رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع والثلاثون

رأيتُ الضوء في عيون تاليا يختفي بِلحظة لكنه لم يُطيل حتى عاد مجدداً تضع يدها على بطنها مُنحنية الرأس.
انا لم أعرف ماذا أفعل أو أقول لأقترب منها خطوتين أقف بِجانبها، ريس على يمينها و انا يسارها.
وضعتُ يداً خلف ظهرها لترفع رأسها مجدداً نحوي تُعطيني بسمة لم تصل عينيها الجميلة.
هل هنالك مِن خطب؟ سألتها بِقلق.

انه الطفل، لقد ركلني بِقوة هذه المرة. أجابت تمسح على بطنها لتبدأ مجموعة تصفيق عالية تُغطي على حديثنا لأنظُر باتجاه المِنصة التي يقف عليها كُلاً من العروس و العريس أجدهم يُقَبِّلونَ بعضهم بعد انتهاء المراسم.
لم أراها. سمعتُ تاليا تُتَمتم بِنبرة هامسة لأعيد نظري عليها أجد حُزن يُزَيّن وجهها و في عينيها شوق قديم أعرف انه سبب اختفاء الضوء في مُقلتيها و ليس ألم ركلة الطفل لِبطنها.

و أعرف انها تتكلم عن كانيلا.
لقد أخبرني فالين انها مع مايكا في مكانٍ ما و انا فهمت انها ليست مستعدة بعد. أكملت هي تقابل عيناي.
تاليا، هي فقط--
لا تخبرني، قاطعتني تضع يدها على ذراعي العُلية
لن أضغط عليها و قدومي الى هنا في آمل رؤيتها كانَ متسرعاً. ما كانَ يجب عَليّ الحضور.
هَززتُ رأسي لا أوافقها أمسح على ظهرها بِرقة حركة
هي، هي تلوم نفسها على ما حدث في الماضي و تعيش في ذلك اللوم حتى اليوم.

عقدت تاليا حواجبها قليلاً عَليّ ثم سألتني متفاجئة
هل أخبرتك؟
أخرجتُ ضحكة مِن حلقي أمَرِر أناملي في شعري قبل أجيبها و انا أشاهد العروس و العريس يرقصون لوحدهم في وسط الساحة و الجميع مِن حولهم يشاهدونهم بِبسمات على وجوههم
لا، لكن قُوتي أعطتني صورة مُبسطة بفضل أدلار.
توقعتُ أن يحدث هذا عندما يزور أدلار مملكة فالينيا لكن على ما يبدو انكَ لا تفهم شيئًا.
لم يكُن سؤالاً لكني اومأت على أية حال بِنعم.

انا لن أخبرك، فالكين. هي قالت تُشاهد معي العرسان.
أعلم.
ليست لدي، لا أقدر على فعلها انا أحاول منذُ سنوات نسيان ما جرى و بدأتُ أنسى لكن،
قصتكِ مع كانيلا لم تنتهي.
اومأت هي توافقني الكلام تُزفِر كمية هواء كبيرة مِن فمها صدرها يرتفع بِقوة و يهبط.

لقد حدث الكثير، فالكين، حدث ما لم يتوقعه أحَد منا و انا لا ألوم أية كائن. انا حقًا لا ألوم حتى نفسي لأنَ هذا هو القدر فأنا سأفعل المستحيل مِن أجل الذينَ أحبهم لكنها هي التي تعيش في الندم و الحزن.
انها بالفعل تعيش في بئر يملأه الظلام و المياه العَكِرة. تغرقها و تغرقها مع انها تمتلك حبلاً لكي ينقذها و يخرجها منه إلا انها تختار أن تموت بِبطء فيه.
و هذا يقتلني.

يخنقني كل يوم لمعرفة انها تعذب نفسها بِتلكَ الطريقة على شيء حدث في الماضي. فالماضي يبقى ماضي و لا رجوع إليه لتغيريه و أهَم من كل شيء، جميعهم أحياء و بخير.
تاليا تحاول النسيان و بدأت و أعلم انها تساعد ريس بِنفس الشيء لكن كانيلا...

انتَ ضائع في أفكارك. قالت تاليا تجذب انتباهي من أعصار أفكاري لأعطيها بسمة صغيرة أرى الأن العروس و العريس يقطعون الكعك الأزرق و الأبيض مُزَيّن باللؤلؤ و شوكولا على شكل دلافين و صدفيات.
انا أفكر بها. تفوهتُ بِهذه الثلاثة كلمات التي لطالما علقت على لساني و لم أجرؤ على لفظها و الأن فعلت و أشعر بِحمل آخَر ثقيل زاح عن صدري.
كُن بِجانبها و لا تترك يدها حتى لو دفعتك، هل لكَ فعل ذلك؟

حركتُ رأسي نحوها بِسرعة قسوة ظننت انني سأكسر رقبتي، أرمش عليها كثيراً كالذي يراها لأول مرة في حياته.
لماذا تطلبين شيئًا كَهذا مني؟
لأنني واثقة بِك و بأنكَ ستكون صديقًا لها تحتاجه، صديقًا لن يتركها مهما كانَ السبب فَهي عندما تدخُل في حالاتها تصبح عنيفة أو غاضبة و طائشة و قد تجرح كل مَن يقترب منها.
لكن--.

الذينَ مِن حولها لا يملكون القدرة على مساعدتها بعد الأن، لقد مرت سنين و محاولاتهم لم تعُد ناجحة أما انت، لديكَ شيء أكبر مِن مجرد قدرة.
رفعتُ حواجبي لا أستوعب الذي تريد الوصول إليه في كلامها لتكمل هي تشرح و يدها على وجنتي
هي محارب وحيد، بِلا أسلحة و بِلا حماية و تحتاج ما يُبقيها حية و قوية و انت عزيزي، كُن سيفًا تحمله في الحرب مع نفسها و كُن درعًا لِحمايتها مِن ماضيها.
لكن لما انا بالذات؟

لم تُجبني على الفور بل أخذت وقتها قبل أن تجيب
لأنكَ مختلف عنا جميعنا، تعرف الحرية و الاختيار و تعرف شعور مَن فقد شيء ثمين له و ما هو الألم.
أدركت انها تعني ألم قوتي بِرؤية ماضي الأخرين و عيش ألم مختلف كل فترة و انني الى الأن ما زلتُ أقف على قدماي لا أستسلم له.

أحسَستُ بِعيناي تحرقني قليلاً لكني اومأتُ لها بِخفة لتقترب و تضع قُبلة على جبيني قبل أن ينكمش وجهها أخمن انه بِسبب الطفل و ألم الحمل. طلبت تاليا مِن ريس الذي سمع كامل الحديث لكنه تظاهر بِالعكس، أن يأخذها الى غرفتها فَهي بدأت تشعر بالتعب الشديد و لم يعد بأمكانها البقاء أكثر.

طبعًا ريس أنصت لها، أخذها أولاً كي تتمنى لِلعرسان السعادة الأبدية ثم أرسلها مع أحد خدمهم الى غرفتها ليبقى هو معنا، أعلم أنَّ عقله مع زوجته و قلق جداً لكنه تحكم بِنفسه كما يفعل دائماً و بقية الى وقت الرقص.

لقد قلت أنَّ كانيلا و مايكا اختفوا عن الأنظار لأنَ تاليا و ريس هنا و تأكدت اني مُحق مئة في المئة عندما خرج كِلاهُما من المكان الذي كانوا فيه باللحظة التي غادرت تاليا الحفلة مع أنَّ ريس لم يرافقها.

رأيتهما يقفان مع سيري و آناس، الملك تيريان مع سيون و أوكتافيا بِما انهُ يُفَضِّل عدم رؤية مايكا و التكلم معه لكن شقيقة مايكا لم تقدر، بل عانقت شقيقها و ابتسمت له طوال الوقت كما يفعل آناس أبنها و هو يتعرف على خاله أكثر.
العازفين بدأوا جولة بطيئة هذه المرة، يجعلون الكثير من الحضور يرقصون رقص تقليدي بطيء و بينهم العرسان اللذان لا يعرفوا الراحة و هذا جميل.
اليوم أجمَل يوم لهما و لكُل مَن يحبهم.
الرقص.

لقد مرت فترة منذُ آخِر مرة رقصتُ فيها و لأنَّ أنغام الآلات العذبة و الرائعة جذبتني بِقوة إليها طلبتُ مِن فينار الرقص معي و هي وافقت لكنها لم تَدوم طويلاً لأنها رأت إحدى صديقاتها لهذا مِن بعدها ذهبت الى نيفاري و مع الأسف نفس الشيء، لم يدوم رقصنا طويلاً.

رجعتُ الى فالين و مجموعتنا مع مملكة كاداري أقف بِجانب ريزار الذي أعطاني كأس نبيذ لأشربه أرى بلايز و إكسانا يقفون على حافة عامود يُشاهدون الراقصين لكي يقلدونهم بالحركات.
بِطرف عيني رأيتُ مايكا مع فالين، كَعادته، لِتبحث عيناي على التي كانت معه أجدها تقف في زاوية تشاهد الراقصين و زاوية مِن شفتيها الممتلئة مرتفعة.

خفق قلبي نبضة كما يفعل كُلما رأها أخُذ نفسًا عميقًا أملئ فيه صدري و أصَفي عقلي قبل أن أقرر الذهاب اليها.
كونها تقف وحيدة جعلني مُستاء و غير ذلك هي راقصة مذهلة، لم أرقص مع أحَد مثلها مِن قبل، ربما قد توافق على الرقص معي بِما أنَّ خاطبها لم يطلب مع انها تحب الرقص.
مِن نظراتها لِلراقصين يمكن التخمين على الفور كم انها تتمنى الانضمام إليهم.

وقفتُ قريب منها يداي خلف ظهري لكنها لم تنتبه إليّ لأنها شاردة بِساحة الرقص لهذا صَفيتُ حلقي بِصوت مرتفع و مع ذلك لم تراني أو تسمعني.
ظهرت بسمة على جانب شفتاي لكونها ضائعة بِعالم الموسيقى و أنغامها التي تُنادي الأجساد لِلرقص عليها.
انه نوعكِ المُفضل مِن الرقص. لم اسألها بل حاولتُ بِكلامي جعلها تلتَفِت لي.
و كما توقعت حركت رأسها بِبطء نحوي متفاجئة لرؤيتي لكنها ابتسمت لي بِرقة.

انه كذلك، انهم يرقصون بِشكلٍ جميل لِلغاية.
أملتُ رأسي على جنب ثم مَددتُ يدي نحوها لتنظُر هي لها رافعة حواجبها.
شخصيًا انا أرى أنَّ بعضهم يَفتقر الى روح الرقصة الحقيقية، فَما رأيكِ لو ترقصين معي كي نُريهم أصولها؟
رمشت عَليّ مرتين قبل أن تُمسك بيدي من دون تفكير تجعلني انا المتفاجئ.

لأول مرة يَشُدني كلام أحدهم عندما يطلب مني الرقص. قالت هي تقابل عيناي لأذوب انا ألف مرة مِن الداخل على لمستها ترسِل شرارة بِكامل جسدي لكني وقفتُ مستقيم الظهر ثم أخذتها الى وسط الساحة.
هل انتِ مستعدة؟ سألتها انا بِتحدي، أقف مواجهًا لها بيننا مسافة لتومئ هي بِرأسها تقبل.
(أنصح القارئ أن يستمع الى موسيقى Waltz of the Fairies كي تعيشوا أجواء الرقص).

رفعتُ انا يداً أمام كتفي الأيمن لِترفع هي واحدة مثلي تُمسك طرف فستانها بيدها الأخرى و انا وضعتُ واحدة خلف ظهري.
أعطيتها إيماء رأس و هي هبطت قليلاً بِجسدها لي كَرَد بعدها تحرك كِلانا سوياً أيادينا المرفوعة قريبة مِن بعضها لكن لا تتلامس، ندور و ندور حول بعضنا كِلانا لا نُبعِد أعيُننا عن الآخَر كأنَ لا أحد غيرنا موجود.

لاحظتُ أنَّ هنالك بسمة صغيرة مرسومة على شفتيها طوال الوقت، أرى كم انها سعيدة لِلرقص لأتساءل و نحنُ نقف عن الدوار نواجِه بعضنا البعض، انها كانت ستغادر الحفلة الليلة مِن دون الرقص لأنَّ رجل لن أذكُر اسمه لم يدعوها بل فَضّل البقاء مع ملكه و مرافقته.
هَززتُ رأسي بِخفة كي ألقي بِهذه الأفكار بعيداً فَلا وقت لِلتشاؤم و انا أرقص مع شريكتي الجميلة.

اقتربنا نتخطى المسافة التي بين أجسادنا، لأمسك بيدها اليُسرى بِخاصتي اليُمنى و بالأخرى أضعها على خصرها النحيل، هي لَفَت ذراعها حول رقبتي تريحها بِتلك الوضعية.
شعرتُ بِدفء جسدها على جسدي بِما اننا قريبان جداً جداً من بعضنا. أخذتُ انا أول خطوتين نحوها ساق مِن بين ساقيها و هي عادت خطوتين بعدها خطوتين على اليمين لِتلحق بي بِكُل خِفة و هذه المرة هي التي تقدمت نحوي ثلاثة خطوات و انا هربتُ منها بِمهارة.

أحسَستُ الأن بِتركيز بعض الحضور علينا بين الراقصين الأخرين لكني لم أعِرهُم انتباه بل أكملتُ رقصي مع هذه الفنانة ذات الحركات الخفيفة و البارعة.
ابتعدت هي عني خطوة كبيرة لأشتاق الى شعور جسدها، ترفع يدها التي أمسك بها فوق رأسها كي أديرها و أديرها و أديرها مِن دون تعب أمامي و انا أمشي الحَق بها تدور و تدور فستانها كأجنحة الفراشة من حولها.

توقفت هي فجأة لأسحبها بِسرعة نحوي لكن ظهرها الذي قابلني ليس وجهها الذي يواجِه مِنصة العازفين لأظل مُمسكاً بيدها بِخاصتي اليُمنى أما الثانية وضعتها على معدتها ألف ذراعي حولها و هي أراحت يدها اليُسرى عليها.
رائحة شعرها مِن الياسمين غَزَت مجرى تنفُسي و أصبح كل ما أتنفسه و لمساتها البسيطة تَخلِق أعصار صامت بِداخلي.

أخذَت هي خطواتها الى الأمام لألحق بها، ساق وراء الأخرى خلف خاصتها بِكعبها مِن الفضة يلمع مع كل حركة يعكس أضواء الساحة.
الأن لاحظت أنَّ الحضور يُشاهدوننا نحن و الراقصين أفرغوا المكان لنا فقط، هُم قرروا أنَّ مشاهدتنا نحن أفضل لتصبح الساحة كلها لي و لها هي.

شريكتي الماهرة، توقفت تُعطيني إشارة بِضغطها على يدي التي على معدتها المثالية لكي أحركها بِسرعة أجعلها تلتَفِت حتى تعود و تواجهني، ظهرها لِلمنصة و وجهها لي انا.
البسمة ما تزال على تلكَ الشفتين الناعمة.
فراشات بطني رفرفة على منظرها و تلكَ الوجنتين المحمرة إلا انها واثقة مِن نفسها و ليست خجولة أو مترددة، تنتظِر مني أخذ خطوتي الجريئة و أصل الرقصة لكن لم يحن وقتها بعد.

رجعتُ بضع خطوات أسحبها معي و يدي على خصرها أما خاصتها على كتفي هذه المرة تخلق مسافة بين أجسادنا.
لحِقَت هي بي بِكُل سهولة، ساق بين ساقاي تعرف بالضبط اين سأذهب و كيف سأتحرك، تقرأني كأني كتاب مع انها لا تحدق إلا بِعيوني.
عُدنا لِلدوران مع بعضنا مِن دون أفلات أحدنا الأخر لأرى بِطرف عيني مايكا مُتحجر الوجه يقف بِجانب فالين الذي يُشاهدنا بِعيون متوسعة مع فينار و باقي الملوك و مجموعاتهم.

أكملنا دوَرانِنا سوياً في أرجاء الساحة لا نُخطئ ابداً و أنفاسنا متناغمة حتى، لا انا أشعر بالإرهاق أو هي على الأطلاق، كأنها رقصة نُمارسها كل يوم، جزء مِن حياتنا لا تتعبنا أو تؤثر علينا بِطريقة سلبية.

مع أني لم أكُن أخَطط لِلتوقف عن التحديق بِتلكَ العينين العسلية إلا انني رفعتُ مِن بصري قليلاً و بلِحظة سريعة رأيتُ ريس بين الحضور أيضاً يُشاهدنا بِهدوء و برودة لكني أعلم أنَّ هنالك نيران في نظراته الحادة ليست عَليّ انا، بل على التي أرقص معها.
أشحتُ بصري عنه أقابل التي ما تزال تحدق بي، أعطيها بسمة كبيرة لتردها بِواحدة أكبر تُظهِر أسنانها البيضاء.

توقفنا عن الدوران لكي ترجِع هي خطوة كبيرة الى الخلف تتركني أبقى انا في مطرحي لا أدع يدها ثم بِنفس الخطوة عادت إليّ بعدها رجعت خطوة، و عادت مجدداً. كَررتها ثلاثة مرات.

و عندما عادت إليّ في المرة الأخيرة رفعتُ يدها فوق رأسها و جعلتها تدور مِن حولي، انا في مكاني نفسه لا أتزحزح و هي تدور مِن حولي لأسحبها لي، تمسك بي ذراعها مُلتفة حول رقبتي و انا أخذتُ الفرصة لأميلها الى الأسفل يداً مُمسكة بِخصرها و الأخرى على ظهرها كي أثبتها.
وجوهنا أصبحت قريبة لِلغاية، أشعُر بِأنفاسها الهادئة على شفتاي لكن اللحظة الساحرة لم تدوم طويلاً لأني اضطررتُ لأرجاعِها واقفة أمامي.

هل انتِ مُستعدة؟ انا سألتها بِهمس لِتميل رأسها كالعصفور قبل أن تقول مُضَيّقة عينيها
انتَ دوماً تسألني نفس السؤال مع انكَ تعرف الإجابة.
أخرجتُ ضحكة صغيرة مِن حلقي أعطيها غمزة قبل أن أنحني أضع يداً خلف ركبتيها و الثانية خلف ظهرها لأحملها بِذراعاي و التَفِت الى الوراء. و هي بِذراعاي جَثَوتُ على ركبتي اليُمنى لِتقف هي بِسرعة كي لا تقع على رُكبتي و يديها على أكتافي.

و بِلحظة خاطفة و بارعة قفزت الى خلفي تُمسك بِذراعاي اليُمنى لأقف انا بِنفس اللحظة و أستدير اليها أخُذ يدها لكي أديرها مرتين أدعها تكمل لوحدها حتى تأخُذني خطواتي كما يجب مِن حولها قبل أن تقف.
التقطتُ يدها في الهواء ثم سحبتها إليّ أجسادنا تتلامس مجدداً تملأني بِدفئها و رائحتها اللذيذة.

هذه الحركة، صعبة لِلغاية، و كثيراً ما كنتُ أوقِع الشريكة التي كنتُ أرقص معها في دروس رقصي و انا شاب صغير و مرةً من دون قصد وقفت انا بِالوقت الخاطئ قبل أن تقفز الراقصة لأوقعها و أقع فوقها أضعها في ألم دام أيام.
و عندما عادت لِدروس الرقص رفضت أن تكون شريكتي خوفاً من أن أكسر عظمة أخرى في جسدها.
لكن كانيلا، عرفت تماماً متى يجب عليها القفز و كيف يجب. اختارت الوقت المناسب لِكلينا كي لا نخطئ.

ذهبت هي يساراً تأخذني معها كأنها عازفة فلوت تُسحرني بِعزفها و انا الذي وقع تحت تأثير ألحانها.
عادت هي تذهب يميناً و انا معها كِلانا نتراقص بأجسادنا و نميل معاً على ألحان البيانو و الكمان فهُما كلاهما ثنائي أفضل و انا وجدتُ اننا مثلهما.
هي الكمان الرقيق بِأوتاره و انا البيانو بِمفاتيحه الهادئة.

قرر كلانا أنَّ سرقتنا للأضواء يكفي للأن، مع انني لاحظت بسمات العروس و العريس على رقصنا، إلا اننا إذا لم نتوقف سنظل على هذه الحالة نرقص و نرقص الى الأبد.
مع انني لا أمانع لكن لِلحظات الجميلة نهاية.
أخذنا أخِر خطواتنا، بِتركها تدور أمامي يداً ممسكة بها فوق رأسها و بالأخرى خلف ظهري الى أن أرجعتها إليّ ألُف ذراعي حول خصرها، يدها تعود مِن حول رقبتي نتوقف في وسط الساحة باللحظة التي صمتت الموسيقى.

حدقنا بِبضعنا لِفترة كلانا نتنفس بِقوة، تندمج أنفاسنا و صدرونا تصعد و تهبط باستمرار. لقد رقصتُ معها عِدة مرات و في كل مرة أقول انها أحسن و أجمل من التي سبقتها لكن هذه المرة...
هذه المرة مِن المستحيل أن أجد أجمل منها، هذه اللحظة سوف تَحفِر نفسها في ذاكرتي، و قلبي للأبد.

بدأ تصفيق حار و تصفير من الحضور يجذبون انتباهنا من بعضنا لتأخُذ هي خطوة بعيدة عني تمسك بِأطراف فستانها لكي تنحني لي و انا انحنيتُ بالمُقابل لها يداً على صدري فوق قلبي و الأخرى على ظهري.

عندما وقفنا انا وهي مُستقيمين الظهر رأيتُ تعابير وجهها الجذابة تُشِع و تبرُق كأنَ نور الشمس يعيش فيها فَهذه اللحظة حَفرَت نفسها بِذاكرتها هي أيضاً لأنَ هذا ما تقوله لي بسمتها الساحرة قبل أن تنطفئ الشرارات التي بيننا.

تجمعوا مِن حولي الكثير من النساء و الفتيات اليافعات بعد رقصي مع كانيلا التي عادت الى مجوعتنا و خصيصًا مايكا.
و انا انشغلتُ بِمَن حولي لِساعة، هُم يسألون عن سر معرفتي بِتلكَ الرقصة و خاصةً الحركة الأصعب فيها و انا حاولتُ بِقدر الأمكان الإجابة على كل سؤال بِتبسيط، أضحك كلما ضحكوا و أبتسم كلما خجلوا مني.

و بعد ساعة مِن التحدث من دون ثانية لِلراحة استأذنتُ منهم جميعاً ثم توَجَّهتُ الى صديقي الذي يقف يحمل كأسين نبيذ أبيض بِفقاعات و على وجهِه بسمة عريضة كادت تمزق من وجنتيه، بسمة ساخرة و مستفزة.
إذاً ايها الأمير، كيف هو شعور كونك بِموهبة جاذبة لِكل فتاة في العالم؟ بالإضافة الى وسامتك طبعاً فَهذه قصة أخرى. سألني هو يُعطيني الكأس الثاني من النبيذ لألقي عليه كلمة قذرة أجعله يضحك بِشدة.

على الأقل انتَ أرحمني، ريزار، لم أعُد أمتلك الطاقة الكافية لتحمُل المزيد من التحدث عن الرقص. شربتُ من كأسي أدع طعمه يغسل حلقي الجاف و يُرطبه لأكمل أشرب نصفه بِرشفة واحدة.
أرجوك لا تخنق نفسك بِالنبيذ و أشربه على مهل فنحنُ نحتاجك كي تجذب المزيد من الفتيات.
رمقته بِنظرات قاتلة ليَضحك أكثر يشرب من كأسه لكنه صمت لم يزعجني أكثر و هذا جيد على الأقل.

انهيتُ الكأس بِسرعة ثم سكبتُ واحد ثاني أشرب نصفه ألقي نظرة في أرجاء الحفلة أبحث عن ريس لأعثر عليه يقف مع كيجا و أبناء عمه يبتسم على شيء ما قالته إيناري أبنت عم ملك الثلج.
و بِطرف عيني رأيتُ كانيلا و مايكا يتحدثون بِأصوات منخفضة لكن مسموعة.
لم أمنع نفسي مِن سماع حديثهم لكوني شعرتُ بالفضول عندما أعطته قُبلة على وجنته تجعله يصعق بالحركة الفُجائية.

في الحقيقة أردتُ أن أشكرك على ما فعلته لي قبل قدومنا الى فالينيا لكن لم تسنح لي الفرصة و الأن بِما اننا معاً أوَد أن أقول، شكراً لك مايكا. سمعتُ كانيلا تقول له تُعطيه بسمة كبيرة حقيقية.
رفع هو حواجبه الكثيفة للأعلى مُحتار ليسألها
على ماذا تشكُرينني؟
أمالت رأسها على جنب تُضَيّق عينيها عليه
على مساعدتك لي أثناء مرضي و عدم تركي ابداً.

أستقام ظهري و عيوني توسعت، لم أكُن أتوقع انها ستتحدث معه عن ذلك الموضوع هنا أو في الواقع ظننت انها تحدثت معه قبل قدومنا الى هذه المملكة.
و نظراً لِتحديق مايكا المستمر بها و تعابير التعجب التي ملأت وجهه البارد، عرفت انه لا يستوعب ذرة عن الذي تخبره به.
و بعد تحديقه بِبسمة كانيلا اللطيفة و البريئة، هَزة مايكا بِرأسه قائلاً
انا لا أعلم عن ماذا تتحدثين.

اختفت بسمتها بِبطء ثم رمشت ثلاثة مرات عليه لألعن تحت أنفاسي أضَع الكأس مِن يدي على الطاولة بِجانبي.
آوه، كانَ كل الذي قالته هي له قبل أن تستأذن منه و تذهب نحوى إكسانا و بلايز تُنادي مُرافقتها بِنبرة صارمة لألعن أكثر بِهمس.
فالكين؟ سمعتُ ريزار مِن خلفي لأستدير إليه أجده معقد الحواجب مثلي.
ماذا؟
هل من مشكلة؟

عضتُ على شفتي أتردد بأخباره و عندما فتحتُ فمي كي أخبره انه لا مشكلة، ظهر صوت كانيلا و هي تتكلم مع مرافقتها المسكينة لأنظُر لهما أتجاهل ريزار.
شعرتُ بِقلبي يقع على الأرض لكون إكسانا ظلت تكرر اعتذارها من كانيلا التي تحولت عينيها لِلمُتبحلقة قليلاً تحدق بِالصغيرة و الغضب يشتعل في رمقاتها.
لم أرى كانيلا بِهذه الحالة مِن قبل و لسببٍ ما نمى الرعب بِداخلي، ليس مِن شكلها، لا على الأطلاق لكن من كونها عرفت.

لقد عرفت.
و لم ينتهي الأمر هنا، لأنها رفعت رأسها باتجاهي و تلكَ النظرات أصابتني في الصدر عندما تقابلت عيوني بِخاصتها التي فيها ليس الغضب فَحسب و إنما الحزن و خيبة الظن.
هَزت هي رأسها مع نفسها تكسِر تحديقنا بِبعضنا ثم تحركت تبتعد عن الحفلة تأخُذ طريقًا يقودها الى الحديقة الجانبية التي كنتُ أتمشى فيها انا وريس.
انا في ورطة. عرفت هذا لأنني متأكد انها تنتظرني لألحق بها.

تنهدتُ انا أحني رأسي للأرض أستجمع قِواي قبل أن أذهب ورائها أعطي بسمة صغيرة لإكسانا التي اعتذرت مني على أخبار سيدتها مع انه لم يكُن لها خيار من الأساس.
كانيلا شَكَت عندما تكلمت مع مايكا و هذا وحده كافي لإفشاء السِر الذي حاولتُ أخفائه عنها، سر لها حق بِمعرفته.
دخلتُ الحديقة أجدها تخرُج منها لكن مِن الجهة الأخرى تذهب في طريق حجري مُرتفعة أعلم انه يقودها الى درج عالي.

عبرتُ الحديقة بِخطوات كبيرة الى أن بدأتُ أصعد الدرج الحجري المتصل بِجبل صغير قريب مِن القصر، لا يُحيطه شيء عدا المحيط الواسع و جماله.
نور القمر في الأعلى يُضيء لي الطريق الى أن أصبحتُ في الأعلى، على يميني يوجد درابزين الدرج يحمي الشخص من الوقوع في المحيط و عمقه المخيف و الداكِن أما على يساري عشب أخضر و أزهار مضيئة.

وصلتُ قمة الجبل الذي عليه أيضاً بعض الصخور العملاقة منها تنمو أعشاب بحرية و من خلالها تعبُر أسماك صغيرة أو تختبئ بينها و مقابل الصخور، وقفت كانيلا عند الدرابزين الأخَر الذي يمنعها مِن الوقوع، يديها عليه تنظُر للأفق البعيد.
رأيتُ جانب وجهها و جسدها فقط لكن من شكلهم المنكمش علمت انها في دوامة أفكار تجعلها تشعُر بألف شيء في أنٍ واحد.

أخذتُ نفس كبير مِن أنفي أحسبه قليلاً ثم زفرته بِخفة لأذهب اليها و أقف خلفها تماماً، أشاهدها بِصمت أرسم شكلها الجميل الخالي مِن الشوائب في عقلي قبل مقابلة غضبها و خيبة أملها بي.
لقد كذبت عَليّ. تَمتَمت هي تكسر الصمت من دون أن تستدير لي.
كانيلا انا لم أكذب بل--
استدارت تقطع كلامي قائلة بِنبرة مرتفعة لكنها مكسورة
لقد أخفيتَ عَليّ الحقيقة!

أبقيتُ فمي مُغلقًا لتكمل هي تضع يدها على صدرها بدل الغضب المشتعل في نظراتها رأيت حزناً جعلني ألعن نفسي لِلمرة الثالثة لكوني المُسَبب له
لماذا لم تخبرني انه كانَ انت؟ هل تعلم كيف كانَ شعوري و انا أفكر انه مايكا و بقيتُ على هذه الحالة منذُ يومين لأشكره و ينفي الأمر قائلاً انه لا يعرف عن ما أتحدث؟
لم أكُن أوَد من الموضوع أن يصبح هكذا كانيلا صدقيني.

لقد شكرته هو على أنقاذه لحياتي! لقد ظللتُ مُمتنى له أقول انه دين أخَر عَليّ تسديده له لكن أتضح انه شخصٌ آخَر. ألقت بِذراعيها في الهواء عينيها تلمع بِدموع لكنها لم تسقط بل رمشتهم الى أن اختفوا.
فعلتُ ما يجب عَليّ في ذلك اليوم فأنتِ كنت في حالة خطيرة جداً و لم يكُن أية أحد قادر على مساعدتك. دافعتُ عن نفسي لتَهُز رأسها يداً على خصر و الثانية على جبينها.

انتَ لا تفهم ما أقصده فالكين، و كيف علمت بِطريقة الحوض و المياه الباردة أصلاً؟
وضعتُ يداي في جيوب بنطالي ثم أجبتها
مِن الكتب، لقد رأيتُ كتب عنكم أنتم البشر منذُ أشهر و غلبني الفضول لذلك قرأتها و عرفت عن الطريقة.
حدقت بي لِمدة أحسستُ بِها ساعة كاملة قبل أن تسألني بِصوت منخفض.

لماذا لم تخبرني و جعلتني مُمتنة و مُدينَ لِشخص غيرك؟ لماذا أخفيتَ الأمر عني؟ لأنَ لي حق بِمعرفة ما جرى و مَن الذي أنقذني من الموت!
لأنني أردته هو أن يكون المُنقذ! لم أتمالك نفسي و صحتُ في وجهها أجعلها تنتفض بِمطرحها.
كانَ يجب عليه هو أن يكون مَن قرأ الكتب عن جنسك و كان يجب عليه هو أن ينقذك من الموت و البقاء معكِ حتى النهاية الى أن تستيقظي و تسترجعي صحتك لأنه خطيبك و ليس انا!

رمشت عَليّ عيونها متبحلقة تفتح و تغلق فمها عِدة مرات فاقدة لِقدرة التكلم الى أن وجدت كلماتها لكن مهتزة و غير ثابتة
انتَ لا تعرف شيء.
أخرجتُ ضحكة مرتفعة ثم أخبرتها لا أكترث لِلتفوه بالذي دائمًا حاولتُ دفنه لِنفسي فقط
هذا ما تقوليه كل مرة، انتَ لا تعرف شيء فالكين، انتَ غير مُدرك لأية شيء فالكين لكني أعلم. أعلم ما الذي تواجهينه لكنكِ تُخفينه عن الجميع و عن نفسك بالذات.
انا لا أعلم ما الذي تتحدث عنه.

عضتُ بأسناني على بعضها أكبُت غضبي ولكنه وحش ذو مخالب حادة تغرز في قلبي كل ثانية أقضيها بالنقاش معها عن الأمر
انتِ تؤذين نفسكِ بِحبه، تعيشين في وَهم معه قد رسمتيه كي تُنجي من ضميرك و تعذيب نفسك الذي لم يتوقف منُ سنين. انا انتبه لكل شيء، أرى فقدان الحب الذي في عينيه عندما ينظُر لكِ و أرى انعكاسه في عينيكِ كذلك لكنكِ تُنفي الواقع لأنكِ لا تتحملينه.

توقف. تَمتَمت هي بِنبرة منخفضة لكني لم أبالي لِكلامها فَهنالك صراخ في أذُناي يُغطي على كل أفكاري الأخرى و مشاعري، صراخ عليها و عَليّ و على كل شخص يتجاهل الاعتراف بِتعاستها.
لماذا ما زلتِ معه؟ لماذا تُجبرين نفسكِ على البقاء بِجانبه و الضحك و الابتسام له؟ على تقبليه و عناقه مع انكِ لا تشعرين بِشيء باتجاه ذلك الرجل المتحجر و البارد؟
قلتُ لكَ توقف.

لماذا تُزَيّفين مشاعرك الحقيقة و تضعين أقنعة أمامنا؟ لماذا ما زلتِ تعيشين في ندم الماضي و لا تتقدمي و تنسيه؟ انتِ لستِ السبب، تاليا لا تلومك ابداً بل سامحتكِ منذُ زمن لكنكِ لا تتقبلينها و تهربين منها.
توقف، أرجوك.
عادت الدموع التي اختفت الى سطح مُقلتيها تحدق بالعشب المتحرك بِبطء على الأرض كأنه توجد نسمة هواء و ستائر شعرها يُغطي جزء من وجهها.

تنهدتُ انا أخُذ نفسًا أمرِر أصابعي بين خصلات شعري أنظُر لِسطح البحر، نور القمر على وجهي أجده صغير الحجم من هنا.
هل تعلمين كم هو صعب رؤيتكِ بِأقنعة مختلفة كل يوم؟ بدأتُ هذه المرة أقَل غضبًا و أكثر ضيق و استياء.

هل تعلمين كم هو مؤلم رؤيتكِ تتألمين بِصمت و عدم قدرتي على أبطال كل ما يُسبب لكِ ذلك الألم؟ و هل تعلمين انني أصبح أسعد شخص على وجه الأرض عندما أراكِ تبتسمين مِن قلبك و تضحكين لأنكِ نسيتِ أبقاء قناعك مع انه شيء نادر؟
أشحتُ بِنظري عليها أجدها تحدق بي و الدموع تتساق على وجنتيها يدها مُكورة على شكل قبضة على صدرها و الأخرى بِنفس الشكل على جانبها.

لماذا تكترث، لماذا أهمك الى هذه الدرجة؟ سألتني تعض على شفتها السُفلية من الداخل.
لم أجبها على الفور مع انه سؤال بسيط لكن، جوابه أبسط.
أبسط بِشكل جعل مِن قلبي يخفق نبضة، يخطف أنفاسي بِلحظة.
اقتربتُ منها خطوة قصيرة و هي ظلت في مطرحها لا تُبعِد عينيها عني.
انتِ تعرفين لماذا، كانيلا. قلتُ لها أعقد حواجبي بِخفة.

لاحظتُ ضوء ما قد ظهر في عينيها لكنه أختفى بِنفس الثانية. قلتُ انه بِسبب دموعها أو انا تخيلتُه لكنه عاد مجدداً و أختفى بسرعة كأنه يخاف من البقاء مطولاً لأنتبه انه مني انا.
الضوء ينعكس في مُقلتيها لكونها تنظُر لي كأنها مرآة و انا الذي ينظُر لها.
فالكين لا تفعل هذا أرجوك. همست هي تحني رأسها لأرفع يدي و من الخلف ألمس وجنتها بِأطراف أصابعي.

إثر الحركة رفعت رأسها نحوي تفتح فمها لكي تقول شيئاً لكني سبقتها بِفضولي الذي يقتُلني رويداً رويداً
ما سبب بقائك معه؟
لأني أحبه.
لم أصدق حرف غادر شفتيها الحريرية و انا أعلم انها لا تصدق نفسها كذلك، لأعيد لمس وجنتها و سؤالي بِصيغة مختلفة
ما الذي يجبركِ بِالصمود معه؟
مدت يدها التي كانت على صدرها ثم وضعت كفها على صدري فوق نبضات قلبي لِتجيب
فالكين، هنالك شيء يجب أن تعرفه أولاً.

هَمهمتُ أحرك أطراف أصابعي من الخلف على وجنتها متجه الى الأسفل بِبطء نحوى رقبتها ألمسها بِرقة كأنها زجاج مَشعور و إن ضغطتُ عليها قليلاً ستنكسر.
أخبريني. همستُ لها أكمل لمسي لِبشرتها الناعمة، مع كل لمسة توجد شرارات و أشعُر بِنبضتها المتسارعة من رقبتها لأقرِب وجهي من وجهها.
انا، علاقتي بِمايكا ليست كما تظن فَهو ليس بِ--.

سمعتُ أحدهم يعطس مِن خلفي لِتتجمد كلمات كانيلا على لسانها و يدي على رقبتها. التفتُ بسرعة الى الوراء لا أجَد أحد معنا.
هل سمعتَ الصوت؟ سألت كانيلا تقف بِجانبي لأحرك عيناي في كل جهة و كل زاوية لكن لا أحد.

عاد العطس مرة ثانية لكن مِن المنطقة الضَيّقة و المظلمة بين الصخور لأخُذ خطواتي نحوى مصدر الصوت أعثر على رجل يرتدي ملابس الخدم هنا و يبدو مِن جنيات القصر بِشعر بني و بشرة رمادية مائلة للأزرق و عيون من لون شعره مُقرفص يختبئ منا.
عندما رأني توَسعت عينيه بِصدمة ثم نهض على ساقيه كي يهرب مني لأمسكه مِن ياقته من الخلف و أسحبه من بين الصخور مع انه حاول الأفلات من قبضتي إلا انه ليس بِقوتي.

دعني! صاح الرجل الذي بدى لي في الأضواء يافع من عمري تقريبًا.
ألقيتُ به على الأرض ليَسقط على مؤخرته يلعن تحت أنفاسه.
مَن تكون و ما الذي تفعله هنا؟ سألته أقف أمامه لكني وضعتُ مسافة أشير لِكانيلا بالابتعاد و الرحيل و طبعاً لم تُنصت بل أتَت لجانبي تقف قريبة مني.
نظَر الشاب لي أولاً بعدها لِكانيلا ثم عاد لي يحاول النهوض لأضع قدمي على ساقه و أضغط بِقوة حتى بدأ بالصراخ.
أجبني. قلتُ مِن بين أسناني.

ا-انا لا أ-أحد أرجوك سموك صدقني.
إذاً ما الذي كنتَ تفعله هنا تختبئ بين الصخور؟
هَزة رأسه يرفض الإجابة لأضغط أكثر على ساقه و هو صرخ من جديد يحاول أبعاد قدمي عنه.
وضعت كانيلا يدها بِرقة على ذراعي تجذُب انتباهي من الشاب لتقول
في الأسفل حضور قد يسمعوا صراخه.
صحيح. لقد نسيتُ الأمر كُلياً لأبعِد قدمي عن ساقه حتى أنحني و أمسكه من ملابسه أرفعه عن الأرض.

إن لم تجيب على اسئلتي فأعلم انكَ ستفقد، يد أو ساق و ربما إحدى عينيك.
بدأ هو بالارتجاف في قبضتي يديه مرفوعة باستسلام يهزُ رأسه مراراً و تكراراً
انا مجرد خادم في القصر.
لماذا كنتَ مختبئ هنا؟ أصريتُ عليه أشُد على ملابسه.
ل-لقد أتوا إليّ رجلين قبل بداية الحفلة و طلبوا مني مراقبتك عن كثب و أخبارهم بين حين و آخَر بِمكانك.
توقف عن الكلام يبلع ريقه لأشُده أكثر نحوي أجعله يخرج صرخة صغيرة من حلقه.
مقابل ماذا؟

مُ-مُقابل المال، لقد أعطوني صندوق مجوهرات يُبقيني انا و عائلتي أحياء مدى الحياة.
نظرتُ مِن فوق كتفي على كانيلا التي تبدو محتارة أكثر مني قبل أن أسأل الشاب
لماذا طلبوا منكَ مراقبتي؟
لم يُجبني على الفور لأفلِت ملابسه و أمسك رقبته أعصرها أقطع نفسه و هو فتح فمه يُحاول التنفس لكنه لم يقدر و ظل يتحرك في قبضتي كي أفلته لكن يدي عصرته أكثر و أكثر الى أن تحول وجهه لِلبنفسجي.

فالكين! نبهتني كانيلا لأخَفِف أدعه يسحب أنفاس كبيرة يعود لون وجهه الطبيعي.
لا أعلم لماذا لكنهم أرادوا معرفة تحركاتك انا أقسم انهم لم يخبرونني بالسبب فَلقد سألتهم لكنهم لم يُجيبوني، أرجوك دعني و شأني فأنا مجرد خادم.
كيف هي أشكالهم و أين هُم؟
حاول بلع ريقه مجدداً لكنه سعل بالمُقابل قبل أن يرد يسحب نفس و يزفره بِصعوبة فَما تزال قبضتي عائق لِتنفس بالنسبة له.

حالياً لا أعرف أين هُم، لقد أعطوني صندوق المجوهرات و أخبروني بالذهاب إليهم لكي أعطيهم المعلومات عن مكانك بعد الحفلة.
و أشكالهم، أعطيني تفاصيل. عصرتُ رقبته قليلاً ليفتح فمه بسرعة قبل فوات الأوان.

كلاهُما بِقامة طويلة و ضخام البنية و لديهم بشرة صفراء، واحد منهم يمتلك قرون رمادية و أسنان كبيرة بِعيون زرقاء و شعر قصير جداً مَحلوق من على الأطراف و الأخَر بِجلد كالحجر و مَخالب له عينين سوداء و شعر أسود من نفس الشكل.
عقدتُ حواجبي أتخيل أشكالهم لقد بدت، غريبة جداً.
لا توجد جنيات مِن أية مملكة لها صفات كَهذه، قرون و مخالب دائمة؟ إلا إذا كانت لديهم القوة التحول.

و هذه القوى يمتلكها القليل مِن أهل كل مملكة في هذا العالم مِن ضمنهم شادونايت لكنهم يتحولون الى ظلام و وحوش و ليس، حيوانات.
ألقيتُ نظرة على كانيلا أراها مثلي تفكر بِجميع الاحتمالات لكن لا شيء منطقي ابداً و يبدو انها توافقني التفكير بعدما هَزة بِرأسها لا جواب لديها.
اين أخبروكَ أن تقابلهم بعد الحفل. سألتُ الخادم أدع رقبته ليرجع بِقوة يرتطم بِالدرابزين الذي خلفه.

أتكئ عليه يسعُل يده تفرُك رقبته من الألم لقد تركتُ علامة حمراء عليها، و بعد أن أستعاد قدرته على التنفُس بِشكلٍ طبيعي نظَر لي و الخوف يملئ عينيه
في المدينة.
قلتُ لكَ أن تعطيني تفاصيل.
أومئ هو متفهم يسعل مجدداً فَصوته أصبح ضعيف بالكاد يتفوه بالكلمات
في حانة بوسايدن.
هل هذا كل شيء؟
أومئ هو بِسرعة يديه لا تتوقف عن الأرتجاف لأرجع خطوة لكي أقف جنب كانيلا يداي في جيوب بنطالي.

حسنًا، بأمكانك الذهاب لكن إن أخبرتَ أية كائن عن الذي رأيته هنا أو عن المحادثة بيننا فسوف--
أعلم سموك، أقسم انني لن أتفوه بِحرف لأية شخص.
ضَيّقتُ عيناي عليه قليلاً قبل أن أشير له بيدي كي يرحل و هو أخذ الفرصة مِن دون تَضيع ثانية مُتجه نحوى الدرج لكنه توقف فجأة عنده و أستدار الينا يفتح فمه متردد
أحَد الرجلين قال شيء لِلأخَر عندما كنتُ في طريقي أبتعد عنهم.

بقيتُ صامت أنتظِر منه متابعة كلامه أتبادل النظرات مع كانيلا ليقول الشاب
أخبر رفيقه بأنَ وقت الانتظار لن يدوم طويلاً و أنَّ قائدهم سوف يكون سعيداً بالخبر.
و بِذلك أكمل الشاب طريقه يَختفي عن أنظارنا لأرمش على المكان الذي كانَ يقف فيه و كلماته تُعيد و تَتكرر في عقلي.
الأن أختفى الضباب الذي منعني من رؤية الحقيقة طوال الوقت أرى الإجابة التي شككتُ بها منذُ البداية لكني كنتُ خائف من الاعتراف بها.

أتلانتيانز. تَمتَمت كانيلا بالإجابة مِن خلفي.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 21 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب