثم أخرج لسانه الزهري ولعق وجهي لألعن تحت أنفاسي على لعابه الذي ملأني يَسيل مني بِقطرات لزجة لكني ابتسمت له وربتُ على رأسه عدة مرات.
شكراً على هذا يا صديقي.

أخرج جيلبو زئير خفيف مِن فمه بعدها ألقى نظرة أخيرة علينا، نهض من مطرحه أعطانا ظهره وقفز في الهواء بين الأشجار ليَختفي بِرمشة جُفن عن نظرنا كأنه أصبح سحابة بيضاء في السماء.

سأشتاق له هو أيضًا. همست كانيلا مع نفسها لأخُذ أنا السلة من على الأرض وأذهب إليها أمسك يدها أجعلها تنظُر لي.

هيا بنا لِنعود إلى القصر. عملنا لم ينتهي وعلينا تحذيرهم من القادم.

اومأت هي لي توافقني ذلك تُشابك يدها بِذراعي تقرب جسدها من جسدي لنبدأ بالمشي في الغابة نحوَ البحيرة الصغيرة التي مِن بعدها يوجد سور فالينيا الكبير وبوابتها.

تخطينا البحيرة مِن دون توقف نستمر بين الأشجار والشجيرات الصغيرة التي تملأها ورود وزهور مِن جميع الألوان والأنواع إلى أن سمعنا فجأة أصوات أنكسار أغصان مِن بضع أماكن من حولنا لأسحب كانيلا إلى وراء ظهري أخبرها أن تبقى خلفي.

مَن هناك؟ صرختُ أنا لمَن أشعُر بِتواجده معنا في الغابة لكن لم يُجبني أحد وظلت أصوات أقدام على العشب تتحرك نحونا وتقترب أكثر من قبل.

قلتُ مَن هناك؟ أظهر نفسك وإلاّ ستواجهون العواقب.

سموك؟ فجأة قال صوت مألوف لأنظُر أمامي. ظهر مِن بين شجرتين رجل يرتدي درع مملكة فالينيا الذهبي له رداء أحمر مِن خلفه وعلى خصره سيفه.

الرجل له شعر بني مائل للأشقر مبعثر وعينين بنية وأقراط في أذُنيه. من خلفه ظهر رجل آخَر بِذات الدرع لكنه يمتلك شعر طويل يصل لِكتفيه أشقر اللون وعينين بنية كذلك ناعسة وباردة لكنها مبتحلقة ومتفاجئة.

توك؟ تساءلتُ أنا لا أصدق بينما كانيلا قالت
راث؟

سمو الأمير فالكين! ركض توك بِسرعة نحونا أو نحوي ليُعناقني بِشدة يلُف ذراعيه حول رقبتي يخنقني يجعلني أفلت يد كانيلا والسلة لتقع على الأرض.

سمو الأمير! يا الهي لقد وجدناكم! بدء هو بالبكاء القبيح صوته مرتفع شبه يصرُخ لأربت أنا على ظهره أحاول التنفس.

تو-توك، أنا لا أتنفس. أخبرته هذه المرة أحاول التهرب مِن عناقه القاتل أرى بِطرف عيني كانيلا تُعانق راث حارسها الشخصي بِخفة بعدها امسك يديها وأحنى رأسه أحترامًا لها.

سيدتي، الحمدلله أنكِ عدتي بِسلامة.

ابتسمت هي له باللحظة التي وآخيراً قرر توك أفلاتي.

أنا أعتذر سموك لكني فقط، لا أصدق أنكَ موجود. قال لي يمسح دموعه لأبتسم له من القلب أطبطب على كتفه عدة مرات.

سعيد بِعودتي ورؤيتك بخير، توك.

اومئ هو ينحني بِظهره لي قبل أن نسمع أحدهم يأتي مِن خلف الحارسين ومن بين ذات الشجرتين ليبتعدوا هُم عن نظرنا حتى نرى شعر أشقر ذهبي خُصلاته هذه المرة طويلة بعض الشيء يبدو مُختلف وعيونه كل واحدة لها لون مختلف عن الآخر، عسلي و آخضر.

أنه يرتدي درع ملكي مصنوع مِن الذهب وأجوَد أنواع الفولاذ كما أنَّ هنالك بعض القماش الأحمر عليه علامة الشمس التي ترمز إلى فالينيا، يحمل سيف ضخم بيده اليُمنى وعلى كتفه المُدرع الأيسر وقف كائن صغير بِجناحين وجنبه تقف واحدة مثله بِشعر برتقالي طويل.

بلايز، إكسانا!

تعابير وجوههم لا توصَف كما لو أنهم يرون وحشًا ذو أربعة رؤوس أمامهم، لكن فم الرجل الأشقر فتح و غلق كالسمكة خارج البحر لا يستطيع لفظ الكلمات على طرف لسانه.

فالين. همستُ أنا لِتتوسع عينينه بدت وكأنها ستخرُج من مطرحها قبل أن يأتي إلينا ينظُر مني ولِكانيلا.

يا للهول، فالكين، كانيلا؟

أفلت هو سيفه من يده ثم عانقنا كلانا معًا ما يزال يردِد أسمائنا لا يصدق أننا معه ليظهر سؤال في رأسي لم أخُذ إجابته حتى الآن...
لكم من الأيام ظللنا مفقودين؟

ابتعد فالين مِن العناق ما يزال ممسك بِنا ينظُر من وجهي لِوجه كانيلا وبالنسبة لِبلايز حلَق هو إليّ يُعانق صدري لأضع يداً عليه ابتسم بِشدة بينما كانيلا أخذت إكسانا لكونها لا تقدر على الطيران وعانقتها تبكي وتضحك لرؤيتها.

سألنا الصغيران أسئلة كثيرة وباستمرار مِن دون توقف لكن كل الذي فكرتُ به، أنهما على قيد الحياة وبخير، أنهم لم يتأذوا بالانفجار الذي حدث ذلك اليوم.

كيف وصلتم إلى هنا؟ كيف أتيتم؟ ماذا حدث وأين كنتم؟ فالين مَن سأل بِحيرة عظيمة واضحة على وجه الوسيم الذي اشتقتُ له لِلغاية، أحس أننا غبنا عنهم لِسنين.

أشحتُ بِعنيايّ على كانيلا أرى إن ما كانت تستطيع الإجابة على كل هذا لِتمسح هي وجهها تبعِد خصلات من شعرها الحريري إلى خلف أذُنيها. لم تتفوه بِحرف على الفور بل وضعت يداً على خَد الملك المصدوم تجذب انتباهه لها.
قصة طويلة، سوف نخبرك بِها حالما نصل إلى القصر لأننا متعبون جداً من السفر.

أفلتنا فالين وأخَذ خطوة صغيرة إلى الوراء يضع بيننا مسافة لأنتبه أنَّ الحارسين يتبادلان النظرات الغريبة بين بعضهما.

نحنُ لن نأخذكم إلى القصر. أخبرنا فالين لأحرك رأسي إليه بِسرعة ظننت أنه سوف يقتلع مِن مكانه.

ماذا تعني بِلن تأخذنا إلى القصر؟ أنا سألته لا أستوعب كلامه الغريب.

تنهد هو يأخُذ سيفه مِن توك ليضعه في الحمالة على خصره.
لا يوجد أحد في القصر عدا مساعد الجنرال والوزراء والخدم أما الباقي فهُم في أريزو.

رمشتُ بِسرعة البرق عليه لا أستوعب ما يقوله كأنه يتحدث بِلغة لا أعرفها لِتسأله كانيلا بِرقة صوت
جلالتك، أشرح لنا ما تعنيه أرجوك، لماذا الجميع في أريزو؟

منذُ أختفائكما المفاجئ وبعد الانفجار في المدينة، عمت الفوضى في أرجاء المملكة ومع الأسف عرفنا أنَّ مجموعة من أتلانتيانز فجرو أطراف مناطق أخرى في فالينيا وفي ممالك غيرها كذلك،.

شهقت كانيلا كأنه صفعها على وجهها بينما أنا أخذتُ خطوة نحوه قلبي ينبض بِقوة في صدري.
ماذا حدث!

لعق هو شفتيه يرطبها وعقد حاجبيه الشقراء
لقد قتلناهم وقبضنا على بعضهم ولكن لم يُجدي التحقيق معهم لكي يُخبرونا عن أماكنكم نفعًا، لهذا تخلصنا منهم وبدأنا بالبحث عنكم لأيام، بل أسابيع فالكين، لكننا لم نجدكم في أيّ مكان وبعد ذلك وصلنا خبر أنَّ هنالك جيش كبير قد خرج من منطقة قريبة مِن غابات أريزو متوجهين إلى غابات فالينيا وربما أسليرا،.

-- لكن تيريان استطاع أرسال خبر لنا جميعنا وأرسال جيش خاص به لكي يوقفهم. أنا و ريس بدورنا أرسلنا بعضًا جيوشنا إلى أريزو لكي تساعد جيش تيريان وهُم حاليًا في مُخيماتهم في أراضي أريزو كَحال جيش الأتلانتيانز.

آوه لا، كاستيل. تمتمت كانيلا بِرُعب لأنظُر لها وجهي خالي من الدماء شاحب اللون أشعر بِدمائي لا يجري في عروقي بل ثلج بارد قارس بدلاً منه.

كاستيل؟ سأل فالين متعجب لأسأله أنا
ما، ماذا ينتظرون؟ ماذا أخبرتموهم وماذا تفعل أنتَ هنا؟

تيريان تقابل مع قائدهم وتحدث معه وحاول جعله يتراجع لكنه رفض وأخبره أنه ينتظركَ أنت لأنك إن لم تأتي فَسوف يهجُم علينا ويدمر ممالكنا،.

-- لا أعرف كيف يعلم بِكونكَ ستعود لِنُخمن أنه أطلق سراحك وأنكَ بِطريقةٍ ما عائد إلى هنا لهذا أنا ومجموعة مِن حراسي خيمنا على أطراف فالينيا نأمل بِقدومك يومًا ما بعد فترة من أختفائكم.

منذُ متى ونحنُ مختفيين؟ كانيلا سألته من دون تلقي الإجابة الفورية.

أخذ هو وقته يحدق بالأرض كأنه يخاف اللفظ بِالكلمات. سحب هو نفسًا عميقًا ثم زفر مِن أنفه قبل أن يرفع رأسه وينظُر لنا كلينا بينما توك وراث بدو متورتين خلف الملك و بلايز صفى حلقه.
لِشهر.

أحسستُ بِعقلي يتوقف لِلحظة طويلة جداً يرفُض العمل.

ماذا قلت؟ أنا سألته كأنني لم اسمع الكلمة.

زفر هو الهواء من فمه ثم أعاد قوله
لقد أختفيتُما لِشهر كامل، فالكين.

سمعتُ الكلمة كما يسمع الشخص الأصوات مِن أسفل الماء، بعيدة وغير واضحة. شعرتُ بِجسد مِن على يميني يقترب مني يمسك بِيدي بخاصته الدافئة لأحرك رأسي وأقابل عينين بنية مائلة لِلعسلي جميلة.

كانيلا حدقت بي بِوجه شاحب تعصر بيديها يدي اليُمنى، عقلها أيضًا لا يستوعب ما لفظه هذا الرجل.

ظننا أنكما، قتلتوا على أيادي الأتلانتيانز. وعندما سمع ريس بالأمر جُن جنونه وأتى بِنفسه إلى فالينيا مع تاليا لكي يفهموا ما حدث وعندما علموا عدنا نبحث مجدداً عنكما ولكن لا فائدة لم نعثر على أثر إلى أن ظهر قائد الأتلانتيانز مع جنوده و وافق بِمُقابلة تيريان و التكلم معه حتى نجدكم ونبحث عن حل.

--بالثانية التي وصلني خبر مِن تيريان أنَّ قائدهم هو مَن أختطفكم و أطلق سراحكم، فهمنا أنكما ستعودان لهذا أنتشرنا بأرجاء فالينيا و أريزو أملاً بالعثور عليكما وأنا بِنفسي ظللتُ هنا في خيمة قريبة لكي أراكما بِنفسي.

ذلك السافل كاذب! صرختُ أنا مِن دون تحكُم بأعصابي لا أرى إلاّ أحمر لتعصر كانيلا يدي مجدداً قبل أن تُضيف هي بِهدوء
كاستيل لم يطلق سراحنا بل هربنا منه.

رمش فالين علينا يَحين دوره بِعدم استيعاب ما نعنيه لأفهم أنه هو و تيريان لا يعرفون هوية كاستيل الحقيقية و مَن يكون بالنسبة لي.

كاستيل؟ هذا اسمه؟ تساءل فالين بِتفاجئ لتومئ هي تُجيبه بالحقيقة التي أكرهها أكثر شيء في العالم أجمع
كاسيتل لوماريل، والد فالكين هو قائد الأتلانتيانز.

حدق هو بها لِفترة طويلة أعتقدتُ فيها أنه تجمد الزمن ولم يعد يتحرك قبل أن يسحب نفسًا إلى صدره بعدها استدار فالين إلى الخلف يد على خصره والأخرى على ذقنه اسمعه يلعن تحت أنفاسه. توقف هو يُشير لِأحَد حُراسه الشخصيين الذينَ يقفون عند الشجرتين لِلحِراسة يأمره بِصرامة
أرسل رسالة سريعة ومختصرة لِتيريان عن هوية قائد الأتلانتيانز و بالأخَص لِريساند.

أمركَ جلالة الملك! صاحَ الحارس ينحني له يده اليُمنى على صدره بعدها التفتَ هو وحارس آخر ثم ركضوا مسرعين إلى عمق الغابة.

استدار فالين إلينا مجدداً ثم قال بِصرامة وحدة نبرة
أخبروني بكُل ما تعرفونه لكن ليس هنا، المكان علني وخطير عليكم. دعونا نذهب إلى الخيمة.

اومأت كانيلا بِتفهم ليتحركوا جميعهم إلى المكان الذي أتوا منه لكني سألتُ فالين بِضياع أجعله يتجمد في مطرحه ظهره لي
ريس في أريزو؟

التفتَ الملك باتجاهي مُجيب
و تاليا معه. كلاهما يوَجِّهان جيوشهم التي أنضمت إلى جيوشي و جيوش تيريان لِحماية الممالك و أبقاء الأتلانتيانز في مطارحهم قبل أن يفكروا بالهجوم.

فتحتُ فمي ربما ألعن أو أصرخ فأنا لستُ أدري بِحَق ليَسبقني فالين زاوية من شفتيه مرفوعة قليلاً للأعلى تشكل بسمة لا تصل لِلعينين، بسمة فيها وعود كثيرة
الوضع اسوأ من ما تتوقعه، فالكين، أسوأ بِكثير.

دخلنا جميعنا إلى خيمة فالين الكبيرة المُضاءة بِالفوانيس الصفراء والبرتقالية، فيها طاولة خشبية طويلة مستطيلة الشكل في وسطها على التراب، عليها أوراق وأشياء آخرى وحولها مَقاعد. وفي كل مكان توجد خزائن لِلكتب والمزيد من الأوراق المُرتبة وفي الزاوية عند المدخل تقريبًا كنبة لأثنين وأمامها منضدة من الزجاج عليها أكواب بدت كأنها مستعملة من قبل.

وقفوا حُراس فالكين في الخارج لِلحراسة بينما نحنُ الخمسة (بالإضافة لِبلايز و إكسانا) تجمعنا حول الطاولة التي عليها خريطة لِأراضي أريزو و ما جوارها.

جيش الأتلانتيانز يقفون بالقُرب مِن نهر الكريستال هنا، أشار بِأصبعه على موقعهم عند التلة التي تُطِل على النهر ثم اكمل
و جيوشنا نحنُ الثلاثة قريبة مِن غابات أريزو المَطرية ومِن التلة هذا يعني أنَّ بيننا ساحة المعركة تفصل بضع كيلومترات لا أكثر.

ذات الساحة التي حدثت فيها الحرب الأخيرة؟ تساءلت كانيلا بِفضول ليُجيبها فالين
بالضبط. حاولنا معرفة إن ما كُنا قادرين على إحاطتهم من خلف النهر ولكن لم نستطيع. أخبرونا جواسيسنا أنَّ أعدائنا متواجدون مِن حول النهر كذلك لهذا القدوم مِن خلفهم و امتلاك عنصر المفاجئة ليس بِخيار مع الأسف.

لماذا لم يتهجم عليكم؟ أنا سألت بِتعجب.

أبعد فالين أصبعه عن الخريطة ليتكئ على الطاولة بِكلتا يديه يحدق بي يعرف أنني غير قادر على لفظ أسمه لكوني أشعُر بالعار لكون ذلك الرجل يكون والدي الذي مِن المفترض أن يكون في نيران الجحيم.

عندما سأله تيريان ذات السؤال، قال أنه ينتظرك لكي تواجهه بِنفسك، لكي تواجه العواقب وهنا عدنا نشُك بأنه شخص نعرفه جيداً، ريس قال مِن قبل أنه قد يكون أمير هارب.

أنه مُحق. أضافت كانيلا تنظُر لِجانب وجهي لكني لم أقابل عينيها، أخاف أنَّ أرى الأسف والشفقة.

هذه أشياء لا أوَد رؤيتها بِعيون أحدٍ منهم لأنني لا أشعُر بها، أنا لا أشعُر بِشيء أتجاه ذلك الرجل الحقير سوى الكره و الحقد.

متى سوف نذهب إلى أريزو؟ أنا سألت أغيّر الموضوع.

مرر فالين أصابعه النحيلة بِخُصلات شعره الأطول مِن آخر مرة كانوا فيها تلامس أذُنيه المُدببة
سوف نذهب غداً صباحًا أما الأن أرتاحوا بعدها استعدوا لِلمغادرة ولكن قبل كل شيء، أخبراني بكل ما جرى معكما بعدما تم أختطافكم، فَتوك، ألقى هو بِذقنه على حارسي الذي يقف بِجانب راث عند مُقدمة الطاولة يُتابع
أخبرني بكُل ما حدث قبل الانفجار في ذلك النُزُل.

اومأتُ له بالموافقة، أخذتُ نفسًا عميقًا أملأ فيه صدري قبل أن أزفره وأخبره بِكل شيء.

أخبرته عن الزنزانة، عن الأتلانتانز وكيف تعاملوا معنا، عن كاستيل وعن مُخططاته وكل ما تفوه به لي كي أنضم إليه وعن المملكة السابعة التي يود تأسيسها وحكمها.

أخبرته عن طريقة هروبنا وعن ما خُضناه في الغابات وعن جبال العسل و الموقع السري و الكثير مِن الأشياء التي اكتشفناها لكني لم أتجرأ وأخبرهم عن قرية أولينا أو عن بيلا وعائلتها أو عن أولينتيا و أهل القرية كلها.

لم أستطع، ضميري لم يسمح لي. هم يختبئون عن العالم وقساوته وشره وإخفاء أمرهم واجب عليّ الأحتفاظ به لأخر نفس أخذ، كما أنَّ كانيلا لم تتفوه بِكلمة عن أولينا بل أختلقنا قصة نجاتنا في الغابة بأنفسنا إلى أن عثرنا على مخلوق ما لم أذكُر ما هو بالضبط أو اسمه قد ساعدنا بالعودة إلى فالينيا.

فالين والجميع أنصتوا لنا طوال الوقت من دون مقاطعة إلى أن أنتهينا كلانا من التحدث ليَعُم بيننا صمت عميق فيه نسمع أصوات حفيف الأشجار مِن الخارج بِسبب نسمة الهواء الربيعية وبعضًا مِن ضجة أحاديث الحراس خارج الخيمة الهامسة.

مملكة سابعة، هاه؟ تساءل فالين يُخرِج صوتً من حلقه بدى كالضحكة الساخرة يجلس على كرسي مقابلنا من الجهة الثانية لِلطاولة.

ماذا سنفعل، فالين؟ أنا سألته أخرِج مقعدًا بيدي لكي تجلس عليه كانيلا و واحد آخر من أجلي.

لستُ متأكد، سوف نقرر عندما نذهب إلى أريزو غداً ونتناقش مع ريس و تيريان.

سحقًا! ضربتُ بيدي اليُسرى بِقبضتي على الطاولة لِتقفز بعض الأغراض عليها وترجع لِوضعها السابق.

لا تغضب، الغضب أول خطوة نحوَ الفشل و الهزيمة. دعنا نستخدم عقلنا بدلاً مِن مشاعرنا هذه المرة لكي نجد الحل الأنسَب. أخبرتني كانيلا تضع يدها اليُسرى بِرقة على كتفي وبالآخرى تمسك وجهي تديره إليها تقابل عيناي بِعيونها.

موته سيكون رحمتًا علينا جميعنا. همستُ لها بِنبرة ضعيفة لم أتحكم بها لتومئ هي بِصمت متفهمة.

ما الذي، تفوه فالين بِدهشة لِننظُر له كلانا بِسرعة قلقين.

رأيتُ عيون فالين الملونة تَحُط على يدي اليُسرى التي فيها الخاتم وتنتقل ليد كانيلا اليسرى كذلك.
آوه...
لم أكُن أخطط لِهذا الآن ولكن فات الآوان.

أنتما، هل لكما أن تفسرا ماذا يجري. طلب هو منا عاقد لِحاجبيه.

نعم بالطبع، أجبته أعدل مِن جلستي أمسك بيد كانيلا من أسفل الطاولة أضعها في حضني.

نحنُ في الواقع متزوجان. لقد تزوجنا في جبال العسل قبل مجيئنا إلى هنا بِفترة قصيرة.

سمعتُ إكسانا تشهق مِن على كتف كانيلا بينما بلايز حلق بِجناحيه الصغيران لأمام وجهي يَحجُب رؤية فالين عني، عينيه متبحلقة للآخِر لِتسأل إكسانا مصعوقة
كيف؟ أعني الموضوع هو--.

أعرف بِكُل شيء. لقد أخبرتني كانيلا بالحقيقة كاملة وأعترف كِلانا للثاني بِحبه لِ--.

لِتبطل اللعنة وتصبحان روح واحدة أبدية. أكمل فالين عني ألاحِظ بِطرف عيني تفاجئ توك وراث الذي نادرًا ما يظهر مشاعره لنا.

اومأت كانيلا تؤكِد على كلام الملك الذي لم يبدو عليه الصدمة كالباقي وإنما توجد بسمة عريضة على طرف شفتيه الوردية.

لقد توقعتُ أنا و فينار حدوث هذا لكن ليسَ بِهذه السرعة، مبارك لكما الزواج. قال فالين يمُد يده لي لأصافحها من فوق الطاولة بِمودة أعيد بسمته اللطيفة له.

كانَ يجب حدوث هذا منذُ فترة ولكن كيف تزوجتما؟ في الغابة؟

تبادلتُ أنا النظرات مع كانيلا لا أعرف ماذا أجيب لأننا نسينا اختلاق أمر طريقة زواجنا كليًا لِتسأل كانيلا بِسرعة تغيّر الموضوع
بالمناسبة أين فينار؟ حركت هي رأسها بِكل الاتجاهات تبحث عن الأميرة وكأنها سَتظهر فجأة في الخيمة.

ضيق هو عينيه يدرك فعلها لكنها أجابها
فينار مع الآخرين في أريزو، أعطيتها مسوؤلية الجيش مع مايكا إلى أن أعود.

كيف، كيف حال مايكا؟ كانيلا سألته بِتردُد تعَض على شفتها السُفلية ليعود فالين بِظهره على مقعده يحدق بِها بِلا وجود تعابير على ملامحه الثابتة.

أنه قلق وخائف عليكِ لكنه على ما يرام.

لكنه لن يسعد لرؤيتكِ متزوجة.
كانت الجملة التي رفض لفظها أمام السفيرة ومع ذلك أحسستُ بِكانيلا تسمعها بِنفسها لتحني رأسها على حضنها تتنهد تغمض عينيها قليلاً كأنها تعيد تجميع نفسها قبل أن ترفعه مجدداً وتنظُر لِلملك بِوجه خالي من التعابير.

أنا مستعدة لِلمواجهة.

رفع فالين حاجب واحد عليها
كما ذكرت لكم، هذا ما كان يجب أن يحدث منذُ زمنٍ بعيد. أنتِ لستِ مناسبة له وهو ليسَ مناسب لكِ بل يستحق شخص يحبه حبًا أكبر مِن حبكِ القديم له وأفضل منه حتى.

اومأت هي على كلامه مِن دون إضافة شيء من عندها.

هناك مسائل أخرى يجب حلها قبل حَل ورطة كاستيل والحرب التي يحلم بها وأولهم مسألة مايكا ومن ينتظرنا في مخيم أريزو.

في اليوم التالي استيقظنا جميعنا، تناولنا الفطور ولبسنا ملابس مناسبة لِلحرب.

توك أحضر لي در
ع جميل لأرتديه مندهش من شكله، أنه أسود و ذهبي، مخيف و رائع الشكل كأنه تم صنعه على أيادي آله الحدادة بِنفسه.
الفولاذ قوي وصلب لكن يسهل الحركة به وخفيف بِعكس ما يبدو عليه له فتحات عند الفخذين، داخل الذراعين وجوانب الجزع. الدرع له حمالات لِلسيوف خلف ظهري لهذا وضعت كانيلا سيفين فيهم و أعطتني واحد آخر لكي أضعه على خصري.

مِن الجهة الآخرى كانيلا لن تقاتل لكنها استعدت مُرتدية فستان أسود له أكمام طويلة فضفاضة لكن الأكتاف عارية تمامًا إلاّ أنَّ الأيسَر الذي عليه الوشم الكامل لِلوردة وعلامة كوننا ثنائي شبه مَخفي أسفل قطعة من الفضة فيها حُفر و منحنيات كالتي على صدرها وبطنها حتى لها قطع نحيلة تُحيط خصرها الضيق.

تركت شعرها المموج خلف ظهرها لكن رفعت القليل منه خلف رأسها بِدبابيس شعر على شكل أغصان شجر.

بدت ليسَ كالأميرات وإنما كالملكات بِهذا الفستان. وهي تُعدل من درعي ألقت نظرة عليّ لتجدني ابتسم لها.
ما الذي يجعلك مبتسمًا هكذا سمو الأمير؟

ومن سيَجعلني أبتسم هكذا غيركِ أنتِ؟

رفعت حواجبها الداكِنة للأعلى لكنها ابتسمت بِشدة وعادت إلى عملها تُغلِق الحزام الذي يحمل سيفي حول خصري بأحكام.

ما الذي ستفعله، فالكين؟ سألتني هي تنظُر لي مرة آخرى أرى بِدلاً من خجلها، تساؤل وخوف عليّ.

تنهدتُ أنا أمسك بِوجهها بِيدايّ أقربه مِن خاصتي
سوف أنهي أمره وأخلص الجميع منه وهذه المرة لن أرحمه كما رحمه عمي فَمكانه أسفل التراب وليسَ خارجها.

لم تبادر هي بالحديث لكنها بدت متفهمة لأميل رأسي نحوها وأقبّلها على شفتيها بِعمق، أحرك شفتايّ على شفتيها الناعِمة لتُحاوط هي خصري بِذراعيها تلصق جسدها بِجسدي.

بغض النظر عن كوني أرتدي درع سميك وفولاذي، أحسستُ بِنبضات قلبها أسفل صدرها على صدري لأبتسم على القبّلة قبل الابتعاد عنها وتقبيلها أكثر على أنفها الصغير وعينيها لكني توقفت فور سماعي لِدخول فالين لِلخيمة.

هل كل شيء جاهز؟ سألنا فالين يوَضِب بعض الأغراض مِن على الطاولة يحملها في ذراعيه قبل أن يدخل راث و توك يقفون خلفه لكي يأخذوا منه الأغراض.

نعم، قلتُ له أدع وجه زوجتي الفاتنة أمسك يديها فَجزء مني عملاق يرفض تركها ولو لِدقيقة كأني لو فعلت ستختفي مِن على الوجود ويكون كل الذي خضناه معًا مجرد، حلم جميل.

نظَر فالين لِكلينا لأراه هذه المرة يبتسم يرى قُربنا وتلكَ الخواتم على أصابعنا. هزَ هو رأسه مع نفسه ثم التفت وأشار لنا باللحاق بِه إلى الخارج.

عندما خرجنا مِن الخيمة وجدنا أحصنتنا تنتظرنا حتى نمتطيها. وبالفعل امتطيناها أخُذ معي كانيلا أدعها تجلس أمامي تمسك بِحبال الحصان الأبيض بِشعر أسود جميل لِلغاية و ذو قرن رمادي اللون. لِلحظة بدى الحصان مألوف إلى أن لاحظت أنها في الواقع فرسي التي تدعى موالا، بينما فالين صعد على واحد سكري اللون وخلفنا مجموعة من حراسه ومن ضمنهم توك و راث.

إلى مملكة أريزو! صاحَ فالين لِجميع حراسه ومن ضمنهم نحن قبل أن يضرب الحصان بِحباله على جنبه لكي يبدأ بالركض بِسرعة الرياح.

إلى كاستيل. همستُ أنا أضرب حصانتي بالحبال لتركض هي أيضًا تلحق بالملك.

بعد ثلاثة أيام سفر وعدم أخذ راحة إلا لِتناول الطعام وقضاء الحاجة وصلنا بِوقت قياسي إلى أراضي أريزو مملكة الغابات الخضراء. لم ندخُل سور المملكة ومدينتها بَل أكملنا طريقنا إلى التلال وخاصةً التلة التي يُخيموا فيها جيوش مملكة أسليرا، أريزو وفالينيا.

المنطقة كلها خيم كبيرة وصغيرة بيضاء وفوقها أعلام مُختلفة الأشكال و الألوان تعود لِلممالك الثلاثة. عَلَم عليه قمر وغيوم، أزرق اللون لأسليرا، عَلم أحمر عليه شمس لِفالينيا و عَلم أخضر عليه شجرة ومن حولها ملتفة سلاسل، لأريزو.

الجميع عادةً يجتمعون في خيمة ريس بِما أنها الأكبر والأقرب فَريس يحب التباهي بِكُل الشيء اللعنة عليه، لنذهب إليها. أخبرنا فالين يدخُل بِحصانه إلى داخل المخيم العملاق لِنلحق به أقود فرسي بِبطء إلى الداخل.

الكثير مِن المحاربين بِدروعهم المُختلفة توقفوا عن أحاديثهم، تناولهم لِلطعام حول موقد النار أو فقط سيرهم معًا لكي ينظروا إلينا.

بدأتُ أسمع الكثير مِن الشهقات منهم ومن همسات تتحدث عن كوننا عُدنا وأنها مُعجزة. أبقيتُ رأسي مرفوعًا وشامِخًا كما فعلت كانيلا نومئ لِهم مِن دون قول شيء لِتنتقل تلكَ الهمسات بين المُحاربين والحراس إلى عمق المخيم وربما خارجه بسرعة كبيرة.

كيف عرفتُ ذلك؟

حسنًا بكل بساطة لأنني رأيتُ فينار ومعها مايكا يخرجونَ من خيمة ريس التي حقًا تكون أكبر واحدة بين الباقي موقعها في قلب المخيم. كلاهما بِعيون متوسعة على رؤيتنا كأنهم يرون أشباحنا ولكي أكون صادقًا سعدتُ جداً بِرؤيتهما، نعم حتى بِرؤية مايكا المُتشائم.

أوقفنا أحصنتنا بالقُرب من الخيمة لأترجل أنا أولاً بعدها أساعد كانيلا بالنزول بِحذر وخِفة على الأرض امسكها مِن خصرها النحيل.

الأرض مليئة بالطين بِسبب الأمطار الخفيفة التي تهطل علينا ليوسخ حذاء درعي وأطراف فستان كانيلا لكنا لم نكترث لأن فينار ركضت إلينا وعانقتنا بِقوة تخنقنا هي أيضًا وتسألنا نفس الأسئلة التي سمعناها من فالين.

أخبرناها أننا سوف نحكي القصة لمَن في الداخل كذلك كي لا نُعيدها ألف مرة لتومئ هي تمسح دموع لم تستطيع كبتها كما فعلت كانيلا ليُعانقان بعضهما البعض مجدداً يضحكان.

تقدم مايكا إلينا بِهدوء خطواته بالكاد مسموعة على الطين لألاحظ فوراً شعره القصير و أصبح في صدمة. أنه قصير جداً بأمكاني رؤية أذُنيه المُدببة جيداً، فأخِر مرة رأيته فيها كان مِن شهر وشعره كانَ يصل إلى كتفيه وأسفل بقليل والآن، تبًا يبدو شخص مختلف كليًا حتى أكثر وسامة من قبل.

كانيلا؟ ناداها مايكا بِخِفة يقف خلف فينار لِتلتفت فينار إليه تبتعد عن طريقهما تُعطي المجال لِبضعهما. رمشت كانيلا عليه عدة مرات كأنها تخوض ذات الأفكار التي راودتني عندما رأيته وخاصًة بِذلك الشعر.

أخذتُ هي خطوة نحوه لكنها تجمدت تُكَوِر يديها على شكل قبضات تتردد أو تفكر بِشدة بالذي يجب فعله وقوله.

أحسستُ أنني الشخص الذي عرقلها بِوجوده، بِضغط لا يُحتمل وعينايّ عليها لهذا تنهدتُ بِصوت لا يُسمع طلبتُ مِن الجميع اللحق بي إلى الخيمة. مررتُ من جانب مستشار الملك الذي نظَر لي، أومأتُ له ليرد لي الإيماء بعدها دخلتُ الخيمة وتركتُ كانيلا مع خطيبها السابق كي يتفاهموا و يتحدثوا.

في النهاية هو يستحق التبرير والحقيقة وهي تستحق الخصوصية حتى لو كانت مع الرجل الذي كانت تحبه أكثر من أية شيء في العالم، لكي تَهدء المياه العاصفة وتعود لِوضعها السابق بينهما.

فور دخولي لِلخيمة ضربتني رائحة جميلة مِن اللافندر مُختلطة بِرائحة آخرى أعرفها كما أعرف اسمي عن غيب.
رائحة فراولة منعشة في يوم صيف جميل.

نظرتُ في أرجاء الخيمة الواسِعة المُضاءة بالفوانيس مِن كبرها بدت لي كأنها غرفة في قصر. أننا نقف في الغرفة الرئيسية ذات السجاد الأحمر والبني في وسطها طاولة دائرية عليها أوراق، ريش، حبر وبعض المَخطوطات في زجاجاتها أو صنف مفتوحة بِجانب بعضها. في الزاوية كنبة موحدة و جنبها خزانة كتب.

المكان فارغ أو هذا ما اعتقدته إلى أن خرج تيريان مِن غرفة على اليمين يرتدي درع بِثلاثة ألوان، أخضر (اللون الأساسي) بني وبِرداء خلفي أبيض. شعره البني القصر مبعثر لكنه مرفوع عن جبينه وعينيه الخضراء تقابلت بِخاصتي أولاً لِتتوسع بِتفاجؤ قبل أن يتقدم إلينا يمُد يده لي لكونه يفضل التصافح على العناق، تيريان يعرف بِعدم إعجابه بالتقارب الجسدي بينه وبين أحدٍ آخَر عدا حبيبته سيري وأبنهما آناس.

أهلاً بِعودتك فالكين. قال لي مبتسمًا لأخذ يده وأصافحها أعيد البسمة له.

شكراً لكَ تيريان على تولي مهمة أيقاف الأتلانتيانز و، قائدهم. مملكتك تتولى الحروب منذُ العصور القديمة حتى الآن، أنا أسف على هذا.

هزَ هو رأسه يدع يدي
هذه هي حياة الحروب وكوني ملكًا، لديّ أولويات و مسؤوليات خارجية وليست داخلية فحسب.

اومأتُ له بامتنان على أية حال، لا أعرف كيف أعبر عنه بِغير طريقة قبل أن يخرُج مِن الغرفة شخص آخر يرتدي درع أبيض وكحلي اللون أنيق وملكي جداً، يصرخ بِالقوة، الحكمة وخطر لِمن يقترب منه. يمتلك شعر أسود مرتب وناعم تنعكِس عليه أنوار الفوانيس تجعله أصهَب اللون ولكن تلكَ العينين النادرة مستحيل أن تتغير مهما أنعكست عليها جميع الأنوار في العالم.

باردة و ناعِسة، فضية جداً تظُنها قطع ياقوت من مملكة سنويان.

ريس. همستُ بِنبرة منخفضة لِيتحول وجهه المتحجر إلى مصعوق في ثانية واحدة.

تاليا، فالكين قد عاد! صاح ريس لِداخل الغرفة لأسمع صوت أقدام تركُض على أرضية الخيمة الخشبية تتقدم نحوَ ريس.

ظهرت لي تاليا بِفستان أزرق غامق أكمامه طويلة يجعل شكل بطنها المُكور واضح أكثر مِن أية مرة، شعرها الفاتح منسدل ومرفوع كَشعر كانيلا بِدبابيس. تعابير وجهها، لم أقدر على وصفها مِن شدة صدمتها عندما رأتني.

يا للهول! أتَت هي مُسرعة نحوي تعانقني وهي تتمتِم بأسمي بينما أكتاف ريس ارتخت وهو يقف خلفها كما لو أنها كانت مَشدودة منذُ فترة، منذُ وقت اختفائي لِترتخي الآن على ظهوري.

كيف-ماذا حدث بِحق السماء؟ لماذا وكيف هربتما؟ وأين كانيلا؟ أمطرت تاليا عليّ بالأسئلة تُمسك بِوجهي عاقِدة لِحواجبها وجهها يبدو متعبًا أكثر من أيّ وقت في فترة حملها، بدت أكبر سنًا، هنالك هالات زرقاء وبنفسجية تحت عينيها الجميلة وجسدها يجب أن يكون ممتلئ لكونها حامل لكنها نحيلة ولا تبدو صحية بتاتًا.

ماذا حدث لها؟

حانَ دوري أنا بالقلق عليها لأخُذ وجهها الذي بإمكاني رؤية عظام وجنتيه بين يدايّ لأسألها
كانيلا في الخارج مع مايكا يتحدثون، سوف ترينها بعد قليل ولكن قولي لي، لماذا تبدين بِهذه الحالة؟ ما الخطب؟

هزت هي رأسها ترفُض الإجابة بالأبتسامة لأرفع وجهها مجدداً نحوي امنعها من التهرُب.

حملها هو السبب، ريس مَن أجابني يأتي إلينا لأفلت وجهها أشعر بِتخذير بِذراعايّ ليكمل ريس ينظُر على بطنها المنفوخ
الطبيب يقول أنَّ ولادتها قريبة، قد تكون في أية لحظة.

ضربت تاليا ريس بِخِفة على ذراعه وهي تقول عاقدة لِحواجبها
أنا على ما يرام لا تقلقوا عليّ وأخبروني ما جرى معكم عند كاستيل، أخبرني بِكُل شيء، فالكين.

اومأتُ لها بالموافق لأخذها بِرقة إلى الكنبة عند الخزانة ثم أخذتُ كرسي من عند الطاولة حتى أجلس جنبها بينما الباقي إما وقفوا أو جلسوا حول الطاولة كي ينصتوا لي.

أخبرتهم كل ما أخبرتُ فالين مِن دون إضافات أو تنقيص وعندما انتهيت عَم هدوء كبير في الخيمة لِتكسره تاليا وهي تبتسم وفي عينيها دموع تتساقط بِرقة على وجنتيها
لقد عثرت على نصفها الآخر.

نهضتُ أنا إليها وقرفصتُ أمام ساقيها أمسك بِيديها التي بأستطاعتي رؤية عظامها تجعل وجهي ينكمش بِخوف عليها لأضعها على حضنها
كل ما فعلتيه، أنتِ أعظم مَن قابلته في حياتي ولديكِ قلب لا يمكن أن يساويه العالم حتى، وأنا أسف على خسارتكِ الأولى تاليا، أسف مِن كل قلبي على ما خضتماه كلاكُما، نظرتُ لِريس الذي رفض مُقابلة عينايّ وفَضّل التحديق بالأرض يديه تتكور في حضنه تتحول مفاصله لِلبيضاء.

كنتُ و مازلتُ سأفعل المُستحيل لمَن أحب في النهاية أصبحت هي مع مَن تحب بِحق وتزوجت مَن بحثت عنه لِسنين. قالت تاليا تمسح على شعري تعطيني بسمة دافئة وحنونة معدية تجعلني أبتسم بالمقابل.

لكن ليتنا كُنا معكم لِكي نقيم زفاف كبير من أجلكما. قالت فينار مِن ورائي عند الطاولة لأستدير إليها و أضع بسمة تُظهر أسناني على ذلك، لقد كانَ كالون مُحقًا في كلامه وحدث تمامًا ما أخبرني عنه.

أين هي كانيلا، فالين؟ سألته تاليا بِقلق تُشيح بِنظرها على مَخرج الخيمة لكن صديقتها لم تدخلها، الله وحده يعلم أين تتكلم كانيلا مع مايكا في هذا الجو الماطِر.

هل أخبركَ كاستيل أشياء أخرى عن المملكة السابعة، فالكين؟ سألني ريس يُغيّر الموضوع ليقول فالين مستهزئ
ذلك الرجل يحب السباح بِغائطه.

مملكة سابعة؟ أنه يريد تدمير الممالك الأساسية فَلماذا يريد تأسيس واحدة سابعة؟ ما الذي سيَكسبه؟ سأل تيريان لا أحد مُحدد.

أنه وعد كاذب. أنه يُعطي الأتلانتيانز وعود كاذبة لكي يصل لِلذي يريده وهو تدمير أسليرا أولاً قبل كل شيء. أضافَ ريس يضع ساق طويلة فوق الأخرى.

أخبرنا فالكين، كيف يكون كاستيل على قيد الحياة بعد مدة من الزمن؟ أعني ألم يقتله والدك؟ تساءلت فينار تنظُر لِريس على ذِكر الملك السابق أيكسا ليَهُز ريس رأسه خصل من شعره الأسود ينزل على جبينه الخالي من الشوائب لِيُشابك ذراعيه أمام صدره.

لم يعُد يهم أمر ماضيه أو كيف نجى من الموت على أيادي والدي وما يهم الأن هو كيف سنتخلص منه للأبد فَمكانه لم يعُد في هذا العالم، زمنه أنتهى منذُ أن انتهت الحرب العُظمى على وقت الملوك القدماء.

أنا لم أفهم سبب تركه لِفالكين و كانيلا بالهروب وعدم اللحاق بهم وإرجاعهم. تاليا سألت تعقد حاجبيها بِبعضهما تنظُر لي.

لكي نصل إلى هذه النقطة. قال ريس يحط بِعينيه هو أيضًا عليّ.

ما الذي تعنيه؟ سألته فينار بِحيرة ليُلقي بِذقنه نحوي يُجيبها
يريد إيصال رسالة لي، رسالة تقول أنه قادر على التحكُم بِكُل ما هو قريب مني و أولهم فالكين لهذا سوف أواجهُه في الساحة و--.

لا أنتَ لن تفعل! أنا قاطعته مُعارض أقف على ساقايّ أذهب إلى الطاولة أفرُد يدايّ على سطحها اتكئ عليها.

هل أنتَ مجنون؟

لا لكني أفعل الصواب فَهو يريدني أنا لهذا سوف يأتيه ما يريده لكنه سوف يواجه ما لا يتوقعه.

هذا ليسَ وقت اللعب فالكين! نهض هو أيضًا من دون أن يتحرك من مطرحه.

ريس أرجوك، همست له تاليا لكنه لم ينصت بل فرد ذراعيه في الهواء وقال بِصوت مرتفع
أنتَ لا تعلم ماذا يجول في خاطر ذلك القاتل، لقد حاول قتل شقيقه الذي من لحمه ودمه وتدمير مملكته فَما بالك بالذي سيفعله بِك إن حاولت مواجهته وقتله؟

أنا لستُ طفلاً أحمق ريس! أنا أعلم جيداً ما أفعله وأعلم أكثر مِن كل واحد هنا بِماذا يفكر لهذا توقف عن التصرُف معي وكأنني خلقتُ البارحة.

توجهتُ نحوَ المَخرج أعطي الجميع ظهري لأني لستُ في المزاج لِلشجار معه فَهو لن يتوقف عن التعامُل معي على أنني طفل صغير كما كنت. أتفهم أنه يشعر بالمسؤولية اتجاهي وخاصةً بعدما توفت والدتي وتركتني أمانة لديه.

أنا أحب ريس كثيراً وأحترمه لكن بعض الأحيان أتمنى لو أنه يعاملني بِذات الأحترام الذي لديّ له أو كما يُعامل الجميع مِن حولنا. أنا لم أعُد طفلاً أو مسؤوليته وإنما رجلاً مسؤول ولديه مهام كثيرة في الحياة. إذا لم يتركني أتصرف وأمشي في الطريق لوحدي وكما أشاء فَلن أثبت أنني رجلاً، لن أكون مُستقل قادر على بناء مستقبل وهذا، مُهين لِلغاية!

أنا لستُ ضعيفًا أحتاج مساعدة آحد كُلما واجهتُ مشكلة.

فالكين! صاحَ هو من ورائي لأتجاهله وأغادر الخيمة.

فالكين! سمعته قادم مِن خلفي حتى بعدما أصبحتُ بين الخيم أسير بِخطوات سريعة على الطين اللزج لأتنهد بِقوة واستدير له أجده يقف أسفل المطر عينيه تطلق نيران نحوي.

شقلبتُ مُقلتاي وشابكتُ ذراعايّ لا أهتم أن المطر أصبح أكثر غزارة يملأ درعي به يُصدِر طبطبة عليه كلما وقع على صفائحه الفولاذية.
أسمع أنا لا أريد الشجار معكَ فالكين، الوقت والمكان غير مناسبين ولكن أنصت لي. والدك--.

كاستيل يريدني أنا أن أواجهُه وأنا سوف أعطيه ما طلبه لكن بِشرط واحد سيُغير اللعبة كلها. قاطعته أنا قبل أن يُعطيني مُحاضرة كاملة عن الأسباب التي لديه والتي تعارض موافقتي على مواجهة والدي وكيف أنني لستُ مستعد بعد ومن هذا الهراء المعتاد.

ضيق هو عينيه الناعِسة لونها الفضي يُضيء ويلمع كأن الثلج يتساقط فيها قبل أن يسألني هذه المرة يستمع لي
شرط؟ ما هو الشرط الذي سيُغير كل شيء؟

لم أجبه على الفور بل حركتُ رأسي على الحُراس والمُحاربين الذينَ يقفون أسفل المطر لا يكترثون لِلبرد أو أنهم يتبللون بالأمطار التي الإله وحده يعلم متى ستتوقف.

أنهم رجال تركوا عائلاتهم، أحبابهم، أصدقائهم ومملكاتهم لكي يأتوا معنا إلى مملكة غريبة حتى يقاتلوا الأعداء. أنهم مستعدين لِخسارة أنفسهم وترك الجميع خلفهم مِن أجل مملكتهم ومن أجل ملوكهم وملكاتهم.

لكن هذا لن يحدث.
لن أسمح بالمزيد من الخسارة فالحرب الأخيرة كانت جديرة بِأخذ أرواح الآلاف وسفك دماء لم تقتدر الأرض على بلعها مِن كثرتها.

هذه المرة لن يقاتلوا، لن يدخلوا ساحة الحرب حتى، أنا سأغير كل شيء، أنا سأمنع هذا مِن الحدوث. لا حرب، لا موت ولا دماء سيَسقط على التربة في أريزو أو أية مملكة غيرها عدا دماء شخص واحد يستحق الموت.

فاكين. أعادني صوت ريس إلى أرض الواقع لأعيد عينايّ عليه، أجده ينتظرني لكي أشرح له ما أعنيه بالشرط.

وأخبرته.
قلتُ له تمامًا ما يجول في خاطري، مِن الألف لِلياء من دون إخفاء ذرة عنه لأنني أعلم أنه يستطيع كشف كذبتي في أيَّ لحظة إن شاء. وعندما أنتهيتُ من أخباره وافقني الشرط ثم أخذني إلى الخيمة مجدداً لكي يُخبر الجميع بِذات الخطة.

في البداية لم يتفوه أحدهم بِحرف وترددو لكن تيريان أعجبته الخطة جداً. قال هو رأيه عنها يدع الجميع يسمعه إلى النهاية ليبدأو هُم أيضًا بالموافقة وأبداء رأيهم كذلك.

قضينا الوقت كله نتحدث ونُخَطط ونضع شروط على الجميع التمسك بِها إلى أن نتخلص مِن كاستيل ورجاله المتمردين بعدها حان وقت متأخر مِن المساء ليَذهب الجميع إلى خيمهم لكي يرتاحوا لأنَّ الغد سيكون كُله عمل وربما القتال سيُقام.

بقيتُ أنا في الخيمة مع ريس وتاليا نشرب الشاي حتى ندفء مِن أجسادنا قبل أن يدخُل رجل أخضر البشرة وشعر أسود مربوط خفل رأسه، ضخم البنية يرتدي درعه الفضي اللامع. أدلار أتى إلينا ومعه خادمة تاليا التي تكون زوجته جيانا بالإضافة لِشخص ثالث تفاجأت بِشِدة على رؤيته لدرجة أختنقتُ بالشاي.

تيلار.
قزمة المجموعة، خشبية البشرة ولكن أفضلهم شخصية.

مع أنها تكره العناق واللحظات العاطفية إلاّ أنها سمحت لي بِعناقها لِثانية قبل أن تقرصني لكي أفلتها على الأرض لنكسب كذلك ضحكات مِن الذينَ شهدوا على الموقِف النادر حدوثه. انتقلت بعدها لأدلار وجيانا أتكلم معهم عن كثير من الأمور التي فاتتني نخمِد معًا بعضًا الأشتياق لكوننا لم نرى بعضنا منذُ فترة.

أذكُر أنَّ آخِر مرة رأيتهم فيها كانت في حفل زفاف قريب الملك سيون في مملكة البحار. بعد ساعة أو ربما أثنتين من التحدث كُنا قد جلسنا على الطاولة نتكلم ونضحك ليَعُم فجأة هدوء غريب أسكتنا جميعنا بدءً مِن تاليا و ريس.

عقدتُ حواجبي مُتعجب مِن تصرفهم لأنتبه أنهما ينظُران إلى ما وراء ظهري لكوني أجلس بِطريقة أعطي ظهري لِمَخرج الخيمة. بِفضول كبير، تحركتُ في مقعدي ثم ألتفتُ إلى الوراء لأعرف جيداً سبب هذا الهدوء الثقيل كالغيمة السوداء فوق رؤوسنا.

رأيتُ كانيلا تقف لوحدها عند المَدخل والمَطر خلفها يهطل بِقوة مع ظهور البرق وصوت الرعد في أعالي السماء. شعرها الأسود الطويل مُبلل وهنالك قطرات مياه تسقط من على أطرافه و تسيل بِبطء مِن جبينها إلى جانب وجهها ورقبتها تجعلهم يلمعوا.

أنها تحدق بِتاليا متفاجئة لِتقاقبل عينايّ أرى في خاصتها تردد والكثير الحزن بعدها بلعت ريقها تزيح بِهم على الأرض كأنها تضيع بِعالم أفكارها وذكرياتها.

آوه، لقد نسيتُ أمر هذا اللقاء.

كانيلا؟ سمعتُ تاليا تقول مِن على الطاولة لأسمع صوت صرير مقعدها أعرف أنها نهضت تقف على ساقيها.

فتحت كانيلا فمها لِلحظة لكن لم تغادره أية كلمة أو صوت كأنَّ هنالك عقدة على لسانها تمنعها من التكلُم لِتطبقه مجدداً وتقرر البقاء صامتة فأنا متأكد أنَّ وجود ريس أحَد الأسباب وغيره مِن الذكريات التي تطفو واحدة تلوى الأخرى لِلسطح تشكل عائقًا ثاني.

نهضتُ أنا كذلك بِبطء ليَلحق بي الباقي يحدقون بين كانيلا، تاليا و ريس الذي أصبح وجهُه ساكِن كَسكون هذه الأرض في هذه اللحظة ومتحجر كَالتلال التي تُحطينا.

كانيلا. بدأتُ أنا بِنبرة ضعيفة لِتقول هي تنظُر للأرض ثم لأيّ مكان في الخيمة عدا مَن يوجد على الطاولة
أ-أنا، أنا أعتذر على الإزعاج سوف أعود في وقتٍ آخر.

استدارت في مطرحها ثم غادرت الخيمة بسرعة لألقي أنا نظرة على الجميع قبل أخذ الإذن مِن تاليا لتومئ هي لي تبتسم بِحُزن حتى ألحق بِها إلى الخارج كأنها تخبرني أن أذهب وأحضرها عندما تكون مستعدة.

أومأتُ لها بِصمت بيننا ثم ركضتُ خلفها.

لِثانية ظننت أنني أضعتها بين الخيم الكثيرة ولكني رأيتها تَمشي بِسرعة عشوائيًا نحوَ الطريق الذي يقود إلى تلة صغيرة تُطِل على المُخيم والغابات المَطرية.

كانيلا! صحتُ أنا لها لكنها لم تسمعني وإذا سمعتني فَهي لم تُنصِت بل أكملت سيرها لأتنهد أنا بِشدة وأركض خلفها مجدداً.

أعتقد أنني سمعتُ أدلار يُناديني مِن خلفي لكني أنتظره و لم أتوقف أكمل ركضي إلى كانيلا ونحنُ أسفل قطرات مَطر سمينة قد جعلتني أبدو وكأني ذهبتُ الاستحمام في بحيرة ما، شعري يُغطي جبيني و الطين أسفل قدماي أصبح أثقل ولزج أكثر.

وصلت كانيلا إلى التلة أطراف فستانها الأسود المتسخ يلامس الأرض العشبية الخضراء جداً لتُمسك هي بأطرافه وترفعه عن الأرض كي تمشي بِشكل أفضل تظهر قدميها التي ترتدي جزمة بدلاً من الكعب لأنَّ حال المخيم غير مناسب أحذية أنثوية كَتلك.

ركضتُ أنا أسرع استخدم سرعتي كَجني لأصل إليها والتقِط ذراعها العُلية ألفِظ باسمها مِن بين أسناني أديرها بِقوة نحوي لِيرتطم صدرها بِصدري وتقف متجمدة وجهها يلامسه.

كانت الحركة قاسية بعض الشيء لكنها أوقفتها وهذا المطلوب.
أحنيتُ رأسي لكي أنظُر لها لكن رأسها مُنحني كذلك لا يمكنني رؤية إلاّ الجزء العلوي منه وشعرها المبتل.

لماذا هربتي؟ أنا سألتها بِهمس امسك بِكتفيها أشعُر بِها باردة جداً وجسدها يرجِف بِشدة.

زفرت هي كمية صغيرة مِن الهواء مِن فمها ثم رفعت رأسها أرى أنها هذه المرة لا تبكي وإنما تبدو فقط، حزينة خائبة الظن بِنفسها.
أنا لم أهرب،.

رفعتُ حواجبي عليها لا أصدق حرفًا
ولكنكِ فعلتِ العكس. لقد تركتِ الخيمة وغادرتي.

أخرجت هي ضحكة مِن مؤخرة حلقها ترتفع زاوية مِن شفتيها للأعلى مع أنها لا تبدو سعيدة أو في حالة من الضحك.
لقد فعلت.

لماذا؟

هزت هي رأسها مع نفسها ترفع يدها لكي تُبعِد خُصلات مبتلة ملتصقة بِوجهها ثم أجابتني
كلما قلت أنني سوف أواجهها وحقًا أتحدث معها شيء ما يمنعني ويُعيدني إلى الخلف، فالكين.

هل هو ريس؟

هزت رأسها من جديد تُجيب بِ لا لأسألها من جديد
إذاً ماذا يكون؟

تقابلت عينيها الجميلة بِخاصتي لِلحظة ثم أخبرتني بِصدق
خوفي مِن النسيان والمضي للأمام. لقد عشتُ على ذلك الألم فالكين. لقد أعطاني شيء ما جعلني أستمر،.

هذا غير صحيح. لقد جعلكِ ذلك الألم تعيشين على لوم نفسك وغيرك، تظُنين أنه يجعلكِ قوية تستمري في الحياة لكنه العكس تمامًا، أنتِ عثرتِ على مَن ينقذكِ مِن لعنتكِ ولكن هل حقًا تم أنقاذك وأنتِ ما زلتِ تعيشين في الماضي؟

رمشت هي عليّ عِدة مرات كأنها تراني لأول مرة في حياتها لِتَخِف ملامح وجهها المشدودة وتبتسم بِرقة تقترب مني لتَضع جبينها على صدري المُدرع.
بعض الأحيان أنسى أنكَ أصغر مني سنًا.

ابتسمتُ معها على ذلك أقربها مني أكثر لألُف ذراعايّ حول جسدها الصغير مُقارنةً بِجسدي أضمها لي أضَع ذقني على رأسها.

عمر الجسد لا يحتسب، بل عقله وروحه. قلتُ لها.

عَم صمت بيننا لطيف كلانا يُعانق الآخَر أسفل المطر فوق تلة قريبة مِن المخيم، مِن حولنا فراغ ومِن بعيد طبيعة خلابة لِتكسر هي الصمت وتسألني بِرقة تبعِد جبينها عن صدري
ماذا يجدُر بي فعله؟

همهمتُ أنا قليلاً أرفع يد لكي أمرر أصابعي مِن الخلف على وجنتها الناعمة المبللة
أنسي كل ما يمنعكِ وفكري بالآن بِهذه اللحظات التي ربما، ربما لن تتكرر مجدداً فَلا تعرفي ماذا سيحدث في المستقبل. ماذا سيحدث مع مِن تكوني غاضبة، حزينة أو خائفة منه ومِن مواجهته فقد يَختفي مِن حياتك فجأة ولن تكوني قادرة على رؤيته مجدداً،.

-- لن تكوني قادرة على إعادة الماضي لكي تصححي مِن أخطائك ولكي تسامحيه وتسامحي نفسك. لكي تتحدثي معه وتُعيدي الصِلة التي بينكما كما كانت و بل أحسن حتى. الحياة تجري حتى لو كنا خالدين، كانيلا. ما نزال بِأجساد تموت وأرواح تتركه، نحنُ لسنا مُحصنين ضد الموت كما لِقلوبنا حدود من القوة والتحمل.

لكن ريس--.

ريس يجب عليه هو أيضًا التعايُش مع الآن وأن ينسى الماضي فَزوجته تحمل بِطفلهما إن لم يكُن الأول فَهو الثاني وهو قادم قريبًا. بدلاً مِن أن يركز على كرهُه وحزنه منكِ وعلى طفله الذي سيأتي غيره، يجب عليه التركيز على صحة زوجته والجنين الذي في بطنها وعلى مستقبل مملكته.

لم تفتح فمها بِشيء أو بأية رد لأمسك أنا بوجهها بين يداي أقربه مِن خاصتي أجعل مِن أنوفنا تتصادم أحس بأنفاسها الدافئة على شفتاي لأبتسم لها أحاول تدفأت ذلك القلب بِتلكَ الطريقة لكونها الوحيدة مع كلماتي القادرة على فعل ذلك.

أنا لن أعيش مع جسد امرأة بِروح وعقل في مكانٍ آخَر، أنا لا أريد جسدها فَحسب وإنما كل ما فيه مِن عقل وقلب وإن كانوا مشغولين بالماضي فأنا سوف أعيد كل شيء لِوضعه حتى لو اضطررتُ لِلعيش طيلة حياتي أصلح بِها.

متى عليّ فعل ذلك؟ سألتني هي تُعيدني مِن فقاعة أفكاري لأقبل شفتيها الباردة بِخفة قبل أن أرُد عليها
لا تفكري كيف ومتى أنتظري اللحظة المُناسبة بعدها تصرفي بِلا تردد وخوف.

ومتى تكون هذه اللحظة بِرأيك؟

أنتِ الحكيمة و الذكية بيننا، لهذا أنتِ مَن سيعرف الوقت واللحظة المناسبة.

اومأت هي تبتسم تُظهر أسنانها اللؤلؤية لي لأرُد لها ذات الابتسامة بالمُقابل من ثم لفت هي ذراعيها حول رقبتي وأغلقت المسافة بيننا تضع شفاهها عليّ، تقبلني بِشغف و حُب كبير الكلمات لا يمكنها التعبير عنه.

حركتُ شفتاي على خاصتها أميل رأسي على جنب أعطيها المَجال بالتحكُم وأخذ القيادة أشعُر بِجسدي يشتعل حتى لو كانت المطر فوقنا تهطل بِقوة كَمياه شلال تسقط مِن على جرف عالي.

أنا بين يديها أستطيع أن أتحول لِشُعلة مِن النار تقدر على حرق العالم بأسره، مِن أجلها، ستحرق العالم بأسره.
زوجتي وشريكة حياتي الأبدية.

في اليوم التالي أستيقظتُ أنا وكانيلا في خيمة صغيرة لنا على أصوات صياح بعض المُحاربين والرجال مِن الخارج. نهضنا مِن على السرير الغير مريح جداً بسرعة وأرتدينا ملابسنا. هي قررت ارتداء ملابس سوداء مع مشد خصر ضيق وقلادتها التي أهديتها إياها مِن هذه المملكة نفسها، القلادة على شكل فراشة.

أخذتُ أنا بلايز و إكسانا أضعهما معًا على كتفي الأيسر بعدما انتهينا مِن الملابس والدرع لأتوجه أنا أولاً إلى المَخرج وإذ بي أذكُر شيئًا نسيتُ أن اسأل كانيلا عنه لكون البارحة كان مليء بالكثير مِن المواضيع وغيرها مِن أحداث.

التفتُ إلى كانيلا لِتقف هي متجمدة أمامي حواجبها مرفوعة قليلاً للأعلى بِحيرة.

ما الأمر؟ سألتني هي.

لعقتُ شفتاي أرطبهم ثم أخذتُ خطوة نحوها امسك بِيديها لتنظُر هي لهم ثم لي ترفع رأسها
كيف أممم، كيف جرت الأمور مع مايكا البارحة؟

آوه، نعم نسيت أخبارك.

جرت بخير. قالت إكسانا بدلاً عن سيدتها لأنظُر لِلصغيرة على كتفي سيدتها بِالقليل مِن عدم تصديق لكن كانيلا وضحت الكلام تجذُب انتباهي
كُنا على وشك أفتعال شجار بيننا لكن قررنا عكس ذلك. فالكين، تقدمت مني أكثر ثم أكملت عينيها تلمع كَحبات ألماس بنية اللون.

مايكا رجل صالح. كِلانا خُضنا أشياء حملها ثقيلة بالكاد تحملناها لكنه في النهاية حقًا، أحبني وأخبرني أنه ما يزال يُحبني لكن ليسَ كالسابق فَحبه مات معي في ذلك اليوم بين أيادي تاليا وغير ذلك أنا كنتُ الوحيدة التي أحسَت بِكل ما مر به،.

--أنه يتفهمني ويتفهم سبب تركي له وسبب أختياري لك وزواجي بك. الزواج الذي لم يقدر هو على تحقيقه لي منذُ عشرون سنة تقريبًا. قال أنه سوف يدعني أعيش كما يجب وأنه مِن حقنا كِلانا إيجاد مَن نرتاح بالعيش معه والوقوع بِحبه لكنه لن يقترب منا أكثر ولن يكون صديق كالباقي لنا.

اومأتُ أنا لها أتفهم جيداً ما يقصده مايكا بِكلامه. هو لن يكون أول مَن سيفرح بنا أو أول من سيدعمنا في المستقبل ومع ذلك هو يقبلنا معًا وخاصةً هي مع رجل آخَر ليس هو و كونها حبه السابق الذي أبقى كلاهما على قيد الحياة.

فرحتُ بِذلك لِلغاية وأتمنى له السعادة دومًا. أنا أخبرتها بِما أشُعر به حقًا لتومئ هي أيضًا قبل أن أخُذ يدها ونغادر الخيمة نرى المحاربين يركضون في أرجاء المخيم ويصرخون على بعض بأوامر ما.

توجهنا إلى خيمة ريس و تاليا نجدها مفتوحة وفي داخلها الجميع مجتمعين حول الطاولة في وسطها لكن تاليا غير موجودة هذه المرة. أخمن أنها في غرفتها ترتاح فَحملها لا يُعطيها الطاقة الكافية لِقضاء كل الأيام مثلنا بِقوة وصحة.

فالكين لقد أتيت! قال ريس ينظُر لي قبل أن يُشيح بِنظره على كانيلا لِثانية ليُعيدهم عليّ يتجاهلها.

أسف على التأخير لكن الفوضى في الخارج أحضرتنا إلى هنا بِاسرع ما يمكن. قلتُ لهم ليومئ لي تيريان وأعتقد جنراله الذي يقف جنبه بينما فالين وفينار ابتسموا لنا.

أنا سوف أبقى هنا. أخبرتني كانيلا تشُد على يدي توقفني تُشير على كنبة في زاوية الخيمة لأومئ لها أقول لِبلايز أن يذهب إلى كتف كانيلا ولِإكسانا.

بعدها أسرعت إلى الطاولة أمشي مِن حولها إلى أن وقفت بِين ريس و أدلار ننظُر جميعنا على خريطة في منتصفها.

جيانا و تاليا في الغرفة. همس لي أدلار كما لو أنه قرأ أفكاري عن قبل قليل لأضع يدي على كتفه المُدرع أشكره بِصمت ثم عدتُ أركز على الخريطة ومَن يقف معنا.

ماذا لدينا؟ أنا سألتهم.

سبب الفوضى في الخارج، بدأ فالين ينظُر لنا هو أنَّ كاستيل وجيشه من الأتلانتيانز يجتمعون في ساحة الحرب في الأسفل وحاليًا أخبرونا جواسيسنا أنَّ عددهم لا يقِل عن الخمسون ألف جندي.

لهذا نحنُ الأن نستعِد لِجَمع جيوشنا التي يكون عددها خمسة وستون ألف جندي مِن الممالك الثلاثة لكي تذهب إلى الساحة كذلك. أضاف تيريان يُشير على المنطقة في الخريطة المُحاطة بِدائرة حمراء والتي تكون ساحة الحرب ذاتها التي خاضت فيها أسليرا حربها ضد شادونايت.

هل يكفينا العدد؟ أعني صحيح أننا نفوقهم بِخمسة ألاف جندي ولكنهم أقوياء جداً، أنا أخبرتهم بِقلق أنظُر لهم بالعينين
لقد قابلتهم شخصيًا ورأيتُ مدى حَد قوتهم حتى أنه قادرين على التنقل الآني ربما ليسَ جميعهم ولكن الأغلبية.

نحنُ مُدركون للأمر فالكين ولكننا لن نستسلم بِسهولة فَهُم ليسَ لديهم خبرة التي لدينا عن الحروب والقتال. قال تيريان يُشابك ذراعيه المُغلفة بِدرعه الأخضر والبني.

كما أننا لن نخوض الحرب مِن الأساس. أصافَ فالين يغمز لي.

لم أرى ولكني كدتُ أقسم أنَّ ريس شقلب مُقلتيه مِن جانبي على فالين لأنَّ فالين أخرج ضحكة من حلقه يؤكد كلامي.

ومع ذلك أحتمال حدوثها كبير لأننا نعرف أنَّ كاستيل يريدها بِشدة. قالت فينار تنقُر بظفر طويل ومُقلَم على ساحة الحرب في الخريطة.

نحنُ سنمشي على أساس الخطة التي وضعناها البارحة ولكن إن جرت الأمور عكس التيار فَهُنا سوف نخوض الحرب. قال ريس يتكئ على الطاولة بِيد.

المهم أن لا يُقاطع أحَد فالكين عندما يواجهُه و أن لا يكون لديه أية شيء ضدنا لكي يُغير الخطة كَوجود رهائن لديه أو--.

رهائن؟ قاطعتُ أنا كلام فالين لينظُر لي الجميع بِنظرات متعجبة كأنهم يعرفون شيئًا أنا لا أعرفه.

تبًا! لقد نسينا أخبارك. تمتم فالين يُشير لِريس ليتنهد ملك أسليرا يلتفِت إليّ كامِلاً كي يواجهني.

أتذكُر مجموعة المحاربين التي أرسلناها على مخلوقات الغريفين إلى جبال العسل مِن أجل البحث عن مَقر الأتلانياتنز أو على الأقل لكي يُحضروا لنا تقريراً عن حال المنطقة هناك؟

أومأتُ له بِ نعم ليُكمل هو يلقي نظرة على فالين و تيريان كأنهم يشاركون حديث سري بينهم بالعيون
لقد مرَ شهرين ولم يعودوا ونحنُ نضع أحتمال أنهم إما ماتوا في خطر الجبال أو، تم امساكهم مِن قِبَل رجال كاستيل.

حركتُ عينايّ على زاوية الخيمة التي فيها تجلس كانيلا تراقب الوضع بِسكون لأجدها بِعيون متوسعة كأنها لم تفكر بالأمر أطلاقًا حتى هذه اللحظة، مثلي.

أعدتُ أنا بصري على الجميع ثم أخبرتهم أهُز رأسي
لستُ متأكد، كاستيل لم يذكُر مجموعة الرجال التي ارسلتموها مع الغريفين إلى جبال العسل.

و قرية أولينا لم يكُن فيها غيرنا غريب وجديد كما أنَّ عائلة بيلا و أولينتيا وكل مَن تعرفنا عليهم لم يذكروا عثورهم على الرجال أو أية مخلوقات أخرى غيرنا.

كانَ هذا الجزء الذي الذي لم أتفوه به لهم لكونه سري خاص بي وبِكانيلا ومن أجل سلامة القرية.

حتى لو لم يخبركَ عنهم، فالكين فَهو قد يكون يمتلكهم ولكنه يخبئهم إلى أن يستعملهم كَرهينة ضدنا. أخبرني فالين عاقد حواجبه ليومئوا الجميع يوافقوه الرأيّ.

رائع!
هذا ما كانَ ينقصنا.
المزيد من المفاجآت والصدمات.

ما العمل إذاً؟ أنا سألتهم بِحيرة.

لن يتغير شيء. حتى لو أخذهم رهائن وظهروا في الساحة، لن يتغير شيء وستُكمل عملك كما رسمته خطتنا. رد عليّ ريس بِوجه ثابت لا يمكنني رؤية مشاعره على سطحه.

هل أنتَ في وعيك؟ ماذا عن حياة الرجال؟

بالطبع هي مهمة ولكنها لن تكون أهم من حياة الملايين.

هززتُ رأسي أرفُض هذا الكلام بِشدة ليضع أدلار يده على كتفي يجعلني أنظُر له أراه يبتسم بِلطف وتفهُم
لا تدع أمور كَهذه تعرقل خُطط قادرة على إنقاذ الكثير من الأرواح. جميع رجالنا مهمين ولا نوَد خسارتهم ابداً ولكن هكذا الحروب تكون لها تضحيات، سلبيات أكثر مِن الإيجابيات وعواقب وخيمة لِلفوز بها.

ولكن--.

لا لكن، فالكين، التردُد غير مسموح به في الحروب وإذا أستمريتَ على هذه الحالة فَعُد إلى فالينيا واختبئ في القصر أفضل لكَ مِن خوض هذا كله. عارض ريس بِصرامة وبِنبرة ملكية نادرًا ما يستخدمها معي.

عضتُ على شفتي السُفلية أرى أمامي رجل يعرِف الحرب من عمقها حتى عظامها ويعرف جيداً كيف تنتهي إذا تردَد المرء لِلحظة واستسلم لِمُخاوفه.

هذا الرجل أعظَم ما رأيت واقوى ما واجهت، أنه خصم مستحيل أن يُهزم بِسهولة وإذا هُزم، العالم بأسره سيَسقُط.

لهذا أومأتُ له مرةً واحدة وعدتُ أتناقش عن كيف كل شيء سيجري مع الجميع. أثناء انصات كانيلا لنا لا تنضم أو تتفوه بِحرف شعرتُ بِعينيها عليّ طوال الوقت وبِتوترها وخوفها مِن أجلي لكنها لم تُعارض ابداً على شيء بل ابتسمت لي كلما تقابلت مُقلتينا لها لِثانية تجعل مِن قلبي يَخفق وضباب أفكاري يرحل بعيداً.

لو لم أكُن زوجها الآن لكنتُ تزوجتها هنا في المخيم. في الحقيقة كنتُ أفكر طوال الليل البارحة عندما كنتُ أضمها في أحضاني على السرير، أشتم رائحتها لِصدري وأقبلها كلها حتى نامَت بِهدوء بين ذراعايّ.

لو نجونا هذه الحرب وخرجنا منها منتصرين، سوف أقيم زفاف آخَر في فالينيا وسوف أتزوجها في معبد أمام أعيُن الجميع وأعلنها زوجة رسمية لي حتى يعرف بها العالم كله.

نعم، سوف أحتفل بِها بِسرور وأراها تلبس الأبيض.
سوف أنجو مِن الحرب وسوف أقتل كاستيل لوماريل للأبد.

عندما وقفتُ لوحدي مع كانيلا في خيمة ريس لكونه ذهب مع الملكان و جنرالاتهم لكي يستعدوا لِلمواجهة في الساحة، دخل فجأة رجل يرتدي درع ذهبي خاص بِمملكة فالينيا وعلى عينه اليُسرى قطعة قماش تُغطيها و في أذُنيه أقراط من الفضة تلمع لانعكاس الأنوار عليها.

تبحلقت عينايّ عند رؤيته يقف أمام المدخل وهو يتنفس بِقوة كأنه كانَ يركض إلى هنا لأذهب إليه مسرعًا أعانقه بِقوة أعصره بين يدايّ، صفائح درعي تتصادم بِخاصته تُصدِر صوتً قويًا في أرجاء الخيمة.

ريزار! همستُ بأسمه لأشعُر به يبتسم يُطبطِب على ظهري ضاحكًا.

صديقي العزيز، الحمدلله على سلامتكما. قال لي يكسر العناق ينظُر لوجهي.

لقد أشتقتُ لك.

وأنا أيضًا فالكين.

أخذته إلى الطاولة لأجلس على كرسي بينما هو أخَذ كرسي و وضعه أمامي عند مقدمتها يبتسم كذلك لِكانيلا أما كانيلا عانقته ثم ذهبت و وقفت خلف مقعدي تضع يدها اليسرى على كتفي.

جلس ريزار على مقعده يخطف نظرة على يدها أثناء هطول بِلايز على الطاولة يجلس على طرفها ساقيه تتدلى للأسفل وإكسانا في موقعها على كتف سيدتها.

لقد سمعتُ بأمر زواجكما من الرجال. بدأ ريزار يُشير على يد زوجتي التي فيها خاتمها الجميل بنفسجي الحجر لأبتسم له ابتسامة عريضة لم أتحكم بها.

آوه حتى وحوش المَغارات سمعوا بِزواجهما. أضاف بلايز ساخرًا لأشقلب مُقلتاي عليه أدفعه بِطرف أصبعي أجعله يقع على ظهره ليُلقي كلمة بذيئة يكسب ضحكات من الآخرين عدا أنا.

هل تشعُر بالغيرة منهما، بلايز؟ سأله ريزار يُحرك حاجبه بِطريقة مُغيظة من دون أن يتلقى ردًا مِن ضئيل الحجم لكن عينيه كانت على إكسانا كما هو متوقع، وجنتيه تتورد.

على أية حال، كيف وصلت إلى هنا؟ غيّرت كانيلا الموضوع تتساءل ليتنهد صديقي يُرجِع بِظهره على كرسيه.

بعدما تم أختطافكما كنتُ مِن الباحثين عنكم وعندما لم نستطيع إيجادكم أرسلني فالين إلى جيشه في أريزو لكي أساعد جنراله لهذا انضممتُ إليهم وظللتُ أقضي وقتي في تنظيمهم أملاً بأنني سوف اراكُما يومًا ما بعد شهر من أختفائكما.

هذا ما يفسر درعك إذاً. أشرتُ على درعه ليومئ هو.

لقد وصلني خبر وصولكم البارحة مساءً لكني لم اقدر على القدوم إلاّ الآن لكي أراكم ومِن حُسن حظي أخبرني جلالته ريساند أنكم في خيمته لهذا ركضتُ إليكم.

أخمن أنكَ تعرف كامل القصة الآن بِما أنَّ خبر زواجنا و صولنا وصلك.

اومئ هو مرة أخرى يُبادر قائلاً
أنا كنتُ بالقُرب مِن ساحة الحرب، نُعِد الجيش فور معرفتنا بِتقدُم الأتلانتيانز و تحدثتُ مع جلالتهما ريساند و فالين عن مشاركتي معكم في الحرب وخاصةً لكي أكون بِجانبك عند مواجهتك لِكاستيل.

عقدتُ أنا حواجبي على كلامه لأنَّ جُزء كبير مني يوَد الرفض حالاً وأخباره أن يبقى هو مع الجميع في أمان لكني أعرف رايزر وعقليته، أنه عنيد لِلغاية ولن يقبل رفضي لِكلامه لهذا لم أتفوه بِشيء لن يعجبه.

هل أنتَ واثق؟ سألته بِقلق ليبتسم هو لي يربِت على ركبتي.

بالطبع، مَن سيتردَد بالوقوف مع صديقه المُقرب في لحظات كَهذه؟

عصرت كانيلا كتفي و أنا وضعتُ يدي فوق خاصته. مِن دون سابق إنذار دخل أدلار الخيمة أنفاسه هائِجة صدره يرتفع ويهبط بِسرعة ينظُر لي.
لقد حانَ الوقت.

نهضنا كلانا مِن على مقاعدنا ثم أومأتُ لأدلار بالتفاهُم قبل أن أسمع خطوات من داخل الغرفة على يساري تتقدم باتجاهنا. ظهرت جيانا مِن الغرفة وهي تمسك بِيد تاليا تدعها تستند عليها بينما يد تاليا اليُمنى على بطنها الكبير.

لاحظتُ على الفور شكلها. وجهها بدى أكثر ضعفًا مِن قبل، عظامه بارزة أكثر بِشكل مُخيف اللحم يلتصق به يجعلها تبدو وكأنها لم تأكُل منذُ أشهر بينما عرقها يملء جبينها ورقبتها، أطراف شعرها مبللة كما أنَّ عينيها فاقِدة لِلحياة لا نور أو لمعان فيها.

نظرات جيانا لي فيها نوع مِن الرُعب جعل قلبي يقع في معدتي وبِدمائي يتجمد في عروقي لأذهب أنا إليهما أقف أمام تاليا بِقلق أحرك عينايّ على جسدها.

جيانا هزت رأسها مِن اليمين لِليسار بِصمت تُخبرني أنَّ وقتها ضيق و حملها يسبب لها الكثير من المشاكل. أنا أعلم جيداً كيف أنَّ الجنيات بِصعوبة تحمل بالجنين حتى أنجاب الأطفال شبه نادر ومستحيل أنه ليسَ شائع لِلغاية لدينا فَكُل عائلة لديها طفل أو أثنان فقط و نادراً ثلاثة.

فالكين، أنتبه على نفسك أرجوك وأنصت لِما سيَقوله لكَ ريس. ترجتني تاليا ليتقطع قلبي لأجزاء على نبرتها الضعيفة الهامِسة كأنها بالكاد تلفظ بالكلمات تضع يديها على صدري.

حاولتُ الابتسامة لها لكي أريها أنني سأفعل كما تطلب مني لكن البسمة أنزلقت لواحدة حزينة قد رأتها بِوضوح.

أنا بخير لا تقلق عليّ، الحمل فقط، مُرهق جداً ومؤلم ولكني على ما يرام. بعد حملي الأول الفاشل، ضحكت هي قليلاً ثم تابعت
أخبرني الطبيب أنَّ هذا الحمل سيكون الأصعب ولكن جسدي سيعتاد على الوضع إن فكرنا بِأنجاب طفل ثاني يومًا ما.

وهل تفكرون بِواحد غيره؟

هذه المرة ظهرت بسمة واسعة حقيقية على شفتيها الشاحبة
بالطبع، على العائلة الملكية إنجاب أكبر كم من الأطفال من أجل المملكة.

كنتُ سأقول أنه لم يعُد يهم. أنَّ هذا الطفل سيكون كافي لأنها هي مهمة وصحتها مهمة، أسليرا ستصمُد مع أمير أو أميرة ولن تنهار طالما هي وريس معًا ولكني لم أفعل لم أقدر على لفظ أية كلمة لها ومع ذلك رأت تفهُمي لهذا ابتسمت لي تضع قُبلة على وجنتي تهمس في أذُني كي لا يسمعها أحد
أخبر ريس أنه إن لم يعود إليّ معك قبل ولادتي، سوف أرميه وأرميك لِلأتلانتيانز بِنفسي.

كدتُ أن أضحك لولا رؤيتي لِدمعة وحيدة تهرُب مِن عينها تسقط على يدي. ابتعدت هي عني تُلقي نظرة على كانيلا لِتقترب كانيلا منها تأخُذ يدها الممدودة نحوها تعصرها بِرقة.

وكأنَّ الحياة عادت لها، لمعت عيون تاليا لِثانية وبرق وجهها بِنور جميل لكنه مات بسرعة كما ظهر.

اهتمي بِها. تمتمتُ لِجيانا لتومئ هي لي قبل أن أخُذ يد كانيلا أشير لِريزار بالقدوم معنا بعدها لحقنا بِأدلار إلى ساحة الحرب مكان تواجُد أعدائنا وأصدقائنا.

أخبرتُ كانيلا أن تقف على التلة الصغيرة مع فالين، فينار و تيريان لكي تُشاهد مِن بعيد ولكن قريبة كِفاية لِرؤية كل ما يحدث في الساحة.

أومأت هي لي ترفض ترك يدايّ لِفترة تقبلني بِعمق على شفتاي قبل أن يُعطيني أدلار سيفي كي أعلقه على خصري أفلت يديها. توجهُتُ معه إلى الساحة أدخُل بين جيشنا الكبير مِن جهة لكي أخرج من الجهة الثانية أرى جيش الأتلانتيانز الرهيب مواجهًا لنا.

بيننا مسافة كيلو متر أو أثنين تقريبًا لكنني أحسستُ بِجيشبهم قريب لِلغاية بأمكاني رؤية تعابير وجوههم القاسية و الباردة و رؤية غضبهم ورغبتهم بالانتقام في عيونهم حتى وهم يرتدون خوذاتهم على رؤوسهم.

وقفتُ أنا بين ريس و أدلار وخلفنا جيشنا الذي يكون عبارة عن خليط مِن ثلاثة ممالك لكنهم هنا مِن أجل هدف واحد مشترك.
حماية عالمنا مِن شر أعدائنا.

ضيقتُ عينايّ عندما بدأ جيش الأتلانتيانز مِن التحرُك في مطارحهم، يبتعدون لِشخص ما، يسمحون له بالعبور لِنرى شخص يرتدي درع رمادي بدى قديم وصدء بعض الشيء، شعره الأشقر باهِت لكنه مُرتب وقصير كما رأيته آخِر مرة، لكن لحيته خفيفة جداً.

أستطيع رؤية أشياء آخرى على وجهه عدا التجاعيد، أستطيع رؤية تعبه وعدد السنوات أو القرون التي قضاها فيها بالتخطيط والتفكير والسهر لكي يصل إلى هذه اللحظة.
مثير للشفقة إن سألتُم عن رأيّ.
مثير لِلسخرية كذلك.

تقدم والدي أكثر يقف أمام جيشه في يده اليُسرى سيفه الضخم كلما حركه بِخفة بجِانب ساقه، لمع أسفل أشعة الشمس بين الغيوم الرمادية في السماء. لحُسن حظنا لم تهطل المطر اليوم ولكن الغيوم واعدة وغدارة.

فالكين! صاحَ كاستيل لي أراه لا يبتسم بِعكس ما بدى لي مِن نبرته.

صحيح أنَّ نظري كَجني خارق أستطيع رؤية الأشياء البعيدة بِوضوح ولكن لِسببٍ ما، لا يمكنني رؤيته هو بِوضوح كبير.

يبدو أنكَ لم تقدر على أنتظاري وتحركت بِسرعة إلى هنا. صحتُ له بالمُقابل لأسمعه يضحك بِقوة رأسه يرجع لِلوراء.

أحب أن أكون دومًا الأول بِكل شيء، بني.

هل كل شيء لديكَ تحدي بالنسبة لك!؟

لم يُجبني على الفور بل أخذ خطوة إلى الأمام بعدها قال
الحياة هكذا، بني، إما أن تكون الأول أو تكون الأخير وأنا أخترتُ الأول.

أناني أحمق. تمتم أدلار مِن جانبي.

الحياة ليست بِسباق وتوقف عن نعتي بِذلك الاسم فأنا لستُ بأبن لك! قلتُ له غاضبًا.

ضحك مجدداً لكنه لم يكترث لِكلامي وعاد يقول وينعتني بِذات الاسم
أنتَ مازلتَ صغيراً بُني. أتفهم أنَّ ريساند لعب بِعقلك وجعلكَ ما أنتَ عليه اليوم ولكن، تعال معي، أنضمي لي ودعنا نكون والد وابنه بِحَق هذه المرة سوف أعيد كل السنوات التي قضيتها مِن دوني مِن دون والد حقيقي يقف معك ويحبك ويحميك كما يجب.

أنتَ تُحب سماع نفسك تتكلم كثيراً، هاه كاستيل؟ تدخل ريس يُضيف سؤالاً ساخرًا لأقسم أنني رأيتُ كاستيل يرمقه بِنظرات قاتلة لكنه لم يرُد عليه أو يبادر بل أبقى تركيز عليّ أنا.

والدي مات منذُ زمنٍ بعيد وأنا لا أحتاج رجلاً مثلك لكي يلعب دوره. صحتُ له أضَع يدي على مقدمة سيفي أعصرها بِشدة حتى تحولت مفاصلي لِلبيضاء.

دعنا مِن هذا الكلام الفارغ فالكين وأنصت لي جيداً، لا تدخُل في حرب تعلم أنكَ ستخسر فيها. أنا لا أريد أذيتك ابداً ولقد حاولت مراراً التصالح معك ولكنكَ ترفض في كل مرة لهذا بدأ صبري ينفذ.

من قال أنني في حرب سأخسرها؟

هل لعب ريس بِعقلك مجدداً وأوهمَك بالفوز؟ أنتَ تعلم أنَّ في الحرب الآخيرة كادَ أن يخسر ضج غادان لولا زوجته الهجينة الساقِطة و غدرها بِظهره.

أحسستُ بِهالة ما قادمة مِن يميني تجعلني أنتفِض بِمَطرحي كما فعل من يقف معي يتلقى نظرات جانبية من أدلار. آوه لا، كاستيل أقترف خطأ كبر بِالتحدُث عن تاليا بِتلكَ الطريقة.
لقد حفر قبره بِنفسه.

نظرتُ بِطرف عيني على ريس لأجده هادئ كُليًا، لا يبدو عليه الغضب كما شعرت قبل لحظة بل العكس تمامًا. عينيه الباردة على كاستيل ومُضيقة كأنه يحسب ويقرأ في عقله.
جيد.

هل أنتهيتَ مِن كلامك؟ لدينا حرب لِنخوضها. قلتُ له أتقدم خطوة إلى الأمام ليُمسك ريس بِذراعي يوقفني.

نظرتُ له مِن فوق كتفي ثم رفعتُ عينايّ للأعلى قليلاً أقابل أثنتين لم أرى مثل جمالها من قبل.

كانيلا. أنها تنظُر لي أقدر على رؤية والشعور بِقلقها مِن هنا لكنها ابتسمت مشابكة يديها مع بعضها أسفل ذقنها. أرجعتُ بصري على أبن عمي ثم أخبرته
ثق بي.

لم يُفلت ذراعي إلاّ بعد دقيقة طويلة لأذهب إلى وسط الساحة وأقف مَفرود الساقين. مِن هذا القُرب، انتبهت على حواجب كاستيل الشقراء مرفوعة بِفضول.

أود التكلم معك بِشكلٍ جيد، لما لا تقترب أكثر و تواجهني وجهًا لِوجه. أنا قلتُ له.

هل هذه لعبة آخرى خططتم لها من قبل؟

هززتُ رأسي أرفع يدايّ للأعلى كأنني أريه أنني مُسالم ثم أجبت
لا توجد لعبة في الحرب ولا خداع أنا أعدك. و بما أنني لن أكون معك ابداً في الحرب أو في أية يوم سوف أعدك بأنَّ مواجهتنا سوف تكون عادلة وحقيقية.

ما الذي يعني هذا بِحق السماء؟، يبدو أنَّ لديكَ شيئًا لتعرضه.

لم أرُد عليه بل أنتظرته إلى أن تنهد بِقوة وتقدم نحوي لكن أحَد رجاله أوقفه بِسرعة يهمس شيء ما في أذُنه ربما يخبره أنَّ هذه خدعة ما وأنَّ عليه الحذر. أبعده كاستيل عنه بِقوة يدفعه يوقعه على الأرض قبل أن يُكمل سيره نحوي يضع سيفه على خصره مثلي.

وصل هو إليّ يقف أمامي مباشرة يُحدق بعينايّ كما لو أنه حاول قرأتي كالكتاب أو لكي يعرف إن ما كنتُ حقًأ أخدعه وأكذب عليه.
وأنا أفعل الأثنان.

ماذا لديكَ لتعرضه كي توقف هذه الحرب عزيزي فالكين؟ صحيح أننا لم نعيش معًا ولا نعرف بعضنا جيداً لكنكَ تذكرني بِوالدتك. أغاثا كانت امرأة صادقة لكن تعابير وجهها تتغير عندما تُخفي شيئاً عني،.

--كانت عينيها الجميلة تتحرك باستمرار على وجهي كما تفعل أنتَ الآن لكنها تقف بِشماخة بِطريقة تجعلني بعض الأحيان متوتر كما تفعل أنت، تجعلني أشعُر بأنَّ هنالك أمر آخر لا تتفوه به.

أنا أبنها، أنا أبن والدتي أغاثا سيدة قصر أسليرا، بالطبع سوف أشبهها.

توسعت بسمته حتى ظهرت أسنانه المثالية يتكئ على ساق أكثر من الأخرى.
أنتَ أبن والدتك بالفعل لكنكَ أيضًا تُشبهني ولا تدري، لديكَ إصرار لا يمكن كسره وعنيد عندما تعلم أنكَ مُحق ولديكَ جانب ضعيف عندما يتعلق بِمَن تحب ومع ذلك هذا لا يوقفك مِن فعل المستحيل لكي تصل لِمُرادك، مثلي أنا بالضبط.

لم أتحرك أو أرُد عليه لأنه، لأنه محق بِكل كلمة قالها.
كَوَرتُ يدايّ على شكل قبضات على جانبايّ وهو مع الأسف لاحظ ذلك لِتكبر بسمته أكثر تخيلتها تمتد لِلتلال وإلى النهر القريب منا.

سافل!
حقير!
أنا أكرهه!
أحقد عليه!
وأتمنى موته!

أمي كانَ مَن يجب عليها العيش وهو من كانَ يجب عليه الموت ولكن، ولكنه آخِر ما لديّ.

أنه، أنه والديّ، أنا قطعة منه، مِن لحمه ودمه و أمي كانت تحبه لِلغاية، كانت تحبه وتكرهه وهي ماتَت لا تعرف عن وجوده في العالم الذي تركته.

ماذا كنتِ ستفعلين إن عشتُ إلى هذا اليوم تعرفي بِوجوده على قيد الحياة بعد قرون من اعتقاد أنه مات؟
أنا سألتُ والدتي بِداخلي لكنها ليست هنا لكي تجيبني وتساعدني هي ذهبت وتركتني ورائها.

هل أنتهيت مِن التحدث؟ أنا سألته أعود لِلموضوع الرئيسي ليُهَمهِم هو قبل أن أكمل أنا
دعنا لا نخوض الحرب و--.

ضحك هو كأني أخبرته بِنكتة ثم قال
مِن الأن تستسلم؟ هذا ليس ما توقعته ابداً.

دعني أنهي كلامي، اللعنة! قلتُ له من بين أسناني أتابع
هناك الآلاف منِ الأتلانتيانز الذين سيموتون. عددنا أكثر منكم.

بِقليل، هذا لن يؤثر علينا عزيزي فالكين.

ولكن هنالك شيء لا تعرف عنه سوف يجعل جيشك يقف ضدك لكونك فشلت بِإدارته من البداية.

تحول وجهُه مِن الساخر إلى الجاد بِثانية ليسأل
و ما هو؟

أشرتُ بأصبع يدي على جيشه لينظُر هو بنفس الاتجاه
خلف جيشك نهر الكريستال وخلف نهر الكريستال المزيد منه ولكن، هل تعلم عن الغابات المطرية والجهة الأخرى منه؟ ما يكمُن عند الجُرف؟

ارتجفت عينه اليُسرى لأبتسم مِن الداخل أكمل كلامي بِما أنه فقد لسانه
هل توَد أن تعرف ماذا يكمُن حقًا، كاستيل؟

أنتَ تكذب.

هل أكذب حقًا؟ ألستُ أشبهك؟ إذاً يجب عليكَ أن تعرفني جيداً إن كنتُ حقًا أشبهك.

كيف لي أن أتأكد وأثق بِكلامك؟

هززتُ كتفاي أريح يدي على مُقدمة سيفي
لكَ الأختيار. سوف نتقاتل في الساحة وسوف نسفُك الدماء إلى آخِر نفسك إلى أن يموت كل شخص بيننا ونبقى نحنُ في النهاية أليسَ هذا ما تريده؟ ومع ذلك هذه أرض أريزو أيّ أنها لِتيريان وهو يعرف كل ذرة تربة عليها لهذا مَن الذي يقف في المقدمة ويكون الأول؟

ظل ساكِتًا لا يتفوه بِحرف كأنه لم يعُد قادر على التكلم أو أنه نسية كيف يفعل ذلك لأتابع أنا أخذ القيادة كما خططنا في خيمة ريس
ورائي الآن جيش يتألف مِن ثلاثة جيوش موحدة له قوة لا مثيل لها ويقوده أعظَم ثلاثة ملوك. الجيش مُدرب على الحروب منذُ الأزل بينما خاصتك لم يقصدوا الحرب منذُ زمن طويل وحتى لو تدربوا لن يصلوا إلى مهارة واحترافية جيشنا.

رأيتُ عضلات فكه تشُد وترتخي عِدة مرات أعرف أنني أدوس على عرق حساس لديه قبل أن أكمل كلامي
ولكي أكون صادق أكثر معك، هذا الجيش ليسَ كل ما لدينا بل القليل منه، أبقينا الآخرين في الممالك حتى يحموها لهذا حتى لو خسرنا، غيرهم قادم على الطريق.

ما. الذي. تريدونه؟

هنا ابتسمت بِحَق أمامه أريه أنني أنا الأول وهو الأخير فلقد قُلبَت الآية لأجيبه
بِبساطة أن لا نبدأ الحرب وإنما نتواجه أنا وأنت لوحدنا في الساحة.

رفع هو حواجبه بِتعجُب كأنه لم يتوقع كلامي
هل أنتَ جاد؟

جاد جداً.

أنتم جبناء.

على العكس نحنُ نساعدك، نجعل رجالك لا يدخلوا في حرب سوف يخسرونها بالإضافة، نحنُ سندعهم يرون قائدهم العظيم الذي وعدهم بالفوز يقاتل، قائدهم الذي لا يُهزَم. هذه فرصتك اللامعة.

ظل صامتًا.

أسمعني وأنظُر إلى نفسك. لقد قضيتَ حياتك كُلها تُخطط معهم وتدرسونَ هذه الحرب وإذ بِكُل شيء يذهب هباءً منثوراً. أشرتُ على ما حولنا ليتبع هو يدايّ بِعينيه.

ماذا سوف أكسب مِن هذا الشرط؟ وأخيراً سألني بِغضب واضح على وجهه دخان غير مرئي يخرُج من أذنيه وأنفه كما ينفث الثور الهواء.

حسنًا، سوف تذهب إلى جيشك وتخبرهم أنه إن فُزتُ أنا بالقتال فسوف يستسلمون لنا من دون غدر،.

وإذا فزتُ أنا بالقتال؟

لم أجبه بسرعة وإنما أخذتُ أفكر فَهذا الحديث يمشي كما خططنا له بالحرف الواحد ولكن مع بعض الإضافات الخاصة بِكاستيل لهذا عليّ أنا حل الموضوع بِنفسي.

أنا سوف أذهب إلى جيشي وأخبرهم أنه إن فزتَ أنت، فَسوف أموت وهم بالمقابل سوف يستسلمون لك ولكم حرية تدمير العالم.

منذُ لحظات كنتَ تقول أنه جيش و الملوك لا يهزمون و المزيد من الهُراء والأن تُخبرني أنني إن فُزت عليك في قتال فردي، سوف يستسلمون لنا؟

اومأتُ له بِبساطة مع أنه لا يصدقني ابداً ولكن المحاولة لن تؤذي.

تظنون أننا أغبياء؟ أننا لا نعلم بِخُطتكم كلها؟ لا وجود لِجيوش مُخبأ عند نهاية النهر أو في الغابات المَطرية كما أنني لو فزت لن تستسلموا.

أحسستُ هنا بِمعدتي تتقلب بِداخلي وبِحلقي يجف تمامًا مع أننا توقعنا عدم تصدقيه فهَذا شيء حتى أنا أجد صعوبة بِتصديقه.
آوه كما أنني لم أذكُر أننا نحن مَن نمتلك جيش آخَر ليس هنا وإنما في الممالك، مُخفون في الغابات التي تحيط جميع الممالك. باللحظة التي تبدأ هذه الحرب أعرف أنَّ كل الممالك في خطر لم تواجه من قبل،.

--أنا رجل حروب. صحيح أن جيشي ليسَ مثلي لكني خُضتُ حروب لا تُعَد ولا تحُصى في أيام حكمي بِجانب أيكسا شقيقي الضعيف الذي أنجب أبن أضعف منه لكي يأخذ أسليرا مِن بعده و الأن سوف ينجبوا طفلاً كي يسرق المملكة منك ومني لهذا سوف اتأكد، نفخ هو صدره وحدق بي بالعينين بِطريقة جعلتني أخذ خطوة إلى الوراء ليتقدم هو خطوة نحوي.

مِن أنَّ ذلك الطفل لن يعيش ليرى هذه السماء و بالنسبة لِوالديه يكون والده سوف اتأكد من أنهما بعيدان بعضهما عندما أضع يدايّ عليهما، سأضع كلاً من في منطقة لا في هذا العالم أو في العالم الآخر سيقدرون على مقابلة بعضهما البعض و بالنسبة لِلممالك، ستكون لنا سأجمعها حتى يصبحوا مملكة واحدة وأنا مَن سأحكمها جميعها!

رصيتُ على أسناني بِشدة حتى الألم لكني لم أحني رأسي ولم أخَف منه ومن تهديداته بل وقفتُ مرفوع الرأس، شامخ كما كانت والدتي تقف عينايّ لا تُغادر خاصته لأتقدم إليه أغلق المسافة بيننا وجهي قريب مِن وجهه أشعُر بِلهيبه كالهالة من حوله كَما هو لهيبي الذي ورثته منه.

الشيء الوحيد الذي أفتخر بِه حتى لو كان وراثه مِن هذا الرجل الأناني الخائن والقذر.

إذاً؟، هل توافق؟ أنا سألته أرجع لِلموضوع ليومئ هو يبتسم يعود بِخطواته إلى الخلف يُعطيني ظهره ويذهب إلى جيشه بينما أن عدتُ بِخطوات ثقيلة على الأرض نحوَ جيشي.

بعد ساعة من الأنتظار وصلنا خبر أن كاستيل وجيشه وافقوا على الشروط لأعود أنا إلى وسط الساحة مكان وقوفنا كالسابق لكن هذه المرة يبدو أنه مُدرع حتى الرأس ويحمل بيده سيفه الضخم كَدرعه، عليه خدوش كثيرة أعلم أنَّ هذا السيف عمره مِن عمر كاستيل وربما أقدم.

سحبتُ أنا سيفي أضع مسافة بيننا لكي أواجهه.

أتعلم، كنتُ أفكر، قال كاستيل يمشي مِن حولي على شكل دائرة وهو يَجُر سيفه على التربة لأدور مِن حوله هو أيضًا أرفع سيفي عن الأرض بِحذر.

أنه عندما أفوز وهذا أكيد، سوف أقتلك وأستولي على العالم ولكني لن أدفنك بل سأفعل تمامًا ما فعلته تلكَ الهجينة زوجة ريساند بِكانيلا حبيبتك كي أعيد لكَ الحياة وبِتلكَ الطريقة سوف تكون معي بِجانبي إن شأتَ أم أبيت.

أحنيتُ ظهري قليلاً بأستعداد لِلهجوم لا نزال ندور حول بعضنا من جهة جيشه ومن جهة آخرى جيشي يقفون ثابتين يحدقون بنا وينتظرون.
لن نخوض الحرب وأنا لن أخرُج من الساحة مهزوم.

مِن أجل الممالك، مِن أجل العالم ومِن أجل كل مَن أحب، لن تستمر الحرب ولن تنتهي بِموت أحَد غير هذا الرجل الشرير.

أنا إذا مت ولو أعدتني إلى الحياة بِالمستحيل، لن أكون معك أو لجانبك ابداً لهذا سيكون عليكَ قتلي كثيراً وأحيائي أكثر كاستيل.

لم يبادر بِالكلمات لأنه فجأة صَرخ بأعلى صوته ثم تهجم عليّ بِسيفه لأرجع أنا خطوة إلى الوراء أتفادى ضربته ليَغرِز سيفه بالتراب. أعاد رفعه في الهواء بيديه الأثنتين ثم ركض نحوي يوجهُه على صدري لأتدحرج على التراب بعيداً عنه أقف على ركبة أسند نفسي بيدي الفارغة.

سوف تندمون على كل شيء! أنا لا أهزم! صرخ هو يُلقي بِسيفه مجدداً على جانبي لأتدحرج مِن جديد بعيداً عنه قبل أن يقطع رأسي.

تبًا! همستُ مع نفسي أنهض على ساقايّ يُصبح هو أمامي بسرعة البرق يوجِه سيفه على رقبتي.

تشقلبتُ أنا إلى الوراء لأشعُر بِالسيف الحاد يسلخ المنطقة الغير مُدرعة في قدمي عند الكاحل وعندما وقفتُ على أقدامي أحسستُ بِحرارة الجرح وبِسائل دافئ يسيل منه.

لم أهتم أو أنشغل به بل رفعتُ سيفي بالثانية التي هبط سيفه عليّ لِتتصادم سيوفنا بِبعضها تُصدِر صريرًا يؤلم الأذُنين وتخرج من بينهما شرارة زرقاء على تلامس الحديد بالحديد.

ضغط هو عليّ بِكامل قوته وجسده، هو مِن الأعلى وأنا في الأسفل أراه يبتسم.
أنا أمير كانَ يجب عليه أن يكون ملك لهذا لا تستخف بِقوتي، بني.

أخرس! صرختُ بِوجهه أدفعه عني ليرجع هو قليلاً يُعطيني المساحة لِلأبتعاد والدوران في مطرحي رافع لِسيفي كي أصيبه به.

كانَ السيف قريب جداً مِن رأسه، قريب لدرجة قطعه لكنه مِن دون سابق أنذار أخرج جناحيه وحلق بِسرعة الرياح إلى الأعلى يضحك كالمختل عقليًا، هو مختل.

عاد يهبط على الارض أمامي كتفيه يهتزان مِن الضحك قائلاً
أنتَ أضعف مِن ما تصورته، لقد ظننت أنكَ أقوى من هذا، فالكين.

لم تكُن تلكَ كلماتك أو ردة فعلك عندما رأيتني في تلكَ الغرفة في جبال العسل.

تحول وجهه مِن الضاحك إلى الشاحب في لحظة سريعة لأركض أنا قبل أن يرمش أوجِّه عليه السيف، لم يقدر على صَد الضربة ليُصيب صدره إلاّ أنَّ درعه الصُلب خُدِش فَحسب ولم يتأذى أكثر من ذلك.

صحيح أنا أعترف بِذلك ولكن هروبك كان مثيراً لِلشفقة، كانَ بإمكاني أخذكم مجدداً وحبسكم في زنزانة لا يعرف أين مكانها غيري أنا ولكني غيّرتُ رأيّ وتركتكم تهربوا لأرى إلى أيّ نقطة تستطيعون الوصول إليها وأنظُر،.

أشار إليّ وإلى الساحة يُكمل كلامه
لقد فاجأتني و نجوت مِن الوحوش والغابات الخطيرة في جبال العسل.

أنتَ تكذب! رجالك فشلوا بِالعثور علينا.

هممم حقًا؟ أنا مثلكم تمامًا، خطتُ لكل شيء سابقًا. رجالكم على مخلوقات الغريفين كانت خُطة حمقاء جداً مع الأسف رجالي كانوا غاضبين لدرجة لم يتحملوا ولم يرحموهم. و بالنسبة لِطيور الغريفين لقد لقَت حتفها وتم تزيين غُرَف رجالي بِريشها الجميل الملون.

صرختُ أنا عليه لا إراديًا أوجِّه سيفي على وجهِه لكنه صَد الضربة بِخاصته لألقي بِواحدة آخرى و واحدة آخرى وآخرى وفي كل مرة صدها جميعها من دون زحزحة أو تعَب.

أحسستُ بِنيراني تَغلي بِداخلي، تنتشر مِن صدري، ذراعي، يدي وإلى سيفي في قبضتي لِتغطي بِحرارتها تجعله يذوب.

حرك كاستيل عينيه على سيفي كأنه شعَر بِتلكَ النيران التي لديه كذلك ثم قال وهو يقلب سيفه في الهواء
مثير للأهتمام، وأنا مرةً رأيتُ ذات الوحش على والدتك عندما تركتُ القصر. كانَ ذلك منظراً لا يُنسى ولكنها فشلت بِِقتلي والأنتقام لِلمملكة بِسبب الهجينة دايانا.

لِلمرة الآخيرة، أنا. لستُ. أبنك!

أخرجتُ جناحايّ بِلمح البصر وبدأتُ بِرؤية أحمر أمامي، كل شيء أحمر، الأرض، السماء، الغابات وكل ما يُحيطنا ولكني رأيتُ هدفي بِوضوح، كاستيل وهو يقف مواجهًا لي بِلا حراك عينيه متوسعة.

تعال إليّ فالكين، تعال مع كل ما بِداخلك. قال لي يُشير بِسيفه لي لألبي ندائه.

ركضتُ بأسرع ما يُمكنني نحوه أرفع سيفي في الهواء وهو التفت على جنب يتفاداني يُصبح خلفي يُلقي بِقدمه على ظهري يوقعني على الأرض. سمعتُ مجموعة مِن الشهقات والصُراخ باسمي لكني تجاهلتها جميعها أنهض التفت لِخصمي.

ممتاز! إياكَ و الاستسلام. صاحَ هو يضحك لأتهجم عليه مجدداً اقفز في الهواء هذه المرة.

هو قفز على جنب يتدحرج بينما سيفي دخل الأرض وعلق بِها لِلحظة. رصيتُ على أسناني أسحبه منها بِشدة حتى خرج وعاد بِبقضتي المُحكمة حوله.

لقد سأمتُ من هذا. همستُ لنفسي أدع سيفي مِن يدي لِأصبح بِغمضة عين أمامه أرى عينيه تتوسع مجدداً بِدهشة.

أمسكتُ بِرقبته رفعته عن الأرض ثم ألقيتُ به عليها ليُفلِت هو أيضًا سلاحه يسقط على الطين ينشره من حوله يُلطِخ درعي وجانب وجهي به.

باليدين إذاً؟ يُعجبني هذا كثيراً. قال هو يقف على ساقيه.

ذهبتُ له لا أدعُه يأخُذ نفسًا ألقي قبضاتي على فكه، تلامَست يدي بِوجهه أضربه ضربة سمعتُ عظامه تُطقطِق بِبضعها. أردتُ ألقاء المزيد منها لكنه امسك بِقبضتي وضربني بخاصته على معدتي يرسلني مُحلقًا إلى الخلف.

بِجناحايّ أستطعتُ عدم السقوط لكن جانب وجهي ينبض بِشدة مِن الألم أعتقد أنه كسر لي بضع أسنان ومزق فمي مِن الداخل ومع ذلك كل هذا سينمو مجدداً إلاّ رأسه عندما يفقده.

رفعتُ رأسي أمامي لكني لم أجده هناك لأشعُر به قبل أن أراه، يظهر خلفي. امسكني هو مِن جناحايّ لأصرُخ بِألم يفوق التَخيل أحاول التهرب مِن يديه فَهو يمسكني مِن مكان حساس لِلغاية قادر على تدمير عضلات ظهري وربما كسر عامودي الفقري.

هذه الأشياء من الصعب التشافي منها وقد لا أشفى ابداً.

أنتَ ضعيف جداً، الطفل يمكنه القتال أفضل منك. سخر هو يضحك أكثر أهبط بِجسدي على يدايّ على الأرض بِكامِل قوتي أفاجئه.

مِن حركتي أفلت أجنحتي و حلق مِن فوقي يقع على وجهه وبطنه. حاولتُ أنا النهوض لكني لم أستطع، لقد أذى منطقة في أجنحتي إلاّ أنه ليس بالشيء الذي سيمنعني من النهوض والمتابعة.

ومع كل الذي سبق، كاستيل كانَ أكثر قوى وسرعة عادَ هو مسرعًا بإتجاهي يصبح أمامي ليُلقي بِقدمه على وجهي يلتفِت في الهواء يُطعمني طين لألاحظ أنه يحمل سيفه عندما رفعتُ وجهي من الطين المثلج، يجمد وجهي بأكمله ألهث بأنفاس قوية من بين أسناني المطبقة على بعضها، رئتايّ تصرخ عليّ من الألم.

لا! همستُ مِن تحت أنفاسي أفرُد يدي أحاول أستدعاء سيفي الذي لم لا أعرف أين هو بالضبط في الساحة الكبيرة.

لقد أنتهى أمرك. قال كاستيل يأتي إليّ لِيَضع قدمه على ظهري بين أجنحتي يجعلني أصرخ بِأعلى صوتي أغلق عينايّ بِشدة حتى ظننتها تنزف.

تعال! تعال إليّ! صحت بِعقلي لِلسيف الذي أعطاني إياه أدلار، سيف لم يَخذلني يومًا، سيف حجره يُعبر عني، عن قوتي وكل ما أمتلكه منذُ أن أتيتُ على هذه الأرض، سيف رافقني منذُ أن كبرت وأصبحتُ ما عليه الآن، هدية من ريساند وآمانة من أمي.

قُل الوداع لِأصدقائك. ضَغط بِقدمه على ظهري أكثر لأصرخ مرة آخرى أمد يدي أكثر أنادي سيفي بالقدوم بِصوت مرتفع لا أهتم أنَّ الجميع يسمعني.

أحسستُ بِكاستيل يرفع سيفه من فوقي مستعد لِغرزه بِجسدي وإنهاء أمري لكن هذا لم يحدث لأن...

فالكين! سمعتُ صُراخ أحدهم قد جعل قدم كاستيل تتوقف عن الضغط تجمد السيف فوقي لِبعض الوقت.

في البداية ظننت أنني تخيلتُ سيفي يُناديني ولكن عندما فتحتُ عيوني بِذات الثانية التي رأيتُ فيها صديقي ريزار يُلقي بِسيفه على كاستيل يُبعده عنه، علمت أنه هو مَن صرخ باسمي وليسَ سيفي الذي أتى إليّ بِوقت متأخر أمسك به بِقبضتي.

التفتُ أنا على ظهري أمسك بالسيف أرى ريزار يواجه كاستيل و جذور الخوف تنتشر في صدري، لم أكُن يومًا لأرى منظراً أكثر رعبًا من هذا الذي أراه.
صديقي يواجه عدوي.

استطاع ريزار إصابة كاستيل صدفة بِخدش على رقبته لكن كاستيل لم يكُن سعيداً لِلغاية بِهذه المقاطعة ليَمُد يده بِمُستوى صدره و يطلق كرات نار عليه تجعله يتراجع، ذراعه عند وجهه يحمي نفسه منها لكن يده لم تكن كافية ضد كرات النار الحارقة لِتحرق درعه تحوله للأسود.

انتبه! صحتُ له قبل أن يبعِد هو ذراعه وينظُر إلى أجله.

حرك كاستيل سيفه بِسرعة بالثانية التي أبعد هو ذراعه عن وجهه لِيتقابل طرف السلاح بِلحمه وعظمه يقطع ذراعه اليُسرى.

صراخ ريزار كانَ اسوأ ما سمعته في حياتي كلها. كانَ شيئًا لم يكُن بأمكاني تحمله، أحسستُ بأذُنايّ تنزف وبِدماغي يعصِر نفسه في جمجمتي. لم أعُد أعتقد أنَّ هنالك دماء يجري في جسدي، كل شيء تخدر وأنا أرى ذراع صديقي العزيز تقع كما هي على الأرض بينه وبين كاستيل.

لماذا تدخلت! لم يكُن من المفترض أن تأتي أيها الغبي!

لستُ أدري إن ما صحتُ بِهذه الجملة في عقلي أو بِصوت مرتفع لكن الذي أعرفه أنني نهضت مسرعًا نحوه أدفعه وهو ينزف مِن يده التي يحدق بها مصعوق بعيداً عن ضربة كاستيل من النار.

أصابتني النار في صدري لأسقط أنا على الأرض اتأوه لكن الدرع حماني من حرارتها و الإصابة بها.

بدأ الأمر يُصبح سخيفًا ومُملاً. تمتم كاستيل أرى عينيه تتحول لِلسوداء كاملة تذكرني بِعيوني عند تحولي لكنه لا يمتلك ذات الوحش لأن الذي لديّ. الوحش الذي ورثته من والدتي.

انتظروا لحظة...

ها هو الوحش الذي انتظرته. قال كاستيل مبتسمًا لأعرف أنني أرى أنعكاس عيوني بِخاصته.

أنا الذي يتحول.
عصرتُ السيف بِيدي بِشدة لا أدَع الوحش يتحكم بي كاملاً، هذا ليسَ وقته لأني إن تركته يتحكم بالسلاسل التي تحيطه فَسوف أفقد تحكمي أنا به.

أنتَ في عداد الموت! صحتُ عليه أحرك أجنحتي لأطير نحوه بِسرعة لم يلحقها حتى أصيبه في صدره يغرز السيف بِدرعه يخترق الجلد اللحم والعظام.

حدق كِلانا معًا على سيفي بِصُعق ننتبه أنه أذاب درعه، سيفي الذي أصبح يخرُج منه لهيب حارق تمامًا كما حدث معي في تلكَ الغرفة في جبال العسل قبل هروبنا وكما حدث في بهو قصر الظلام في مملكة شادونايت.
حان دوري بالابتسام.

رفع كاستيل رأسه لأحرك سيفي على جسده بِالجهة اليُسرى أكسر درعه كله وأشق جرح عميق طويل عريض في جسده. سقط هو على الأرض بيننا لأرفع ساقي وادفعه على معدته بِكُل ما أوتيت من قوى.

وقع هو على ظهره وعاود النهوض مع أنه ينزف بِكثرة دماء أحمر قرمزي على الطين يُطلق ناره عليّ لأطير بعيداً عنها في الهواء أتفادى ضرباته.

لا أحَد يفوز عليّ، لا أحد! لم يفعلها شقيقي ولن يفعلها أبني. قال كاستيل ينهض وجهه تحول للأبيض بِسبب خسارته لِلكثير من الدماء يُلقي بِسيفه ليضع يديه أمامه أعلم جيداً ما يحاول فعله.

ألقيتُ أنا أيضًا بِسيفي أمُد يدايّ مثله لِتنفجر مِن أيادينا كلانا النيران بِنفس اللحظة. مِن جهة خاصتي برتقالية وحمراء ومن جهته حمراء كأنها موجة دماء.

كلاهما تتصادم بِبضعها تخلق موجات مِن النيران مِن حولنا تجعل الجميع يبتعد أكثر لأرى بِطرف عيني أدلار وبعضًا مِن محاربيه يأخذون ريزار مِن الساحة.

كنتُ سأصرخ لهم بأخذ يده ولكن لم ألحق لأنَّ موجات النيران أحرقتها كما هي وحولتها لِرماد كما أنَّ الطين من حولنا يغلي كالماء في قدر فوق موقد النار.

لن أخسر! صرخ كاستيل يعيد انتباهي إليه لأتقدم أنا خطوة نحوه أضغط على نيراني أخرجها كلها من يدايّ أشعُر بِرأسي يدور وبِدمائي يسيل مِن أنفي فأنا في حياتي كلها لم أستعمل كامل نيراني.

لم أكُن أعلم أنه باستطاعتي أخراجها كلها ولكن لكُل تجربة مرة أولى.

فكرتُ بِكل ما يمكنه أن يبقيني على قدمايّ. بِعائلتي التي خذلتها عندما تركتُ أسليرا. بِأصدقائي الذين لم احميهم كفاية، بِحبيبتي وزوجتي التي أحزنتها كثيراً. فكرتُ بكل ما يجعلني قويًا أيضًا وأنا أمشي نحوَ كاستيل.
بِحب عائلتي، بِثقة أصدقائي وبِامرأة تنتظري فوق تلة كُلها خوف وقلق على زوجها الذي قد يعود أو قد لا يعود إليها.
فكرتُ بِكل ما لديّ.

أنا لديّ كل شيء، وهو لا شيء!

صرختُ بِأعلى صوتي أفتح فمي على مصراعيه أتقدم خطوة وراء الآخرى إليه وبيننا النيران تصغر وتصغر لكن نيراني صرخت معي وأصبحت أقوى بِكثير، حرارتها تحرق كل ما تلمسه تسبب حفرة كبيرة أسفلنا.

تقدمتُ أكثر.
أنا لن أخسر!
لن أدع خلفي كل مَن أحب كما فعلت والدتي حتى لو لم يكُن باليد حيلة، أنا سأخلقها!
تقدمتُ أكثر.

لاااا! صاح كاستيل كُلما صغرت المسافة بيننا.

أنا لديّ كل شيء وأنتَ لا شيء! صرختُ الكلمات التي شعرتُ بِها كالفحم على لساني.

أتقدم مرة أخيرة قبل أن أدفع بِنيراني عليه لِتتفوق على خاصته وتلقي به على ظهره.

ماتت النيران بيننا كَلحظة صمت كبيرة فيها سمعتُ الرعد فوقنا يضرب. رأيتُ أنَّ النيران لم تؤثر عليه لكونه منها لكنها أضعفته كِفاية لِتُبقيه على الأرض في الحفرة التي سببناها كلانا.

ذهبتُ أنا إليه بِبطء أشعُر بِجسدي ثقيل، متعب وحار جداً لتُصبح لديّ رغبة كبيرة جداً بِشرب الكثير من الماء البارد و الأستحمام به أيضًا.

حلقي جاف كَرمال الصحراء وقلبي ينبض بِسرعة هائلة ظننت أنه سيَخرُج من القفص ويقع على الأرض. وقفتُ عند رأسه أحدق به وهو يتنفس بِصعوبة، صدره يرتفع ويهبط بِشدة بدى وكأنه يحاول التنفس لكن رئتيه لا تعمل أعني الجرح العميق في جسده ينشف ما تبقى من دماء فيه. أنه سيموت.

أنا لديّ كل شيء وأنتَ خسرتَ كل شيء. تمتمتُ له ليفتح هو عينيه البنفسجية. عيوني تنظُر إليّ فيها أرى انعكاس شخص آخَر، شخص بِعيون سوداء بياضها غير موجود، له أنياب حادة تخرُج مِن فمه ومن أنفه يسيل دماء قرمزي، شعره مُبعثر ودرعه مخدوش.

لا، أنه أنا.
أنه فالكين لوماريل أبن أغاثا لوماريل، أبن عم ريس لوماريل و زوج كانيلا لوماريل.
أنا لوماريل!
عائلة لا تهزم على يد الأشرار.

وهذا الرجل المُستلقي على الأرض، قمامة لوماريل حتى القمامة تشعُر بالإهانة إن تم مُقارنتها به.

أ-أنت، سعل كاستيل الدماء يُعيدني مِن أفكاري لأنظُر له بِعينين تتحول إلى شكلها ولونها الطبيعي، أنيابي تدخل فمي ومخالبي تعود تتبدل بأظافر أنتَ ل-لا شيء من دون، ف-فالكين.

مددتُ يدي في الهواء أستدعي سيفي ليأتي لي مُحلقًا التقطته بينما هو تابع و الدم يستمر بالنزيف من أنفه وفمه وأذنيه
أ-أنا لم أخسر، يومًا، و-ولن أخسر ابداً.

أنتَ مخطئ. أنتَ خسرت باليوم الذي خُنتَ فيه المملكة وكل مَن يحبك و وثق بك وأولهم والدتي و عمي أيكسا.

رأيتُ دمعة مُلوثة بالطين والدماء تنزل مِن عينه إلى وجنته والأرض وهو يإن بألم يديه تتحرك على التراب كأنه يُحاول أيجاد سيفه أو أية شيء لكي ينقذه.

أ-أغاثا، همسَ باسمها لتنزل دمعة آخرى وراء الثانية تغسل القذارة من عليه.

دموع حبسها لِقرون الآن تَسيل منه وتغسل روحه وقلبه الأسود، الذي لوثه كُرهُه وخيانته.

أنا، أسف بني، همس لي ينظُر بِعيناي لاشعُر بِشيء رطب يسيل على وجنتايّ
أنا لم أرد أن ين-ينتهي أمرنا هكذا. والدتك، كانت كنز حياتي وأنت، سالَ المزيد من الشيء المالح من عيني على فمي وأنا اسمعه بِصمت جناحايّ تعود إلى جسدي
أنتَ كُنتَ حلمي. أن-أنا، أسف بني على كل شيء، لو، كانَت بيدي القوة لِلعودة إلى الماضي لِغيرتُ كل ما حدث.

لماذا فعلتها إذاً؟

بدأت قطرات مِن المطر تهطِل بِخِفة على وجهِه تغسل المزيد مِن الطين والدماء ليبتسم هو يغمض عينيه يديه تتوقف عن التحرُك على التراب الذي تحول لِلطين مِن المطر وهو يسقُط كذلك عليّ يغسلني معه.

جدكَ كانَ يكرهني، كانَ يُفضِل أيكسا عليّ. كانَ يضرب والدتي التي كرهت الجميع بِبسببها، حتى أولادها. أنا رَبيتُ نفسي بِنفسي على حقده وكرهه حتى أصبحتُ هو، حتى أصبحتُ والدي الحقير،.

-- أعلم أنَّ هذا ليسَ بِسببًا لكل ما فعلته لكني كنتُ أوَد أن أريه أنه مُخطئ أنني قوي واستطيع فعل الذي لم يستطع هو فعله. مع أنه كانَ ملك قوي لكنه يختبر قوته على عائلته وخاصةً الأضعف فيها، أنا. سقطت دمعة ثالثة ورابعة من عينينه التي يختفي منها النور رويداً رويداً.

هل حقًا أحببتني؟ هل حقًا أحببتَ والدتي؟ أنا سألته شفتاي ترتجف ودموعي تسقُط عليه مع قطرات المطر.

فتح كاستيل عينيه وحدق بي لِلحظة طويلة قبل أن يُجيبني
لقد أحببتكما حبًا جمًا،.

فتحتُ فمي لكي أقول له العكس وإذ به يقاطعني مُمسكًا بِسيفه الذي لم أشعُر به يأتي مِن مكانه وهو ينهض يُمَرره نحوي أبتعدتُ أنا خطوة إلى الوراء لأحرك سيفي على رأسه وأقطعه...

حدقتُ بِرأسه وهو يتدحرج على الأرض أسفل الأمطار الخفيفة إلى أن وقف في وسط ساحة الحرب، عينيه مُغلقة وفمه مفتوح. سقط جسده على الأرض يحمل السيفه ليَعُم هدوء فظيع في الأرجاء كأن العالم بأسرع توقف عن التنفس حتى المطر لم تعُد تُصدِر صوتً كُلما هطلت.

لكن حبك لنا لم يكُن كافيًا. تمتمتُ أنا له لأفقد الحس بِساقايّ وأجثوا على ركبتايّ أغرز سيفي بالأرض أحدق بِجسده بِلا رأس.

اتكأتُ على السيف بيدايّ الاثنتين أدع مِن المطر تمسح دموعي التي ظلت تنهمر وتنهمر. دموع تصرُخ بِصمت على كل ما خضته اليوم وكل ما خضته قبل اليوم والأشهر التي مضت بِقتاله ومنذُ اليوم الذي فقدتُ والدتي فيه، في سن صغير.

فجأة وضَع أحدهم يده على كتفي لأنتفِض أرفع رأسي للأعلى. قابلت عينايّ بِعيون فضية مُضيئة وجميلة لألاحظ أنني أحدق بِريس.

ريس. همستُ له ليَعصِر هو كتفي وينظُر للأفق على جيش الأتلانتيانز الذي لا يتحرك أو يُصدر صوتً من صدمته.

قائدهم مات.
لقد انتهى كل شيء.

قائدكم مات! صاح ريس لهم مِن بين المطر و فالكين فاز بالقتال. لن نخوض حرب ليسَ لها معنى ولن يتأذى أحدنا كما وعدناكم بل سوف نعيد كتابة التاريخ و نملأه بِالعدل بين الجميع كما يجب.

نهضتُ أنا على ساقين الهلامية استند بالسيف أقِف جنبه أنظُر لِلجيش الذي ينصت بينما ريس أكمل كلامه لهم بِنبرة غير متزحزحة وقوية ملكية
لكُل كائن في هذا العالم حق! ونحنُ لسنا بأحد لكي نسرقه منه مهما يكُن وأنتم لكم حق أكبر بالعيش في سلام وأمان أينما شأتم لهذا أنتم مرحب بكم في جميع ممالكنا الستة، سيكون لكم منازل لتعيشوا فيها وكل المتطلبات التي تتمنوها،.

تقدم فالين لِجانبي أصبح أنا بينه وبين ريس حتى يُضيف ملك فالينيا
لا أحد هنا يستحق الموت مِن أجل شخص أناني كان يستفيد مِن هذه الحرب لأنها في الواقع لِمصالحه الشخصية منذُ البداية فَمَن يخون مرة يخون مرتين وعشرة! لهذا انضموا لنا وكونوا واحدًا معنا.

تقدم تيريان كذلك إلى جانب فالين وأضاف هو أيضًا كلماته كَملك أريزو العظيمة بِنبرة مرتفعة ثابتة لا تتأثر بِصوت الأمطار
دعوا القتال والحروب الدموية ونحنُ نعدكم َكملوك لا تكسر وعودها أننا سوف نضمن لكم المعيشة التي لطالما حلمتم بها، لأولادكم وعائلاتكم أجمعها مِن دون أية ظُلم أو حرمان.

عَم الهدوء مجدداً ولم يفعل أحدهم شيء لِفترة طويلة لِأتبادل النظرات مع ريس قبل أن يومئ هو بِرأسه كأنه يعلم أمرًا ما أنا لا أعلم به.

فجأة خرج رجل ذو شعر طويل أبيض وعينين زرقاء له أربعة سيقان شكلها كالتي يمتلكها الحصان يتقدم نحونا وعندما وصل وقف مُقابلنا ونظَر لنا كلنا.

نحنُ لم نطلب شيئاً إلاّ أرض لكي نُعمر عليها ونعيش فيها كما عشنا في سوليس منذُ قديم الزمان. هذا ما نقاتل ونحارب من أجله. كُنا نعلم بِمصالح كاستيل الأنانية ولكنه كانَ أملنا الوحيد.

لنكون أمال بعضنا البعض. قلتُ أنا له ليُحدق بي مطولاً قبل أن ينحني قائلاً
نحنُ نطلب منكم بناء مملكة سابعة لنا وبالمُقابل سنعيش كَأمال لبعضنا، للأبد.

كانَ هذا طلبًا وليسَ أمراً.
طلبًا نابع مِن قلوب مكسورة ومُحطمة لأرب، قلوب تنزف دمًا كان سببه ملوك قدماء جداً يكرهون بعضهم.

أين تريدون بناء مملكة سابعة؟ هنا على هذه الأرض لن يكون ممكنًا. تساءل فالين ليرفع الرجل ظهره ينظُر على فالين.

في جبال العسل، هناك أرضنا التي تحتاج لِإعادة بناء وتعمير. الأرض التي سكنها أجدادنا والتي يجب أن تسكنها أطفالنا وأجيالنا.

تقابلت عينايّ بِعيون ريس الساكِنة كلانا نسأل ونُجيب بعضنا مِن دون التفوه بِكلمة. ظللنا على هذه الحالة لِفترة قبل أن يتنهد ريس ويُعيد بصره على الملكين بِجانبي يتناقش معهم ذات النقاش الصامت.

حسنًا أيها المُحارب، سوف نساعدكم بِكُل ما لدينا بِبناء مملكة سابعة في جبال العسل ولكن هذا يحتاج الكثير مِن الوقت والطاقة، هل لديكم ذلك كله والصبر؟

ظهرت بسمة رأيتُ فيها شُعاع جميل على شفتين المُحارب كأنَّ روحه عادت له، بسمة نابعة من قلب يلتئم، يشفى.

لقد صبرنا لِقرون فإن كانَ علينا المزيد مِن الصبر، سنكون سعداء بِه وممتنون إلى آخِر أنفاسنا جلالتكم و سمو الأمير.

مد ريس يده نحوَ المحارب ليحدق بِها قليلاً قبل أن يأخُذها ويصافح ريس.

ماذا سوف تسمون المملكة السابعة؟ تساءل ريس بِفضول.

همهم المحارب قليلاً قبل أن يبتسم يظهر أسنانه مجيبًا
مملكة سوليس الثانية. دائمًا ستكون سوليس.

لقد أنتهى.
أنتهت الحرب قبل بدأها ومات كاستيل والمُعاناة التي معه لكنه ترك أثراً كبيراً بِداخلي وذكريات مِن المستحيل أن أنساها لكني سأتعلم أن أعيش معها. هكذا سأعيش، هكذا سأتقدم وأمضي في حياتي مع من أحب.

وصلني خبر مِن أدلار ونحنُ عائدين إلى المخيم أنَّ ريزار في خيمة الطبيب وأنَّ هنالك مجموعة من الأطباء يعملون على شفائه مع أنَّ ذراعه لن تعود أو تنمو مجدداً.

هذا يعني أنه سوف يعيش من دون ذراعه اليُسرى.
لستُ أدري إن ما يجب عليّ أن أكون سعيداً لكونه على قيد الحياة ولم يخسر الكثير من دمائه أم حزين لكونه خسر شيئًا آخراً عزيزاً عليه.

فالكين! صوتها كان كَفيلاً بِجعل قلبي الميت يعرف طعم الحياة من جديد.

رأيتها تركُض نحوي بينما أصعد التلة مع الملوك وهي تصيح باسمي، شعرها الجميل يتطاير مِن خلفها كالستائر الحريرية وعلى وجهها أكبر ابتسامة بشوشة سعيدة رأيتها قط.

مددتُ ذراعايّ في الهواء لها لِتصطدم بي تعانقني تغمر وجهها في رقبتي وأنا في المنطقة بين كتفها ورقبتها أسحب رائحتها إلى رئتايّ أغذيهما بها.

لقد عُدت. همست هي لي لأضمها أكثر إليّ أنسى كل ما حولي لا أكترث أنَّ هنالك اشخاص ينظرون إلينا ويقفون معنا.

يا الهي لقد عُدت. رددت هي مجدداً.

أنتهى، لقد فزت، كانيلا.

أومأت هي تبتعد عن العناق لكن ذراعيها ظلت حول خصري كأنها لا تقدر على تركي بعد.

نعم لقد فعلت، أحسنت الفعل، أنا فخورة بك. امسكت هي بِوجهي تمسح عنه الدماء والطين لأحني رأسي أقبِّل جبينها أغمض عيوني لِلحظة أحس بالسلام أبعد أعصار الموجود في رأسي وقلبي ولو لِلحظة معها.

صفى أحدٌ مزعج حلقه يجعلنا ننظُر له قبل أن يقول فالين مُشابك لِذراعيه أمام صدره المدرع
ماذا سيحدث مع جيش الأتلانتيانز؟

سوف نُبقي فئة صغيرة مِن جنودي معهم لكي نوزع بعضهم في أريزو و الباقي أرسلوهم إلى ممالككُم للأن. أقترح تيريان ليومئ فالين تعجبه الفكرة.

بعد فترة سوف نبدأ بالعمل على بناء المملكة السابعة كما يودون كي نبقى في سلام كما أنه في رأيّ سيكون أفضل مِن العيشهم الأبدي في ممالكنا. سيكون لديهم مملكتهم الخاصة لكي يحكموها كما يشاؤون، أنهم ينتمون لِجبال العسل وهذا أفضل لهم بِكثير مِن هنا. أضاف ريس ليومئوا الملكان يقفون معه.

جلالة الملك ريساند! نادى أحد مساعدين ريس وهو يركُض باتجاهنا يبدو قلق ومتوتر ليَستدير الجميع له قبل أن يتوقف أمامنا يتنفس بِصعوبة يفتح فمه ويغلقه.

ما الأمر جيرو؟ سأله ريس عاقد حواجبه السوداء.

لقد ذهبنا لأخذ جُثة كاستيل كما أمرتنا ولكن الأتلانتيانز رفضوا وقالوا أنهم هم من سيأخذونها.

ولمَ هذا؟

قالوا أنهم يريدون دفنه في أرضهم و أنه واجبه أو شيء من هذا القبيل.

فتح ريس فمه لكي يُعارض لكني أوقفته أنا قائلًا بِهدوء وإرهاق
دعهم ريس. فَلا مكان لِجثة رجل مثله في أرض هذه الممالك.

حدق بي ريس لِفترة طويلة ثم زفر الهواء من أنفه ينظُر لِمُساعده جيرو الذي دائمًا متوتر لسببٍ غير معروف
أعطوهم إياه بِلا نقاش ولكن راقبوهم.

أنحنى جيرو لِملكه بعدها التفت وركض عائدًا إلى ساحة الحرب.

صحيح أنهم فصيلة مِن الجنيات الغريبة ولكنهم أقوياء بِأخلاقهم ومبادئهم، أظن أننا حقًا سوف نعيش في تناغُم وسلام معًا يومًا ما. أخبرنا فالين وهو يشاهد ساحة المعركة مكان بدأ جيش الأتلانتيانز بِتوضيب أغراضهم ومُخيماتهم لكي يرحلوا ويتفرقوا في الممالك للأن، إلى أن يصبح لديهم مملكة سابعة خاصة بهم وحدهم من دون أية تدخل من الممالك الآخرى أو غيرها.

جلالة الملك ريس! فجأة صاحَ أحَد حُراس المُخيم يركُض نحونا ليُخرِج فالين ضحكة مِن مؤخرة حلقه يقول
لدى الجميع إسهال يدعى ريساند هذا اليوم.

ما رأيك لو تبقي لسانك في فمك حتى لا تخسره، فالين. أخبره ريس يبتسم له بِطريقة باردة ليَهُز فالين كتفيه يضحك أكثر بينما تيريان هَزَ رأسه يبتسم بِسر قبل أن يصل الحارس أيضًا يتنفس بِصعوبة كأنه كانَ يركض لأميال لكن وجهه شاحب مَخطوف اللون كما لو أنه رأى شبحًا.

ماذا الآن؟ تساءل ريس بدأ صبره ينفذ.

أنحنى الحارس المَذعور يضع يديه على ركبتيه يلتقِط أنفاسه
جلالتها تا-تاليا، هنا تجمد الجميع على ذِكر تاليا يُصبح تركيزهم عليه أكثر قبل أن يتابع الحارس
أنها في الخيمة، ت-تلد الجنين.

وكما لو أنها عرفت أننا نتحدث عنها، سمعنا صرخة عالية جداً مِن قلب المخيم قد هزت مِن الجبال والأنهار.
صرخة ألم امرأة تلد جنينها.

ركضنا جميعنا وأولهم ريس بِسرعة نحوَ خيمته بينما تاليا تصرخ وتصرخ منها.

دخلنا الخيمة نجد كُلاً مِن تيلار والصغيران يقفون عند مدخل الغرفة ليذهب ريس بِخوف إليهم لكي يسألهم
أين هي جيانا ماذا يحدث؟

جيانا في الداخل تُساعد النساء و الطبيب الملكي بِولادة الطفل. تيلار أجابته لينظُر هو إلى ستائر الغرفة التي لا تسمح لأية أحد بِرؤية ما يجري في الداخل.

أدخل و كُن معها ريس. أخبرته تيلار تُشير بيدها الصغيرة على الغرفة ليتردد هو ينظر لنا ونحن نقف ورائه.

أذهب ريس كُن مع زوجتك وطفلك. شجعه فالين بِرقة يضع يده على كتفه ليومئ هو وفي عينيه الضبابية دموع.

مِن دون المزيد مِن تضيع الوقت فتح هو الستائر ودخل الغرفة. وقفنا نحنُ الكل في مطارحنا نسمع صراخ تاليا وأوامر الطبيب لِلنساء في الداخل.

لستُ أعلم لِكَم مِن الوقت مضى ونحنُ ننتظِر ولكني تأكد من أنَّ ساعة مضت وتاليا تُعاني بِولادتها إلى أن توقف الصراخ وعم هدوء في الخيمة.

نظَر كل واحد منا للأخر بِحيرة وقلق لأننا لم نسمع صرخة مهمة لِلطفل وعندما أخذتُ خطوة نحوَ الغرفة أفتح فمي لكي أنادي على أية أحد في الداخل حتى يشرح ما يحدث ظهر بكاء طفل صغير جعلني أنتفض في مكاني وقبلي يقفز بِفرحة متفاجئة كما ضحك الرجال من حولي وصافحوا أو عانقوا بعضهم سعيدين بِسماع البكاء الذي انتظرناه لأشهُر.

ياللهول. همست كانيلا تُغطي فمها بيديها باللحظة التي خرجت جيانا من الغرفة وعلى وجهها أكبر ابتسامة رأيتها في حياتي، حتى في يوم زفافها لم أراها تبتسم هكذا.

نظرت هي لي وقالت بِحماس
الأمير الصغير ولد بِصحة وسلامة.

أمير؟ هذا يعني أنه ذكر! قالت فينار تضحك.

الحمدلله! قال الجميع لتُعانقني كانيلا تبكي تشبث بي بِصمت بينما أنا غادرتني دموع الفرحة أعَض على شفتي لا أقدر على منعها من الانهيار على وجنتايّ.

هل، هل بإمكاننا رؤيتهما؟ أنا سألتُ جيانا لتومئ هي تسمح لنا بالدخول.

فور دخولنا الغرفة رأيتُ مجموعة مِن خادمات تاليا مع طبيب القصر الملكي لأسليرا يقفون على جنب بعضهم يحمل أطباق مِن المياه الحمراء وبعضهم قماشات مغطاة بالدم لكن جميعهم يبتسمون وينظرون بِعيون تبرق وتلمع.

هذا يعني أنَّ تاليا على ما يرام ولم تتأذى.

أشحتُ بِنظري على السرير الكبير الذي يواجه المدخل أرى عليه تاليا بِوضعية شبه جالسة تريح ظهرها على مجموعة وسادات، جسدها مُغطى بِغطاء السرير الأحمر والذهبي. أنها متعرقة وبعضًا مِن شعرها العسلي يلتصق بِجبينها لكنها تبدو، سعيدة، مُضاءة وجميلة كَعادتها لكن ما تزال متعبة كَحال جميع النساء بعد الولادة.

خرجت شهقات كثيرة مِن الجميع ومِن ضمنهم كانيلا وهي تقف بِجانبي على ريس الذي يقف ويهُز طفل بين يديه. طفل صغير مُلتَف بِمجموعة مِن الأغطية البيضاء، يديه الصغيرة جداً تتحرك بِخِفة على وجهه، عينيه مُغمضة وفمه يفتح ويغلق بأستمرار.

إنه جميل جداً. همست فينار تقترب مِن ريس ليرفع هو رأسه نحونا وبالذات أنا أرى سعادته واضحة و لا توصف بالكلمات البسيطة. بسمته تُعادل بسمة جيانا الكبيرة وأكبر منها حتى بأضعاف.

النور يشع من وجهه وعينيه الفضية، أسنانه ظاهرة و أنفه أحمر مِن كثرة البكاء الذي لا نراه كل يوم و بالسنة مرة. أنه يستسلم لِمشاعره عندما يتعلق الأمر بِتاليا فقط ولكن الآن، هذا تغير كليًا أصبح لديه نقطتين ضعف.
تاليا وطفلهما الصغير.
أقترب الجميع من تاليا و ريس منهم يطمئن عليها مِن ضمنهم أنا ومنهم أحاطوا ريس والطفل يشاهدونه ويضحكون كلما ابتسم أو بدأ يبكي.

أمضينا الوقت معًا في الغرفة مع العائلة الملكية وخاصةً الأمير الصغير قبل أن يحين وقت أعطائهم بعض الراحة لانَّ غداً سوف نبدأ بالتوجُّه إلى ممالكنا لأنَّ هنالك الكثير مِن المسؤوليات التي لا تنتهي حتى لو أنتهت الحروب والمشاكل.

بقيتُ أنا مع تيلار، بلايز، إكسانا وكانيلا التي وقفت في زاوية الغرفة تنظُر و تشاهد الطفل وهو نائم بين أحضان والدته بينما ريس يجلس جنبهما يمسح على رأس طفله. شعره فاتح كَلون شعر تاليا تقريبًا وأتضح أنَّ عينيه مِن لون عيون ريس النادرة، فضية تضيء كَنور القمر في سماء الليل الجميل خاطف للأنفاس.

أنه يشبهكَ كثيراً. تمتمت تيلار تستند على طرف السرير بأكواعها ليبتسم الملك بِسعادة و فخر يُقَبل يد طفله.

أنا أرى أنه يمتلك أنَف وشفتين تاليا حتى شعره كَشعرها. قال ريس يُقَبل جبين تاليا لِتَميل رأسها على كتفه تبتسم لي.

ماذا سوف تسمونه؟ أنا سألتهم لِتُهَمهِم تاليا قليلاً قبل أن تنظُر إلى زوجها.

قلنا أنه عندما يكون الجنين فتاة، سوف نسميها على اسم والدة ريس، دايانا ولكن عندما يكون فتى فسوف نسميه،
باكسِن و اسمه يعني سلام باللغة القديمة. أكمل ريس عنها يَمُد أصبعه لِه ليمسكه باكسِن بيده الصغيرة.

تبادلتُ أنا النظرات مع كانيلا أجدها تبتسم من الأذُن للأذُن.

اسمه جميل. قالت إكسانا مِن على كتفي ليومئ بلايز يوافقها الرأيّ قائلاً
ومعناه أجمل.

لقد ولدته تاليا في يوم سلام، يليق به. أنا أضفت.

ألا توَد حمله، فالكين؟ سألتني تاليا ليتحول وجهي لِلمُتفاجئ لم أتوقعها أن تسأل.

أنا، أنا لستُ أدري. قلتُ لها بِتوتر لكوني لم أحمل طفلاً حديث الولادة من قبل.

أشارت لي هي بذقنها لكي أتي إلى السرير لأفعل كما طلبت أقف عند ريس ألعق شفتي و أبلع ريقي أحاول أن أبقي يدايّ ثابتة غير مرتجفة. لاحظَت تاليا توتري ثم ضحكت بِخِفة تُعطيني باكسِن لأحمله أنا بِحذر كأنني أحمل زجاجًا سينكسر في أية لحظة.

لكن لِدهشتي الطفل خفيف جداً إلاّ أنه أجمل ما رأته عينايّ. أنه لطيف لِلغاية يبعِد الهَم عن القلب و يجعل هذه اللحظة مِن ذهب لا تقاس بأية ميزان. أنه نائم لا يتحرك وله رائحة طفولية تجعلني ابتسم لا إراديًا.
هذا الطفل بريء جداً، لا يعرف العالم وما يكون كل ما حوله. جاهل لِلكثير من الأمور إلاّ أنه يجلب السعادة من دون أن يدرك.

سوف تكبُر وتصبح أميراً عظيمًا يومًا مِن الأيام، باكسِن. همستُ في أذُنه.

تحركت يد منِ يديه قليلاً تلامس شفتي السُفلية يُخرِج زفيراً مِن فمه الشبه مفتوح والخالي مِن الأسنان كأنه عجوز صغير.
كدتُ أن أضحك بِشدة على الفكرة لكني عندما أشحتُ بصري لِثانية على كانيلا عثرتُ عليها تبتسم لكن، بِحُزن وهي تشاهدني أحمل الطفل.

حزينة لكنها تبتسم بِطريقة تؤلم القلب.

أشرتُ أنا على الطفل وعلينا كِلانا أخبرها أنه سوف يكون واحد لنا عن قريب لتتوسع بسمتها أكثر تتورد وجنتيها تشقلب مقلتيها تهز من رأسها لكنها ابتسمت من جديد وهذه إشارة جيدة.

نعم، سيكون لدينا ليسَ واحد بل أربعة وربما أكثر إن كانَ هذا ممكنًا.

كانيلا، كسرت تاليا الصمت تناديها لتبعِد هي بصرها عني تحدق بِها متعجبة.
لمَ لا تحملي باكسِن أيضًا؟

لم أكُن أعلم أنه مِن الممكن أن يتحول وجه أحدهم مِن السعيد لِلمصعوق بِثانية واحدة لكن هذا ما حدث مع كانيلا بالضبط.

بالنسبة لِريس، نهض بسرعة مِن على السرير ثم أتى نحوي وأخذ باكسِن مني بِلا تبرير أراه عاقد لحواجبه يرفُض النظَر لأية أحد عدا طفله.
تاليا وجميعنا لاحظنا تصرفه وخوفه على باكسِن وعرفنا تمامًا ما السبب حتى كانيلا لاحظت ذلك جيداً.

هزت كانيلا رأسها بِكِلتا الجهتين تُحاول إعادة بسمتها لكنها فشلت
دعوه ينام أنه طفل حديث الولادة يحتاج الكثير من الراحة.

لن يتأذى إن حملتيه و--.

لن يحدث. يجب عليه النوم. عارض ريس بِصرامة يضع باكسِن في سريره الصغير بالقُرب مِن سرير تاليا.

ريس، وضعت تاليا يدها على معصم ريس لكنه لم ينظُر لها لم يقدر.

لا بأس، أ-أنا سوف أغادر و-- بدأت كانيلا بالتوجَه نحوَ المخرج لألتقطها بِسرعة مِن ذراعها أوقفها افاجئها بِتصرفي.

لا! قلتُ ليسَ لها فَحسب بل لِلجميع أنظُر مِن فوق كتفي عليهم بالأخص على ريس.

هل لكَ أن تتوقف عن التصرُف بِحقارة معها وتحل ما بينكم؟ سألتُ أوجِّه السؤال لِه ليرفع هو رأسه يرمش عليّ مندهش مِن طريقة تحدثي معه قبل أن أسحب كانيلا إلى جانبي في الغرفة.

أعلم ما حدث بينكم ثلاثتكم. أنها قصة مؤلمة ولا تُنسى ولكن، أنظروا، أشرتُ بيدي على باكسِن النائم بِبراءة ولطافة لأكمِل
أنتم لم تستلموا مِن بعد الحادثة لهذا الله زرقكم بِطفل ثاني جميل وصحي، أمير ومستقبل جديد لِمملكة يُحكى عنها في جميع العوالم فَلماذا تتصرفوا على أنكم في الماضي؟

فالكين هذا ليس مِن شأنك. قال ريس يرمقني لأمرقه بِذات النظرات لأنه طفحَ الكيل!

أنه مِن شأني. لقد انتهت القصة وعاد كل شيء لوضعه وأفضل فأين المشكلة؟

ريس، فالكين محق. أخبرته تاليا.

هذه المرأة هي السبب بِ-- بدأ ريس بالتكلم لكني قاطعته قائلاً
لقد سمحتُ لكَ بالتحدث عنها ومعها كما تشاء مِن قبل ولكن الأن تغير كل شيء. هذه المرأة التي تكرهها، أنقذت حياتي و أنقذتنا جميعنا، قاتلت الموت وفعلت المستحيل لكي تعيش مِن جديد، هذه المرأة زوجتي الآن وسوف تحترمها كما يحترمها الجميع!

كانَ صوتي قد ارتفع بعض الشيء لأنَّ باكسِن بدأ بالبكاء لتهز تاليا سريره كي تسكته بينما ريس ظل يحدق بي بِطريقة لم أفهمها.
رأيتُ في نظراته مزيجًا مِن الحيرة، التفاجُؤ و، الأعجاب؟

لستُ متأكد مِن الذي رأيته لأنَّ هذا الرجل محترف بإخفاء مشاعره متى شاء.

أرجوك ريس، لا تنسى الماضي لكن تعايش معه وتوقف عن التعامل معها على أنها قاتل فأذكُر أنَّ تاليا مَن أخذت القرار بالتضحية بِجنينها مِن أجل صديقتها وهذا عمل لا أحد في العالم فعله غير الأصدقاء الحقيقين.

أحنت تاليا نظرها على حضنها أثناء عودة باكسِن إلى النوم تذكُر جيداً ما حدث في الماضي وكيف أنها هي سبب كل شيء ولكنها رفعت رأسها وحدقت بِعيون كانيلا لا تُظهِر ذرة مِن الندم على ما فعلته وإنما الحُب والأشتياق الدائم لِصديقتها الوحيدة من عالمها الأصلي.

أنا أسفة على كل شيء، نيلا. قالت تاليا للأخرى والدموع تنهمر من عينيها كالشلالات تمُد يدها لها لِتعصر كانيلا ذراعي ثم مِن دون المزيد مِن التردد والتراجُع ذهبت إلى سري صديقتها ثم جلست على طرفه بالقرب منها بعدها عانقتها تلف ذراعيها حولها.

كان العناق يَحكي كل الماضي والحاضر.
يحكي قصة فتاتين واجهوا الموت أكثر مِن مرة حتى يجتمعوا مجدداً كالسابق.
فتاتين لم يستسلموا ابداً وأحاطوا أنفسهم بالحُب، بالأصدقاء وبنو عائلاتهم الخاصة.
بطلتين.

هما أبطال القصة مِن الأساس.

حدق ريس بِهما طوال فترة معانقتهما وحتى بعد أن ابتعدو عن العناق لكي ينظروا لبعضهم وهُم يبكون، ظل هو يحدق بهما وعلى تعابير وجهه، ندم.

ريس، همست تاليا له لكن مجدداً لم يتفوه بِحرف.

لا تجبريه تاليا، أوقفتها كانيلا تهُز رأسها
مرت عليّ أيام أتفهم تصرفاته معي، لو كنتُ مطرحه لفعلتُ المِثل. فأنا أحمل روح طفل لم يرى الحياة بعد، طفل كان يجب أن يكون شقيق باكسِن الأكبر.

لقد لمتِ نفسك طوال الوقت، لم يكُن سؤالاً مِن تاليا لكن كانيلا اومأت بِرأسها.

فعلت. وفعلتُ اسوأ مِن هذا بِكثير. فعلتُ حماقات لأني عميتُ نفسي بِلومها وكرهها إلى أن وصلت بي الحالة بالتخلص منها عدة مرات.

توسعت عيون الجميع كأنهم تلقوا صفعات على وجوههم مِن دون أن يلفظ أحدهما بِحرف لأكَوِر أنا يدايّ على شكل قبضات أعرف جيداً ما تتحدث عنه.

لكني تصالحتُ مع نفسي وأصبحتُ أفضل عندما تقابلت مع فالكين، نظرت هي مِن فوق كتفها عليّ ترسم بسمة على شفتيها الوردية.

نيلا يا للهول. تمتمت تاليا تُمسك بيد صديقتها بِقوة وكأنها إن أفلتتها فسوف تتبخر في الهواء.

لقد مر زمنٌ منذُ أن ناديتني بِهذا الأسم. ضحكت كانيلا بِخِفة لتموت الضحكة رويداً رويداً عندما تنهد ريس بِقوة يُمَرِر أصابعه في خصلات شعره الاسود كَسواد الليل.

أنا سعيدة بِكوني معكِ هذا اليوم ولا شيء آخر سيَهُم أكثر منه. قالت كانيلا تضع جبينها على جبين تاليا لترتخي يدايّ قليلاً.

حمل ريس باكسِن مِن على سريره يتنهد مع نفسه قبل أن يُقَبله على رأسه و يمشي به مِن حول السرير نحوَهما لِتبتعد كانيلا عن تاليا وتشاهده يتجه لها هي.

توقف هو عند ساقين كانيلا ينظُر يحني رأسه للأسفل كي ينظُر لها ثم من دون تبرير أحنى ظهره وأعطاها باكسِن وهو يُخبرها
هذا يوم سلام، يوم ولادته هو فيه وأنتهت فيه حرب كبيرة لهذا لننسى الماضي ولا نتعايش معه.

أخذت هي منه باكسِن عينيها تلمع وهي تحدق بِالملك ليَضع قُبلة على رأسها وهي أغمضت عينيها تبتسم لأتنهد بارتياح تكتمل سعادتي لأخرها.

أتى ريس بعدها إلى جانبي لأتبادل أنا وهو النظرات فيها ابتسمتُ له ليغمز هو لي بعين ويُعيد مشاهدة كلاهما وبينهما باكسِن النائم.

ريس لطالما كانَ ذو قلب أبيض. من الصعب أن تجد فيه ذرة من الحق أو الكره ومهما كانَت المشاعر التي تدور بِداخله فَهو دائمًا يظل من أول الأشخاص الذين إما يعتذرون أو يصححون من أخطائهم حتى لو بعد فترة من الاستسلام لها.

هذا المنظر لا يُنسى.
هذا ما كنتُ أنتظره منذُ وقتٍ طويل.
هذه السعادة التي أوَد العيش معها للأبد.

- بعد مرور شهرين -.

عدلتُ مِن ردائي الأسود الخلفي المُعلق على كِلتا أكتافي ثم انتقلتُ لتَعديل سترتي البيضاء المُتطابقة مع كامل ملابسي أو الزي الأبيض الرسمي الذي تم طريزه كما طلبتُ أنا من خياط القصر، أنتظر كانيلا عند ساحة القصر الملكي في فالينيا.

لقد تزوجنا الأسبوع الماضي وأقمنا زفاف ضخم في القصر كما أنَّ أهل مدينة الشمس أحتفلوا بنا على طريقتهم كذلك ليومين متتاليين كما حدث في أسليرا تمامًا.
كيف عرفت بِذلك؟

حسنًا، تاليا أرسلت لي رسالة فيها تفاصيل الأحتفال في مدينة القمر بعدما عادت إلى أسليرا مِن حفل الزفاف هنا لكونها أول الحاضرين مع ريس وباكسِن الصغير.

توقف عن التحرُك لقد وترتني. تذمر بلايز لِلمرة المليون في دقيقة لأرمقه بِنظرات أبعده عن كتفي.

ذكرني مجدداً لماذا أنتَ هنا؟ أنا سألته لا أنظُر له أكمل تعديل ملابسي مع أنها لا تحتاج تعديل ولكني حقًا متوتر.

ربما لأنكَ سوف تتركني وتُغادر مع زوجتك إلى مكان رفضت أخبار الجميع عنه؟

تنهدتُ أنا أشعُر بالحزن لأنَّ هذا صحيح.
بعد زفافنا بِأيام قليلة أخبرنا أنا وكانيلا الجميع عن خُطتنا بِترك المملكة والعيش في مكان سري خاص بنا أو كما وصفنا الأمر، في البراري. الجميع عارض خطتنا وأرادو بقائنا هنا لكننا رفضنا وظللنا على كلامنا إلى هذا اليوم، اليوم الحاسم.

وغير ذلك، قررتنا أعطاء بلايز وإكسانا حُرية العيش مع بعضهما وتركهما لنا. لم نعُد نريدهم كَمُرافقين لنا لكون هذه كانت مهمتهم مع أننا نحبهم جداً وهم بالنسبة إلينا أصدقاء ولكن...
إعطائهم الحرية في العيش أينما يشائوا كان أكثر ما يمكننا فعله من أجلهما.

مع أنهما رفضوا عِدة مرات ولكننا أصرينا إلى أن وافقوا أن يعيشوا في غابات فالينيا وربما قد يذهبوا لأماكِن أبعد فَمَن يعرف؟

أنتَ تبدو رائعًا كفاكَ توتراً يا صديقي! أتى ريزار إلينا يضحك على شكلي لأشقلب مُقلتايّ عليه أتكئ على ساق أكثر من الأخرى.

لِلمرة المئة، أنا لستُ متوتر.

نعم نعم واضح جداً.

ربتَ هو على كتفي لأصفعها وأعيد تعديل الرداء.

مزعج. تمتمتُ له ليَضحك هو مجدداً يهُز رأسه.

بالنسبة إلى قصة ريزار بعدما فقد ذراعه واستيقظ مِن العملية وعلم بِأمرها، فاجأنا جميعنا بِعدم اهتمامه أو هذا ما أظهره لنا.

لقد قال أنه فقد عين والأن ذراعه لكنه لم يفقد رأس وهذا ما جعله يستمر بأيامه بيد واحدة متفائل مع أنني أذكُر كم أنه كان حزينًا وكئيبًا عندما فقد عينه قبل سنين لهذا لم أصدق أنه على ما يرام حتى بعد خسارته لِعضو آخر من جسده.

ظننا أنه جُن جنونه أو شيء من هذا القبيل و لكنه لاحظ وأخبرنا أنَّ ما حدث له عقاب صغير على تدخله مع أنه تدخل لكي ينقذني مِن كاستيل ومع ذلك كانَ سعيداً بِالمساعدة و على حمايتي ولو لِثانية كي أستعيد قوتي في تلكَ اللحظة.
والأن هو يعيش مع عين مُغطاة وقماشة ملتفة حول كتفه تحمل ما تبقى من ذراعه العُلية. أنا أدين لِهذا الرجل بالكثير.

أنتَ لن تخبرنا إلى أين ستذهبون، هاه؟ أنضم لنا فالين يديه في جيوب بنطاله مُضيق لِعينيه الملونة لأتنهد لِلمرة، العاشرة؟ العشرون؟ فأنا حقًا لم أعُد أعرف من كثرة تكرارهم لِلسؤال.

فجأة خرج نباح كلب صغير من ورائهم ليبتعدوا جانبًا حتى نرى أيكس كلبي يركض نحوي ولسانه الأزرق خارج فمه. قررنا أخذه هو لأنه أحمق وغير ذلك فالين رفض الأهتمام به أو تركه في قصره لأنه ليس من معجبين الكلاب.
أحمق رقم أثنان.

أنا التي سوف تذهب معه ومع ذلك لم يُخبرني إلى أين سوف نذهب أصلاً. قالت كانيلا مِن ورائه وهي تمشي مع فينار نحونا أيكس يركض أمامهما إلى أن وصل إلي.

ظننت أنه سوف يقفز عليّ لكنه مر من جواري ودخل العربة التي تقف خلفي.
هذا أحمق رقم واحد إن كنتم تتساءلون.

أشرتُ أنا بيدي لِتوك كي يُغلق أبواب العربة المُحملة بأغراضنا كِلانا و التي سوف نسافر فيها إلى وجهتنا السرية ليومئ توك ويركض يفعل ما أمرته به.
مددتُ يدي إليها أعطيها بسمة لتُمسك بِها ترسل شرارة إلى كامل جسدي وهي تأتي إلى جانبي لألُف ذراع حول خصرها النحيل أقربها مني.

في كل مرة هذه المرأة تُشعرني بأنني ألمسها لأول مرة. لم تفشل يومًا بِجعلني أحس بِحُبها حتى عبر لمساتها البسيطة الرقيقة.

ماذا؟ سأل فالين مستغرب.

هززت كتفايّ لهُم أقَبِّل كانيلا على رقبتها المَكشوفة لأهمس في أذُنها
تبدين لذيذة اليوم.

صفعتني هي على صدري وجنتيها تتحول لأغمق لون أحمر ممكن تصفي ريقها كأنها لم تسمع شيئًا مع أنَّ نظرات الجميع لنا محتارة.

حسنًا حسنًا دعوهما شأنهما ما مشكلتكم؟ تساءلت فينار تضع يديها على خصرها.

لكن أليسَ مِن حقنا أن نعرف؟ ماذا لو أردنا الزيارة، أين سنعرف مكانهما بِحق السماء؟ سأل فالين مُشابك ذراعيه العضلية.

يالكَ مِن كاذب فأنتَ لن تتذكرنا كونكَ مشغول بِكورالينا ورسائل الحب الخاصة بكما. أنا قلتُ له استفزه ليلعني هو بِلا خجل وحياء يلكمني على كتفي لألعنه هو أيضًا على تدمير ملابسي لكنا جميعنا رأينا وجنتيه تحمر على ذِكر سيدة القصر في شادونايت وربما ملكة فالينيا المستقبلية فَهي في الحقيقة أيضًا كانت من حضور حفل زفافي.

على أية حال، إن أردتم التواصُل معنا أو زيارتنا فَكُلا مِن توك وراث في الخدمة. أشرتُ أنا على حارسينا اللذان سوف يرافقوننا إلى وجهتنا لأنهما لم يقدران على تركنا حتى بعد نقاش طويل إلى أن أستسلمنا لهما.

زيادة الحماية لن يؤذي أحد فأنا سأوافق على أخذ حراس من أجل الاطمئنان و لكي يكونوا صلة بيننا وبين الممالك وخصيصًا مملكة أسليرا.
اومأت فينار بِتفهم لتأتي إلينا وتُعانقنا تودعنا أولاً بِدموعها وكلماتها الناضجة (بِعكس فالين). ليتقدم ريزار وبعدها الصغيران يودعوننا كذلك من ثم فالين يتمنى لنا السعادة الأبدية التي نستحقها.

أهتم بنفسك أيها الأمير وأهتم بأميرتك. قال لي فالين يُبعثِر شعري لأهَسهَس عليه من بين أسناني قبل أن ابتسم له أصافحِ يده لأخِر مرة.

لا، لن تكون آخِر مرة، لن تكون ابداً لأني لن أدع عائلتي وأصدقائي مجدداً.

هيا بنا، نيلا. قلتُ لِزوجتي أستخدم الاسم الذي تناديها تاليا به أفتح لها باب العربة لتومئ لي بِشُكر تُمسك يدي حتى أساعدها بالصعود.

وضعتُ بعدها ساق بِداخل العربة لكني لم أكمل لأنظُر إلى خلفي على الجميع احفظ ملامحهم، وتفاصيلهم وابتساماتهم اخزنها في ذاكرتي. سأراهم مرة آخرى ولكن هذا سيكون طويل المدى.

سأشتاق لكم. همستُ لهم قبل أن أصعد العربة وأغلق الباب ولكن صياح أحدهم باسمي جعلني أفتح النافذة وأنظُر مِن خلالها على فتاة تركُض مسرعة من حديقة القصر وبيدها تحمل سلة.

جونيبر؟ تساءلتُ أنا على رؤيتها.

وصلت هي إلينا تأخُذ أنفاسًا متقطعة ترفع السلة المغطاة التي تحملها إليّ.

ظننت أنني تأخرت وأنكم رحلتم. قالت هي لأخُذ منها السلة أولاً وأحدق بها أجدها تبتسم لي.

هذه سلة ستجعلكَ تتذكرني لأشهر.

رفعتُ حواجبي عليها أريد أن أفتح السلة ولكنها منعتني قائلة
افتحها عندما تغادروا المملكة.

وضعتُ السلة على المقعد أمامي ثم نظرتُ لها أضع بسمة رقيقة من أجلها على شفتايّ
أنا لن أنساكي على الإطلاق، جونيبر.

أنحنت هي بِظهرها لي ثم وقفت مُستقيمة
وأنا أيضًا فالكين. كُن سعيد في رحلتك الجديدة وغامِر كما تفعل دائمًا.

وبِذلك ضرب توك أحصنة العربة بِالحبل لِتتحرك نحوَ أبواب القصر الملكي. ألقيتُ نظرة عليهم وهُم يُلوِحون لنا إلى أن خرجنا من البوابة و أصبحنا في المدينة.

وعندما غادرنا المملكة بأكملها نسير على طريق بين الغابات البعيدة عن فالينيا، وضعتُ السلة فوق حضني أثناء وضع كانيلا رأسها على كتفي تُشابك ذراعيها بِذراعيّ اليُسرى.

ماذا فيها؟ سألتني هي بِفضول.

لنكتشف معًا.

وفتحتُ السلة.
ما وجدته بِداخلها شيء لم أتوقعه بتاتًا. وجدتُ نفسي أضحك بِقوة أهَزُ رأسي عدة مرات لا أصدق ما أراه.

أنتِ تمزحين معي. قلتُ مع نفسي أضحك أكثر لتجلس كانيلا جيداً تحدق بِمُحتوى السلة وعلى وجهها تعابير الضياع.

تفاح؟ سألت كانيلا تمسك تفاحة مِن مجموعة التفاح في السلة لأومئ لها أحمل واحدة بِنفسي.

فتاة التفاح، هذا لقبي لِجونيبر بِسبب قصة صغيرة خاصة بنا في بداية قدومي إلى فالينيا وفي الحقيقة أنها بداية كل شيء.

آوه؟ وماهي هذه القصة؟

هَمهَمت أنا أقَبِّل وجنتها ثم أخذتُ قضمة مِن التفاحة الحمراء.
القصة زوجتي العزيزة، تبدأ عندما دخلتُ أنا وتوك سوق مدينة الشمس الشعبي مكان تواجُد الخضار والفواكه وأهمها، فاكهة التفاح.

بعد مرور يومين على سفرنا وصلنا إلى عند كوخ صغير متواضع على أطرف غابة ما في قرية سمعتُ عنها مِن كانيلا كثيراً. أوقف كُلاً مِن توك وراث العربة ثم أتى توك إلى النافذة يدقُ عليها بِأصبعه.

فتحتُ ستارة النافذة أجده يُشير على وصولنا لأومئ له قبل أن أنظُر إلى كانيلا النائمة على كتفي وبين يديها كتابي المفضل.

مغامرات الطفل الصغير واكتشافه العوالم.
أيقظتُ أنا كانيلا بِلُطف ثم أخرجتها مِن العربة لِلهواء الطلق. هنا يكون فصل الربيع، نسمة الهواء منعشة ورائحتها زهور والشمس دافئة على الجلد بين الغيوم البيضاء الصافية.

زقزقة العصافير موسيقى لِلروح وحفيف الأشجار لمسة جميلة.

أين نحنُ؟ فركَت كانيلا عينيها مِن نومها تنظُر من حولنا.

ألم تكتشفي بعد أين نكون؟

استدار هي قليلاً في مطرحها ترتسم على ملامحها تعابير مألوفة لتتجمد من الدوران على رؤيتها لِلكوخ وحديقته.
فتحت هي فمها وأغلقته عِدة مرات عينيها متبحلقة تكاد أن تخرُج مِن مكانها لو كانَ ذلك ممكنًا.

هذا، هذا مستحيل. همست هي مع نفسها تنظُر لي لأبتسم لها بِشدة امسك يدها حتى أقبلها مِن الخلف.

بلى، أعني أننا هنا بالفعل، أليسَ كذلك توك، راث؟ سألتُ الحارسين اللذان يبتسمان كالأبلهان ليومئوا بِ نعم لنا.

هذا. هذا منزلي. أنه كوخ عائلتي في عالمي!

أوه تبًا، هذا ليسَ المكان الذي أرتدتُ القدوم له. كيف وصلنا إلى هنا عجباً؟

ضربتني كانيلا على صدري بِخِفة تُخفي فمها وراء يدها بِعدم تصديق، دموع بدأت تتجمع في مُقلتيها تملع أسفل نور الشمس.

كيف؟ كانَ السؤال الوحيد الذي خرج منها لأهُز أكتافي ابدأ بِسحبها معي إلى باب الكوخ نَمشي أولاً في الحديقة الأمامية الصغيرة أرى على يساري أقفاص دجاج تأكُل من الأرض بعض الحبوب.

لقد سألتُ تاليا في يوم زفافنا وأخبرتها أنني أوَد أخذكِ إلى عائلتك لكي تريهم كما أنني أوَد مقابلتهم كذلك.

لكني، أعني ألن اخسر ذاكرتي؟ أو أعود بشرية مجدداً؟

صعد كِلانا درج قصير ثم وقفنا عن الباب أضع عينايّ عليها أهُز مِن رأسي بِكلتا الجهتين
هذا لن يحدث أنتِ مثلي ومثل كل حالة جني في عالمي، لن يؤثر عليكِ هذا إلاّ إذا أمضيتِ الكثير مِن الوقت هنا.

أنا لا أصدق.

تقدمتُ مِن الباب ثم طرقتُ عليه ثلاثة مرات لِننتظِر قليلاً قبل أن يَفتحه شاب طويل القامة يبدو في الخامسة عشر لديه شعر أسود قصير وعيون خضراء.

مَن تكون؟ سألني هو مُحتار يُحَرِك عينيه على ملابسي ثم على وجهي وعندما وصل لأذُنايّ، توَسعت عينيه بِشدة و وقع فمه على الأرض.

مَن الطارق، تيموثي؟ أتَت فتاة تقف بِجانبه تبدو من عمره لديها ذات الشعر والعينين لكن لها خُلد (شامة أو علامة جمال) بنية اللون أسفل عينها اليُمنى.

فعلت هي ذات الشيء تُحرِك عينيها عليّ إلى أن وصلت لأذُنايّ.
ما الذي--.

كارلا؟ لماذا تقفون هكذا عند البا، ظهرت امرأة تحمل بيدها قطعة قماشية تمسح بِها يديها، كبيرة في العمر على جوانب فمها وعينيها بعض التجاعيد تجلعها تبدو في الأربعينيات مِن عمرها لكنها ما تزال تملك مِن جمال شبابها الكثير، لديها شعر أسود فيه بعض الخصلات الرمادية وعيون بنية تذكرني تمامًا بِعيون بِكانيلا.

يا للهول، م-مَن تكون أنت؟ سألتني السيدة هاندسين ترمُش عليّ كأنها لا تصدق عينيها لينضموا لها على الباب ثلاثة شُبان يبدون أكبرهم في السن يحدقون بي.

أخذتُ أنا كانيلا التي تَختبئ على جنب ثم أوقفتها معي أمام الباب ليحدقوا هم أيضًا بِها مطولاً قبل أن توقع السيدة هاندسين ما بيدها لتُغطي فمها تتبحلق مقلتيها تتجمع فيها دموع تجعلها تلمع.

مرحبًا أمي. قالت كانيلا ودموعها تنهمر مبتسمة لِتأخُذها والدتها تضمها إلى صدرها تنادي باسمها مراراً وتكراراً تحمد الإله على رؤيتها بعد أربعة سنوات هنا في عالم البشر مع أنهم في عالمي عشرون سنة.

ومع ذلك أربعة سنوات ليسوا بِقليل على الأطلاق إن كانَ ذلك بالنسبة لنا أو لهم.

آوه يا اللهي، أنتِ كانيلا، صغيرتي كانيلا. لقد، كبرتي لقد أصبحتِ امرأة ناضجة وجميلة لِلغاية. قالت السيدة هاندسين تنظُر لأبنتها تُمسك بِوجهها وتقبله كثيراً في كل مكان لِتَكبُر بسمتي تُظهِر أسناني.

بعدها أخذوا أشقائها دورهم بِعناقها و تقبيلها والتحدث معها عن عدم تصديقهم بِوجودها بعد سنين مِن البحث عنها والظَن أنها ماتت في حادث ما أو في الغابة أو أكثر قصة أضحكتني وهي أنَّ جني ما سرقها وتزوجها وفعل بِها أشياء ليتلقوا صفعات على أكتافهم مِن والدتهم تُسكتهم.

أثناء انشغال الأم بابنتها حدقوا بي أشقاء كانيلا الخمسة، التوأم أعتقد أنهما الأصغر تيموثي و كارلا ثم ثلاثة واحد منهم بِشعر بني أجعَد له عيون بنية يبدو في السادسة عشر وهنالك واحد آخر لديه ذات الشعر ولكن عينيه خضراء يبدو في السابعة عشر والأخير ذو شعر حريري أسود وعيون عَسلية المختلفة بينهم يبدو في الثامنة عشر.

ماذا تكون بِحق السماء؟ سأل التوأم تيموثي و كارلا بذات الوقت ليُضيف ذو الشعر الأجعد أخضر العينين
أنت وحش؟

لا أنه غول لكنه وسيم جداً. خَمن ذو الشعر الأجعد لكن بعيون بنية.

لا، أنه جني مِن عالم الجنيات الخيالي. قال الشاب الأكبر ذو الشعر الحريري والعينين المُختلفة عن أشقائه.

هذا صحيح. قلتُ لهم جميعهم أشير على أذُنايّ ليشهقوا بِتفاجؤ لكنهم لم يهربوا بل أقتربوا مني أكثر يسألون إن كان لا بأس لمسي وخاصةً أذُنايّ.

هذا يكفي يا رفاق دعونا ندخُل أولاً. قالت السيدة هاندسين تنظُر لي بِلُطف، بِطريقة أمومية لأبتسم لها أعدل من ملابسي أتوتر.

هل يمكنكم لومي؟ أنا حرفيًا أقابل والدة زوجتي أو والدتي بالقانون.

مرحبًا سيدة هاندسين، أنا أدعى فالكين لوماريل وأكون زوج أبنتكِ. أنه لشرف كبير مقابلتكِ شخصيًا، أعتذر على الزيارة المفاجئة ولكنها مفاجئة صغيرة لِكانيلا أتمنى أننا لم نزعجكم في هذا اليوم الجميل. قلتُ كل هذا من دون أخذ نفسك أمُد يدي لها.

رمشت السيدة هنادسين عليّ مرتين رافعة حواجبها الداكنة بِخِفة للأعلى لِتُخرجِ هي ضحكة مِن مؤخرة حلقها تأخُذ يدي تصافحها.
هل أنتَ في مقابلة عمل أم تُعرفني عن نفسك أنا لا أفهم.

ضحك الجميع على ذلك ومن ضمنهم كانيلا تمسح على ذراعي لأقلب شفتي أحك رأسي مِن الخلف.

كانيلا تزوجت جني؟ تساءلت كارلا مَصعوقة.

هذا رائع! أضاف تيموثي.

ك-كيف ومتى حدث هذا؟ سألتنا السيدة هنادسين باندهاش لِتُخبرها كانيلا تأخُذ يدي بِيدها
دعونا نتكلم في الداخل على أبريق من الشاي؟

اومأت السيدة هانسدين تفتح الباب أكثر لكي ندخل.
أود سماع كل الحكاية.

ونحنُ سنُسِر بأخباركم عنها. أنا قلتُ لهم قبل دخولنا لِلكوخ.

بعد زيارتنا لِمنزل عائلة كانيلا قضينا يومين أخرين عندهم إلى أن حان وقت الوداع مجدداً.

كان الأصعب بالنسبة لكانيلا فَهي لم تراهم منذُ سنين لِتتركهم بِسرعة ولكن المفاجئة الأكبر لا يمكن أن تنتظر أكثر كما أننا وعدناهم بالمزيد مِن الزيارات أكثر في المستقبل.

تقبُل هذه العائلة لي كانَ الألطف على الأطلاق و كانَ أفضل جزء أنهم لم يخافوا مني وسمعوا كامل قصتنا مِن البداية حتى النهاية حتى أنهم عرضوا علينا العيش معهم ولكنا رفضنا فَمَكان كانيلا في عالم الجنيات، معي والعيش هنا بالنسبة إليّ صعب جداً وخطير لكوني جني وكائن أسطوري لِلبشر.

لهذا عُدنا بعد يومين أخرين إلى عالمي وإلى الطرقات في غابات بعيدة جداً عن كل الممالك وفي وسط عالمي. أخذنا نسافر على طرقات وفي مناطق حتى أنا لا أعرفها (كما أننا ضِعنا عِدة مرات) وحاولت قدر الإمكان أبقاء الأمر سراً عن كانيلا مع أنَّ الخريطة التي معي كادت أن تراها بين حين وآخر لو أنني لم أخفيها عنها.

هذه المفاجئة فكرتُ بِها مطولاً وأخذت مني الكثير من الوقت والتخطيط والتحدث مع أشخاص إلى أن نجحت.
طريق سفرنا أو مغامرتنا هذه المرة كانَ الأطول، في الواقع أخذ منا الشهر تقريبًا إلى أن وصلنا لِوجهتنا.

في هذا الشهر كانيلا لم تتذمر أو تسأل أو لنقول أنها استسلمت ولم تعُد تكترث عن معرفة إلى أين نذهب وهذا كانَ راحة كبيرة لي ومع ذلك الشهر كانَ ممتع فلقد أكتشفنا مناطق خيالية مِن الطبيعة في عالمي، مناطق لم أكُن أعلم عنها من قبل.

و رأينا حيوانات وكائنات لا مثيل لها تعيش بين الطبيعة وأنا أخذتُ وقتي أتعلم الرسم، أرسم كل ما أراه جميلاً لِتمتلأ صفحات دفتري بِرسمات لِكانيلا وطبعًا الكائنات والطبيعة مِن حولنا ولكن لِهذه الرحلة نهاية.
وصلنا إلى مكان أخضر العُشب والشمس فوقنا كالقُبلة الدافئة على الجلد كما أنَّ هنالك عصافير تطير بين السحاب على شكل قُطن. صعدت العربة تلة مرتفعة ولكنها توقفت تُعلن وصولنا.

و أخيراً. قلتُ أنا أفتح الباب أترجَل أولاً أخُذ بيد كانيلا أساعدها بالخروج.

عقدت هي حواجبها لا تستوعب أين نحن ثم نظرت لي متسائلة
هل توَد التبرير يا سيد؟

أشرتُ بيدي على اليمين لتلحق هي بيدي وتَشهق بِقوة لِرؤيتها هناك على رأس التل منزل كبير جميل لِلغاية له سور أبيض مِن حوله و حديقة أمامية خاطفة للأنفاس مليئة بالزهور الملونة ذات الرائحة اللذيذة كما أنَّ هنالك شجرة كرز كبيرة من فوقها تطير طيور وتزقز أجمل الألحان.

ما هذا؟ سألت كانيلا تمشي نحو المنزل أشير لِلحارسين بإخراج أغراضنا ثم تبعتها أمشي ورائها ابتسم كالطفل الصغير على ردة فعلها.

أنه منزل طبعًا. أجبتها بِغيظ لِتُضيق عينيها عليّ تصفعني على صدري.

هذا ليسَ ما عنيته بِسؤالي.

أعلم أنا أمازحكِ فقط، أنه منزل قد صنعته عائلة محُترمة قد ساعدتنا كثيراً كما أنني واثق مِن أنهم ينتظروننا الأن في الداخل لكون المنزل مضاء و مدخنته تعمل.

هذا لا يمكن، أنتَ تعني،.

اومأتُ لها أؤكد على ظنها ليُشِع وجهها وتبرق مُقلتيها قبل أن يُفتح باب الكوخ وتَظهر لنا دينيسا وخلفها كالون وكونور أما مِن الحديقة الخلفية لِلمنزل ظهرت لنا بيلا وهي تحمل سلة بيدها فيها أزهار.

لوحوا لنا العائلة بِفرحة وأنا أعدتُ لهم التلويح لتحدق بي كانيلا بِلا ظهور تعابير تخبرني عن شعورها على ملامحها قبل أن تركض فجأة نحوي و تقفز عليّ تضعني بِأكبر عناق في العالم. عانقتها أضحك بِصوت مرتفع أحملها وأدور بها بينما هي تقهقه وتقهقه لتأخُذ وجهي بين يديها وتقبلني على شفتايّ.

هذه اللحظات.
هذه كنز لا يمكن الاستغناء عنه ابداً.

- بعد مرور سبعة سنوات ونصف -.

لا تحدث فوضى في المطبخ! صحتُ أنا لِدارنيل بينما أيكس نبح يمشي بِجانبي كأنه يردد ذات الجملة معي وأنا اتجه إلى الشُرفة الكبيرة الخلفية لِلمنزل في الطابق الثاني.

حَثنًا! صاح دارنيل لي لأهُز رأسي أتنهد أرخي أعصابي فَلقد أحدث فوضى بِسكب الحليب على الأرض وهو يجلس على مقعده أمام الطاولة.

كانيلا لن تُعجبها رائحة أثار الحليب حتى بعد التنظيف مع أنني أخطط بِعدم أخبارها مع أنها سوف تكتشف ذلك بِنفسها فَهذا متوقع من أية سيدة منزل.

أخذتُ تفاحة خضراء مِن سلة التفاح على المنضدة بين اريكات غرفة الجلوس عسلية اللون ثم أكملتُ طريقي أخُذ قضمة منها إلى الشُرفة والمرأة التي تقف عند الدرابزين تشتم بعض الهواء الطلق شعرها الأسود ونقطة ضعفي أو واحدة من العديد، يتطاير من خلفها.

وقفتُ أنا ورائها ألُف أذرُعي حول خصرها أضع قُبلة على كتفها الأيسر فوق وشمها لِتدير رأسها قليلاً نحوي تضع جانبه على جبيني أرى أيكس بِطرف عيني يجلس بالقرب من أقدامنا على الأرض.

لقد حل فصل الصيف. قالت هي تُعيد وجهها لِلمنظر الذي تُطِل عليه هذه الشُرفة. منظر قرية أولينا بأكملها في الأسفل والبعيد.

قبل تركنا لِجبال العسل ذهبتُ إلى كالون وطلبتُ منه أن يبني منزلاً كبيراً على هذه التلة التي رأيتها مرة مِن نافذة غرفة دينيسا صدفة ليَقبل هو من دون أن يسأل لماذا لأنني أعتقد أنه عرف مِن دون أخباره.

وبعدها طلبتُ منه إعطائي خريطة لِطريق جبال العسل وهو فعل ذلك بِسرور أيضًا مِن دون أن يسأل وبالمُقابل كنتُ سأعطيه ما يتمنى ولكنه رفض قائلاً
إنقاذك لنا من وحش الكونكاسا كانَ الثمن مُقابل كل هذا، فالكين.

و ها نحنُ بعد سنوات، نعيش في مكان بعيد أمِن وجميل يَليق بِحضراتنا كما قال كالون كُلما رأنا.

وضعتُ يدايّ على بطنها المُدورة أمسح عليه بِخِفة لتضع يديها فوقهم أشعُر بها تبتسم.

تظُن أنها فتاة هذه المرة؟ هي سألت بِفضول.

أتمنى ذلك، فالعفريت الذي لدينا يكفي.

قرصتني مِن يدي لأخرِج صرخة صغيرة مِن حلقي مع أنني أستحقها.
لا تنعت طفلنا بِهذه الأسماء. دارنيل ليسَ بِعفريت.

شقلبت مُقلتايّ لِتقرصني مجدداً.

أوتش! لماذا فعلتِ هذا؟

أنتَ تعرف لماذا سيد لوماريل.

بالطبع. حتى لو لا يمكنها رؤيتي هي بإمكانها معرفة تصرُفاتي عند لحظات ومواقف مُعينة عن غيب.
قبلتها على رقبتها.

حتى لو كانَ الطفل صبي، سأكون سعيد على أية حال. أنا أخبرتها أمسح مرة آخرى على بطنها المُدور فَهي حامل بالشهر السابع بِطفلنا الثاني.

و على ذكر الشياطين.

لقد سكبتُ الحليب مجدداً. فجأة أتى دارنيل يقف عند أبواب الشُرفة يلعب بأصابعه الصغيرة أسفل ذقنه وعلى وجهه الذي يشبه وجهي، تعابير العار.

عقدت كانيلا حواجبها لا تفهم كلمة مجدداً لتنظُر لي تنتظِر التبرير مني.

لديّ تبرير. قلتُ لها أرمق دارنيل ذو الشعر الأسود والعينين البنفسجية بِنظرات فيها عقاب قادم على الطريق.

هذا العفريت ذو الخمس أعوام سوف يندم أشد الندم.

فتحتُ فمي لكي أبرِر لِزوجتي الحامل وإذ بِفراشة زرقاء كبيرة تدخل المنزل عبر الشُرفة ليراها دارنيل ويركُض خلفها يوقع مزهرية الزهور المُفضلة لدى كانيلا مِن على الطاولة يكسرها.

أيها الفتى! صحتُ خلفه ليُكمل هو ركضه وراء الفراشة في أرجاء غرفة الجلوس بينما كانيلا ضحكت تلوح بيدها في الهواء.

هل أنتَ مستعد لِأستقبال عفريت آخر؟ سألتني هي تقربني منها لأشاركها الضحك.

ظننت أنه لا يجب علينا نعته بِتلكَ الاسماء.

أنا والدته، لديّ كامل الحق بِنعته بالذي أشاء.

همهمتُ أنا ألُف أذرعاّي حولها اريحهم على بطنها و أنا أشاهِد منظر القرية والغابات معها، ندع من هواء بداية فصل الصيف يمسح على وجوهنا و روحنا الموحدة. هذه هي نهاية مغامرتي التي خضتها منذُ بداية طريق تركي لأسليرا.

و الآن انتهت المغامرة ولكن بدأت واحدة جديدة بِفصل جديد وبداية جديدة.

القصة تبدأ الأن بِصفحة بيضاء والقلم جاهز مع حبر، بنفسجي مليء بالنيران المشتعلة.

النهاية.

تمت
نهاية الرواية
أرجوا أن تكون نالت إعجابكم
جميع الفصول
روايات الكاتب