رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع والعشرون

سمعتُ شهقات مِن خلف فالكين تعود لِمُرافقينا بِطرف عيني أراهُما بأفواه مفتوحة على مصراعيها. غطوهم بأياديهم مَصعوقين.
تبحلقت عيناي بِصدمة أنسى كيف أتحرك و أتصرف، ماذا يجدر بي فعله و كيفية إيقافه، فَجسدي لا يُنصت لي مهما أمرته بالابتعاد عنه.

لكنها أنتهت القُبّلة بسرعة كما بدأت. نظَر لي فالكين بِعيون ناعِسة غير مُركزة و ضبابية ثم وقع على السرير لألحق به قبل أن يرتطم رأسه بِحافة السرير ثم رفعتُ قدميه بعد أن أستلقى و خلعتُ جزمته.
عدلتُ من وضعيته بعدها ألقيتُ بالغطاء عليه كي لا يبرد فالغرفة فيها برودة بسيطة قد تؤثر عليه لكونه متعرقاً.

بعد ذلك وقفتُ بيد على خصري و الأخرى على شفتاي لا زلتُ أشعر بِشفتيه الدافئة عليّ، أحدق بِه نائم أعلم أنَ لو وقع القصر بأرضه لن يستيقظ.
رفعتُ رأسي على اللذان يحدقان بي فاقِدان لِلكلام لأتنهد أدَلّك جانب رأسي، مُغمضة العينين.
لن يتفوه أحدكما بالذي رأيتموه اليوم في هذا الغرفة هل كلامي واضح؟ أخبرتهما كلاهما أبعِد يدي رأسي.
لكن، لكنه قَبّلكِ! قال بلايز مُندفعاً.

تظنني لم أدرك ذلك؟ لم أقصد أن أرفع صوتي عليه لأزفر الهواء من أنفي و أتابع بِنبرة منخفضة
فقط أرجوك، لا تُخبره و أبقيه سراً فقد لا يتذكَر في اليوم التالي لكونه ثملاً.
ماذا لو تذكر؟ تساءلت إكسانا تُنَمي الرعب بِداخلي.
إن عرف...
يا اللهي ساعدني.
لقد قبّلتُ أميراً و اسوأ من ذلك انا مُرتبطة بِرجل أخَر و إذا عرف، إذا عرف مايكا.
هَززتُ رأسي ألقي بِتلكَ الفكرة. مستحيل!

مستحيل أن يعرف إلا إذا أبقينا ما جرى، هنا في هذه الغرفة و بيننا. بالإضافة انها مجرد قُبّلة لا أكثر و هو ثمل لم يقصد أن يفعلها و أعلم انه لو كانَ بِوَعيه لن يجرؤ ابداً.
إذا تذكر، دعونا نتظاهر انه لا شيء، هو كانَ ثمل و انها مجرد قبلة. أخبرتهما أحاول جعلهما مرتاحين أو أحاول جعل نفسي، فأنا لستُ متأكدة.
حسناً، سوف أبقي الأمر سراً أخَراً عنه. قال بلايز متنهداً ينظُر على سيده النائم.
سراً أخراً.

السر الأول يكون، مَعرفتي بِقوته على رؤية أحلام مَن يلمسه.
سراً لا أعلم لِمتى سوف يبقى على هذه الحالة بيننا و الأن هذا...
جيد و شكراً لكَ بلايز. أخبرته مُمتنة ليبتسم لي ابتسامة حزينة.
أمرتُ إكسانا باللحاق بي الى الخارج. أمسكتُ مقبض الباب المُثلج أسفل يدي لألقي نظرة أخيرة على الأمير النائم و مُرافقه الذي يجلس فوق بطنه يراقبه بِصمت.

أخذتُ نفساً أغمض عيناي بِشدة حتى الألم، أتمنى نسيان ما فعله لي و أشعر بالأسف علينا كلانا.
لماذا؟
لأنه سوف يندم و يلوم نفسه على ما فعله و بالأخص انني امرأة مخطوبة.
كانت قبلة خفيفة ليست عميقة أو فيها شيء...
تركتُ ذلك الشعور في تلكَ الغرفة، ألتفتُ الى الردهة و أغلقتُ الباب خلفي.

-فالكين-
فراولة.
هذا ما استطعمتُ به بعدما استيقظتُ من نوم ساكِن و جميل بِلا أحلام مُزعجة أو مخيفة.
علي شفاهي، طعم فراولة.
جلستُ مستقيماً فوق سريري أزفر الهواء من فمي أدَلّك جانب رأسي و ألعن تحت أنفاسي لكون صداع مؤلم ينبُض بِشدة قد رافقني في صباحي.
هذا جزائك على ثمالتك البارحة. قال بلايز يحدق بِما يوجد خلف النافذة في الغرفة و هو جالسة على حافة المنضدة الجانبية لِلسرير.

أخرجتُ صوتً من حلقي عميق ثم نهضتُ و ندمت على الفور. لقد مِلتُ بِسرعة بِسبب دوار رأسي لأرجع جالساً.
كيف وصلتُ الى غرفتي بالمُناسبة؟ انا حتى لا أذكُر شربي لِشيء. سألته أنهض بِبطء متجهاً نحوى الحمام الجزء السُفلي من كَف يدي على عيني اليُسرى أضغط عليها لأخفف الصداع.

لم يجبني حتى بعدما انتهيتُ من الاستحمام و ارتداء ملابس جديدة. وضعتُ المنشفة المُستعملة على طرف السرير أنظُر له، ما يزال في نفس وضعيته فوق المنضدة يُشاهد المنظَر عبر النوافذ العملاقة.
السماء في الخارج رمادية، الغيوم تمنع أشعة الشمس من الوصول الينا، يبدو انها سوف تُمطر من جديد.
ألن تُخبرني مَن أحضرني البارحة الى الغرفة؟ انا سألته مجدداً مُعقد الحواجب كِلتا يداي على خصري سترتي ترتفع قليلاً إثر ذلك.

هل ريزار مَن أحضرني؟ سألت مرة أخرى أتقدم نحوه ليرفع رأسه اليّ مُضَيّق العينين.
انتَ حقاً لا تذكُر شيئاً من البارحة في الحفلة؟
آوه إذاً انتَ تتكلم؟
شقلب مُقلتيه عليّ يُعيد رأسه باتجاه النوافذ.
سوف أقتله لكونه يتجاهلني و انا اسأل.
بعد الرقص مع، مع كانيلا، شربتَ مع الحمقى الذين رافقوك الى الثمالة بعدها غادرت القاعة. قال هو بِبرودة.
و؟
تنهد هو كتفيه مَشدودة بعض الشيء ثم ألتفت اليّ شفتيه مضغوطة على بعضها.

و لو لا مساعدة كانيلا لكنتَ الى هذا اليوم تكسر كل طاولة موجودة في الردهة و تلعنها لوجودها في طريقك كأنها هي التي تمشي بأرجلها و ترتطَم بِك.
رمشتُ عليه عدة مرات كالذي يسمعه يتحدث لأول مرة منذُ سنوات.
كانيلا ساعدني؟
متى حدث هذا بِحق السماء؟ انا بالكاد أذكر أسمي.
عصرتُ دماغي أكثر، أدخل بِتفاصيل أكثر عن الليلة الماضية و ما جرى بالضبط لأذكُر رقصي مع كانيلا كما أخبرني بلايز.

كوني أضحك و أشرب الأوكسارا مع مجموعة حمقى يعطوني كأساً وراء الأخر بعدها لم أعُد أشعر بِجسدي أو أحِس بأي شيء عدا كون ساقاي تسحبني خارج القاعة.
و صوت، لا بل أحد ما يُناديني.
كانيلا.
نعم الأن أتذكر! كانيلا لحقت بي و ساعدتني بعد أن...

حركتُ أصابع قدمي اليُسرى لأهَسهِس من بين أسناني كلما رفعتها.
بكل تأكيد ضربتُها كثيراً بِجميع طاولات الردهة أثناء ذهابي مع كانيلا الى غرفتي.
لكن، هنالك شيء مفقود أو مُشَوَش في عقلي كأنه لا يرغب بِجعلي أتذكر و أعرف ما حدث بعد دخولي لِلغرفة معها.

لكن، انا معروف بِكوني أتصرف بِغباء و تهور عندما أثمل فَمرات عديدة حاولتُ فعل أشياء لا يمكن التكلم عنها و أشياء كادت تؤذيني مثل تناولي لِزجاج لأنني أتخيله طعاماً أو النوم فوق حافة الشُرفة لأنَ الهواء أفضل هناك و هكذا.
فهل فعلتُ شيئاً سيئاً البارحة، لها؟
بلايز، تفوهتُ باسمه بِتردُد ليَلتفِت اليّ رافع حواجبه.
هل تذكرت؟
فراولة.
خَطر هذا الأمر على بالي، الأن و في هذه اللحظة.

لقد استيقظتُ بِطعم فراولة على شفتاي.
أوه لا، لا لا لا!
اللعنة عليّ و على الأوكسارا و على مَن أعطاني إياها. مع انني شخص لا يثمل بسرعة لكن الأن تذكرت أنَ عشرة كؤوس بالطبع سوف تفعل العجائب.

توجهتُ بِبطء نحوى النوافِذ بِرأس مُنحني ثم فتحتُ واحدة منهم. هذا سينتهي اليوم فالندم و الأحراج يُغَطوني كالطبقة الثانية من الجلد، ثقيلين لدرجة لا تُحتمل. اسوأ من أية شيء قد تعرضتُ له في حياتي فأنا لا أرغِم ابداً نفسي على اية فتاة أو أجرؤ و تَخطي خطاً أحمر بيننا.
و الأسوأ من كل ما سبق، انه هذه الامرأة، متزوجة و مِن مَن؟
مِن لورد و اليَد اليُمنى لملك مملكة عظيمة.

ما الذي تفعله؟ سألني بلايز من ورائي لأبدأ بالصعود على حافة النافذة.
هنا و اليوم سوف أقتل نفسي.
انا متأكد انها تكرهني الأن أو تشعر بالتقزُز مني و ربما الأثنان معاً فهذا محتمل.
أصبحت أقف الأن على الحافة، الهواء من على هذا العلو يُحرك من شعري بِقوة و يُبرِد من وجهي لكونه بارد جداً. وقعت قطرة صغيرة مِن المياه على أنفي لأرفع رأسي للأعلى و أسمع صوت رعد شعرتُ به في عظامي.

أنزل حالاً! قال بلايز بِنبرة مَذعورة أعلم انه يطير اليّ.
انا أستحق الموت. تمتمتُ له لكن أكثر لنفسي أنظُر الى الأسفل.
الى الأرض البعيدة و التي في الحقيقة قد تقتلني إن سقطت مِن على هذا البُعد، لكني أستحق اسوأ.
أصبح بلايز الأن أمامي يواجهني و يبدو و كأنه يتكلم مع وَحش ذو خمسة رؤوس.
لا مع انني أكره الاعتراف لكنك لا تستحق و لماذا تفعل هذا؟ أرجوك توقف عن المزاح و أنزل! قال بلايز يُشير بيديه لِلداخل.

هل يجب أن أقفز أم أن أنصِت و أعيش بِهذا الذُل و العار؟
فالكين انها مجرد قُبلة بِحق السماء! لماذا تفكر بها كثيراً؟ الجميع يُقبِل بعضه البعض انها لست نهاية العالم. أكمل هو يحاول أقناعي لا يُدرك انني عنيد أكثر من غيري.
لكني قبّلتُ كانيلا، امرأة مخطوبة من، من مايكا! هل تعلم ماذا سيحدث إن عرف بالأمر؟
لن يعرف كائن حي إن أبقيتَ فمك مغلقاً.

تنهدتُ انا أشعُر بِثقل على صدري لأومئ أنزل من على الحافة و أغلق النافِذة أسنُد جبيني عليها، برودة الزجاج يقضِم جلدي.
لم تكُن سيئة، قال بلايز من جانب رأسي لأبعده عن النافذة و أحدق به، بِوجه ضجر.
حَك هو رأسه من الخلف لا ينظُر لي من دون أن يُكمل كلامه.
ما الذي تعنيه؟ تحركتُ أتجه نحوى السرير لسببٍ ما ساقاي لم تعد تستطيع حملي.
هل كنتُ منذُ لحظات على وَشك قتل نفسي؟

يا للهول أعتقد أنَ مفعول الأوكسارا لم يزول بعد. فَلقد قبّلتُ فتيات كثيرات في حياتي الخمسة و العشرون و التي ستتمَدَد لمئات السنين إن لم أموت بِسرعة لكني لم أشعُر بِخجل أو عار منهم من قبل.
ربما لأنكَ لمستَ امرأة رجل أخر.
سخر مني صوت بداخلي لأهُز رأسي و أجلس، ُأكواعي متكئة فوق رُكبتاي و أصابعي مُشابكة بِبعضها، أحدق بِجزمتي السوداء.

أعني القُبلة، لم تكُن أمراً بدا عليها الانزعاج منه و هي مُدركة انكَ كنتَ ثمل لم تعني ما فعلته لها. برر بلايز ما يعنيه لأرمقه بِنظرات مخترقة.
سهل قول هذا و انتَ لست مَن قبّلها من دون أذنها.
شقلب مُقلتيه عليّ يطير ليقف على معصمي يجعلني أنظُر له.
تكلم معها إن كانَ الأمر يتأكلك جداً.
هل انتَ أحمق أم تتحامق معي؟ لأنكَ لستَ مضحكاً.
انا أحاول المساعدة سمو الأمير الذي يعرف كل شيء.

طار بعيداً عني يعود ليَجلس فوق منضدة السرير. أعلم انه يحدق بي و ينتظِر ما سأفعله لاحقاً.
فكرتُ بالموضوع مُطولاً. التكلم معها كيف بالضبط؟
هل أقول:
مرحباً كانيلا، أود التأسُف على ما جرى البارحة، لقد كنتُ ثملاً و غبياً و لم أتحكم بِتصرفي. أرجوكِ سامحيني و لا تكرهيني على أرغام نفسي عليكِ فأنا لستُ رجلاً من هذا النوع؟

هَززتُ رأسي مع نفسي أجلس مُستقيماً أنظُر لِلباب الذي على يميني كأنني سأرى اين هي الأن و ماذا تفعل في غرفتها التي تَبعُد قليلاً عن خاصتي.
بالمناسبة اين ذلك السافل ريزار؟ كيف له أن يترك أعَز صديق له لوحده البارحة؟
إن كُنتَ تفكر بِريزار و سبب اختفائه، فأنسى. قال بلايز يجذُب انتباهي لكونه قرأ أفكاري.

أحيانا يُشعرني بالخوف منه. تصرفاته و كلامه أغرَب من الغرابة في مرات أظُن انه حقاً لديه قُدرة قرأت الأفكار مع انها نادرة لِلغاية.
يجب عليّ أن اسأل فالين بعدما نرجع الى فالينيا.
نهضتُ على ساقاي و القرار النهائي لدي. سوف أذهب اليها و أعتذر و بعدها سنرى ماذا سيحدث و العواقب مهما كانت انا سوف أتقبلها و أواجِهُها.
الى اين انتَ ذاهب؟ سألني مرافقي و انا أفتح الباب أخرج لِلردهة.

الى عقابي. كان كل الذي قلته له قبل أن يلحقني يضحك عليّ.

نعم.
لم أقدر على فعلها.
لم أقدر على طرق بابها أو الاقتراب منه حتى. ظللتُ واقفاً أمامه لكن بعيد مترين عنه. أسمع خطوات قادمة من الداخل و همسات لأعلم انها في الداخل ربما تتناول فطورها أو تقضي يومها تقرأ كتاباً ما.

كنتُ أوَد القول انني سأعود لاحقاً لمواجهتها فَلعلها مع سيري لكني سمعت من بعض الخادمات و انا على الطريق الى هنا، أنَ سيري مع تيريان أما آناس يتدرب خارجاً بالسيوف مع مُدربه الخاص لهذا كانيلا لوحدها مع إكسانا اليوم.
انتَ مثير لِلشفقة. أخبرني بلايز يراقبني منذُ وقتٍ طويل و انا أرفع يدي لكي أطرق لكن أعيدها الى مكانها و أرجع خطوات الى الوراء.
لماذا هذه الامرأة تجعلني دوماً متردداً و متوتر؟

التفتُ الى القزم مُضَيّق عيناي أضع يداي على خصري منزعج.
و انتَ متى ستتوقف عن إهانتي كلما سنحت لكَ الفرصة؟
انها فرصة، تسنح لي و لغيري بِفعل ما أتمناه لهذا يُسَمونها بالفرصة.
رصّيتُ على أسناني أتخيل رأسه بينهم لأخرج زفيراً من أنفي و أقرر أنَ اليوم لدي ما يجب العمل عليه بدلاً من الشعور بِالندم و الأحراج على شيء فعلته ليس بكامل قواي العقلية.
لدي عُذر، انا معذور، صحيح؟

هل ستعود؟ سألني المزعج بعدما مررتُ من جانبه أتجاهله متجهاً بِعكس الاتجاه الى غرفة ريزار، الذي سوف أحاسبه على تركي يوم أمس.
فجأة فُتِحَ الباب من خلفي صوت ضحكات خفيفة قادمة من الغرفة التي هربتُ منها--أعني رحلت، تملئ الردهة.

ماتَت الضحكات بنفس اللحظة التي استدرتُ فيها الى باب الغرفة التي تقف عنده كانيلا رائعة كَكل يوم بِفستان بسيط أبيض، شعرها المُمَوج الحريري مُنسدل على كتفيها و بيديها تحمل سلة كبيرة يبدو انها لِلغسيل بينما أخرى عند قدميها.

إكسانا مَخطوف من اللون، جالسة على طرف السلة التي تحملها سيدتها و كلاهما يحدقان بي بِتعجب، كأنهم لم يتوقعوا أن يروني لمدة طويلة.
أممم صباح الخير سموك. قالت كانيلا أولاً بما انني نسيتُ كيف أستخدم لساني.
صباح الخير. رددتُها أتجه اليها لكي أنحني قليلاً و أحمل السلة الأخرى من على الأرض.
نعم، هذا جيد هنالك ما يُمكن فعله في هذا الصمت المُحرج و طريقة أتَت بِقدميها اليّ لكي أفتح الموضوع معها.

ليس عليكَ حملها سموك. أخبرتني كانيلا لأبتسم لها و أشير بِذَقني للأمام لكي تقود الطريق الى الخادمات في غُرَف الغسيل.
اومأت هي بامتنان ثم مَشت قبلي لأخُذ نظرة على بلايز الذي هَزة كتفيه و طار حتى ألحقهم.
مشيتُ بِجانبها في صمت طبيعي لكنه ليس طبيعي بالنسبة لي لأنني بقيتُ أفكر بالطريقة التي سوف أتكلم معها عن القُبلة و كيف سوف أعتذر لها.
هل رأسك بخير؟ سمعتها تسأل لأرفع رأسي أعود مِن شُردي و أنظُر لها.
ماذا؟

أشارت بِعينيها بِلون الشوكولاتة على رأسي تُعيد كلامها
رأسك، هل هو بِخير؟ لأنكَ أصبته مرةً في الجدار بِسبب ثمالتك.
حاولتُ وضع بسمة واثقة لكني فشلت فَحركتُ تركيزي لأمامي أعَض على شفتي السُفلية بِقوة
آوه نعم، انه بخير.
وصلنا الى غُرفة الغسيل، أعطينا الخادمات اللطيفات السلتين بعدها عُدنا أدراجنا الى غرفتها. مجدداً نمشي سوياً في صمت و سكينة لأعود انا الى شُردي بِكيفية فتح الحديث أولاً.

أوصلتها عند باب غرفتها و هي لم تدخُل بعد، بل ظلت واقفة تواجهني يبدو انها تنتظِر شيئاً ما مني كما أنَ إكسانا بدت غير مرتاحة و هي جالسة على كتف كانيلا النحيل، و إن كان تَخميني صحيحاً فَهي تعلم ما جرى البارحة بِما انها مُرافقتها دائماً كما يعرف بلايز.
ابتسمت كانيلا لي و كادت أن تستدير من مَطرحها لأمسك انا بِذراعها العُلية أوقفها.

التَفَت لي بِحواجب مرفوعة مُتسائلة لأبعد يدي عنها و أقف أحُك رأسي من الخلف.
انا، انا حقاً أسف كانيلا على--
لا بأس، قاطعتني هي لا تزال البسمة الرقيقة على شفتيها لتُكمل قائلة
إن كنتَ ستتكلم عن ما جرى في الأمس فَلا مشكلة لدي فأنتَ كنتَ ثمل و لم تكُن في وعيك ابداً.
حسناً مِن المريح انني لستُ الوحيد الذي يُفكِر أو فكر بِشأن ما حدث و تبدو حقاً، غير مهتمة أو ربما هذا ما تُظهِرُه فَلستُ متأكد.

عقدتُ حواجبي أمَرِر أصابعي في خُصلات شعري لأخبرها
لكن إن علم مايكا فَسوف--
مجدداً قاطعتني هي تهُز رأسها
لن يعرف لأنها ليست بِمشكلة و لِلمرة الثانية، انتَ لم تفعلها عن قصد.
لكن لو كنتُ في مطرح مايكا لقتلتُ مَن قبّلك. قلتُ لها بِنبرة ظلمة، غريبة و جادة لِلغاية أجعلها تحدق بي متفاجئة، بسمتها تختفي.
سموك، مايكا لن يعرف لأننا لن نخبره و لأنَ تلكَ القُبلة حدثت و انتهت و كلانا يعلم انها مِن دون معنى أو غيره.

انها مِن دون معنى فأنا بالكاد أذكُرها لكن، مذاق الفراولة على شفتاي لا يزال شبح ذِكرة كلما نظرتُ على خاصتها.
ناعمة، ممتلئة و جميلة.
أغمضتُ عيناي بِشدة أعصرهم و ألعن نفسي، بِداخلي على تلكَ الأفكار لأومئ لها أفتح عيوني.
انتِ محقة، انها لا شيء، ما كان يجدر بي التفكير بها كثيراً. أخبرتها أضع يداي في جيوب بنطالي لتعود ابتسامتها مرة أخرى و يرتخوا كتفيها كأنها كانت تشدهم منذُ أن قابلتني اليوم.

و بذلك عادت تستدير الى باب غرفتها ثم فتحته بينما انا بقيتُ أنتظرها من دون سبب معين.
و عندما أصبحت في الداخل و على وَشك أغلاقه، نظرت لي.
بِطريقة لم أفهمها، عيونها تبرق و تلمع أسفل أنوار الردهة لكن فجأة أختفى البريق و اللمعان كما لو أن ظلام حَل فيهم و قبل أن اسألها إن ما كل شيء على ما يرام أغلقت الباب و تركتني أرمش عليه.

كانَ ذلك محرجاً. تَمتَم بلايز لأتنهد و أرحل مِن هنا متوجهاً الى غرفة ريزار لأنَ اليوم الأخير لنا في أريزو و لدينا عمل مهم قبل أن نعود الى فالينيا.
لقد أتينا من أجله. التاجر الذي عثر على الجثث.
أتمنى أن لا نتكلم مجدداً عن القُبلة و أن ننساها. أخبرتُ بلايز أسرع بِخطواتي.
بالطبع لأنني أعتقد إن فتحتُ الموضوع من جديد فَسوف تنفجر علينا جميعنا.

شقلبت مُقلتاي لكن لم أعَلِق و تركتُ الموضوع يُغلق بِنفسه لكي يُنتَسى.
و نحنُ على الطريق الى غرفة ريزار، ظهر صديقي العزيز و هو يمشي مُسرعاً نحونا ما يزال يرتدي نفس ملابس أمس في الحفلة، شعره مُبعثر و وجهه أحمر، يتنفس بِشدة و صعوبة ليقف أمامي منحني الظهر يضع يديه على ركبتيه يأخُذ أنفاساً قصيرة.
يا للهول ريزار، تبدو مُزرياً. أخبره بلايز لأضع انا يداي في جيوب بنطالي و هو أستقام بِظهره يمسح وجهه متنهد.

فتحتُ انا فمي لكي أسكُب عليه كل غضبي لكنه رفع يداً في وجهي يوقفني كأنه يعلم عن ماذا سوف أتكلم معه.
اين كُنت؟ لقد كنتُ أبحث عنك منذُ الصباح. قال هو بأحباط.
رفعتُ انا حاجباً داكِناً عليه ليُكمل مبرراً
لقد وصلني عندما كنتُ في غرفتي، خبر من التاجر،
توسعت عيناي منصدم أُذكر أنَ اليوم في الحقيقة أخِر يوم لنا في أريزو و هو اليوم الذي سوف نقابل فيه التاجر لكني لم أعلم انه سيَصل بهذه السرعة.

خذ هذه الرسالة منه. مَرَر لي رسالة بيضاء مثل التي لديّ في الغرفة، التي فيها مَعلومات عن التاجر و التي قرأتها لوحدي من قبل.
فتحتُ الرسالة المَطوية جيداً ثم بدأتُ القراءة.
اندهشتُ و شعرت بالحيرة لكون هنالك ليس جملة حتى بل عنوان مكتوب فيها:
نُزلُ الجُزُر الخضراء، مدينة فوريا، شارع، الحجر الأسود
رفعتُ رأسي نحوى صديقي الذي لا يزال يواجِه صعوبة بالتنفس لأنظر له بتساؤل.

هذا كل شيء؟ لقد ظننتُ انه قادم الى القصر.
و انا ايضاً لكن على ما يبدو أنَ الخُطَط تغيرت لسببٍ ما.
مَن أوصل لكَ الرسالة؟
حدق بي لِثوانٍ طويلة جداً يعود بِذاكرته يدخُل بِتفاصيل الشخص الذي أوصلها قبل أن يُجيب
حارس مِن الحراس الملكيين.
إذاً ليس مُخادع مِما يكون جيداً و هذه الرسالة حقاً مِن التاجر، هذا يعني كل شيء أمِن، للأن.

عدتُ أنظُر على الورقة و العنوان ألاحظ انه لا وقت مكتوب هنا بعدها قابلت عيون ريزار التي تراقبني.
متى يجب علينا مقابلته؟
مساءً،
هل تمازحني؟
هَزة كتفيه ثم رد
على ما أظن انه أفضل مِن المقابلة في يوم مشمس بين عيون و أذان في كل مكان.
لديه وجهة نظر.

زفرتُ كمية هواء كبيرة من فمي أمَرِر أناملي في شعري الذي يحتاج حلاقة جديدة بعدها كَوَرتُ الورقة بيدي و استدعيت نيراني لكي تحرقها حتى أصبحت رماداً تأخذها نسمة الهواء.
إذاً بعد العشاء، سوف نغادر. أخبرته ليومئ هو يوافقني الكلام.
من الأن انا طلبتُ مِن حرسنا أعداد عربة من أجلنا كي لا نُضَيّع المزيد من الوقت و نعود باكراً حتى ننام.

لأننا سوف نغادر أريزو صباحاً فالطريق الى فالينيا طويل لِلغاية و الخروج باكراً سيكون أفضل شيء.

توَجهتُ انا و ريزار و معنا بلايز الصامت الى مكان تواجُد الملك الذي لديه وقت فراغ الأن مِن عمله المُكَوَم على أكتافه، غُرفة العرش.
أو قاعة العرش بما انها عملاقة جداً و يمكن أن يوضَع فيها أكثر من مئة شخص.
دخلناها ثلاثتنا و معنا شهقات بلايز تملئ الفراغ الذي فيها.

أرضيتها من الخشب الأبيض، فيها شقوق بسيطة لكونها أرض قصر قديم عمره أكثر من ألف سنة. الجدران من نفس نوعية الخشب، عليها أعلام خضراء و حمراء تعود لِلمملكة و لوحات أجداد تيريان.
علي اليمين توجد طاولة طويلة جداً خشبية تلمع و نظيفة من المُمكن الجلوس عليها أكثر مِن ثلاثون شخص و فوقها أطباق كبيرة من الفواكه.

لا توجد نوافذ بل أبواب زجاجية كبيرة تقود الى شُرفة أكبر مُطِلة على جانب القصر، مكان تواجُد غابة أبيرو الشهيرة ذات المنظر الخلاب و الخاطف للأنفاس.
في وسط القاعة بِساط أحمر مُمَدَد الى مكان تواجُد العرش على يسارنا.

هنالك درج صغير مندمِج مع الأرضية لكن مع بعض الصخور و النباتات التي تنمو عليها و بينها و خلف الدرج بِقليل شلاليّن صغيرين على كِلتا الجوانب فيه المياه تمتلئ و على ما أظُن تسقي الشجرة (القصر) من هنا.
علي كلتا الجهتين لِلدرج يقفونَ حُراس القصر بِدروعهم الفضية يرتدون خوذهم و يحملون سيوف من طول جسدهم.

فوق، في أعلى الدرج كرسي العرش الذي يجلس عليه تيريان و يقرأ شيئاً ما بيده، لكنه ليس كرسي عرش طبيعي أو مرصع بالذهب و الألماس كما هو حال أغلب العروش، لا، و إنما عرش كبير من الفولاذ مِن بعيد يبدو من الخشب، على شكل أغصان طويلة مُلتوية بِجهات مختلفة، من اليمين حتى اليسار، حادة و مخيفة.

و خلف العرش تماماً، شجرة أخرى، فيها بتلات وردية و بيضاء من ضمن أوراقها الصغيرة و فوقها بالضبط فتحة سقف مُناسبة لِدخول ضوء الشمس اليها و سقيها من فوائدها لتُبقيها قوية، تتلألأ بألوانها الخلابة المريحة لِلعينين.
لِدَهشتي، رأيتُ بعض الطيور ذات الريش الأبيض الجميل يطيرون مِن حولها و فوق العرش معاً بِتناغم كأنهم يعرفون اين سيذهبون و ماذا سيفعلون.

لاحظ تيريان وجودنا بعدما دخلنا الى وسط القاعة نقف أمامه لكن بعيدين نجعله يُضَيّق عينيه لكي يرانا بِشكل أفضل.
أشار لنا حتى نقترب أكثر لنفعل ما أمِرنا به و ننحني قليلاً له.
إن لم تكُن مشغولاً جداً في هذه اللحظة نوَد التحدث معك جلالتك. قلتُ له و انا أستقيم بِوقفتي.
اومئ هو من دون تفوه بِحرف لأضع يداي في جيوبي و قناعي الهادئ الضجر كي لا أبدو قلقاً من ردة فعله على ما سأخبره به.

كما تعلم اننا سوف نغادر غداً صباحاً الى فالينيا، انا بدأت
أريد--نريد أن نشكرك تيريان على استقبالك الرائع و على كل شيء وَفرته لنا حتى شعرنا بأننا نعيش في هذا القصر العظيم لأكثر من أسبوع حافل.
اومئ هو مجدداً بِتفهم لأخُذ سكوته إشارة بالدخول في الموضوع لأنه يُخمن انني لستُ هنا لكي أشكره على كل شيء فَحسب مرة أخرى بما انني فعلتُ ذلك مُسبقاً عندما كانت عائلته كلها موجودة.

عملي سينهي اليوم في المدينة. و إن لم تمانع انا أطلب منكَ أن تُبقي الأمر سراً و انا بِكل تأكيد سوف أخبرك يوماً ما عند انتهائي من ما، من ما يُبقيني مشغولاً.
قلقاً، كانت الكلمة التي استبدلتها بمشغولاً. تلك الكلمة سوف تنمو اسئلة لستُ مستعداً للإجابة عليها و شَك قد يُدمر مُخططاتي و كل ما أعمل عليه.

أعلم انه مِن حقه المعرفة بما أنَ الخطر تجمع على أطراف مملكته لكني أفَضّل أبقاء الخطر غير مُنتشر بيننا حتى أشعاراً أخَر و لكي لا يُشَكل قلقاً قد يزيد سوء ذلك الخطر بأضعاف.
قد يكون اخفاء هذا الخطر تهوراً و غباء و مع ذلك هذا ما يجب فعله.

لقد سبق و أخبرتني بِهذا فالكين، و في العادة انا لا أحب مَن يخفي عني عملاً موجود في مملكتي و خصيصاً الغامض، و مع هذا من أجلك بِما انكَ من العائلات الملكية سوف أتغاضى عن الموضوع الى أن تكون مستعداً لِلمشاركة. أخبرني تيريان يُريح يديه على مساند عرشه.
يبدو و كأنه تمثالاً منحوتاً مع عرشه، جبار و قاسي بِجلسته و نظراته و هدوئه الذي يَبُث الرعب. لا تعلم متى سينفجر و الى متى سيظل على حالته.

الهدوء ما قبل العاصفة، ما يُلقَب به هذا الملك. كأمطاره، لا تعلم متى ستصبح عاصفة و قاتلة.
انا لن أتدخل بِعملك فالكين، لكن، أتمنى أنَ ما تعمل عليه ليس شيئاً قد ينقلب ضدك. و أخيراً قال تيريان بعد صمت طويل.
و انا أتمنى ذلك. كانت أول جملة قصيرة لِريزار بيننا.

حل المساء و حان الوقت لرؤية التاجر في المدينة.
ترجلنا من العربة و هذه المرة معنا حارسين فقط و كلاهما تم أمرهم بالبقاء عند العربة و الانتظار منا كلمة. توك طبعاً أتى معي بما انه حارسي الشخصي يرتدي ملابس عادية مثلنا.
و انا لسببٍ ما ليس لدي شعور بالأمان و نحنُ نأخُذ خطواتنا في هذا المكان الغريب و البعيد في المدينة بين منازل و بيوت صغيرة من الحجر و الخشب.

القمر في السماء مَخفي بين غيوم بيضاء تطفو بِبطء حتى تبدو و كأنها عالقة في مكانها لا تتحرك.
الظلام أكبر في هذه المنطقة، يندمج مع كل شيء من حولنا، الأرضية الحجرية الزلقة سوداء عليها مياه من الأمطار، الجدران التي تَفصِل بين مدخَل و أخَر مثل جدران المنازل، الضوء غريب عليها.
هنالك فوانيس سحرية بين كل طريق و ثاني لكنها بالكاد تُنير ما يُحيطها، وجودها كَعدمه.

أصوات أقدامنا على لأرض كل ما نسمعه في السكينة التي ايضاً مندمجة مع الظلام كأنَ الظلام هو مَن يُخفي الأصوات. بين حين و أخر نسمع بعض الضحكات مِن مكانٍ ما، بعيدة و قريبة أو أقدام تمشي من جهات مختلفة لا تُخصنا.
أمسكتُ أطراف ردائي الطويل الذي لا يتحرك الى الخلف لكون لا نسمة هواء هنا، لأقربه عليّ أكثر أغطي جسدي الذي أقشعر بأكمله.

ظللنا نمشي و نمشي الى أن عثرنا على النُزُل الذي كتب اسمه لنا التاجِر كي نلتقي فيه.
جُزُر الخضراء.
و مِن حُسن حظنا انه ليس مُخيفاً كَهذه المنطقة التي يكون فيها.
انه كالكوخ لكن أكبر، مِن بين منازل أو على ما أعتقد متاجر مُغلقة و فنادق صغيرة لِمَن لا يمتلكون النقود الكافية لتأجير غُرَف فاخرة، بل لاحظت اننا في حي فقير.

هذا هو. أشار ريزار عليه على جهتنا اليُمنى لأجد نوافذه مُضيئة باللون البرتقالي، و مِن داخله بعض الأحاديث الضبابية الغير مفهومة من رجال ذو أصوات ضخمة و ثخينة و حتى صوت عزف آلة قديمة مثل العود.
هيا بنا. أخبرتهم نأخُذ خطواتنا نحوى النُزُل الذي يكون المكان الوحيد الذي يقضي الرجال وقتهم بالشُرب، لعب الأوراق و القمار أو الهروب من الحياة.
أو كما أحب تسميته: مكان لِلكأبة.

مددتُ يدي بما انني الذي أقود الطريق، لكي أمسك بِمقبض الباب العتيق و فتحه و إذ به يُفتَح بِسرعة يجعلني أنتفض الى الوراء و أرتطم بِريزار ليَظهر لنا رجل ضخم مليء بالعضلات المفتولة، أضّطِرَ الرجل أحناء رأسه لكي يعبر الباب و يخرج.
وجهه تتلبسه الخدوش و ندبات قديمة بيضاء أفتح من لون بشرته السمراء، تخبرنا انه ليس رجلاً سيَسعد بِمُحادثات لطيفة و محترمة.

دفعني هو عن طريقه مع انني لم أكُن وافِقاً بوجهه و هو يُتمتِم كلمات لم أفهمهما.
كانَ ذلك وشيكاً. تَمتَم بلايز لأرمقه بِنظرات و قبل أن أخُذ خطوة أخرى نحوى المدخل خرج رجل مثل الذي سبقه لكنه أقصر قامة يركض غاضباً خلف الأول.
أنتظر يا أبن ال نادى مِن خلفه لأضع انا مُسرعاً أصابعي على أذنين بلايز كي لا يسمع.
صفعني الضئيل بيده لكي أبعِد أصابعي ثم شابك ذراعيه.
ليس لأنني صغير الحجم هذا يعني انني طفل.

حركتُ يدي في الهواء بِلا مبالاة أدخل و أخيراً، النزل لأقول له
و مع ذلك انت تتعلم و تُطَبق عليّ انا.
تفوه المزعج بِكلام قررتُ عدم سماعه أو الاهتمام له.
باللحظة التي أغلق توك الباب ورائنا وجدتُ نفسي أكرر كلام الرجل البذيء بِهمس مع نفسي على ما أراه بينما توك قَلدني لكن على طريقته و بِكلماته الخاصة و بلايز قَهقَه.
على الأقل انه في قطعة واحدة و لن يقع فوق رؤوسنا. قال ريزار من جانبي ينتبه على ما انتبه له.

حسناً، انا لستُ شخصاً يهتم لِمستوى شعب هذا العالم إن كانوا فقراء، من الطبقة الوسطة أو الغنية فَلا تهمني المكانة و لا أحكم على كائن من شكله ولكن هذا النزل اسوأ من السيء ذاته.

كل شيء من الخشب عدا الجُدران مِما يكون طبيعياً لأنَ النزل هكذا عادتً، لكنه هذا بالضبط، تفوح منه رائحة النبيذ الرخيص ممزوج بِروائح متنوعة من القيء و البراز، هنالك عَفن في زواياه و لستُ متأكد لكني انتبهت على بقع داكِنة جداً في الأرض.
ليس في كل مكان بل بين كل خطوتين و غيرها و أعلم أنَ تلكَ البقع، بقع دماء، جاف، الخشب لم يشربه كاملاً أو لم يقدر على مَحي أثره.

المكان لا يعجه المجانين مِن حُسن حظنا ولكن يوجد رجال يجلسون فوق طاولات خشبية عتيقة و أمامهم أوراق اللعب و زجاجات كبيرة من الجعة بالرغوة البيضاء.
و على اليمين يوجد موقد نار كبير ينير النزل و يدفئه. في الجهة الأخرى من النزل توجد المنضدة الطويلة المرتفعة و خلفها يقف صاحَب النزل يُقطع لحماً، ليس بِسكينة طبيعية و إنما منشار ذو أسنان أحسستُ بها تقطعني انا.

أخيراً و ليس أخراً، على يسارنا في موقع صغير فارغ، مِنصة من الخشب الأحمر و فوقها يجلس رجلاً عجوزاً لِلمُفاجئة هو ايضاً مفتول العضلات له لحية طويلة لِلغاية تُلامس جانب العود الذي يعزف عليه ألحان ليس لها صلة بِبعضها.

صَفى ريزار حلقه من جانبي ليرفع كل شخص في النزل رأسه باتجاهنا و من ضمنهم صاحب النزل أصلع الرأس يرتدي مريول أبيض كي لا تتسخ ملابسه من الدماء و اللحم.
لم أتمنى يوماً أن أهرب من شيء أو شخص في حياتي أو الاختباء في زاوية و عدم الخروج منها ابداً.
إلا هذا اليوم وفي هذه اللحظة.
لا تفعل هذا مرةً أخرى. همستُ في أذُن ريزار لينظُر لي بِحيرة يرفع يديه متساءل كأنه يقول بِصمت
لم أفعل شيئاً!

أخذنا نحنُ الثلاثة-أربعة مع بلايز، خطواتنا الى زاوية لنجلس على طاولة، انا بِجانب توك و ريزار على الجهة الثانية، يواجهني.
لم نجرؤ على خلع الرداء الذي كل واحد منا يرتديه فَنخاف مِن أن يسرقوهم الذينَ لا يُبعدونَ عيونه المُخيفة عنا.
هنا يأتي المجروم و السارقون، و مَن يحبون افتعال الشجار على لا شيء.

ماذا تريدون؟ فجأة ظهر صاحب النزل لِننتَفِض بِمطارحنا، لكنا تظاهرنا بالبرودة و طلبنا الجعة عشوائياً لكي يعود من حيث أتى.
لم يعُد يهمني التاجر لأنه إن أتى، سوف أقتله على اختياره المكان. همس ريزار بِنبرة مع انني قريب منه لكني بالكاد سمعتها حتى انه لم يحرك شفتيه جيداً كي لا يقرأوا الرجال الذينَ يراقبوننا ما نتكلم عنه.

الموسيقى لا تُساعد، بل أحسستُ بِالرجل الذي يعزف، يعزف بِبطء أكثر حتى أصبحت النغمة منخفضة.
كي يسمعنا.
كانَ يجب أن ترفضوا هذا المكان و اختيار واحد بأنفسكم. أخبرنا توك ينظُر من حولنا بِتمعن و حماية.
آوه هيا يا رفاق، انه ليس بِذلك السوء. باللحظة الذي انتهيتُ من قول الجملة وضع فجأة صاحب النزل كؤوس الجعة بِقوة على الطاولة بيننا لتنسكِب بعض الجعة و الرغوة من الكؤوس و تتسخ أطراف أكمام ملابسنا.

لا تُفكِروا بالمغادرة من دون الدفع. قال لنا و في عينيه السوداء التي تُحيطها ندبة تبدأ مِن عين و تنتهي بالأخرى، شيئاً ما جعلنا نومئ له بالتفهم ليَستدير و يذهب الى عمله.
لم أكُن أعلم انني أحبس نفسي طوال الوقت، لأخرجه مِن فمي بِبطء لا أصدر صوتً ألاحظ أنَ الباقي يفعلون المثل.
هذا ما ينقصنا.
مُحاطون بِوحوش على هيئة جنيات.

حركتُ عيناي على أكتفاي أبحث عن بلايز لأبدأ بالذُعر فأنا لم أجده و على ما يبد وانه لاحَظ ذلك ليُصدر صوتً من داخل جيب سترتي السوداء يُخرج يداً صغيرة منها.
لم أنتبه انه دخل الى هنا أصلاً، يبدو انني كنتُ متوتراً و مشغولاً بِمشاعري المبعثرة عن هذا المكان كِفاية لأنسى وجوده و ألحظ تحركاته الخفيفة.
انا هنا. قال بِنبرة مُرتجفة يختبئ في جيبي.

ربتُ على الجيب بِخفة أجِد أنَ هذا تصرف حكيم منه. لو كنتُ بِحجم لفعلتُ المثل.
اين هو على اية حال؟ تساءل ريزار يُمسك كأس جعته لكنه يتردد بِشربه ليُقرر انه لن يشربه يُبقي فقط يده عليه.
لننتظِر قليلاً و إذا لم يأتي، سنرحل و نتفق على يوم أخر. انا أجبته.
لكن يجدر بنا المغادرة غداً.
أعلم، في هذه الحالة، سَنُضطر بالبقاء ليوم أخر في أريزو.

اومئ هو يوافقني الرأي ليعم صمت بيننا كرهته أكثر من النزل نفسه لا زلتُ أشعر بِنظرات و أذان الرجال من حولنا مع انهم يلعبون أو يشربون حتى العازف يُراقبنا عن بُعد، يعلم اننا منتبهين.
سمعنا صوت فَتح باب النزل ثم انغلاقه و أقدام على الخشب المصدر للصرير، ثقيلة، كلما أخَذ الشخص خطوة، نحونا.
انه قادم نحونا.

توَسعت عين ريزار الغير مُغطاة على شيء--شخص ما خلفي، لندير انا و توك رؤوسنا نرى رجلاً طويل القامة، ضخم مثل باقي الرجال هنا لكنه يرتدي طبقات كثيرة من الملابس المُهترئة و المُمزقة مع ريش أسود مائل للأزرق على كَتِف و جزمته مُتسخة بالطين الجاف، على خصره سيف عريض يلمع لانعكاس نار الموقد عليها مع الكثير من الأغراض الغريبة حول خصره مِن جيوب و أدوات.

لم نرى وجهه لأنه مَخفي في بِغطاء ردائه.
هل انتَ تاجِر القُماش؟ سألني الرجل لأقف انا و توك على ساقينا.
نعم انا و انتَ تكون--
لم أكمل جملتي لأنه رفع الغطاء عن رأسه و حدق بنا.
انه رجل لو كانَ بشرياً لكنتُ سأقول أنَ عمره ما بين الخمسين و الستين لكنه جني مثلنا جميعاً لهذا يُمكن التخمين انه إما بِسِن السبعة مئة أو أكبر.

شعره بني قصير متسخ فيه خصلات رمادية مثل لحيته القصيرة، وجهه بِتجاعيد و ندبات. كنتُ سأقول انه مثل مَن يُرسلون نظرات مُخيفة و فضولية نحونا، لكن في عينيه البنية رِقة أو ليست مُشتعلة و جائعة لِلقتل و الدماء.
لنجلس. قال هو يذهب مِن حول الطاولة ثم جلس في مطرح ريزار بما انهما تبادلا المكان كي يُصبح التاجر مقابلي.

أقترب التاجر بِجسده على الطاولة و فتح فمه لكي يتفوه بِشيء لكن توَقف عن ذلك و نظَر من حولنا عينيه الأن تتحول مِن الرقيقة الى القاسية والمُشابهة لنظرات الرجال.
أكملوا تسليتكم بعيداً عنا. أخبرهم بِصرامة في صوته جعلهم يعودون حقاً الى ما كانوا يفعلونه و العازف بِنفسه بدأ برفع صوت عزفه.
و الأن، عاد لنا التاجر يضع ذراعيه أمامه على الطاولة
لنختصر الوقت و ندخُل في الموضوع على الفور.

اومأتُ انا بِفتهم أقترب مثله من الطاولة.
أخبرني بالتفاصيل عن ما حدث و كيف حدث.
قبل أن يُخبرنا أخَذ كأس ريزار من الجعة مِن دون أذنه ثم شربه كله بِرشفة واحدة القليل منه يَسيل من حول فمه و على ملابسه ليضع الكأس بعدها فارغاً يمسح فمه من الرغوة العالقة، بِيده من الخلف.

كنتُ عائداً من عمل مع بعض الأصدقاء في صباح ما و على الطريق سمعنا بعض التحركات بين الشُجيرات و عندما ذهبنا لكي نتحقق عثرنا على ذئاب و حيوانات مفترسة أكلة لِلحوم تحاول التغذية على الجثث.
توقف هو قليلاً يُلقي نظرة من حولنا يتأكد أنَ لا أحَد يُحاول سماع ما يقوله ليتابع بعدها.

كما تعلم بعضهم من الجنيات و الأخرين بشر غير معروف أشكالهم و هوياتهم. لكن كانَ هنالك قبل أن تختفي الأثار، دماء قادنا الى كهوف في الجبال كأنَ الذين فعلوا ذلك القتل الشنيع، أخذو المساكين الى الكهوف، قتلوهم و عذبوهم بعدها ألقوا بهم في الغابة بِطريقة مَدروسة و ليست عشوائية.
كهوف؟ و هل عثرتم على اية شيء فيها؟ انا سألته مُعقد الحواجب ليَهُز رأسه و يُجيب.

ليس تماماً. فقط موقِد حطب فيه رماد و قديم أيّ أنَ القتل حدث منذُ فترة لكن ليست طويلة و كان هنالك المزيد من الدماء في كل مكان و سلاسل مِن الفضة السحرية مُتصلة بِجدران الكهوف.
هذا يعني انهم لم يعذبوهم بِيوم واحد، بل أيام. أضاف ريزار يقرأ أفكاري ليومئ التاجر مرة واحدة يحدق بِأصابعه المُتشابكة بِبعضها.
سحقاً. قال ريزار يُمَرِر أصابعه في شعره.

هل عرفت لمَن تعود السلاسل، أعني هنالك أنواع منها و كل مملكة تصنع ما يُخصها و بِسحرها. انا سألت التاجر أجعله يرفع عينيه الناعسة عليّ.
لا، أحَد أصدقائي حداد و لم يعرف ابداً نوعها و اين تم تصنيعها حتى أخذناها و سألنا المزيد من الحدادين ولكن لم يعرفوا مصدرها ابداً حتى قالوا انهم لم يرو شيئاً مثله من قبل إلا حداد واحد قال شيئاً غريباً،.

توقف مجدداً لِلحظة يُضَيّق عينيه على بقعة ما على الأرض، على بقعة داكِنة بدت سوداء، دماء.
قال انه ليس متأكِداً لكنه رأى مرةً في حياته ما يُشابه نوع السلاسل و لكنه ليس مثلها. قال انه رأى شبيهتها من مملكة شادونايت في الحرب قبل آلف سنة في حكم غادان.
و كما لو أن أسم غادان لوحده لعنة، كدتُ أن أقسم أنَ نيران الموقد خفت و توقفت عن الحركة لِثانية.

هل مِن الممكن أنَ شادونايت تُفكِر بالتمرد مجدداً؟ تساءل ريزار.
هَزة التاجر رأسه لا يَدري ثم أجبتُ انا بدلاً عنه
انهم ليسوا بِوضعية تسمح لهم بالتمرد أو بدأ ثورة في و خارج مملكتهم. انهم ضعفاء بعد خسارتهم لجميع الحروب ضِد الممالك الأخرى و خاصةً انهم الأن بِلا ملك يحكمهم و لا جيش ليقودهم.

ماذا لو كان بعضاً منهم، يرسلون رسائل مُشفرة على تمرد يَصُبوه بِداخل الممالك الأخرى و ليست مملكتهم. قال ريزار مُتكتف الأذرُع بينما توك تحرك بِمقعده جنبي على ما يبدو انه يوافق كلام صديقي.
كان التاجر مَن رد عليه يحُك ذقنه هذه المرة ينظُر على كأس جعتي الممتلئ.

هذا محتمل لكن ضعيف. شعب شادونايت ليسوا حمقى لهذه الدرجة و هم يعرفون اننا سوف نَشُك بِهم أولاً و سنتهِمَهُم على الفور و اسوأ احتمال اننا قد نُصيبهم و نبدأ حرب عليهم.
أزحتُ انا كأس جعتي نحوى التاجر بعد أن نظَر له لِلمرة العاشرة، أدعوه لأخذه لتظهر بسمة جانبية على ذلك و يأخُذ الكأس يشربه هذه المرة ليس بِمرة واحدة لكنه أفرغ نصفه بِرشفة.

أحسستُ بِرأس بلايز يخرج من جيب سترتي ليراقب التاجر الذي مسح فمه و نظَر له مع ابتسامته تتوسع تُصبح ماكرة.
عاد بلايز الى الجيب و لم يُخرِج رأسه إلا بعد أن اقترحت انا
يجب علينا أن نسأل حدادين في باقي الممالك لعلهم يتعرفوا على نوع السلاسل، لأنَ لا شيء منطقي.
لا تُضَيّع وقتك يا سيد لأنه لن ينفع. سألتُ بِما فيه الكفاية في هذه المملكة و مملكة سنويان عندما كنتُ فيها قبل عِدة أيام و لا حداد عرف ما نوعها.

و مع ذلك لنحاول و على الأقل نحنُ نعرف انها سلاسل قد يكون ليَد شادونايت بِصُنعها إن لم تكن من عندهم كاملاً. أضاف ريزار يسند أكواعه فوق الطاولة.
هذا أكبر احتمال و قد يكون صحيحاً، نسبته عالية و سببه منطقي. شادونايت لم تعرف كيف تعيش من دون كره باقي الممالك و مُحاولة السيطرة على الأضعف منذُ آلاف السنين حتى مِن قبل حكم غادان الذي ماتَ على يد تاليا في أخِر حرب بينهم و بين أسليرا.

و الأن بعد أن أصبحوا من دون ملك، لم يعُد لديهم إلا ذلك الكره و الحقد لِلجميع و مع ذلك انهم يَقبلون الأن يد العون التي يمدوها الممالك ذات رحمة مثل لايتا ملك مملكة كاداي و الذي بِسبب رحمته و تعاطفه معهم أنقلب شعبه ضده.
اتساءل ماذا جرى لهم بعد مدة من تركنا لمملكته و ما الذي يحدث الأن؟ يجب عليّ أرسال رسالة لهم حتى اتأكد من أنَ كل شيء تحت سيطرة لايتا و نيفاري أخته.

هل لديكَ خبر عن تواجُد جثث جديدة في هذه المملكة أو ممالك ثانية؟ انا سألته أنتقل لِلموضوع الذي يقلقني أكثر من غيره.
الحمدلله، لا، لا خبر و رجالي الذين أرسلتهم لكي يبحثوا فَهم لم يقولوا العكس على الأقل للأن.

إذاً ما نعرفه، انهم ظهروا أولاً في أسليرا عند حدود الجدار الذي يفصل بيننا و بين عالم البشر، ظهور جثث أكثر على حدود أريزو و خاصةً في غابة أبيرو الممتدة حتى نهر الكريستال الذي يفصل بينها و بين مملكة شادونايت و سنويان و انه تم تعذيب أشخاص عشوائية و أبقائهم باستخدام سلاسل سحرية تمنعهم من التحكم في قوتهم أو استعمالها.
و انها سلاسل لم يتم صنعها في اية مملكة، على حسب علمنا. قال ريزار أهَم جزء لم أذكره.

ليومئ ثلاثتنا على ذلك و يعُم صمت بيننا فيه الحطب المشتعل في الموقد يُخرج طَقطَقة و لحن العازف تغير أصبح أكثر هدوءً كما أنَ الأحاديث ماتَت لِلحظة معنا.
أخذتُ نظرة من حولنا حذرة، على الرجال الذينَ يجلسون بعيداً عنا، بعضهم ما يزال يلعب بالورق و يشرب الجعة و أخرين فاقدين لِلوعي من كثرة شربهم و غيرهم يتناولون الدجاج كالمتوحشين بأياديهم كأنهم لم يرو طعاماً من قبل.

علي الأقل انهم لا يراقبوننا و يسمعوننا، أو هذا ما نظنه.
هل لديكَ قطعة و لو صغيرة مِن السلاسل؟ سألت التاجر ليومئ هو مرةً يشرب أخِر ما تبقى من الجعة قبل أن يُخرج سلسلة فضية تلمع و تبرق مِن جيب حزامه حول خصره، من قوة لمَعانها بدت زرقاء سماوية اللون ليَضعها فوق الطاولة بيننا مِن دون أن يُصدر صوتً.
لقد خمنت انكَ سوف تسأل عنها لهذا أحضرتُ هذه القطعة. الباقي لديّ مُخبئة.

أمسكتُ بِطرف السلسلة التي يكون طولها من طول كيف يدي لأهَسهِس من بين أسناني أدعها على الفور. لقد أحرقت جلدي و شعرتُ بِشيء ما أو كأنما حبل بِداخلي يتم سحبه مني بِبطء.
سحر أسود.
هذه السلسلة ذات هالة سحرية مَرئية تسحب القوة من الذي يمتلكها أو يلمسها و تبقى لفترة عليه، حتى يصبح ضعيفاً غير قادراً على إعادة قوته كلها على الفور.

أرتدي شيئاً قبل مسكها أو أحملها بِهذا، أعطاني التاجر قطعة قماش رديئة لكنها مُناسبة لكي أحمل بها السلسلة.
و بالفعل، حملتها من دون الشعور بِالذي حدث معي قبل ثواني من غرابة و ألم بِقواي. لها وزن ثقيل مع انها قطعة قصيرة، طبعاً لأنها من الفضة الخالِص و ليس الفولاذ أو اية نوع من الحديد.

تمعنتُ بها جيداً أجدها نظيفة ليس عليها قطرة دماء أو غبار كأنه تم تصنيعها الأن.
انها، رائعة. تَمتَمتُ أرمش عليها.
قال الحداد الذي شك بِمَن صنعها انه لم يرى شيئاً مثلها من قبل و حتى وصل لدرجة أعطائي الكثير من المال مُقابلها لكني رفضت و أخبرته انها ليست لِلبيع. أخبرني التاجر ساخِراً يذكُر الموقف بينه و بين الحداد.

لففتُ القماشة حول السلسلة جيداً الى أن اختفت فيها و لم يعُد لها أثر بعدها أعطيتها لِتوك كي يُخبئها في جيب حزامه حول خصره.
سوف نعرف مَن صنعها و مَن هُم و ماذا يردون. قلتُ له نستعِد لِلنهوض.
إن ما أرتم المزيد من المساعدة أرسلوا بِطلب و انا جاهز و بالنسبة لرجالي، سوف يظلون يبحثون و يراقبون عن كثب و إن حدث شيء ما انا بِنفسي سوف أرسل لكم ذلك.
شكراً لكَ على كل ما فعلته.

هَزة هو رأسه مرتين ثم أخبرني مُبتسماً
فعلتُ ما يجب عليّ و على اية شخص يريد حماية مملكته من الأذى و الخطر.
أخرجتُ انا كيس قماشي صغير حريري الملمس لونه قرمزي و مُغلق بِحبل ذهبي فيه قطع ذهبية (مال) بعدها وضعتها أمامه.
انه ليس كافياً لشُكرك لكنه قد يشتري لكَ ما تتمناه.
تبحلقت عينيه البنية عليها ثم نظر لي. اختفت ردة فعله على الفور ثم أزاحها نحوي رافض.

ليس هنالك داعي أيها الشاب، كما أخبرتك انا لم أساعدك من أجل مُقابل بل لكي أحمي--
و مع ذلك انا أصر على أخذها، هل تمتلك عائلة؟
نعم لدي، امرأة و طفلين.
ابتسمتُ أتخيلهم أطفالاً صغار يركضون حول والدهم و يضحكون. لأعيد وضع الكيس الثقيل عند يديه.
إذاً خذها و أشتري لهم ما يتمنونه و أعتني بهم.

تردد التاجر قليلاً لا يلمس الكيس و لا ينظر لي لكنه تنهد مُستسلماً أعلم أنَ عائلته نقطة ضعفه لهذا وافق، ثم أخذها يضعها في إحدى جيوب حزامه.
انا متأكد انهم سيكونون ممتنين لكَ. قال لي بِلُطف لأومئ له و لكن لم يظل كل شيء طبيعياً.
لأنَ فجأة فُتِحَ باب النزل على مصراعيه و بِقسوة حتى كُسِر الى قطع و العزف و صوت تقطيع اللحم و ما غيره، توقف.

نظرتُ انا على المدخل أنهض انا و مَن معي نرى رجلاً مثله مثل كل الرجال هنا يرتدي طبقات كثيرة من الملابس لكن لا غطاء يُخفي وجهه القاسي، شعره القصير و لحيته المَضفورة و عينيه الصفراء التي حطت علينا و فيها تعطش من نوع جعلني أمسك بِمقبض سيفي كما فعلوا الباقين حتى صاحِب النزل.
ما الذي تريده أيها الغريب؟ سأله صاحِب النزل بِغضب يتحرك من حول المنضدة ما يزال يُمسك بِمنشاره بِشدة.

بيد الرجل الغريب، سيفه الكبير و الحاد. رفعه نحونا بِبطء بعدها أشار به علينا قائلاً بِثخانة صوت عينيه الصفراء على أحدنا لكن لم أنظُر لأعرف مَن بالضبط
انتَ في عداد الموت.
عقدتُ حواجبي بِحيرة مِن كلامه و فتحتُ فمي لكي اسأله عن ماذا يتكلم ليُقاطعني تكسير نوافِذ النزل و صراخ رجال يدخلون عبرهم يحملون أسلحة مُختلفة الأشكال و جميعها لا تُبشِر بالخير.

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 42 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب