رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع والعشرون
بِلحظة كانَ كُلاً من جونيبر و ريزار أمامي و بلحظة أخرى أصبحوا بِجانبي يحدقون بِجي أوكس الذي لسببٍ ما الضباب ظل من حوله يُخفي جسده عدا عينيه الكبيرة و أسنانه الحاد، لا يتقدم الينا.
الأمير و أصدقائه، هنالك مَن ينقصكم. همس جي أوكس بِصوت كَالحرير لكنه ليس جميلاً أو مريح.
وضعتُ يدي لا إرادياً على مُقدمة سيفي عند خصري و وقفتُ مستقيماً رافع الرأس لا أضَع اية تعابير على وجهي.
هذه المرة فضّلنا أن نكون أقل. قلتُ له ليخرج صوتً عميق من حلقه كالضحكة أو ربما لا، لستُ متأكد.
حارسك الشخصي الناقص و، الروح الثانية، اين هي؟ سألني يلفظ كل كلمة بِبطء لأرفع حاجباً عليه.
روح ثانية؟
هَمهَم جي أوكس ألاحظ الضباب يقترب قليلاً لِيرجعوا مَن معي خطوة صغيرة الى الوراء إلا انا بقيتُ بِمطرحي.
البشرية، ذات الشعر الأسود و العينين الفارغة بِقلب ينبض ليس لها.
لم أجبه مع انني أعرف عن مَن يتحدث.
لكن ما الذي يعنيه بِقلب ينبض ليس لها؟
نحنُ--نحنُ أيتنا مِن أجل التكلم عن موضوع مهم و ليس عن من كانَ معنا مِن قبل. قالت جونيبِر تتلعثم بِكلامها لتتحرك عينيه الحمراء المرعبة اليها.
أحسستُ بِجونيبر تقترب مني أكثر.
مع الأسف لن يكون العشاء اليوم كبيراً كما تمنيت لكنه جيداً على اية حال.
أردتُ شقلبة مُقلتاي على ذلك لكني منعتُ نفسي بِصعوبة لأبلع ريقي الجاف و أفتح فمي.
لقد أتينا من أجل أن نسألكَ عن شارة و سلسلة مصنوعة من سحر أسود انتَ وحدك قادر على مساعدتنا بِمعرفة مصدرها الأصلي.
لم يقل جي أوكس شيئاً و لم يُصدر ذلك الصوت العميق المخيف هذه المرة بل ظل يحدق بنا-بي بالذات يُضَيّق عينيه كأنه لم يتوقع ما قلته.
من أرسلكم اليّ؟ سأل الوحش يفاجئني بِفضوله.
ألقيتُ نظرة على صديقاي أجدهما ثابتان لِلحظة ظننت انهم لا يتنفسان قبل أن أجيب
جيكال، رجل الكهف.
توَسعت الأن عيونه الحمراء ثم أخرج ضحكة مرتفعة جعلت وجهي ينكمش.
ذلك الوحش اللعين يُحِب ألقاء العمل عليّ، صديقي القديم لم يُغَيّر عادته تلك.
صديقي القديم؟ جيكال و جي أوكس أصدقاء؟، يا لِلصدفة و غير ذلك، ما الذي حدث لهما حتى افترقا؟
يبدو أنَ هنالك قصة ما ولكنها ليس مهمة الأن.
و لما تظنون انني سوف أساعدكم؟ عاد جي أوكس يسأل مع موت ضحكته، ضبابه الأن يتوقف من حوله ما يزال جسده مَخفي فيه لكني الأن أرى خُصلة من شعرها الأسود بين مُقلتيه.
ماذا تريد بالمقابل؟ انا سألته.
لا اريد شيئاً غير لحمكم و دمائكم و سماع صرخاتكم.
عضتُ بأسناني على بعضها لا أشعر بالخوف لكن بالغضب بينما اللذان معي حتى بلايز يرتجفون بِمطارحهم حتى بأمكاني سماع دقات قلبهم المتسارعة.
أسمع، أرجوك، أعطنا المعلومات الازم و نحنُ نعدك اننا لن نعود لكي نزعجك ابداً.
أمال رأسه على جنب حتى أصبحت عينيه فوق بعضها لكن لا وجود لأسنانه.
و مَن قال انني لا اريد زوار؟ كما تعلم نادراً ما يأتيني طعاماً طازجاً.
مع الأسف نحنُ لسنا بِطعام و سأحضر لكَ ما تشاء من طعام، غيرنا إن وافقت.
عادت عينيه كما كانت و مع انني لا أرى فمه لكني أقسم انني تخيلته يبتسم.
توَد عقد صفقة ايها الأمير الكاذب؟
اومأتُ مرةً واحدة يرتجف جفني على كلمة كاذب ليعُم صمت بيننا مدته دقيقة طويلة لِلغاية.
أخبرني ايها الأمير، ماذا بأمكانك أعطائي مقابل المعلومات التي تحتاجها بِشدة لكي تنقذ هذا العالم من شر كبير؟
شر كبير؟ تساءلت جونيبر لأضع ذراعاً أمامها أجعلها تصمت.
لقد فكرتُ بالأمر ملياً قبل قدومنا الى المكتبة، ظللتُ أفكر و أفكر بالذي سيطلبه مني إلا انني لم أعثر على ما قد يُرضي وحشاً قديماً أسطورياً مثله.
و لكن مَن هُم مثله دوماً ما تعجبهم الصفقات السحرية التي تؤكد كل ما سيخرج من أفواهنا و إن لم نتصرف كما وعدنا في الصفقات، السحر سيقتلنا أو يعذبنا حتى الموت فهذا أكيد.
لهذا يجب علينا دوماً التفكير مئة مرة قبل التفوه بأية حرف أثناء عقد صفقات مع الوحوش أو مع اية مخلوق سحري.
و انا فكرت الى أن وجدت ما قد يُعجب وحشاً عاش تقريباً آلاف السنين في هذه المكتبة.
ذاكرة. قلتُ له أكسر الصمت ليديروا مَن معي رؤوسهم نحوي بِسرعة متفاجئين بينما جي أوكس أظهر أسنانه الكبيرة الأن أنتبه انه حقاً يبتسم بِشَر.
وضح أكثر ايها الأمير الهارب. أخبرني هو لأرطب شفتاي أشعر بِطعم مُر في فمي.
ذاكرة مهمة من أختياري لكي تصبح لكَ انتَ و تنحذف من حياتي كلها لتبقى لديك فقط.
أمسكت بي جونيبر مِن ذراعي العُلية بينما ريزار عقد حواجبه و لعن تحت أنفاسه.
هل انتَ مجنون؟ جونيبر صاحَت بِهمس.
لم أنظُر لهما كلاهما بل أبقيتُ تركيزي على الذي تقدم خطوة بين ضبابه حتى رأيتُ جسده قليلاً.
انه طويل القامة يرتدي ملابس سوداء و بشرته أفتح بِقليل منها، شفتيه بنفسجية و لديه يدين، بل مَخالب بأظافر طويلة جداً و حادة عند النهاية.
يا للهول، انه لا يفشل ابداً بِتذكيري بِوحش الكوابيس التي كنتُ أراها عندما كنتُ طفلاً يخاف من الظلام و يبدو انني سأخاف من الظلام لفترة أخرى.
ذاكرة مِن أختيارك ايها الأمير؟ سألني جي أوكس يأخُذ خطوة نحونا كما أنَ ضبابه أصبح يحوم في المنطقة التي ورائه لكن ما يزال قسم من جسده مخبئ فيه.
نعم، من أختياري انا و صدقني انها سوف تعجبك.
كيف لي أن أصدقك؟
كيف لنا أن نصدق انكَ لن تكذب علينا و تُعطينا معلومات خاطئة لكي تُرغمنا على العودة اليك مجدداً؟
توسعت بسمته أكثر تظهر أسنان، أكثر، أسنان زائدة عن الطبيعية.
دماغك يعجبني.
إذاً؟، هل لدينا صفقة؟
هَمهَم جي أوكس لِلحظة ثم اومئ يرفع مخلب باتجاهي ليخرج من أصابعه هالة سوداء كأنها دخان و بِنفس اللحظة شعرتُ بِوغزة في رأسي لتختفي بسرعة.
تلكَ الشارة جديدة، لم أرى مثلها مِن قبل لكن تلكَ الغِربان. انها معروفة. فجأة قال جي أوكس يتحرك على يمينه أو يساري الى رف مِن الرفوف ثم لمس الكُتب عليها كأنه يعلم تماماً ما في داخلها جميعها و انا لا أشُك بالأمر.
كانَ هنالك قبل الحرب الأولى بين الملكين لعالم الجنيات و البشر، مملكة صغيرة مُسالمة و أمِنة لم يقترب منها أحد لكونها بعيدة و مخفية بين جبال العسل.
جبال العسل.
انها جبال منها كانوا التُجار و العُمال يُحضرون نباتات سحرية كانت تُشفي كل مريض أصابه الطاعون و لأنَ المرض أنتشر بِشكل مخيف و تم أخذ الكثير من النباتات، ماتَت الجبال و أصبح لونها بدلاً من البرتقالي أو العسلي، بني و متحجرة لم يعُد فيها حياة.
كل شيء تدمر فيها و تم نسيان الجبال الى يومنا هذا و لم يعُد أحد يقترب منها لكونها بعيدة جداً يأخُذ مِن الجني الذي يطير و يستعمل أجنحته، شهر لِلوصول اليها فَما بال الذي يسافر على حصان أو في عربات؟
أخرج جي أوكس كِتاباً عليه كلمات منحوتة باللون الذهبي من دون أن يفتحه مَخالب، تتحول ليدين بأصابع كأصابعنا.
تلك المملكة تُعرَف بأسم سوليس. شعبها ليسوا من الجنيات مثلكم بل كانوا خليطاً بين الكائنات السحرية و الجنيات، عروق ممزوجة بِبعضها لتخلق كائنتا نصف جنية و نصف حيوانات.
الأتلانتيانز. انا همست لينظُر لي هو بِطرف عينه و يومئ.
لقد قرأتُ عن شعب مملكة سوليس مِن قبل في مراهقتي، فَلقد عثرتُ على كتاب يحكي قصتهم في مكتبة قصر أسليرا الملكية و لقد أحببتها جداً لدرجة انني أذكُر الأن تماماً كل حرف في ذلك الكتاب و كل كلمة يقوله جي أوكس مألوفة تُعيد ذكريات ما قرأته.
الأتلانتيانز، كانوا شعباً مُسالماً و حكيماً و لم يتدخلوا في اية حرب حصلت بين اية مملكة و لأنهم شعب صغير، قليل و أضعف المخلوقات السحرية بينكم، أو كانت كذلك،.
أعاد وضع الكتاب على الرف نفسه ثم أستدار الينا يُشابك ذراعيه الطبيعية أسفل صدره لكن هنالك زاوية من شفتيه البنفسجية مرتفعة للأعلى على شكل بسمة جانبية كما أنَ جونيبر عصرت ذراعي أعلم انها تسمع هذا الكلام لأول مرة.
بعد الحرب الأولى بين الملكين التي كادت أن تدمر العالم بأكمله، وقعوا بعضاً مِن الجنود بالقُرب من جبال العسل و منهم الذي عاش اكتشفوا بِطريقةٍ ما تلكَ المملكة و طبعاً الكلام و الإشاعات تنتشر بسرعة لهذا وصلت لِلمالك السِتة بعد تفرقتها. و هُم لكونهم فضوليين أرسلوا رجالاً مِن ممالكهم لكي يكتشفوا مملكة سوليس أكثر.
و أخمن أنَ الوضع أصبح كارثة بعد ذلك. تَمتَم ريزار و جي أوكس اختفت بسمته المُغيظة عينيه الحمراء تُشعل لهباً.
تخمن؟، انتم الجنيات أقذر من ما تتوقعون، تلكَ الرجال التي عرفت مكان وجود مملكة سوليس دمروها مِن قلبها رويداً رويداً الى أن أصبحت تراباً.
لماذا فعلوا هذا؟ هَمست جونيبر من جانبي أظافرها تغرز بِملابسي.
لأنهم رأو جمالها و روعتها و كم انها غنية بالنِعَم التي و لا مملكة من السبعة تمتلكها و حتى شعبها كانوا مُختلفين و مميزين و لأن ملكهم و ملكتهم لم يقبلوا التضامُن معه اية مملكة و هُم لم يقبلوا بالمختلف لهذا قتلوهم و أحتلوا على ما يريدونه ثم غادرو المملكة رماداً.
تكوَرَت يدين الوحش التي عادت لِشكل مخالب مجمدة لِلدماء على شكل قبضات بِجانبه عينيه متوسعة قليلاً. هنالك ما لا يقوله.
ما علاقة هذه القصة بالشارة التي لدي؟ انا سألته بِما انه لم يعُد يتحدث.
كانَ لمملكة سوليس نفس الشارة، أو علامة خاصة بها كأيّ مملكة هنا و فيها كانَ هنالك غرابين، واحِد أبيض و الثاني ذهبي و الأسطورة تقول، أنَ بعضاً مِن أهل المملكة استطاعوا الهرب من أيادي الممالك و أسَسوا حياتهم بين نفس الممالك الى أن أصبحوا أقوى مندمجين و مخفيين.
تعني انهم ما يزالوا موجودين؟ هذا مستحيل! قلتُ له معقد حواجبي لا أصدق، لأنَ مملكة سوليس انتهت لم يعد لها اية أثر.
همهم جي أوكس مُضيّق عينيه المَسحوبة و الكبيرة ثم قال
بل انهم موجودين ايها الأمير، بينكم و بين الجميع في هذا العالم و يبدو انهم عادو من الظلام للانتقام.
و كيف هذا؟ كيف تكون متأكد؟ سأله ريزار في نبرته صرامة لم أكُن أعلم انه سيستخدمها معه.
بعد المزيد من القرون و خصيصاً بعد الحرب بين أسليرا و شادونايت الأولى و ليست الأخيرة، في حكم الملك الخامس أيكسا، ظهر مِن الأتلانتيانز البعض لكي يساعدوا أميراً هارباً مثلك من مصير أسود كَقلبه.
لماذا سيساعدونه؟ سألته أعَض على شفتي السُفلية بِتوتر لا أعلم الى اين تقودنا هذه القصة.
الأمير الهارب كان يعمل معهم مِن قبل بعدما أكتشفهم و أقترح عليهم صفقة لا مثيل لها و هي إرجاع مملكة سوليس كما كانت بل أفضل، احتلال أسليرا للأبد و جعلها مملكتهم.
أنتظر لحظة، في حُكم أيكسا، هذا يعني والد ريساند الملك الخامس و الأمير الهارب...
هذا مستحيل! لا ليس هنالك اية شيء منطقي.
الأمير يكون والدي. فَهو الأخ الوحيد لِلملك الخامس و هارب؟
كاستيل لوماريل.
والدي الذي خان مملكته و أخوه الملك من أجل جشعه و غروره و أنانيته التي دمرت الكثير من أسليرا و قتلت الآلاف من الأرواح البريئة.
أرى انك لا تصدق ايها الأمير، أشعر بالإهانة. تَمتَم جي أوكس لأعطيه نظرة قاتلة تجعله يضحك بِحقارة.
الأتلانتيانز ساعدوه مثلما ساعدوه الشادونايتس و عندما انتهت الحرب و ماتَ الأمير، اختفوا و لم يعُد لهم أثَر، إلا عندما أتيتَ انت و معكَ تلكَ الشارة، الجديدة.
أخرجتُ الشارة من جيب بنطالي أنظُر عليها، حديدية باردة مقارنةً بِيدي الدافئة ثم رفعتُ رأسي و نظرتُ له ألاحظ انه يراقبني و الشارة.
انتَ تقول أنَ هذه الشارة مِن صُنع الأتلانتيانز؟ انهم عادوا بعد سقوط، وال--والدي؟
ها انتَ ذا، تفهم و أخيراً.
ما الذي يريدونه؟ سألت جونيبر تتوقف عن عصر ذراعي لكنها لم تتركها.
حرب جديدة. أجابها أختصار.
أقشعر جسدي بأكمله.
مع أسليرا؟ انا سألته أضغط على الشارة التي بيدي بِشدة حتى الألم.
لا، مع جميع الممالك.
أحسستُ بِرغبة في الضحك و كثيراً لكني لم أفعل بل رمشتُ على الوحش الذي يبدو عليه الملل يقف أمامنا و بعيد عنا، من مكاني لاحظتُ بسمته بالكاد واضحة من بين الضباب.
جميع الممالك؟ هل هذه مزحة؟
لم يُجبني جي أوكس على الفور بل أخذ وقته مخالبه ترجع لأيادي طبيعية يضعها في جيوب بنطاله الأسود النظيف. لأتساءل:.
من اين يُحضر ملابسه و على ماذا يتغذى بالضبط إن لا يأتي أحداً غيرنا الى هنا؟
لم اسأله و لن اسأله لأنه فتح فمه و أجاب على سؤالي المهم
حرب قد بدأوها أصلاً و مِن دون علم الممالك نفسها، انتَ ايها الأمير كشفتَ بالبداية و أعلم انكَ تَشُك لكنك تخاف أن تتفوه بالحقيقة كي لا تجعل الحرب رسمية في الممالك و الأتلانتيانز.
ما الذي يعنيه؟ همس ريزار ينظر اليّ و انا حدقتُ بالوحش المبتسم أعلم تماماً عن ماذا يتحدث.
الجثث في الممالك، المشكلة في مملكة كاداري بين الشعب و ملكهم تيريان، المجموعة و هذه الشارة و السلسة، كلها من تخطيطهم. تَمتَمتُ كل ما خطر على بالي ليَعُم صمت بيننا في المكتبة.
يا اللهي. لقد فات الأوان.
مَن يقودهم؟ سألته جونيبر بما أنَ لم يُصدر أحدنا صوتً لأني ضائع بأفكاري و لا أجد ما أقوله.
لستُ أعرف لكن الهواء يهمس لي انه رجلاً لا يعرف الرحمة و يكره عائلة لوماريل مِن كل قلبه و قد بحث عنكَ ايها الأمير و أنتظرك الى حين الوقت المناسب. هنا حركتُ عيناي متوسعة على عيونه الحمراء.
و أنتظر.
انه ينتظرك، لطالما أنتظرك.
لقد أخبرني ما قاله ذلك الرجل الذي قتل التاجر في أريزو.
مَن هذا الذي ينتظرني بِحق السماء؟
لماذا ينتظرني؟ انا لا أعرفه. سألتُ جي أوكس بِغضب.
و من قال انكَ لا تعرفه؟ ربما ليس شخصياً لكنكَ تعرفه جيداً.
فتحتُ فمي لكي أجادله بالأمر لأن لم أقترب يوماً مِن شخص يكره عائلتي لسببٍ ما و لا أعرف اية شخص لديه حقد أتجاه أسليرا...
أو ربما و لكنه كانَ مختبئ خلف قناع ما؟
و مع ذلك لا شيء منطقي في كلامه عن ذلك الشخص القاتل الذي يعجبه قتل الأبرياء لكي يرسل رسائل عن حرب بدأها ضِد الممالك.
تلكَ السلسلة التي تحملها معك. أعادني كلام جي أوكس من شُردي ليكمل هو.
انها مِن صنعهم، شعب سوليس كانَوا يُعرَفوا بِمهارتهم بِصنع أسلحة سحرية خاصة بهم. كانَ السحر الأسود ايضاً مُحرم عندهم إلا ملكهم و ملكتهم سمحوا به لأغراض مجهولة ربما مِن أجل حماية مملكتهم لأنَ القتال بين الممالك و بينهم كانَ ملحمياً و ليس سهلاً و مع ذلك لِقلة عددهم ضِد الممالك خسروا.
هذا يعني انهم يختبئون في مكانٍ ما و يجهزون جيوشاً ضد الممالك؟ ريزار سأل بِصدمة ليُخرج الوحش صوتً من حلقه بدا كالضحكة المستهزئة.
الأتلانتيانز لا يحتاجون جيشاً بعد الأن لشَن حرب، فَعقولهم لوحدها كافية و لكن للإجابة على سؤالك، نعم انهم يجهزون لحرب.
مِن اين تُحضر كل هذه المعلومات و انتَ مختبئ في مكتبة بينما صديقك القديم كما قلت، جيكال، يعيش خارجاً و ليس لديه المعلومات الكافية؟ انا سألته بِفضول أكثر ليُصبح السواد في عينيه أصغر و أنيابه البيضاء تظهر.
ذاك اللعين لديه كل ما لديّ و أكثر حتى لكنه يخاف مِن قدوم الأتلانتيانز اليه إن عرفوا انه يُعطي المعلومات لمن يسأل.
عقدتُ حواجبي بينما رأيتُ بِطرف عيناي كُلاً من جونيبر و ريزار يرفعوا حواجهم بِتعجب قبل أن اسأل الوحش
يخاف منهم، لماذ؟
بقية جي أوكس ساكِتاً لفترة طويلة، لفترة فيها ظنت انه لن يجيب لكن في الأخر اختفت بسمته و بؤبؤ عينيه كبروا يصبح الحمار فيهم أقل ثم قال
لأنهم يصطادون كل مَن مثلهم، إما يأخذوهم لكي يستعدوا لِلحرب معهم أو يقتلوهم كي لا ينشروا كلاماً عنهم و جيكال مثلي تماماً، مِن الأتلانتيانز.
لم يجرؤ اياً منا التفوه بِحرف بعدما أخبرنا انه من الأتلانتيانز و لكن بعدما سمعنا و عرفنا قصة مملكة سوليس، شكله و معرفته بِماضيها شرح الحقيقة عنه.
حتى انه مخلوق ليس مثل اية شيء رأيته في حياتي كما هو حال جيكال و نعلم انه إن تشجعنا و سألناه لن ينتهي الحديث على خير.
اومأتُ انا بِتفهم أعيد وضع الشارة في جيبي و أضع يدي اليُمنى فوق مُقدِمة سيفي عند خصري.
حسناً، بِما انكَ أكملتَ طرفك من الصفقة أعتقد انه حان دوري لأكمل طرفي. انا أخبرته قبل أن أبلع ريقي الذي لسببٍ ما ليس جافاً أو مرتجفاً كما توقعته أن يكون.
هنا أمسكتني جونيبر بِشكل كي لا أمشي بينما ريزار أرسل نظرات كأنه يسألني أن أعيد التفكير بِقراراي بأعطاء جي أوكس ذاكرة مني.
لا بأس، انا لا أعَض، إلا إذا كنتُ جائعاً. همس جي أوكس لأصدقائي ينتبه على تصرفاته و خوفهم عليّ.
الستَ جائعاً؟ لقد ظننت اننا عشاءك. انا سألته بِضجر.
لم يقل شيئاً هو و انا أشرتُ لِبلايز كي يبقى مع الأثنان و هو هَزة رأسه ايضاً رافِضاً لكني أمسكته مِن جناحيه و أعطيته لجونيبر كي تمسك به.
أخذتُ نفساً عميقاً رفعتُ رأسي و استقمتُ بِظهري ثم مشيتُ نحوى الوحش الهادئ الذي يُراقبني بتلكَ العينين الكبيرة.
وقفتُ أمام ضبابه بالضبط، لا أقترب أو أبتعد و المسافة بيني و بين جي أوكس خطوتين فقط. شعرتُ بِنسمة باردة لِلغاية قادمة منه جهته، أعلم انها مِن جسده الذي لا حرارة فيه و دماء دافئ بل شيء سيء جداً و غير طبيعي.
هل جميع الأتلانتيانز مثله؟
لا لا، لأنَ تلكَ المجموعة التي هاجمتنا كانوا مثلنا لكن عيونهم كانت مختلفة و فيها شيء متوحش لما أرى مثله ابداً.
حتى الشادونايتس بدو أقل بشاعة منهم.
بِقليل.
أقترب أكثر ايها الأمير. همس هو لي لأخُذ خطوة واحدة نحوه أرى شكله بِشكل أوضح الأن.
انه ليس طويلاً جداً كما أعتقدت، و إنما أقصر مني بِخمسة سنتيمترات على ما يبدو، و لديه شعر طويل جزء منه مُنسدل على كتفه و الجزء الأخَر على ظهره، أنفه لِلمفاجئة مستقيم و ليس كبيراً أو أعوج.
أذُنيه مثل أذُناي و جميع أذان الجنيات، طويلة و مُدببة من الأعلى لو لم يمتلك تلكَ العينين الحمراء و تلكَ المخالب و الأسنان لبدى جني طبيعي جداً إلا أنَ صوتً بداخلي يُخبرني انه يستطيع التحول لشيء لا أرغب بِتخيله إن أراد.
مَد هو يد-لا بَل مخلب نحوي بِبطء، أسود بأظافر طويلة و حادة و انا انتفضت قليلاً في مطرحي لكني بقيتُ ثابتاً أنظُر لها الى أن وضعها على رأسي.
أحسستُ كم انها مثلجة، باردة لِلغاية لدرجة أنَ رأسي تجمد أسفل مخلبه اللزج و، يا للهول، انه لزج.
لماذا لزج؟
أعطيني ما لديك ايها الكاذب. هَمس لي جي أوكس لأعَض على شفتي السُفلية حتى تذوقتُ الدماء بعدها أغمضتُ عيناي و فكرتُ بما سأعطيه له.
ذكرة.
ذكرة لطالما أردتُ نسيانها و لم أقدر. ذكرة كانت تلاحقني في نومي أحياناً و تجعلني أصرخ بأسم أمي ليلاً لتأتي تاليا الى غرفتي و تبقى معي الى أن توقفتُ عن الذُعر و البكاء.
ذكرة موت أمي.
مع اني كنتُ طفلاً صغيراً إلا انني أتذكر يوم موتها. كنتُ قد شعرتُ بأحساس سيء و انا في العربة معها عندما كُنا عائدين من رحلة و كانوا كلاً من ريس و تاليا معنا في عرباتهم الخاصة في لحظة كنتُ صامتاً نائماً في حضنها و بلحظة أخرى بدأتُ بالبكاء أرغب بالعودة الى القصر بِشدة بدت غريبة لها.
و في ذلك اليوم.
الشادونايتس قتلوها قبل بدأ الحرب و مع أني لم أعرف إلا بعد أن أخبروني تاليا و ريس، تأثرتُ كثيراً و في يوم مراسم دفنها أتذكر رؤيتي لكفنها و كيف كانَ يتنقل بين أيادي شعب أسليرا حزناً و وداعاً لها.
أغاثا التي هي والدتي كانت شخص قاسي.
معي، مع ريس و مع الجميع لكنها بِقلب طيب و رحيم كانت تنام بِجانبي كلما طلبتُ منها ذلك أو تأخُذني الى سريرها لكي تَحكي لي الحكايات حتى غفوت.
ليست لدي ذكريات كثيرة معها لأنها كانت تتركني أغلبية الأوقات مع مربيتي و ماتَت و انا طفلاً بالكاد يذكُر شيئاً لكن هذه الذكرة بالذات، موتها و رؤيتي لها في كفنها أكثر ما يُحزنني عنها هذه بالذات.
لا أدري لماذا لكنها تفوق على باقي الذكريات الجميلة لي معها.
لهذا اريدها أن تختفي، أن أنساها و بِما أنَ هذا الوحش يُحِب كل ما هو سيء سأعطيه ما هو سيء.
سمعتُ صوت جي أوكس يُهَمهِم بِرضى ما زلتُ لم أفتح عيناي.
كئيب، حزين و لذيذ. عرفتَ ما يجب أعطائه جيداً.
لا أعلم لكَم من الوقت مضى لكني لم أتحرك و انتظرته الى أن أخذها كلها من دماغي الى أن نسيتُ شكلها و أصوات بكاء شعب أسليرا و نسيتُ الحزن الكبير في وجه ريس و كم انه كانَ مكسوراً يومها و كيف كانت تاليا تبكي بِصمت لوحدها في غرفتها و بكاء مُربيتي ليلاً بعدما كانت تظُن انني غفوت.
كنتُ طفلاً لكني فهمت ما كانَ يجري من حولي.
سمعت و رأيت كل شيء لكني لم أتفوه بِحرف و أبقيتُ كل شيء بداخلي حتى بدأ يتأكلني مع بلوغي الذي يومنا هذا.
أمي...
انا أحبكِ جداً و أرجوكِ سامحيني لأني لم أقدر على حمايتك عندما كنتِ تحتاجين مَن يحميكِ. ليتني كنتُ كبيراً لأبقيكِ بعيداً عن كل ما هو شرير و مؤذي. ليتني كنتُ رجلاً لكِ بدلاً مِن الذي ترككِ و خانكِ و خانَ العالم كله.
انا أسف.
لم يتغير بي شيئاً عندما أنتهى من أخذ ما أعطيته.
لا أذكُر ما أعطيته عدا انها ذِكرة حزينة عن والدتي و التفاصيل؟
لستُ أذكرها ابداً و هذا المطلوب.
تركنا جي أوكس نعود من دون اية كلمة أخرى. فقط تحرك ضبابه و هو أختفى فيه و بِغمضة عين لم يعُد له وجود أو أثر. لهذا أخذنا طريقنا عائدين مع معلومات وَضّحت الكثير و لم نعُد نمسك طرف الحبل فحسب...
بل لدينا الحبل.
كانَ ذلك، مرعباً. قال ريزار من جانبي بعدما خرجنا من الجزء المظلم من المكتبة لنصبح في الجزء المضيء و المسالم.
لكنه لم يكن صعباً كما توقعنا. أضافت جونيبر تبتسم ليطير بلايز بعيداً عن كتفي و ينظُر من حولي معقد حواجبه.
هنالك أمراً ما.
ما الخطب؟ انا سألته أتوقف ليُكمل هو الحوم من حولنا و النظر في الأرجاء.
هل تسمعون ما أسمعه؟ سألنا القزم لأتبادل النظرات مع أصدقاء مستغربين من كلامه.
لا، ما الذي--.
لم تكمل جونيبر جملتها لأسمع صوت شيئاً ما في الهواء يحلق بسرعة كبيرة نحونا و أرى باللحظة نفسها سهماً متجه نحوها.
التقطتُ انا السهم بيدي بأخِر ثانية قبل أن يُصيب وجهها و هي حدقت به أمامها بعينين متبحلقة، البياض واضح فيهم.
دُخلاء! صحتُ لهم أكسِر السهم لنصفين و أخرِج سيفي كما فعلوا مَن معي.
ظهروا ثلاثة رجال مِن اليمين و اليسار مِن عند الرفوف الكبيرة يحملون أسلحتهم، سيوف و رماح كلها تتوهج بِهالة أرجوانية مائلة للأسود كأنها دخان.
سحر أسود.
أتلانتيانز.
و لكن لاحظت أنَ ولا واحِد منهم يحمل قوس و سهم.
هنالك رابع لكنه مختبئ.
تباً! تَمتَم ريزار من بين أسنانه يقف مستعداً لِلهجوم على ما يبدو انه لاحظ ما خمنته.
من اين أتوا بِحق السماء و كيف عرفوا اننا هنا؟
أتمنى انكم لن تمانعوا زياتنا سمو الأمير. قال الذي في منتصفهم ضخم البنية و بِشعر بني قصير جداً على الأطراف يرتدي تقريباً مثل ما أرتديه لكن عيونه الصفراء تبرق بِلهب مألوف.
لديه عيون ذلك الرجل من أريزو.
يحمل بيده سيفاً ثخين أعلم أنه باللحظة التي سيلمس فيه جلد أحدنا، ستكون النهاية لنا.
جونيبر؟ القيتُ نظرة عليها لتومئ هي مُستعدة سيفاً بيد و خنجراً بالأخرى.
انتَ خُذ الذي على اليمين. أخبرتُ ريزار ليومئ هو ايضاً.
كيف دخلتم؟ سألتُ أوسطهم ليبتسم هو بِمُكر.
مِن السهل اللعب بعقول الحراس و الخدم هنا.
آوه لا!
هل يمتلك قوى التحكم بالعقول؟ هذه قوى نادراً لِلغاية وأخطر من بين القوة في هذا العالم.
ركض هو و مَن معه نحونا بينما نحنُ ايضاً ركضنا باتجاههم كذلك و بدأنا قتالهم.
لمفاجأتي، الذي تكلم، قوي جداً و جيد بِسيفه لأن عندما تصادمت سيوفنا بِبعضها جعلني مِن ضغطه أرجع خطوات الى الوراء بينما هو أكمل عليّ متقدماً لا يزال يبتسم كالسافل.
ركلته انا على معدته لكن التأثير لم يدوم لأنه عاد يرفع سيفه عليّ لأتفادى الضربة أتحرك الى اليسار مُستديراً حتى أصبحتُ خلفه. ألقيتُ بِسيفي على ظهره و إذ به يُحرَك ذراعه الى الوراء و يَصُد سيفي بِخاصته.
كيف عرف المكان الذي سوف أصيبه به؟
لا أدري لماذا لكني حركتُ نظري على رأسه مِن الوراء أجِد عين في مؤخرة رقبته.
رقبته! و ليس رأسه.
سحبتُ سيفي مِن سيفه و عُدتُ خطوتين ليَستدير هو اليّ أسنانه ظاهرة.
مفاجئة. قال هو ساخِراً على شكلي المنصَدِم مِن العين الثالثة في ذاك المكان الغريب ليُلقي بِضربته على رقبتي لكني تشقلبتُ في الهواء متفاديها ألقي بِكُرة نار نحوه لكنه تدحرج بعيداً عنها يُهَسهِس من بين أسنانه على الحرارة.
خرج من على يساري سهماً قد خدش وجنتي لأحرك رأسي في الأعلى عند الرفوف و أجد رابعهم.
انه مقرفِص على رف يستعد لِأطلاق سهم أخَر.
انتم في عداد الموت. قال الرجل يجعلني أنظُر له و فات الأوان على حماية نفسي لأنه أصبح أمامي بِسرعة خارقة و طرف سيفه غرز بِدرعي الذي لم يقدر على صَد السيف جيداً.
لم أصاب لكن طرف السيف لامس جلدي و جرحه.
لعنتُ تحت أنفاسي ألقي لكمة على وجهه ليبتعِد عني و معه سيفه و انا تشقلبتُ على جنبه أركل وجهه بِقدمي ليقع على الأرض سيفه بيده.
ألقيتُ نظرة على جونيبر أجدها فوق الذي تقاتله و خنجرها عند رقبته. سينتهي بأية لحظة لكني رأيتُ جانب رأسها و شفتيها ينزفوا.
بينما ريزار بِلا سيفه الذي في مكانٍ ما قد فقده فقط يُحرك يديه في الهواء يتحكم بالكتب مِن على الرفوف لتُصيب الرجل و تغطيه كلها الى أن وقع. انه يستعمل قوته بالتحكم في الهواء و هذا جيد على الأقل لديه هذا.
نهض الرجل الذي أقاتله انا، ليتهجم عليّ بيد فيها لهب أزرق يجعلني أنسى لثانية كيف أتحرك من مكاني قبل أن يُصيبني.
لديه قوى النار لكنها ليست قوية كفاية كَخاصتي.
ألقى بِنيرانه الزرقاء نحوي لأخرج خاصتي مِن يدي الفارغة. بيننا النيران حاجزاً ضِد الأخَر و لكن لكوني أواجِه واحِد نسيتُ الثاني المُختبئ. فَظهر سهم ثاني يُصيبني في الكتف لأخرج صرخة مرتفعة من فمي على الألم.
و لأنَ السهم فيه سحر أسود أحسستُ بِسحري يَخِف. بِشكل بطيء و مع ذلك نيراني خَفت و خَفت كُلما حاولتُ تقويتها ضِد الثاني.
رأيتُ مِن بين النيران بسمة الرجل تكبر، يعلم جيداً أن السهم الذي ظل في كتفي يأخُذ كل ما أمتلكه من سحر و إن لم أخرجه فَهذه ستكون نهايتي مع سحري إلا إذا نجوت.
أوقفتُ نيراني أتدحرج على جنب أتفادى نيرانه ليلعن هو عليّ و يركض نحوي و انا مقرفص. أخرجتُ خنجراً مِن كتفي ثم ألقيتُ به و أصابه لِحُسن الحظ بِمعصم يده التي تحمل السيف.
ليسقطه مِن يده على الأرض عند قدميه و يصرخ عليّ. انا لم أجرح معصمه، لا لا ابداً، بل قطعتُ يده و الأن دمائه يسيل كالشلال على الأرض.
أراد أن يأخُذ السيف بيده الأخرى لألقي بِسيفي على صدره و أركض ألحق به. عندما لامس درعه أمسكتُ بِالسيف مُجدداً و ضغطتُ عليه بِقوة حتى سمعتُ و شعرتُ بِه يغرِز لحمه و يكسر عظامه.
حدق بي الرجل فمه مفتوح و عيونه متوسعة يحاول التحدث لأسحب السيف من صدره أصُد السهم الذي أطلق عليّ مرة ثانية بعدها استدرتُ رافع ساقي لِتقابل وجه الرجل و يقع على ظهره.
لا أهتم إن ما كانَ يموت أو ميت تركته ثم ركضت بسرعة نحوى الرجل عند الرفوف.
انه يحاول أطلاق سهم لكني وقفتُ خلف رف أختبئ منه. ألقيتُ نظرة من وراء الرفوف و ندمت لأنه أطلق عليّ سهماً كاد أن يُصيبني في عيني.
سحقاً! همستُ أخُذ نفساً عميقاً ثم خرجتُ مِن خلف الرفوف لأتسلق التي يقف عليها في الأعلى، بسرعة كبيرة أصبحتُ عنده و لأنه لم يقدر على قتلي بالأسهم بعد الأن، أخرج سيفه مِن على خصره و حاول إصابتي في وجهي لكني انخفضتُ لمستوى معدته و لكمته فيها بيد تملأها النار.
التقطته مِن ذراعه التي فيها السيف ثم حركتُها بطريقة غير طبيعية لتنكسِر و أسمع صراخه يرِج ما بداخلي كالزلزال. أخذتُ السيف منه بعدها دفعته مِن على الرفوف ليقع الى الأسفل. حملتُ سيفه و نزلت بِقفزة اليه و عندما حاول النهوض لكي يهرب مني وضعتُ السيف في مؤخرة رأسه و أنهيته.
سمعتُ صرخة مِن جونيبر لأحرك رأسي بسرعة نحوها أرى الرجل الذي تقاتله مُمسِكاً بِياقتها يرفعها عن الأرض.
ماذا حدث؟ منذُ لحظات كانت هي فوقه و خنجرها على رقبته.
نهضتُ على ساقاي المرتجفة قليلاً لكي أذهب اليها و إذ بالرجل يُحَلق الى الأعلى بعيداً عنها يخرج أصوات اختناق مِن حلقه و حتى الرجل الذي يُقاتله ريزار أصبح في الهواء مثله.
نظرتُ على يميني أجِد كاغوا.
يديه في الهواء أمامه تُضيء باللون الأبيض يتحكم بِهما يقتلهما، عينيه بيضاء كاملة ليس فيها اية لون أخَر غير البياض و خلفه يركضوا بعض الحرس الملكي و خلفهم فالين و فينار و طبعاً مايكا.
بعد لحظات قصيرة أوقع كاغوا الأثنان فاقِدان لروحهم لأكمل انا ذهابي الى جونيبر أرفعها عن الأرض.
هل انتِ بخير؟ سألتها قلقاً لتومئ لي تضع يداً على رقبتها تسعُل.
انتبهت هي على السهم في كتفي لِتشير عليه بِعيون فيها خوف و انا مِن دون تَضيّع وقت أخرجتُ السهم و ألقيتُ به لينزف الجرح على ملابسي و درعي.
هذا سيء.
فالكين! سمعتُ فالين يصيح بأسمي لأنظُر لأمامي أجِده يقف مع أثنان مِن حراسه أما الأخرين ذهبوا الى جثث الأتلانتيانز.
نحنُ بخير لا تقلقوا. أخبرتهم انا أثَبِت جونيبر على ساقيها لكن لم أرى القلق بِوجه فالين و إنما غضب مُشتعل أعلم انه سيُدخِلنا في مشكلة كبيرة لستُ أدري اين مخرجها.
بعد الهجوم، تم أخذنا الى الطبيب لِلتداوي و تضميد الجِراح و أخبرني الطبيب انني سأفقد سحري لنصف يوم بِما أنَ دماء ملكي يجري في عروقي لهذا قُدرة التعافي أكبر عندي و الباقي الحمدلله بخير لم يصيبهم السحر الأسود.
و طبعاً لم نُغادر غرفة الطبيب الى غُرفِنا بعدما انتهينا، آوه لا لا.
بل ذهبنا الى مكتب فالين الذي فيه الجميع حتى كاغوا الساحر الخبيث صاحب الأسرار. لدي مئة سؤال له و لكن ظللت صامتاً أقِف أمام الجِدار على يميني جونيبر و ريزار الذي يتلقى نظرات من فينار تقف عند خزانة المشروبات الكحولية و كاغوا على يساري متكئ على الطاولة مُشابك ذراعيه أسفل صدره.
الملك لم يتوقف عن المشي أمامنا ذهاباً و إياباً يداً خلف ظهره و الأخرى يَحُك فيها ذقنه و في زاوية الغرفة مايكا وجهُه كالعادة غير متغير.
ما الذي كنتم تفعلونه في ذلك المكان في المكتبة؟ و أخيراً توقف فالين ينظُر الينا شفتيه مُطبقة على بعضها لتصبح نحيلة مختفية.
تنهدتُ انا أعَدِل مِن ذراعي المُصابة بِذلك السهم في القماشة المُلتفة حولها و حول كتفي. لقد أمرني الطبيب أن أبقيها مرفوعة هكذا و لا أحركها حتى لا ينتشر السحر الى أرجاء جسدي كله.
لقد كنا نتحقق من شيء. انا أجبته.
لا تهرب مِن الإجابة فالكين، أخبرني ما الذي كنتم تفعلونه هنالك؟
شعرتُ بِجميع العيون عليّ و انا تمنيتُ لو كانت لدي القُدرة على مسح ذكرياتهم عن ما حدث و لكن هذا مستحيل. فَما خيار إلا التكلم لأني متأكد بأنَ فالين لم يعُد فقط يَشُك بي بل واثق من أنني أخفي شيئاً عنه.
هنالك المزيد مِن فقط جثث تظهر فالين، و نحنُ ذهبنا الى جي أوكس لكي نسأله عن ما نشُك به.
هل تظننا حمقى؟
لم أجبه و هو مَرَر أصابعه في شعره الاشقر يزفر الهواء من فمه و يشده.
هل تظن اننا لا نعرف عن ماذا تبحث؟ عن مَن تسأل و ماذا تسأل؟
انا لا أفهم--
نحنُ جميعنا نعلم بأنَ هنالك جثث تنتشر في أنحاء الممالك و انتَ جعلتنا نثق بِجميع شكوكنا حتى أصبحت حقيقة. أتذكُر الرسائل التي شاركتها مع تيريان؟
ذهب فالين الى مكتبه ثم فتح دُرج و أخرج الرسالة ذهبية التي أعطيتها إياها مِن تيريان، فتحها و بدأ بِقراتها
بعد وصول و بقاء فالكين عندي، أصبح كل ما نقلق.
بِشأنه حقيقي فالين. كل أسئلتنا لم تذهب عبثاً مِن دون أجوبة منطقية و الشكر له لهذا أخبره انني شاكِر لمساعدته و أن لا يُخفي الأمر عنا و بأنَ النزل الذي أحترق و مَن مات فيه لم يذهب سُداً و لكن سأقتله إن عمل بِخفاء في المرة القادمة و خصيصاً في مملكتي.
رمشتُ عليه مَصعوق كأنما أحَداً ما لكمني أكثر من مرة على وجهي ليُلقي فالين بالرسالة على مكتبه و يرجع لعند النوافذ.
اننا نعلم بِكل شيء، انا تيريان، لايتا و ريس بالذات بعدما انتشرت الجثث في مملكتي و نعم انا أعرف بكل شيء لهذا أرسلتُ خبراً لريس و ظللنا على تواصل.
لم أعد أذكُر كيف يجدر بي تحريك لساني.
هذه إحَدى الأسباب بِجعل كاغوا يعيش في القصر. أشار فالين الى الساحِر الساكن ليرفع كاغوا رأسه ينظُر لِلملك قبل أن يومئ لي قبعته العجيبة ذات العين المغمضة الأن خلفه على الطاولة.
و إحدى الأسباب لِغضبي على الانضمام لنا بِرحلتنا الى مملكة شادونايت. أضافَت فينار تجذُب الأنتباه اليها.
هي تعرف كذلك. جميعهم و انا اعتقدتُ انني أخفيتُ الكثير عنهم.
بالطبع لن أقدر!
انهم ملوك كما قلت مِن قبل، لن تدخل ذبابة الى مملكتهم من دون أن يدروا بها.
إذاً، انتم تعرفون بِشأن الأتلانتيانز؟ انا سألته صوتي مُرتجف قليلاً الى الأن لا أستوعب ما أخبرني به.
كما قلت مِن قبل، لقد شَككنا و لم نصدق إلا بعد أن حولتَ انتَ الوضع لِمُصيبة مِن دون أن تخبرنا و لقد كذبتَ عليّ عِدة مرات مع انني انتظرتُك و انتظرت حتى تخبرني بالحقيقة.
انه غاضب جداً لكنه بِنفس الوقت خائب للأمَل بي و هذا ما أحزنني أكثر و جعلني أشعُر بالعار و الندم الشديد لعدم أخباره.
هل أخبرهم أنَ جي أوكس و جيكال ايضاً من الأتلانتيانز؟
و مع كل هذا انا أستحق ذلك و لكني فعلتُ ما يجب فعله، حمايتهم الى أن أصبحت معلوماتي كاملة و كنتُ سأخبره لكنه أكتشف بِنفسه.
أعلم انكَ تريد حمايتنا فالكين و انا و الجميع ممتنين لكن كان يجب عليكَ مُشاركة ما تعرفه معي أولاً و بالمُناسبة، ريس و تاليا مثلي تماماً غاضبين و نادمين على--
تقدمتُ خطوة نحوه لا أدعه يكمل جملته لأندفِع قائلاً.
انا لستُ طفلاً! فعلتُ مَن لا يقدر على فعله لكي أكتشف حقيقة مملكة سوليس و لديّ ما لن يكون لديكم مِن إثباتات و انا مَن جعلكم تصدقوا الحقيقة لهذا لا تتفوه بالهُراء و تقول أنَ تاليا و ريس نادمين و غاضبين على أرسالي الى فالينيا!
توقف فالين متجمداً لِلحظة طويلة لكن اختفت الصدمة بسرعة لتتبدل بِتعابير هادئة يداً على خصره و الأخرى مُمسكة بِياقة سترته البيضاء و الذهبية.
انا لم أقل انكَ طفلاً و كما ذكرت سابقاً اننا مُمتنين على ما فعلته لكن كانَ يجب عليكَ أخبارنا و أن لا تُبقي ما حدث و يحدث سراً عنا.
ما يحاول الملك قوله، تدخَل كاغوا لأول مرة لينظُر له الجميع قبل أن يكمل.
انه كانَ مِن الأفضل مشاركة المعلومات لعلكم تحلون المشكلة أو تتفادوا ما هو أكبر مُستقبلاً فَهذا أمر يحتاج أكثر مِن عقل واحد سموك، حتى انا قادر على مساعدتكم و لو بِالقليل مِن ما أمتلكه عن سوليس و الأتلانتيانز.
كنتُ سأخبرك اليوم بعدما غادرنا مِن عند جي أوكس. انا قلت بِنبرة منخفضة أرجِع خطوة الى الخلف بِجانب جونيبر التي لو لم تُمسك نفسها لوقعت من الارتجاف.
بِلُطف و رقة وضعتُ يدي اليُمنى الغير مُصابة خلف ظهرها أرسل دفئ اليها كي تهدئ و هي الفعل هدأت.
رفعت رأسها نحوي ثم أعطتني بسمة رقيقة شاكِرة لأعيدها لها و أركز على فالين.
و غير ذلك لقد أدخلتهما معك. أشار فالين بأصبع على ريزار و جونيبر لتعود جونيبر بالارتجاف مجدداً.
أغمضتُ عيناي ألعَن نفسي ألف مرة بِصمت بعدها قلت له دفاعاً عنهما
انا مَن أدخلتهم معي و هُم أرادوا المساعدة لهذا لا ذَنب لهما.
و مع ذلك ما كان يجدر بكَ فالكين. و خصيصاً انتِ! وَجّه السؤال لِلتي توقفت عن الارتجاف و تجمد جسدها.
جلالتك انا--
هَزة فالين رأسه عليها لا يدعها تُكمل تبريرها.
سوف أتحدث مع والدك لاحقاً، بعد يوم سيهينا كي لا أدَمِر كامل الأسبوع له.
فالين لا تفعل أرجوك! قلتُ له ليتجاهلني و يُعطينا ظهره ينظُر للأفق عبر النافذة الصغيرة.
عَم صمت في المكتب لا أحَد يُصدر و لو ذرة صوت كأنهم يرفضون التنفس مع وجود ملكهم الذي يفور كالنيران علينا و انا راقبته يتحرك يميناً و يساراً الأن على ما يبدو لا يزال يُفكر.
كاغوا ما الذي عرفته منهم؟ فالين سأل الساحر ليَحُك كاغوا لحيته الخفيفة.
لا شيء مع الأسف، عقولهم كانت مَحمية بِجُدران منعتني من قرأتها و معرفة ما كانوا يُخَططون له ولماذا أتوا الى فالينيا لكني متأكد انهم أتلانتيانز و كانوا يريدون قتل الأمير و مَن معه.
رفعتُ انا حواجبي عليه و هو أحَس بِنظراتي ليبتسم لي.
مسموح لكَ باستعمال قرأت الأفكار؟ انا سألته بِفضول.
لقد سمحتُ له لأننا مُضطَرون. أجاب فالين بدلاً مِن كاغوا بِنبرة مرتفعة ما يزال الغضب موجود.
منذُ متى و هو قادر على قرأت الأفكار أصلاً؟
صحيح انه مِن سُلالة أقوى السَحَرة في العالم و هو أخرهم لكن قِرأت الأفكار؟ حسناً هذا منطقي الأن.
أنتظروا لحظة، هل قرأ—
مِن شكلك المندهش انا أؤكِد لك انني لم اقرأ أفكارك يوماً. قاطعني كلام كاغوا فيه القليل مِن المُزاح لأشقلب مقلتاي عليه قبل أن أرجع لِلملك الذي بدى أقل غاضباً الأن.
ماذا سأفعل بِشأن التجمعات للاحتفال بِسهينا؟ انه خَطر على شعبي، ربما المزيد مِن الأتلانتيانز مازالوا موجودين في المدينة بينهم. تساءل فالين.
لا أعتقد انهم سوف يتأذون في يوم سيهينا جلالتك لأنَ السحر في ذلك اليوم يؤثر حتى على الأتلانتيانز. رَد عليه كاغوا ليلتَفِت فالين قليلاً لنا.
و مع ذلك لا يمكنني تركهم و لو قبل يوم الاحتفال. أعتقد انني سوف ألغي الاحتفال و أمُر الجميع بالبقاء في منازلهم.
هَزت فينار رأسها ثم فتحت فمها لكي تُعارض ليسبقها كاغوا قائلاً
هل لي بأقتراح جلالتك؟
اومئ له الملك بالموافقة ليُتابع
لا أظُن انهم ما يزالوا موجودين في المملكة بَل تم أرسالهم لكي يتخلصوا منهم، نظَر لنا كاغوا
انهم لن يقدروا على البقاء في اية مملكة بعد هجوم فيها و هُم مُدركون اننا اكتشفنا سرهم و هذه طريقتهم لِلتخلص من الأدلة عنهم.
انتَ محق، لكن ما هو أقتراحك؟
لما لا تضع تعويذة مؤقتة حول المدينة بالذات تحميهم من الدُخلاء و تأمرهُم بالبقاء في المدينة و عدم الخروج منها الى أن نتأكد أنَ المملكة أمنة لهم؟
حدق به فالين لثواني أحَسستُ بِها ساعات بعدها تبادل النظرات مع فينار التي اومأت له الموافقة ثم مساعده مايكا ليومئ هو، شعره الأسود الطويل يتحرك كالستائر عند كتفيه.
تنهد فالين صدره يهبط ثم قال
انها فكرة قد لا تحمينا للأبد منهم لكنها عملية.
انا سوف أرسل الحرس لكي يُفَتِشوا المدينة. قالت فينار متجهة نحوى الباب.
و انتم عودوا الى غُرَفكُم كي ترتاحوا بعدها سوف نتحدث. أمَر فالين أصدقائي ليومئ بِتفهم و يغادروا المكتب مع كاغوا الذي قال أنَ لديه عمل مهم يتجاهل نظراتي الثاقبة.
سوف أتحدث معه لاحقاً.
سوف أقول الكثير و أسمع القليل.
كدتُ أن الحق بالجميع خارجاً لكني توقفتُ قبل الباب و استدرتُ الى فالين أضَع يدي على مقبض الباب الشبه مفتوح.
ماذا أخبروك ريس و تاليا؟
التفتَ اليّ مُضَيّق عينيه قبل أن يُجيب
كلاهما قلقان لكنهم لم يطلبوا شيئاً و يُفَكِر ريس بأرسال أدلار الى فالينيا مع بعضاً مِن وزرائه لكي نتناقش بدلاً عنه بِما انه غير قادر على ترك أسليرا الأن أو لفترة.
ماذا؟
هَزة كتفيه العريضة و عاد يواجِه النوافِذ يديه خلف ظهره.
انها ليس مشكلة فالكين، بَل مُصيبة قد تنتهي بِحرب أخرى لكنا سوف نعمل على إيقافهم لكي نتفادى الحرب.
و ماذا بِشأن شادونايت و تركَك لفالينيا؟
جلالته لن يُغَيّر رأيه و انا سأبقى هنا كي أحميها بِكل ما أمتلكه. صوت مايكا جعلني أنتفِض بِمطرحي لم أتوقع رده لأومئ له مرةً واحدة بِرأسي.
عُدتُ أفتح الباب لكي أغادر و أدعُه مع أفكاره و إذ بِه يُخبرني من دون تحركه مِن أمام النوافِذ
نقاشنا لم ينتهي فالكين لكن سوف أؤجِلُه الى ما بعد سيهينا فأنا لا أريد تدمير فرحة الجميع بِسبب تصرفك الطائِش.
فتحتُ فمي ثم أغلقته عِدة مرات لستُ أدري ماذا سأقول لأجد مايكا يحدق بي و يهُز رأسه بِكلتا الجهتين يُخبرني بِصمت أن أدعه لِليوم و انا أنصت اليه ثم رحلت مع أفكار خاصة بي.
لكن لا ندم، ابداً لا ندم.
استيقظتُ، لا بل مشيتُ في ردهة مظلمة من حجر، بين كل عشرة خطوات شُعلة نار تنير القليل. صوت جزمتي صدى مع أنفاسي السريعة و قلبي الذي ينبض بِقسوة ضد قفصي الصدري.
هنالك مياه قذرة على الأرض و صوت قطرات تسقط من السقف لأسرع من خطواتي أكثر أخذ منعطفاً على اليسار الى ردهة أخرى مثل التي قبلها.
غاضب.
انا متأكد أنَ سيدي سيكون غاضباً للغاية ولن أخرج من عنده من دون فقداني لِساق أو قدم، و ربما لساني بما أنَ أخر من أغضبه فقده.
مررتُ من بين أبواب حديدية يحرسها رجلين أعرفهم جيداً لكن ليس لديّ الوقت لألقاء التحية عليهم.
بعدها أكملتُ طريقي في ردهة عريضة مُنارة أكثر بِشعلات معلقة على الجدران و على كلتا الجهتين توجد زنزانات فارغة هذه المرة و أمامي تماماً باب فولاذي و خشبي مغلق، خلفه سيدي.
وقفتُ عند الباب أعَدِل من ملابسي و شعري المبعثر على جبيني بعدها بلعتُ ريقي أخذتُ نفساً أهدئ فيه قلبي الهائج ثم طرقتُ الباب مرتين بِخفة.
انتظرت لمدة دقيقة أو أكثر قبل أن يسمح لي سيدي بالدخول.
فتحتُ الباب و أغلقته من دون أزعاجه ثم ألتفتُ اليه أراه يجلس خلف طاولة حديدية عليها أوراق، خريطة و فوقها تماثيل صغيرة و المزيد من الأشياء.
هذا يعتبر، مكتبه مع انها كانت زنزانة موحدة و مخيفة، عتمة بِجدران من الحجر الذي إذا حركتُ جلدي عليها سينجرح و هنالك نافذة صغيرة بِحجم رأس منها يدخل ضوء القمر.
يضيء الغرفة مع الشمعة التي تقف على زاوية طاولة سيدي لكي يرى ما يقرأه و ما يكتبه.
صَفيتُ انا حلقي لا أتحرك بعيداً عن الباب ليرفع هو رأسه و لِصدمتي وجهه، مشوش، ضبابي لا يمكنني رؤية ملامحه و ما لون عيونه عدا شعره الأشقر القصير، ذهبي لانعكاس نور الشمعة عليه أطرافه.
ماذا هناك؟ سألني بِصوت عميق و رجولي لكنه بدا بعيداً كأنني أسمع من أسفل مياه.
شابكتُ يداي المرتجفة بِبعضها البعض كي لا يلاحظ هو ذلك أبلع ريقي مجدداً أجده جافاً كما لو انني لم أشرب الماء لمدة أيام.
جلسته و وجوده وحده كافي بِجعل قلبي يقع في معدتي.
انه هكذا منذُ أن وصله خبر سيء للغاية، خبر قد تفادى سماعه لسنين، لا قرون. لهذا أصبحت له عادة، بأخماد غضبه علينا مع انه لم يكن يوماً رجلاً يعاملنا بتلك الطريقة.
موت قائدنا الأول كانَ السبب.
أممم س-سيدي هنالك، هنالك مشكلة. قلتُ له لا أعرف كيف أعطيه ما لدي من خبر سيء ثاني.
جميعنا نعلم ما هو عداه. و لقد لعبتُ لعبة الحظ مع باقي الرجال.
ما هي اللعبة؟ حسناً انها بكل بساطة، جلوسنا على شكل دائرة و تحريك قارورة زجاجية بيننا و عندما تحُط القارورة على أحدنا هو من سيعطي الخبر للسيد.
و لقد اختارتني القارورة، اللعنة عليها و على مَن ظهر بِفكرة اللعبة!
تكلم و توقف عن التلعثم. أمرني سيدي لأومئ أعَض على شفتي السفلية رأسي منحني.
لقد فقدناهم، لم يعودوا و ليس معهم الأمانة.
ماذا؟
نبرته لم تكن محتارة، بل فيها سكاكين حادة تصيبني في وجهي و انا لم أرفع رأسي لأنظر له و فضلت أبقائه منحني أحدق بِجزمتي التي عليها طين جاف من المخيم الذي كنتُ فيه قبل قدومي.
لا خبر عن الرجال الذين أرسلتهم و الأما-- انا قلت ليضرب بِكف يده على طاولته.
لقد سمعتك من أول مرة.
أغلقتُ فمي و عيناي أندم على قدومي و موافقتي بأخذ الخبر له، كانَ يجب عليّ الهرب و جعل أحد غيري يأتي اليه.
سمعتُ صوتً من عنده بدا و كأنه ترك القلم الذي كان يكتب به، قلم ذهبي لا يستعمل غيره و دوماً يأخذه معه.
انه غالي الثمن كما أخبرنا الحداد مرةً و لم يجرؤ أحد على سؤاله من اين أحضره، فلا شأنا لنا به و لا نريد المشاكل.
من السبب؟ سألني هو.
انه ريساند سيدي.
كيف و هو بالكاد يمكنه مغادرة القصر؟
لقد أتى متخفياً مع رجاله و حارسه الشخصي أدلار، سيدي.
عمَت لحظة صمت أخرى كرهتُ كل ثانية فيها لأسمع هذه المرة صوت تحرك كرسيه الذي يجلس عليه و انا بدأتُ أصلي بداخلي.
كم كانَ عددهم؟ سأل هو صوته أقرب.
ستة مع الملك سيدي.
و كم كانَ عدد رجالنا؟
لم أجيبه و صوت حذائه على الأرضية أصبح أقرب.
أحسستُ به أمامي تماماً، رائحته من اللافندر و المَطر مؤلمة لِمجرى تنفسي و مع ذلك انا لم أرفع رأسي.
ع--عشرة سيدي. أجبته أشعر بِرغبة في البكاء.
و لم يقدر أحدهم على أخذه من ريساند؟
هززتُ بِرأسي غير قادر على تحريك لساني المخدر.
رأيتُ يده بِبطء تتحرك و عندما فتحتُ فمي لكي أبرر بأية كلمة أصبحت يده بِلمح البصر تعصِر رقبتي يجعلني أرفع رأسي نحوه.
وجهه ما زال ضبابياً، مشوش ملامحه غير واضحة لي لكني خائف جداً و أظن انني بللتُ بنطالي و يده الكبيرة أكملت عصر رقبتي بِشدة الهواء لم يعد يدخل أو يخرج.
أمسكتُ بِمعصمه بيداي لكن لم أحاول أبعاد قبضته عني لأني مدرك انه سوف يقتلني بالثانية التي سأحاول فعل ذلك.
لقد أرسلتهم لِلمرة الثانية و خابوا ظني بهم مرتين، بكم انتم! قال من بين أسنانه، أنفاسه الحارة رائحتها كحول تضرب وجهي.
سيدي، سيدي أرجوك انا لا شأنَ لي بهم، لقد أرسلناهم و معهم أفضل الأسلحة و هُم مدر-بون جيداً ولكن ريساند و الح-حارس تفوَقونا قوى.
قَرّب هو وجهه مني حتى تلامس طرف أنفه بِوجنتي ثم صاح.
هل انا مزحة لكم؟ هل ما اريده مزحة؟
لعابه لطخني لأغمض عيناي بِشدة أعلم انني أبكي الأن.
سيدي، أرجوك، أعطنا فرصة أخرى، هذه المرة لن نفشل انا أعدك. قلتُ له أفتح عيناي لأجد رأسه مائل على جنب لا أعلم إن ما يصدقني أم لا.
فرصة أخرى؟، حسناً، لكن لدي سؤال.
توقفتُ فجأة عن الارتجاف في قبضته التي ارتخت قليلاً على حلقي و حدقتُ به أرمش عليه بسرعة البرق.
م-ما هو سيدي؟
هل لديكَ عائلة؟ زوجة، أطفال أو أخوة؟
وجدتُ سؤاله العشوائي أغرب من الغرابة و حتى نبرته منخفضة لمستوى الهمس لأومئ انا و أجيبه بالحقيقة لأني إن كذبت فسوف يكتشف ذلك
ل-لدي زوجة و هي حامل بِطفلي الأول.
هَمهَم هو ثم سأل يده تبتعد عن رقبتي لأمسك انا سعالي أخُذ و أزفر الهواء بِبطء أملئ رئتاي المحترقة بالهواء
و متى أخر مرة رأيتها فيها؟
بلعتُ ريقي.
قبل أربعة أشهر سيدي.
هذا محزن و لكن جيد فنحنُ نحتاج المزيد من الرجال، أتمنى أن يكون طفلك ذكراً.
لم أتفوه بِحرف لكني اومأتُ أوافقه و أشعر بِسعادة صغيرة تغمرني على فكرة انني سوف أصبح اباً لأبن مع اني لا أمانع فتاة جميلة كَزوجتي.
و هل تحبها؟ عاد يسأل.
نعم سيدي،
هَمهَم مرة أخرى.
هل لديكَ من فقدته مؤخراً؟
توسعت عيناي على سؤاله لكني أجبته
أخي الأصغر، لقد مات بسبب مرض.
و هل كنتَ تحبه؟
نعم سيدي.
أبتعدَ عني خطوة الى الخلف كأنه يخبرني بالمغادرة لألتفت انا الى الباب و أحاول فتحه بِيد ترتجف.
القي التحية على أخاك عندما تراه من أجلي.
تجمدت يدي على مقبض الباب لألتفِت قليلاً اليه.
ماذا قلت؟
ألا تحب أخاك؟
بلى سيدي.
إذاً ألقي التحية له من أجلي في الجحيم.
أردتُ فتح الباب و الهرب منه لكنه كانَ أسرع و أقوى يمسك بي من رقبتي يرفعني عن الأرض و انا أقاتل بِصعوبة في قبضته من أجل الهواء. لم أتنفس لم أعد أستطيع رؤية شيء، لكني سمعتُ ضحكاته.
سمعتُ شره فيهم و كم انني أكرهه و أكره صوته، لقد وقعنا في فخه.
لقد قتل قائدنا و جلسَ بِمطرحه لكي يتحكم بنا و يصل لما يريد، لم يعد هدفنا كما كان، بل شيء سيء جداً قد يلقي بنا الى حتفنا أسرع من ما كنا نتصور.
قاتلت و قاتلت من أجل الهواء لكن لا فائدة، عصرني هو كما يعصر الليمون و قطع عني كل ما يبقيني حياً.
-كانيلا-
لم أسمعه لكني أحسستُ به.
أحسستُ به في عظامي.
شعور لم أقدر على وصفه و انا نائمة، كأنَ حبلاً موصول بي يسحبني و يسحبني من دون توقف.
استيقظتُ في منتصف الليل متعرقة. جزء من ظلام غرفتي يُرحِب بي. حركتُ رأسي الى خلفي أجِد باب شرفتي مفتوح و الستائر تتراقص مع نور القمر الذي يضيء الغرفة.
سيدتي؟ فجأة ظهرت إكسانا أمامَ نظري تَفرُك عينيها من النعس.
لأبعِد الأغطية عن ساقاي و أنهض متجهة نحوى خزانتي لكي أخُذ ردائاً مناسباً أغطي فيه ثوب نومي الكاشف و القصير يصل لفوق ركبتاي بعدها ركضتُ مسرعة نحوى الباب و فتحته متجهة الى غرفته.
هنالك شيئاً ثقيلاً في الهواء. ثقيلاً جداً يجعلني أختنق. ليست رائحة و لا دخان بل انه مرئي أشعر به، بداخلي.
انه شعور أحسستُ به من قبل، عِدة مرات في الليل فقط و في أيام يكون فيها سموه، شخصاً أخَر.
سيدتي؟ عادت إكسانا تسأل و تحلقني بينما انا أسرعتُ بِركضي، قدماي عارية على بساط الردهة الفارغة.
وصلتُ الى غرفته، لم أطرق الباب أو أنتظِر بلايز ليفتحه لكوني جربت المقبض و الحمدلله انه مفتوح.
دخلت و رأيته هنالك على سريره المُمزق، ريش من الوسادات من حوله و على الأرض و منها يطير فوقه، انه يُقتال شيئاً ما في نومه و لا يدري انه قد يُدَمر الغرفة بأية لحظة.
رأيتُ إيكس كلبه المسكين، خائف يختبئ أسفل كرسي عند أبواب الشُرفة و بلايز ينظُر اليّ في عينيه ذُعر لم أرى مثله من قبل.
أغلقتُ الباب و ركضت نحوى فالكين. لكونه يقاتل شيئاً ما في حلمه.
لكمني مرةً على كتفي و بيده الأخرى على خصري لكني تجاهلتُ ذلك أستحمل لأمسك بِيديه أضع ساقاً على جهة من خصره و الأخرى من الجهة الأخرى ليصبح هو بين ساقاي.
علي ركبتاي أجلس لا أضَع القليل مِن الضغط عليه أحاول إيقافه لكنه قوي، قوي جداً و انا ضعيفة مقارنةً به.
عرقه يملئه كاملاً و يبلل ردائي. أغطيته و فراشه مُمزقين بِشكل لن يسمح له أن يستعملها مجدداً. و لقد انتبهت انه ينزف من أنفه و أذُنيه و إذا لم أوقفه حالاً لستُ أدري ماذا سيحدث له.
علي حسب ما ذكرته كريسيدا صديقتي الساحرة، انه قد يتأذى بشكل سيء و ربما، ربما--.
هذا يكفي فالكين! صرختُ له أبعُد يديه عني هذه المرة أجلس على معدته و هو ظل يتحرك يرفس بِساقيه مِن خلفي و يحاول لكمي.
فالكين! صرختُ مجدداً.
العروق السوداء على الجزء العلوي العاري من جسده واضحة، كأنَ الرعد لمسه أو جذوع شجرة عارية بِلا أوراق مرسومة على جزء من جسد و رقبته. انها سوداء لِلغاية بدت و كأنها سوف تخرج من جلده.
فتحتُ فمي لكي أصرخ بأسمه مرة أخرى ليَسحب يده من يدي و يضعها حول رقبتي يخنقني. بلحظ كنتُ فوقه و بالثانية أصبحتُ تحته.
لقد حركنا بسرعة ليُصبح هو فوقي، عينيه مفتوحة، سوداء بالكامل ليس هنالك ذرة لون بنفسجي الحقيقي لعينيه.
انه لا يراني و يعتقد انني الشخص في حلمه؟
فا-- لم أقدر على أكمال مناداته لأنه عَصر رقبتي أكثر يمنع الهواء من دخول مجرى تنفسي.
أصبحتُ انا التي تقاتله في نومه أضربه على يديه و لا فائدة، أحرك ساقاي مِن خلفه و لا فائدة. بدأتُ أرى نقاط سوداء في طرف عيناي و أعلم أنَ وجهي تحول للأزرق، انه سيفتلي، كريسيدا حذرتني من هذا و انا أتيتُ بقدماي اليه.
رأيتُ إكسانا تضيء باللون البرتقالي على جنب فالكين يديها في الهواء و شعرها البرتقالي يطير مِن حولها و فجأة بِحركة يَد منها أبعدت فالكين عني كأنَ أحداً ما يمسكه يمنعه مِن تحريك يديه و جسده.
سعلتُ انا أسحب أنفاساً الى صدري ما زلتُ مُستلقية على ظهري فوق سريره.
أخرج فالكين صوتً عميقاً من حلقه يتحرك لكنه لا يقدر.
فجأة ظهرت نيران سوداء مِن يديه و عندما لاحظتُ انا انها ليس مُجرد توهم لفقداني كمية من الهواء أو ردة فعل جسده فتحتُ فمي لكي أصرخ لإكسانا لكن فات الأوان.
نيرانه السوداء انطلقت لإكسانا و كادت أن تُصيبها لولا ظهور بلايز هو ايضاً يضيء باللون الأبيض يَصُد الضربة بِقوى ما، لم أفهم ما هي، لكنها بيضاء كَلونه و ساطِعة أعمَتني قليلاً من شدة بياضها.
و انا أخذتُ فرصتي بالذهاب الى فالكين وَصفعه بِكل ما مَلكتُ من قوى على وجهه و هو توقف عن أصدار تلكَ النيران العجيبة ليُمسكني مِن رقبتي مجدداً يُعيدني على ظهري.
هذه المرة لم أصفعه بل لكمته بِقبضتي أجعل وجهه يلتَفِت لجنبه و لمفاجئة، عندما أعاد وجهه اليّ شعره يغطي جبينه، تحولت عينيه الى لونها.
كلما رمشَ مرة تتصفى مِن سوادها و ترجع لِلبنفسجي النادر.
أصبحت صافية تماماً لكنه ظل يرمِش عليه عينيه متبحلقة و فمه مفتوح قليلاً الدماء على أنفه و أذُنيه توقف لكن بعضه يسقط على صدري و ردائي.
كانيلا؟ هَمس هو بِنبرة ضعيفة و عندما لاحظ انه يمسكني أسفله و يده حول رقبتي أبتعَد عني مُسرعاً كأنني صعقته ليَصطدِم ظهره بِاللوح الخشبي لِلسرير في نهايته.
انه يتنفس بِقسوة صدره يرتفع و يهبط، ثم نظَر على يديه و اليّ يبدو انه لا يصدق ما يراه. و انا تفهمت ردة فعله. لقد كانَ نائماً و أستيقظ كل شيء مِن حوله مدمر و انا بين يديه أسعل أفرُك المنطقة على رقبتي.
تؤلمني كلما أخذتُ نفساً و أخرجته.
ما، ما الذي، قال هو لا يكمل كلامه يُشيح بِعينيه من على وجهي، رقبتي و ملابسي التي انتبهت الأن أنَ ثوبي مرفوع يَظهر ساقاي بأكملها و ردائي مُمَزق عند أعلى الصدر و ملطخ بِدمائه.
أعاد هو نظره على وجهي يفتح فمه و يغلقه عِدة مرات كالسمكة خارج الماء و انا تنهدت ألقي نظرة على الصغيران اللذان يطيران بالقُرب من السرير يعانقان بعضهما.
ليسَ خوفاً منه بل قلقاً عليه.
حركتُ يدي أعيد تُغطية ساقاي ثم تحركت نحوى الأمير لكنه رجع بعيداً عني و انا توقفت لا أكمل.
فالكين. انا أحتاج رؤية جرحك. همستُ له بِرقة أشير على كتفه الذي ينزف أسفل الشاش الأبيض الملتف حوله.
نظر اليه يرتجف لكنه أعاد عينيه عليّ مجدداً لا يقول شيئاً.
عضتُ على شفتاي أمنع نفسي مِن البكاء على منظره، فأنا لم أراه بِهذه الحالة ابداً.
ضائِعاً، محتار و خائف مِن، مِن نفسه.
فالكين، هَمستُ من جديد أتحرك بِبطء اليه و هذه المرة لم يبتعد عني بل تركني أجثوا على ركبتاي أمامه.
هل تسمح لي؟ سألته من دون أن أتلقى إجابة منه لأكمل انا أمُد يداي على كتفه المُصاب أفُك الشاش بِحذر أعلم انه يحدق بي، ما يزال يتنفس بِصعوبة و يرتجف كأنه بردان مع أنَ حرارة جسده مرتفعة.
عندما لمستُ جلده كدتُ أن ألعن بِصوت مرتفع فأنه حار لِلغاية و يتعرق كما لو انه كانَ في المياه و خرج، يبدو أنَ لديه حمى و إن لم يغتسِل في ماء باردة كي تخف الحرارة سوف يمرض بِشكل اسوأ.
بعدما فَككتُ الشاش و أحضر بلايز صندوق الأغراض المناسبة لكي أعيد تنظيف جرحه و أضمده، عاد تنفس فالكين منتظماً، مُقلتيه لا تغادرني.
كي، كيف؟ نبرته الضعيفة كسرت مِن قلبي لأرفع رأسي عن ضمادته و أقيس حرارته بِكَف يدي لا أجيبه.
هَسهَستُ من بين أسناني بِخِفة أبعِد يدي عنه.
انه يحترق و ليس حاراً فَحسب.
أردتُ الألتِفات لمُغادرة السرير و تجهيز الحوض له ليُمسك بِذراعي العُلية و يرجعني كما كنت، ركبتاي تلامس ركبتيه.
كيف؟ سأل من جديد يدع ذراعي لأزفر انا مِن أنفي و أمُد يدي لكي أمسح الدماء الجاف من على المنطقة الصغيرة فوق شفته العُلية بأصابعي.
لقد سمعتكَ تصرخ في نومك و لكون غرفتي الأقرب اليك أتيتُ لرؤيتك و عثرتُ عليكَ، في تلكَ الحالة.
ضَيّق عينيه كأنه يعلم انني شبه أكذب، يدعني أمسح باقي الدماء من على أذُنيه و جانب رقبته.
كيف و منذُ متى؟ هو تساءل.
بعدما انتهيت، مسحتُ يداي بِثوبي لا أكترث لكونه متسخ بِدمائه ثم نظرتُ له في العينين أعلم جيداً ما يقصده بِسؤاله.
كوني أتعامل معه مِن دون خوف و حيرة أثبات كافي على انني أعلم أكثر من ما يجب عن حالته.
قبل شهرين أو أكثر تقريباً.
رأيتُ بأنَ عروقه السوداء تنزل الى أسفل بطنه و خصره و تختفي أسفل بنطاله، حاولتُ أن لا أحدق بِحرف الV
المنطقة ما بين معدته و بنطاله.
تبحلقت عينيه و شهق نفساً يجعل من صدره يتجمد لِثانية لكنه عاد يهبط قبل أن يبلع ريقه و ملامح وجهه تَخِف من انكماشها.
هل، هل أذيتُكِ كثيراً؟ جعلني سؤاله القلق و المحرج أشيح بِنظري عليه مندهشة منه لأهزُ بِرأسي مرتين.
انتَ لم تؤذيني.
لكن رقبتك،.
منعتُ نفس من لمسها، المكان نفسه الذي كانت قبضته عليه.
لم تكُن تتحكم بِتصرفاتك و لا تلوم نفسك.
هل، كنتُ أتكلم في نومي؟
لا، لكنكَ بدوت، مختلفاً. بِعيون سوداء و، و نيران سوداء.
حدق بي بِثبات متفاجئ كأنني كنتُ أتكلم لغة لم يسمعها مِن قبل ليُحرك عينيه لأول مرة منذُ أن أستيقظ في أرجاء غرفته يرى ما لم يراه من قبل.
بلايز؟ سأل هو ليبتعد بلايز عن إكسانا و يومئ له مبتسماً مثل مرافقتي بينما أيكس كلبه خرج من أسفل الكرسي يُخرج صوتً صغيراً يبدو انه حزيناً لتذهب إكسانا اليه و تُرَبِت على رأسه.
انا كنتُ أعلم طوال الوقت و هي أهتمت بكَ جيداً. قال بلايز من دون أن يتلقى شيئاً بالمُقابل مِن سيده الصامت.
لم يتأذى أحَد، لكن غرفتك عانَت قليلاً. أخبرته أجذب انتباهه من مرافقه ليضحك فالكين يُغطي وجهُه بيديه. ضحكته لم تكُن من قلبه ابداً.
و مع ذلك انا ابتسمت.
وضعتُ يداي على خاصته أبعدهم عن وجهُه أحني رأسي لمستواه
هذه المرة اسوأ من اية مرة لكن الحمدلله انكَ بخير و لم يحدث شيئاً يستحق الشعور بالخجل منه.
أنظري الى رقبتك و الى كل ما حولك.
أغمضتُ عيناي أتوقع أنَ العلامة الحمراء على رقبتي سوف تتحول لألوان مختلفة فيما بعد لكني لم أفكِر بالأمر لأمسك بِوجهُه أرفعه أرى دموعه تتجمع في مُقلتيه.
انا على ما يرام و جميعنا كذلك و حتى انت.
انها انتِ،
رفعتُ حواجبي بِتعجُب من كلامه لأبعِد يداي عنه و أنتظِر حتى يكمل
انت صاحبة الصوت الجميل و اللمسات الرقيقة التي أيقظتني كل مرة من كوابيسي و انتِ مَن كنتِ معي عندما كنا في تلكَ القرية ذلك اليوم.
صاحبة الصوت الجميل؟
هل هذا ما كانَ يتخيلني عندما كنتُ أساعده قبل أن تغمره كوابيسه بِظلامها؟
ابتسمتُ لا إرادياً على ذلك أمسك يديه بِخاصتي.
نعم انا. لدي فكرة عن ما يجري لك و لا أمانع مساعدتك مجدداً. فالكين هذه القوى التي لديك ستدمرك إن لم تجِد علاجاً لكي على الأقل يُخَفِف عنك الألم.
حدق بي لِفترة قصيرة يفكِر بِأمر ما قبل أن يسأل
كيف عرفتي؟ انها قوى و ليس مجرد كوابيس مصدرها مجرد أفكار و خيال؟
لدي صديقة تفهم في السحر و القوى و عندما سألتها مرةً عن ما يجري لك أخبرتني بِكل شيء.
صديقة؟
اومأت له.
تعلم عن قوتي لكن لا تعلم مَن صاحبها؟
اومأتُ مجدداً له أبعِد شعره المُبلل بِعرقه عن جبينه، ما يزال يحترق بالحرارة.
أخبرني، أخبرني عن كل ما تريد التكلم عنه فالكين.
لم يقُل حرفاً يتركني أمسح عرقه بِيدي من الخلف. لمساتي رقيقة على جلده كالريشة، يُراقبني بِصمت يجعل من قلبي يخِفق بِغرابة لم أفهمها لأتظاهر انني لم أشعر بِهذا و أكمل ما أفعله.
لدي رغبة كبيرة بِمُعانقته و أخباره انه سوف يكون على ما يرام و انا سوف أفعل ما بوسعي مِن أجله و ربما سأذهب الى كريسيدا لكي تُعطيني حَلاً مع اني لستُ متأكدة انها تملك واحداً.
ألتقطَ فالكين بيدي يبعدها من على وجهه يضعها في حضنه لأراقبه انا هذه المرة، أرى عينيه ترمش بِبطء رموشه الكثيفة و الداكنة ملتوية للأعلى.
ثم بدأ بأخباري كل شيء، يتوقف بين حين و أخَر لكي يأخُذ نفساً حتى يكمل لي بِصدق، مُدركة انه يدع القليل يُخفيه عني لكني لم أمانع و لم أوقفه بل ظللتُ أنصِت له طوال الليل، لأكثر مِن ساعة، لِلنهاية.