رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والعشرون
حُصِرنا.
جميع المداخل و المخارج يحرسُها رجلاً من هؤلاء الرجال الذين لا نعرفهم و لا نعرف سبب ظهورهم الفجائي و سبب تأشير ذلك الرجل الغريب و المُخيف بِسيفه علينا.
ينظُر الى خلفي، على أحدنا...
صاحب النزل صرخ عليهم كلاماً لم أسمعه لقوة صوت جريان دمائي في أذُناي و رأسي، يحمل ذلك المنشار الحاد بِقبضته.
لكني لاحظتُ العازف العجوز المُريب يُخرِج من مُقدمة العود سيفاً من المستحيل أن أعرف انه هناك و لو تفحصت العود بِتمعن بينما الرجال الذين كانوا يلعبون و يشربون الجعة، وقفوا على أرجلهم يخرجون أسلحتهم.
حتى الذين ظننتُ انهم مِن ثمالتهم، ناموا و لن يستيقظوا، نهضوا بِسرعة يحملون سيوف كانت مُخبئة أسفل طاولاتهم و لا يبدون انهم ثملون بتاتاً.
نعم، بكل تأكيد كانوا يستمعون لكل حرف خرج من أفواهنا.
سحبتُ انا و مَن معي أسلحتنا لكون الرجل عند المَخرج لا يزال يرمقنا بِعيونه الصفراء.
لطالما رافقني شعور بأنَ شيئاً ما سيحدث في هذا اللقاء. همس بلايز و هو في جيبي ينظُر على ما يجري مِن حولنا، أو سيجري قريباً.
انتَ أبقى معي. همستُ له بالمقابل.
تقدم الرجل ذو العيون الصفراء، خطوة نحونا، الأرض من أسفل قدميه تخرج صريراً.
لقد قررتُ تسميته بالأصفر لأنَ تلكَ العيون الكبيرة تبرق بِهذا اللون، و هي ليست جميلة على الأطلاق بل عكس ذلك تماماً.
سموك، أقترب مني توك يُحاول حمايتي لأبعده عن طريقي بِرقة أجعله يرمش عليّ.
هززتُ رأسي له أخبره أن يثق بي و يدعني أتول هذا الأمر.
ما الذي تريدونه؟ انا سألته لكن الأصفر لم يرد عليّ بل أخذ خطوة أخرى الينا و رجاله الذين يحيطون بنا فعلوا المثل.
أصبحوا أقرب كما أن صاحب النزل وقف في منتصف المكان و أمرهم بِقسوة بالمغادرة و طبعاً لم يُنصِت اليه أحد.
فتحتُ انا فمي مجدداً و إذ بِصوت اختناق ظهر من جانبي، كأنَ أحداً ما يختنق بِالماء، غرغرة تخرُج من حلقه. حركتُ رأسي على يميني لأرى صاحب النُزُل يضع يديه على رقبته فمه مفتوح للأخِر و منه يخرج دماء بِكثرة.
أنزلتُ عيناي للأسفل قليلاً على رقبته أجِد سيفاً مغروز في حلقه و خلفه أحَد رجال الأصفر، حامِل السيف الذي قتل الرجل الى أن وقع على ركبتيه لا يزال يختنق ثم على وجهه.
لا مزيد من صوت الاختناق. لأنه مات.
بدأ كل شيء من دون أن أرمش بعد. بِلحظة كُنا نجلس و نتكلم مع التاجر و باللحظة الأخرى أصبح كل شيء دماراً، جنوناً.
صُراخ بدأ، و رجال تركض في الأرجاء حتى سيوف تتضارب مع بعضها، حديد ضِد حديد لكن ذلك الأصفر، الينا ركض، بِسيفه الضخم المرفوع الذي بِلحظة رأيتُ انعكاس وجهي عليه.
تصرفتُ انا بِسرعة، ألحق نفسي قبل فوات الأوان. رفعتُ سيفي أصُد ضربته القوية، جعلتني أحني ركبتاي إثر ضغطه فَهو أكبر مني حجماً بِضعفين لكنه لن يكون أقوى.
بعد أن تضاربت سيوفنا بِبعضها، دفعته بكل ما أملك مِن قُدرة على فعل ذلك ليرجع هو خطوات الى الوراء عينيه تتوسع لكن دهشته اختفت على الفور لتتبدل بِبسمة جانبية قبيحة كَوجهه.
عاد اليّ الأصفر يُلَوِح بِسيفه على وجهه لكني استدرت بِدائرة كاملة حتى تفاديتُ الضربة ليُصيب هو الطاولة التي كنا نجلس عليها و تنقسم الى نصفين، انا أصبحتُ خلفه.
ركلته بِقدمي على ظهره أجعله يقع على وجهه أولاً قبل أن أكمل، أخذتُ نظرة على توك و ريزار أراهما يقاتلان باقي الرجال و العرق يغطيهم أما التاجر فَهو ضِد أثنان أخرين و الى جانبه الرجال الذين كانوا معنا يشربون و يستمتعون بالتجسس علينا و الأن يغطيهم دماء ليس لهم و بيديهم سيوف الحادة.
علي الأقل هنالك مَن يساعدهم يبدو انهم لا يحتاجون اليّ الأن فَهذا الذي أواجهُه، يساوي عشرة منهم.
نهض الأصفر قبل أن ألاحظ لأتلقى لكمة على فَكي تجعل أسناني تلتقي بِوجنتي من الداخل حتى بدأتُ أنزف و رنين عالي ظهر في أذني.
كدتُ أن أقع على جانبي لولا انني لم أسند نفسي بِوزني. رجعتُ على ساقاي جيداً أصُد ضربة أخرى كادت أن تُصيبني في بطني. حركتُ سيفي مع سيفه أجعله يرفعه الى الأعلى بعدها صرختُ بأعلى صوتي أخذ خطوات بأتجاهه أجعله يعود الى الخلف و سيوفنا لا تترك بعضها.
خلفه أحَد ما أوقع كراسي خشبية في موقد النار الكبير لتتوهج بِشدة و تغادر الموقد الى أرض النُزُل، تشعله بِبطء لكونه من الخشب.
هذا سيء، سيء لِلغاية.
أعدتُ عيناي على منافسي لأبعِد سيفي عن سيفه و أنحني الى الأسفل أستدير من حول نفسي مادِد ساقي لترتطم بِساقيه أوقعه على ظهره لكن مع الأسف سيفه لم يُفلِت من يده.
أردتُ أن أنهيه الأن و في هذه اللحظة ليوقفني سيف رجال من رجاله بِوجه ضربتي الأخيرة.
رفعتُ رأسي الى الأعلى أرى الرجل يبتسم و في عينيه شرارة حمراء.
رصّيتُ على أسناني أشعر بِنبضات قلبي في أذرُعي و قدماي لأرفع ساقي اليُمنى و أركله على معدته لكن أخَر أتى يحمي على ما يبدو زعميهم الذي يحاول أن ينهض على ساقيه يهرب من النيران على وشك لمسه.
انها تأكل النُزُل بِسرعة هذه المرة، يجب علينا الخروج قبل أن نختنق بِدخانها أو نموت فيها، حرقاً.
أنخفضتُ مسرعاً أتفادى ضربة سيف ليَمُر من فوق رأسي ثم أخذتُ أركض الى الرجل أذرُعي مُنفردة لأمسك به من خصره و أدفعه بِكل جسدي الى أن أرتطم بِرجل و رجل أخَر و رجل رابع أوقعهم جميعهم على أطراف طاولات خشبية مُنقسمة لِقطع حادة قد دخلت في أجسادهم و قتلتهم.
حدقتُ بهم لِلحظة قصيرة، أرى الدماء يسيل من أفواههم المنفتحة كَعيونهم الخالية من الحياة و قطع خشب ضخمة في بطونهم.
سمعتُ صراخاً من خلفي أعلم لمَن يعود هذا الصوت لألتَفِت بأخر ثانية أرفع سيفي، أصُد ضربة قاسية جعلتني أرجع بضعة خطوات حتى شعرتُ أنني أقف في بركة ماء، لكنها ليست بركة ماء، بل دماء أرى فيه أنعكاس وجهي.
انت في عداد الموت. قال لي الأصفر يتنفس بِشدة صدره يرتفع و يهبط.
مَن تكون و ماذا تريدون منا؟ انا سألته معقد حواجبي و أقف مستعد لِهجومه، سيفي جزء مني لا يمكن أفلاته من يدي، أمسكه بِقوة حتى تحوَلت مفاصلي للون الأبيض.
لم يجبني طبعاً بل فضّل الهجوم عليّ يُلقي بِسيفه على وجهي لأذهب على الجهة اليُمنى متدحرجاً أتفاداه و أنهض أغرز سيفي بِظهر رجل كان سيُصيب ريزار.
تقابلت عيناي بِعين صديقي ليومئ لي بِشُكر و يكمل على رجل أخر بينما انا أعدتُ تركيزي على الأصفر...
اين هو؟
لقد كانَ يقف أمامي قبل لحظات قليلة.
حركتُ عيناي في الأرجاء لكني لم أعثر عليه و على أغلبية رجاله لكن انتبهتُ على النيران.
نيران مشتعلة قد أكلت نصف النُزُل و لكون النوافذ مكسرة فالهواء عُنصر قاتل يُطعِم هذه النيران لتصبح أكبر و متوحشة أكثر.
هنالك مَن يحترق مِن الموجودين هنا، لستُ أعلم إن كانوا من رجال ذلك الأصفر أو من رجال النُزُل المساكين و مع ذلك الحمدلله أنَ لا أحد منا قد تأذى، بعد.
يجب علينا المغادرة حالاً.
ريزار! توك! توك لوَح بِسيفه على رأس رجال ما قصير لكن العضلات تملئه لينقطع رأسه ذاك و ينظُر توك لي أما ريزار ظهر أمامي يُحرك عينيه عليّ من الأعلى للأسفل يتأكد انني بِخير.
ما الخطب؟ صديقي سأل بِنفس الثانية التي انتبهتُ على شيء ما.
التاجر، اين التاجر؟
لنغادر المكان قبل أن يحرقنا معه. أخبرتهما ليومئوا بِتفهم و يتجهوا نحوى...
اللعنة! المخرج يحترق و هذه المرة، لا رجل بقية على قيد الحياة، نحنُ الوحيدون هنا بين النيران كما أنَ جميع المخارج و المداخل تملئها النيران، تمنعنا من الهروب.
هل ترى التاجر في أية مطرح؟ تسأل ريزار يلتَفِت حول نفسه يبحث عنه.
لكنه ليس هنا و على ما يبدو انه إما لحق نفسه و هرب أو اسوأ، علق مع الأصفر و رجاله.
كيف لنا أن نخرج؟ سأل توك يمشي الى نافذة يُحاول رؤية إن ما بأمكاننا استخدامها لِلهروب لكن لا فائدة، النيران أقوى منا.
ألا يمكنك تَخطيها انتَ؟ سألني ريزار يلتَفِت اليّ.
صحيح أنَ لدي قوة النار، لكن نيران غيري سَتحقرني. أندفعتُ قائلاً.
تنهد ريزار بِنفاذ صبر يُمَرِر يده الدمائية بِدماء غيره بين خصلات شعره يجعله يتسخ باللون الأحمر مع الرماد الذي يُحيطنا كلما أحترق الخشب.
و هذا النُزُل كله من الخشب.
من هنا! صاحَ فجأة صوت مألوف صغير أعرفه جيداً من ورائنا لنستدير اليه و نجد لدهشتي بلايز يطير فوق المنضدة التي كان يقف خلفها صاحب النُزُل و يُقَطِع اللحم و تماماً خلف المنضدة، يوجد باب لم أراه من قبل.
علي ما يبدو انه باب مستودع.
ركضنا جميعنا الى خلف المنضدة نفتح الباب على مصراعيه لنجد غرفة، أو كما قلت من قبل، مستودع لِلطعام و اللحوم.
ابتسمتُ انا لبلايز على مساعدته مع انني لا أعلم كيف خرج من جيبتي و ذهب من دون أن أشعر به لكن هذا لا يهُم الأن ما يهم أنه يوجد باب أخر خلفي، و ربما المَخرج الوحيد من هذا النُزُل.
أراد توك فتحه لكن الباب فُتِحَ من تلقاء نفسه بِنسمة هواء.
هذا المخرج الذي استخدموه الرجال و ربما التاجر. أخبرنا توك يفتحه كله مِن أجلنا، خرج هو أولاً بعدها أشار لنا بأتباعه.
ركضتُ انا لا أدَع ثانية تجري من دون حسبانها و مِن حُسن حظنا رأيتُ التاجر يركض في غابة صغيرة و خلفه بالضبط، الأصفر و بعضاً من رجاله.
لماذا يلحقون به هو؟
هززتُ رأسي أبعِد ذلك القلق عني لأخبر ريزار بِمُناداة حراسنا الذين لا يعلمون اين نحنُ بعد بينما قلتُ لتوك باللحاق بي ليومئ هو بلا أعتراض و نركض الى الغابة خلفهم.
ركضتُ و ركضت و ركضت بأسرع ما يمكنني سيفي ما يزال في يدي و ردائي يتطاير من ورائي و أنفاسي مُرتفعة و هائجة. رأيتُ أمامنا تماماً الأصفر و رجاله يركضون الأن ليسوا بعيدين عنا، بضعة أمتار تفرقنا.
لاحظتُ اننا أصبحنا قربين من نهاية الغابة التي تصل الى منطقة فيها منازل مرتفعة على أشجار و على جبال صغيرة مضاءة بِفوانيس جميلة و منها منازل على أطراف جزء من النهر الذي يجري في أرجاء مدينة فوريا.
لا! لن أدعهم يصلوا الى المنازل.
ركضتُ انا أسرع و أسرع لأخبر توك أشير على يميني
انتَ أذهب الى ذلك الأتجاه و انا مِن ذاك و أقضي عليهم جميعاً لكن أترك أحدهم على قيد الحياة.
كما تريد سموك!
و بذلك تفرقتُ عن توك لأركض خلف الأصفر بالذات فَهو رأس الأفعى.
طبعاً لن يكون كل شيء سهل ليظهروا بضعاً من رجاله أمامي يُعَرقِلون طريقي. وقفتُ قليلاً أنظر لهم ثلاثتهم لأشير لهم كي يتهجموا. شاركوا بعض النظرات بين بعضهم قبل أن يتهجموا عليّ.
أبعدتُ قدم عن الأخرى أغرزهم في التراب أراقب أوسطهم يرفع سيفه يُغطيه الدماء القرمزي لأنحني أبتعد عن الطريق و أصيبه في ظهره لأنتقل الى الثاني أغرز سيفي في صدره.
سحبتُ السيف ثم تشقلبتُ الى الخلف في الهواء أتفادى ضربة الأخير ليُصيب الأرض و عندما هبطتُ على ساقاي أمام سيفه رفع هو رأسه نحوي و الخوف الأن يملئ عينيه السوداء كَسواد السماء فوقنا.
لأميل رأسي عليه و ابتسم بِمُكر و قبل أن يفتح فمه لكي يترجاني الرحمة، ضربتُ طرف سيفه حتى أرتفع مِن يده في الهواء و بيدي أمسكتُ طرفه لينخدش كَف يدي دمائي تسيل لمِعصمي هذا سوف يشفى لوحده بِفضل قدرتنا، ثم وجّهتُه على رقبته.
ليصيب الهدف.
لم أنتظر لكي أسمع اختناقه كما كانَ صاحب النُزُل يختنق بِنفس السيف لأركض من جانبه نحوى الأصفر الذي أمسك بِالتاجر على الأرض و هو فوقه يحاول وضع سيفه الضخم في وجه التاجر لكن التاجر بِيديه العارية مُمسِكاً بالسيف فوق وجهه و دمائه نهر جاري يسقط على وجهه للأرض من حوله.
تباً! لقد تأخرت.
خرج بلايز من جيبي يطير أسرع مني لونه برتقالي يشع كأنه نجمة بعدها وقف بعيداً عني رفع ذراعيه الصغيرة في الهواء فوقه ثم أستدعى نسمة هواء قوية لِلغاية نحوى الأصفر تجعله يطير عن التاجر ليقع على جنبه و سيفه من يده.
حاول التاجر النهوض لكنه لم يقدر و عندما وصلتُ اليه لاحظت أن قدمه مُلتوية في أتجاه غير طبيعي.
انها مكسورة بِشكل بشع جداً. لن يقدر على تحريكها أو الوقوف لوحده و الركض.
مشيتُ نحوه معقد الحواجب و لأن تركيزي كانَ على التاجر لم أرى لكمة الأصفر التي قابلت فكي بِنفس المكان لأسمع صوت أنكسار في رأسي و أقع على الأرض.
سمعتُ صراخ بلايز من مكانٍ ما لكني لم أعلم اين بالضبط عدا أن رأسي يدور، المنازل التي من أمامنا على طرف النهر تدور حتى القمر الذي ظهر من بين الغيوم، أصبح له توأم.
تمنيتُ لو بأمكان بلايز استدعاء قوة الشفاء الأسرع من قدرتي الطبيعية كَأية جني لكي يَشفيني من هذا الألم في فمي و رأسي لكن مخلوقات البيلادو لا يمكنها استخدام قوات مُتعددة غير واحدة مختلفة بين كل فترة فقط.
لدي قوات ايضاً و بأمكاني استعمالها ضِد ذلك السافل لكني لا أقدر و انا في ألم فظيع.
ذلك الحقير و قبضته الحديدية.
حاولتُ النهوض مجدداً هذه المرة أغلق عيناي و أفتحهم عدة مرات لكي يذهب الضباب عنهم لكن الأصفر أمسكني من ياقتي و رفعني عن الأرض يجعلني أواجهُه وجهاً لوجه عدا انه أطول قامة مني و أضخم و تلكَ العينين القبيحة ليس فيها ذرة رحمة.
انتَ الأمير. ليس سؤالاً بل تصريح دقيق، لكن، لكن كيف عرف انني الأمير؟
فتح فمه لكي على ما يبدو يبصُق في وجهي لكن استدعيتُ نيراني التي تغلي في عروقي و أصبته بِكُرة حارقة في معدته ليُفلتني من قبضته هو يقع على الأرض و انا على مؤخرتي.
نظرتُ لسيفي القريب مني ثم زحفتُ اليه. امسكتُ به و نهضت مرة أخرى على ساقين هلامية.
قتله بِقواي لن يكون معذباً كِفاية له. انه يستحق موتً أفضل من هذا، قواي قد تقتله بِسهولة و مرة واحدة فقط بينما السيف، سيف سوف يجعله يموت أكثر مِن مرة، سوف اتأكد من ذلك.
لكن، يجب عليّ معرفة بضعة أمور منه قبل أن يوَدع الحياة.
مَن انت؟ و لماذا تلحقون بنا؟
تأوه هو يضع يده فوق مكان الإصابة التي أحرقت ملابسه و جلده، أسفل يده جلد أسود رائحته من الحرق و الدماء تملئ مجرى تنفسي لينكمش وجهي بِتقزُز أخُذ خطوات بطيئة نحوه أجُر سيفي على الأرض.
أخرَج أنيناً و هو يحاول الوقوف على تلكَ الساقين العضلية الكبيرة و هو يرمقني بِنظرات توعدني بالموت.
هذا لن يحدث.
مَن. انتم. انا سألت! صحتُ عليه صبري بدأ ينفذ.
لم يجبني، بل أظهر أسنانه ليست البيضاء و لا الصفراء و إنما ذهبية، كلها ذهبية.
انه ينتظرك، لطالما أنتظرك. كان كل الذي قاله بِصوته الثخين و تلكَ الجُملتين، لا أعلم لماذا لكنها أقشعرت من بدني كله.
ما الذي يعنيه بِكلامه؟
من هو الذي انتظرني و لطالما انتظرني؟
عن من يتحدث؟
رفعتُ انا سيفي عن الأرض لكي أقتله لكنه ركض نحوي بِسرعة كبيرة لأستعد انا لِلهجوم لكنه لم يتهجم عليّ، بل تخطاني و ركض الى ورائي.
استدرتُ انا لأراه يحمل سيفه من جانب التاجر و بلمح البصر حتى قبل أن أفتح فمي لكي أحَذِر التاجر غرز الأصفر السيف في صدر التاجر و قتله.
لااااااااا صحتُ بأعلى صوتي أنسى مَن انا و مَن معي و اين انا لأخرج النيران مِن يداي أشعُر بِحرارتها الطفيفة ثم مددتُ يداي أمامي و ألقيتُ بها عليه.
كلها عليه. الى أن سمعتُ صرخاته كالموسيقى في أذاني، عذبة و جميلة، أكملتُ خطواتي اليه و نيراني لا تزال تُغادر يداي تقابله هو في كل مكان ليُصبح شعلة مُتحركة، تجري في الأرجاء و قبل أن يقع في النهر استعملتُ قدرتي في تحريك الأشياء لأحرك لوح خشبي من على شُرفة إحدى المنازل و أضعها أمامه.
أمنعه من السقوط في الماء.
أرتطم باللوح ثم وقع على الأرض لأمر النيران بالاختفاء من عليه حتى ظل حياً لكنه محروق، كل قطعة فيه محروقة لا وجود لأية جزء من جلده إلا و هو أسود كَقلبي الأن لا يرى شيئاً، أعمى.
أخذتُ سيفي بيدي ثم ركضت له و وضعته في رأسه، أسمع صوت جمجمته تتكسَر إثر الضربة لأراه يتوقف عن التنفس و التحرك.
بقيتُ أحدق به لفترة طويلة، أنفاسي سباقاً مع الوقت، تركتُ السيف مَغروز في رأسه ثم كدتُ أن التَفِت و أذهب الى جسد التاجر لألاحظ قطعة مِن لباسه لم تحترق أو لم تقدر نيراني على أحراقها كاملاً لكونها من الحديد و لأني لم أستعمل النيران على حقيقتها.
لا أريد تدمير المكان.
قرفصتُ للأرض و قطعتُ الشارة، انها دائرية الشكل، حديدية كما توقعت و فيها منحوت غرابين أسودين يطيران معاً بِأجنحة مفرودة و أسفله أغصان شجر في فصل الخريف، خالية من الأوراق.
و حول الغرابين خطوط فضية اللون مُلتوية بِبعضها و التي في الأسفل مُلتوية على شكل غراب ثالث.
رمشتُ على الشارة التي تم خياطتها على ملابسه و خصيصاً قميصه عند منطقة، جانب الكتف و الذراع.
ما الخطب؟ انتفضتُ على صوت ريزار و بضعة أقدام تركض باتجاهنا لأنهض و أواجِه صديقي مع توك حارسي و الحراس الأخرين.
وضعتُ الشارة التي مزقتها من ملابس الأصفر في جيب بنطالي ثم توجهتُ من دون الإجابة على سؤاله الى التاجر لأجثوا على ركبتاي عنده أسحب السيف من صدره و أضعه بِجانبي.
تفحصتُ التاجر أعَض على شفتي السُفلية بِحزن كبير قد نما في صدري و اسئلة أكبر في عقلي. فَلماذا كانوا يلحقون به هو و ليس نحن؟
كان هو الهدف منذُ البداية لأنَ بدا لأصفر يلحق به هو لكي يقتله و ليس انا أو من مَعي. فَما القصة؟ و لماذا؟
هل لأنه كانَ يحمل أخبار عن الجُثَث و هُم جزء مِن الذين قتلوا الأبرياء و ألقوا بِجثثهم في الغابات؟
أم هنالك قصة مختلفة لا ندري بها إلا التاجر بِما انه لم يخبرنا بِشيء أو على انه مُراقب أو يشُك بِوجود خطر ما بعدما أكتشف أمر الجثث؟
هنالك الكثير و الكثير من الاسئلة التي تطفوا بِلا أجوبة منطقية و موضحة. و مع كل هذا هنالك أمر أخر جعلني أكَوِر يداي بِشدة الى أن غرزوا أظافري في جلدي.
فالكين؟ ناداني ريزار بِرقة يضع يده فوق كتفي يجعلني أعود الى الواقع من عالم أفكاري و تساؤلي. أغلقتُ عيناي ثم أخرجتُ زفيراً طويلاً من فمي بعدها وقفت بِجانب صديقي القلق من دون أن أنظُر له أو لأية منهم.
فقط أحدق بِجثة التاجر الذي أخُذِ من عائلته، عائلة صغيرة يحبها جداً و كانَ مستعداً لقبول نقود ظنَ انها ليست من حقه من أجلهم.
أطفال. لقد أخبرني أنَ لديه طفلين صغيرين و زوجة ينتظرونه.
أحسستُ بِحرق في عيناي لأدير رأسي عنه و أمُر الحراس بأخذ الجثة و دفنها في مكانٍ محترم هنا و عندما سألتهم عن إذا ما كانَ هنالك رجل من تلكَ الرجال على قيد الحياة لِلتحقيق، حدقوا بي رفاقي بينما الحراس هزوا من رؤوسهم.
لقد ظل واحدٌ منهم على قيد الحياة و عندما أردنا الأمساك به، هرب منا ولم نقدر على اللحاق به. قال توك بِعار ينظُر للأرض.
لم أتفوه بِحرف و لم أعاتبهم على أهمالهم فقط ذهبتُ الى قلب الغابة و الى أجساد الرجال فاقدين أرواحهم كما يجب، لأبحث عن شيء قد ألقى بي في حيرة عظيمة و فضول أعظم.
شيء يُماثل ما في جيبي، ثقيل و مُدَوَر كَثُقل مسؤولية موت هذا التاجر الذي ليس له ذنب و الذي كانَ يريد مساعدتنا لأجل مملكته و حماية مَن هُم أبرياء فيها و في هذا العالم كله.
قرفصتُ عند أول جثة رجل أبحث عن نفس الشارة و لمفاجأتي وجدتُ نفسها تم خياطتها بنفس الطريقة و في نفس المكان على ملابسه.
عند الكتف و الذراع في الأعلى.
أنتقلتُ الى رجل أخَر مُلقى على وجهه لأتفحصه ايضاً و أجد نفس الشارة.
جميعهم، جميعهم يمتلكونها على ملابسهم كأنهم جزء من مجموعة ما و عندما بحثتُ في ذاكرتي عن إذا ما رأيتُ هذه الشارة في مكانٍ ما.
وجدتُ فراغ.
لا أذكُر إن ما رأيتها.
سألتُ الحراس، توك و ريزار حتى بلايز لكنهم هزوا بِرؤوسهم ينفون معرفتها و رؤيتها على اية شخص أو في مكانٍ ما في هذه المملكة و غيرها.
علي الأقل أمسكنا الأن مِن طرف خيط، لستُ أدري الى اين يقود لكنه شيئاً لا يمكن تجاهله و تلكَ الرجال قتلوا أول مَن عرف بأمر الجثث هذا يعني أنَ لهم علاقة بالموضوع و لهذه المجموعة التي يكونون جزءً منها كذلك.
مَن هم؟
ماذا يكونون و ما الذي يريدونه من تلكَ الجثث و ما هي رسالتهم؟ انا لستُ أدري بعد.
لكن ذلك الرجل الأخير منهم، الذي هرب و ربما حالياً يعود الى مطرح ما أتى منه.
قد يكون مَصدراً لإيصال ما حصل اليوم و قد يكون الأن أسمي و أسم مَن معي على قائمتهم و ربما لا، من يدري.
طرف الخيط، هذه المجموعة المجهولة، هذا ما يهم الأن.
حركتُ الشارة بين أصابعي اليُمنى و انا أمشي و معي بلايز فقط في ردهة القصر في وقت متأخر جداً من الليل.
عضلات جسدي في كل مكان تؤلم و عظامي تصرخ عليّ لكي أرتاح قليلاً من التحرك و رأسي مُشوش بِمليون ألف أمر في أنٍ واحد.
خدوش تملئ جسدي في أماكِن مثل وجهي تُشفى بِبطء أخمن أنَ أسلحت تلكَ الرجال كان فيها سحر أو سُم من نوع يمنعها من الشفاء بسرعة.
و أعلم أنَ لو كانَ هنالك خدم في الردهة و رأوني في هذه الحالة لتحولت ألوانهم الى الشاحبة. انا مُدرك انني لستُ، أو لا أبدو كما يجب.
كما أنَ هنالك جرح يحرقني في ظهري و يؤلم أكثر كلما حركتُ كتفاي.
ملابسي منها مُمزق و ملوث جداً بالدماء الجاف، مني و من غيري. شعري مبعثر و متسخ ايضاً و تعابير وجهي لا توحي بالخير.
تحدثتُ مع ريزار لبعض الوقت عن الشارة و ما حدث أثناء عودتنا الى القصر في العربة و خصيصاً ما أخبرني به الأصفر.
انه ينتظرك، لطالما أنتظرك.
الجملة علقت في دماغي و لم تتوقف عن التكرار فيه و ريزار ظل محتاراً لا يفهم تماماً ما لا أفهمه.
الشخص، مَن ينتظرني، من يكون؟
هذا السؤال الأكبر. لكن لا جواب.
لا شيء، على الأقل للأن.
طبعاً كلانا لم نعثر على ما أشياء منطقية، أو بعضها منطقياً لكن غير كافي. لو كانت تلكَ الرجال من الشادونايتس لعرفنا على الفور و لكنهم ليسوا منهم.
أولاً الشادونايتس يُعَرفون بِلون جلدهم الرمادي (ليسوا جميعهم لكن الأغلبية) و عيونهم المُضيئة (ذلك الأصفر كانت عينيه مُضيئة لكنه ليس رمادي البشرة بل كان أسمر ربما يكون من الشادونايت لكنه أحتمال ضعيف) و أنهم يحبون استعمال قواهم مِن الظلام أكثر من الأسلحة و السيوف الضخمة.
غير ذلك، انهم لا يظهروا أنفسهم لِلعَلن هكذا و لا يأتوا بِمجموعات كبيرة معاً أما تلكَ الرجال فعلوا كل ما هو العكس لهذا وجدتُ نفسي ضائعاً لا أفهم من هم بالضبط.
و هذه الشارة التي في يدي تخبرني أنَ هنالك المزيد. أمور أخرى نحنُ لم نراها أو نكتشفها بعد.
علي الأقل نعلم انهم كانوا يسعون خلف التاجر لكونه يمتلك معلومات كبيرة عن الجثث و شيء أخر...
وضعتُ يدي على صدري الأيسر فوق الرداء الذي أرتديه و على ما يبدو انني سأحرقه لاحقاً لكونه مليء بالخدوش و الحفر و محروق من على أطرافه.
في جيب الرداء الداخلي، ثقل السلاسل الفضية التي تم العثور عليها في الكهف و استخدامها لتعذيب الأبرياء الذين لا نعلم مَن يكونون و لماذا تم قتلهم أصلاً.
بالنسبة لِلُنُزل الذي أحترق اضطُررنا أن نتركه على حاله الى أن أتوا مجموعة قُرويين و حراس المدينة لأطفاء الحريق الذي لم يُبقي شيئاً من النُزُل حتى المطر الذي هطل ساعد أكثر بأخمادها.
آوه، نسيتُ أن أذكُر انني مبلل بالمطر كذلك كَحال مَن كانوا معي و شعري يُغطي جبيني و يلامس رموشي.
بلايز من الجهة الأخرى لم يلفظ بِحرف و ظل ساكِناً طوال الطريق، يرمق الشارة التي بيدي بين حين و أخر. ظننتُ انه تذكرها و لعله رأها في مكانٍ ما و عندما سألته قال انه لم يرى مثلها مِن قبل لكنه يكره النظر لها.
سألته لماذا لكنه لم يجبني و بقية صامت لأنسى الموضوع و أتركه.
غرابين أو ثلاثة إن كُنا سنحسب الفضي في زاوية القطعة الحديدية...
ما الذي تعنيه؟
أكيد لها معنى و انا سوف اسأل بِطُرق غير مباشرة غداً صباحاً قبل مغادرتنا المملكة.
لا أعلم كيف سأفعل ذلك لكني سوف أحاول.
لقد ظهور في أريزو لهذا قد يكونوا من أريزو، أو دُخلاء.
وضعتُ يدي على مقبض باب غرفتي، بارد أسفل لمستي أتردد قليلاً قبل فتحه و الدخول الى الغرفة العتمة ليس فيها ما ينير عدا شمعة سمينة بيضاء فوق منضدة سريري.
حلق بلايز بعيداً عن كتفي لكنه تجمد في منتصف الطريق يحدق بِشيء ما على الجهة اليُمنى. أزحتُ مُقلتاي على النوافذ ليتجمد دمائي في عروق و يقفز قلبي نبضة.
كانيلا تقف عند النوافذ و تشاهد المطر من خلالها كَعادتها بِشعر كالأمواج منسدل على ظهرها يصل لمنتصف ظهرها ترتدي فستاناً أبيض يغطي كل مكان مِن جسدها عدا القليل من رقبتها، له ستائر تنزل من ذراعيها لتلامس الأرض و حول خصرها قماشة مُلتفة حوله أكثر بياضة من الفستان نفسه.
انها أزيائها التي تُفضلها على ما أعتقد، قريبة من الأزياء بلدان أسيوية في عالم البشر، طبعاً كانيلا ليست أسيوية لكني سمعتها مرةً تخبر سيري انها تُحِب هذه الموضة و تشعر انها تليق بها جداً.
و انا أوافقها الكلام.
ألتفتَت كانيلا نحوي بعد أن همست لها إكسانا في أذُنها على تواجدي، أصابعها النحيلة مُشابكة بِبعضها عند بطنها و وجهها هادئ لكن باللحظة التي حطتهم عليّ.
توَسعت بِسرعة، تشيحَهُم على كل منطقة من جسدي ترى حالتي المزرية.
حسناً هنالك سؤال مهم...
كيف دخلت غرفتي إذا كانت مقفلة؟
فتحتُ فمي لكي اسألها ذلك و إذ بِها تُسرع اليّ مَصعوقة و قلقة لتقف أمامي تماماً لا تزال تتفحصني من الأعلى للأسفل.
يا للهول سموك ما الذي حدث؟ سألتني مَذعورة تمسك فكي الغير مُتَورِم من الضربات التي تلقيتها من ذلك الأصفر لتتفحص المنطقة المتورمة.
أبعدتُ يدها عن وجهي بِلطف ثم تنهدت أغلق عيوني.
ما الذي تفعلينه هنا؟
لم تجبني على الفور بل أخذت فترة صمت الى أن فتحتُ عيناي و نظرتُ لها بِعيون ناعسة، ليس لدي الطاقة لتحريك حتى تعابير وجهي و تغيرها حتى انا بالكاد واقف أمامها.
أتيتُ لأنني، لأنني أحسستُ بِشعور غريب على أنَ هنالك، أمر ما سيء قد جرى لهذا أتيتُ اليك لكنك لم تكُن موجوداً في الغرفة و انا لم أرغب بأيقاظ الخدم أو اية شخص لهذا انتظرت هنا.
و كيف دخلتم الى غرفته؟ تسأل بلايز يجلس على منضدة السرير لترمقه إكسانا التي تقف على كتف سيدتها، بِنظرة متعجبة كأنها لم تراه هنا معنا.
ابتعدت عن كانيلا ثم حلقت نحوه تتفحصه هي ايضاً و تسأله اسئلة أعلم أنَ كانيلا تملكها و انا منبهر أن كانيلا لم تتفوه بإحداها بعد.
أمممم هنالك، ممرات سرية في جدران القصر توصل لجميع المداخل و الغُرَف فيه. أشارت كانيلا الى جدار على الجهة اليُسرى من سريري مكان تواجُد لوحة عملاقة فيها مرسوم شجرة ضخمة و من حولها ليس شمس واحدة بل أربعة، اثنتان على كِلتا الجهتين.
آوه هكذا إذاً.
ذهبتُ انا الى السرير أشعر بِدوار طفيف و جلست على طرفه لتلحق بي كانيلا و تجلس بِجانبي تُمسك طرف فَكي مجدداً تُهَسهِس من بين أسنانها بِخفة على منظري الغير وسيم.
مع انني أرغب بِألقاء ألف سؤال عليك لكن يُمكن تأجليهم، أما الأن أخبرني اين بأمكاني العثور على أغراض لكي أضمد جراحك قبل أن تلتهِب. قالت هي تترك فَكي مُعقدة الحواجب لأحدق بها لِلحظة طويلة أنتبه على ملامحها الجميلة و كم انها تبدو قلقة.
ليست خائفة بل قلقة و غير ذلك، هل قالت قبل قليل انها شعرت بأنَ هنالك شعور غريب جعلها تأتي؟
الى انا؟
اومأتُ انا أنسى هذا ثم بعدها أشرتُ على الحمام أخبرها أنَ الأغراض في الداخل لتنهض و تُحضر الأغراض من الحمام. صندوق خشبي أبيض فيه بعضاً من الأدوية، الشاش، القطن و الكحول لتنظيف الجروح.
بدأت هي بِوَجهي أولاً. تنظِف الخدوش البسيطة بِرقة بِقطنة مُبللة بالكحول و انا ظللتُ أحدق بالباب أستمع لِصوت أنفاسها الهادئة و همسات بلايز و إكسانا بين بعضهم.
يحاول بلايز أن يتفادى الإجابة على اسئلتها عن ما جرى معنا بما انني أخبرته أن يُبقي فمه مغلقاً عن الموضوع الى أن أقرر التفوه بالأمر بِنفسي.
لا اريد تدخلهُم ابداً. هذا خطير عليهم حتى معرفة المزيد من الأشخاص سيُضيف خطورة أنتشار إشاعات عن الأمر بين الكثير.
انا لا أقول أنَ إكسانا و كانيلا سوف يُخبرون أحد لكني أفَضّل أخفاء ما هو خطير عليهم فَالذي حدث لِلتاجر لوحده كافي بإخافتي للِموت عندما أتخيل أنَ شيئاً ما سيحدُث لهما أو لكل مَن أعرفه كما حدث لِلتاجر.
أقشعر بدني بأكمله على الفكرة و ارتجفتُ قليلاً لتلاحظ كانيلا هذا و تتوقف عن تنظيف الجرح فوق حاجبي الأيسر.
ما الخطب؟ سألتني تُميل رأسها على جنب، خصلات من شعرها الحريري تسقط على كتفها.
أشعر بالبرد، فكما ترين انا ما زلتُ مبلل. أشرتُ على نفسي بِعيناي لكون تحريك ذراعي جُهد لستُ أمتلكه الأن.
هَمهَمت هي تلقي نظرة على ملابسي الملتصقة بِجسدي و متسخة و ربما كانت فكرة سيئة بِجلوسي فوق سريري النظيف.
تنهدتُ هي تُمَرِر أناملها في شعرها ثم وضعت القطنة الحمراء من بِدمائي الجاف مع المتسخين بِجانب الصندوق على منديل.
أخلع ملابسك.
رمشتُ عليها بِسرعة كالذي لم يستوعب اللغة التي تتكلمها كما أنَ همسات الصغيران توقف.
لم تنتظرني الى أن اسألها عن ماذا تتكلم أو إن ما كانت تمزح لكنها بقيت مُتصلبة الوجه قائلة
ما الذي تنتظره؟ أن يأتي بلايز و يخلع ملابسك عنك مثلاً؟، هيا أخلع سترتك و قميصك.
سمعتُ بلايز يُقهقه بِخفة من ورائنا لأرمقه بِنظرة قاتلة و طبعاً هو لم يبالي و أكمل قهقهة حتى صفعته إكسانا على ذراعه ليسكُت.
بِطريقةٍ ما خلعتُ ردائي في بداية دخولي لِلغرفة لكن الأن سترتي و قميصي؟
حسناً الأن فهمت ما تعنيه. بما أنَ ملابسي مُمزقة و فيها ثقوب إثر الجروح التي تلقيتها، تريدن مني أن أعطيها منظراً كاملاً عليها قبل دخولي لِلحمام للاستحمام و التخلص من الأوساخ التي عليّ.
هذا منطقي.
عدا تلك الأفكار الغبية التي خطرت على بالي بعدما أخبرتني أن أخلع ملابسي.
هززتُ رأسي بِخفة مع نفسي ثم بدأتُ بِخلع السترة أولاً و طبعاً هي ساعدتني لأني هَسهَستُ بِشدة عندما حركتُ كتفاي، الألم في ظهري عميق جداً.
هل أصبت هناك؟ متى حدث ذلك؟
باللحظة التي خلعتُ السترة و ظللتُ بِقميصي الأبيض سمعتُ كانيلا تلعن تحت أنفاسها.
سماعها تلعن جعلني متفاجئ فأنا لم أسمعها تعلن من قبل.
بما انني أعطيها جزءً من ظهري، التفتُ اليها رافع الحواجب.
انكَ مُصاب.
لابد و انها تتحدث عن نفس المنطقة في ظهري التي تؤلمني جداً.
انه لا شيء. قلتُ لها أفك أزرار قميصي الفضفاض.
لا شيء؟، هل تعلم كيف هو الجرح و كم انه ينزف بشدة يُلَوِن قميصك بِدمائك كله؟ ساعدتني مجدداً بِخلع القميص من الخلف لأصبع عاري من أعلى جسدي يقشعر جسمي على برودة الغرفة.
استدعاء قوتي النار لتدفأت نفسي، مجهود ايضاً لا أمتلكه لهذا تجاهلتُ البرودة و أخبرتُ بلايز و إكسانا أن يُشعلوا باقي الشمعات في الغرفة و التي على الثُريا لِلمزيد من الإنارة بما أنَ الغرفة شبه عتمة.
ما الذي حصل عندما كنتَ خارج القصر فالكين؟ سألتني هي و انا ألقي بالقميص على الأرض عند أقدامنا، نبرتها صارمة و خصيصاً عندما نادتني بِأسمي بدلاً من سموك أو سمو الأمير.
لقد، وقعت.
حتى لو كانَ طفل بِعمر السنة، يسمع هذا، العُذر السخيف، لن يصدق ابداً.
وقعت؟ سألتني هي مُشابكة الأذرع أسفل صدرها.
نعم وقعت، على، أمممم جذع شجرة.
جذع شجرة؟
اومأتُ لها مرةً واحدة لا أقابل عينيها المُضَيّقة بِعدم تصديق.
إذاً ستُبقي الأمر سراً. قالت هي تخبرني أن أعطيها ظهري لكي تنظفه و انا أنصتُ لأني إن رفضت أخمن انها سوف تمسكني من شعري و تديرني غصباً عني.
مع اني أشُك بِذلك.
باللحظة التي تلامست قطعة القطن بِجرحي، أخرجتُ صوتً عميقاً من حلقي أعَض على شفتاي بِقوة.
انه جرح عميق يبدأ من خلف كتفك الأيمن حتى منتصف ظهرك. أخبرتني تمسحه بِلُطف و مع ذلك الكحول يحرق لكنه يوقف الدماء من النزيف و يعقمه.
انها لا شيء. عدتُ أخبرها بِنفس الجُملة لتُهَمهِم تُبقي فمها مغلقاً.
أعلم انها تضحك عليّ بِصمت كما يفعل بلايز و تلكَ الصغيرة التي تضع يداً فوق فمها.
لأرمقهما بِنظرات ثاقبة حتى يعودوا الى حديثهم بِهمسات لستُ مهتماً لسماع ما هي.
أخبرني، فأنتَ مليء بالكدمات و الجروح فالكين و انا أعلم انكَ لم تقع على جذع شجرة أو تتشاجر مع شخص ما لهذا لا تدور بِكلامك و أخبرني. قالت كانيلا تمسح الجرح بِقطعة قطن جديدة.
التي سبقتها كانت مُبللة بالدماء الفاتح بدت بتلة زهرة بين باقي القطن.
هل أخبرها؟ أعني نعم انا اريد حمياتها لكنها هل سوف تتركني و الموضوع حقاً؟
انها عنيدة إن أرادت و في الحقيقة، تخيفني بِتلكَ النبرة التي تستعملها معي كأنها تجلس على أعصابها و إن اخطأتُ بِكلمة سوف تنفجر مع أنَ وجهها يقول العكس.
قناع. هذا ما لاحظته، انها ترتدي قناعاً هادئاً تُخفي أسفله شيء ما لا أعرفه. مشاعرها الحقيقية ربما.
حركتُ رأسي على يساري الى مكان وجود المنضدة بِجانب السرير لأرى بلايز يحدق بي. سألته بِصمت إن ما يعتقد انها فكرة جيدة بأخبارها عن المغامرة، المُشوقة ليَهُز بِكتفيه لا يدري و يدع القرار النهائي لي بِما اني انا مَن أخبرته من قبل أن يبقي فمه مغلقاً.
زفرتُ الهواء من فمي أخذتُ وقتي بالتفكير لتبدأ هي بِسحب قطعة من الشاش طويلة و قطعة قماشة ناعِمة لتضعها على الجُرح و فوقها تلُف الشاش من حول كتفي و صدري.
لمساتها ألهتني بعض الشيء عن ما كنتُ أفكر به. انها دافئة جداً، جوانب يديها تلامس معدتي و صدري بين حين و أخَر كلما لفّت الشاش حولي جسدي أكثر.
صدرها يرتطم بِظهري من الخلف لترسل حرارة في وجهي و رائحتها من الياسمين كل ما أشتمه، شعرها الناعِم و أنفاسها تُدَغدِغ المنطقة بين كتفي الأيمن و رقبتي.
لم أكُن يوماً قريب منها هكذا و جعلني الوضع أنسى ما هو البرد لِلحظة.
هل سوف تتكلم أم انكَ ستبقى صامتاً؟ سألتني هي تُعيدني من شُردي بها لأنتبه انها انتهت من ضمادة جرحي تُكمل بعدها بِتنظيف خدوش على ذراعي لأجلس كما كنت من قبل و أراقب أناملها النحيلة و كيف انها خفيفة الحركة كالريشة.
رأسها منحني مُركزة في عملها لا تنتبه على نظراتي على وجهها.
عديني انكِ لن تخبرني كائناً حياً عن كل ما سأخبركِ عنه. تمتمتُ لها أجعل يديها تتجمد لترفع رأسها و حواجبها للأعلى عليّ.
تنهدتُ انا أبعِد خصلات مِن شعري عن جبيني.
نعم انا أحتاج أن أقص شعري قريباً.
جلست مستقيمة الظهر يديها فوق حضنها لتومئ هي موافقة.
أخذتُ نفساً عميقاً بِفضله قفصي الصدري نغزني بألم فظيع ثم قصصتُ عليها كل شيء. أدع بعض التفاصيل الغير مهمة كي لا أطيل و هي طوال الوقت ظلت تسمعني من دون مقاطعتي حتى النهاية.
انتهيتُ من أخبارها بالذي جرى لتحدق بي لفترة قصيرة من دون رمش و لو مرة واحدة.
أخذت نفساً تملئ فيه صدرها ثم وضعت بعضاً من شعرها خلف أذُنها البشرية بِعكس خاصتها المُدَبَبة عند النهاية من الأعلى و عادت تُكمل عملها في تنظيف جراحي.
هل تصدق ما أخبرك به ذلك الرجل؟ سألتني هي تقصد عن تلك الدملة الغريبة التي تفوه بها الأصفر.
انه ينتظرك، لطالما أنتظرك.
زفرتُ الهواء من فمي ثم أجبتها بِصراحة
لستُ أدري لكنه بدا، بدا،
صادقاً؟
اومأتُ لتكمل عملها على خدش عند رقبتي أسفل أذني مع انه لا يحتاج شيئاً لكونه يشفى.
من تظن يكون الشخص الذي ينتظرك و لماذا بِرأيك؟ تساءلت مع نفسها أكثر مني.
هذا ما سألته من قبل.
هل تشُك بأحد ما؟
فكرتُ مطولاً بِسؤالها و لم أجبها الى أن عادت تتفحص وجهي تحركه من اليمين لِليسار تتأكد انها لم تنسى مكاناً مُصاب.
لا، لا أحد.
هَمهَمت هي قليلاً ليعُم صمت قصير بيننا تجد منطقة لم تقترب منها بعد، طرف شفتاي.
هل لي بِرؤية الشارة و السلاسل بعدما تستحم؟ سألتني الأن تطلب الأذن لِتضميد جرحي على طرف فمي و انا اومأتُ لها بالموافقة على الطلبين.
أشعر بِثقل الشارة في جيب بنطالي و السلاسل موجودة في جيب الرداء المَفرود على رأس كرسي بالقُرب من باب الغرفة و بِأنفاسها الأن تضرب جانب وجنتي اليُمنى لكون وجهها قريب من وجهي تركز على ما تضمده.
بعد أن انتهت نهائياً من جميع جراحي أصبحتُ شبه مُغطى بالشاش و الضمادات. لم أكُن أعلم انني مليء بها.
توجهتُ انا الى الحمام لكي أستحم ليوقفني صوتها من ورائي قائلة
اريد المساعدة.
التفتُ بِبطء نحوها لا تزال جالسة على طرف السرير يديها على حضنها قطنة حمراء في يدها و وجهها هادئ جداً.
ماذا؟ انا سألت.
دعني اسأل كما ستفعل انت، ربما سيري أو آناس يعلمون أو رأوا الشارة في مكانٍ ما.
أخذ مني الدقيقة لأستوعاب ما أخبرتني قبل أن أهُز رأسي رافضاً لكنها فتحت فمها و أصَّرت
لن أجعلهم يشعرون بالخطر الذي تكلمتَ عنه بل سوف اسألهم بِطريقة لن تثير الشَك و التساؤل بِداخلهم انا أعدك.
حدقتُ بها و حدقت، عينيها لسببٍ ما بدت لي صفراء مائلة لِلبرتقالي نور الشمعات تنعكس فيهم، لونها كأنَ الشمس تعيش فيهم.
لطالما بدت عيونها مختلفة كل مرة و في فترات غريبة و ربما تكون مخلتي لكني لم أفكر بالأمر أكثر و عدتُ اليها أدير ما كانت تأخُذ الأذِن بشأنه في رأسي.
انها فكرة سيئة كانيلا، لا اريدهم أن يعلموا بأية أمر يتعلق بِهذا الموضوع الذي أخبرتكِ عنه.
وقفت هي بسرعة على ساقيها القطن الحمراء اختفت في يدها المضمومة، تعصرها.
من الممكن أن اسأل أحداً انتَ لن تقدر على سؤاله كي لا تثير الشَك فيهم سموك.
مثل مَن بالضبط؟
ضغطت على شفتيها المُمتلئة بِبعضهم حتى شبه اختفوا تُفَكِر بِمن الى أن أجابت
لستُ أدري الأن لكن من الممكن أنَ هذه المجموعة لا تعيش في مملكة أريزو بل تريدكم أن تعتقدوا ذلك لهذا عندما نعود الى فالينيا سوف اسأل مايكا مثلاً.
مايكا؟ لا أظُن انه يعلم.
استدرتُ انا الى الحمام منزعجاً أضع يدي عليه لكي أدفعه بما انه لا وجود لِمقبض أو قفل ليوقفني كلامها مجدداً.
انتَ لا تعلم كيف يعمل مايكا و كم أنَ لديه أشخاص من حوله بأمكانهم معرفة كل شيء إن طلب منهم أكثر من الملك نفسه.
لديها وجهة نظر فَهذه طبيعة عمل المستشار أو اليد اليُمنى لأية ملك. يجب عليه أن يكون لديه واسِطة بين الكثير في المملكة و حتى خارجها و أن يكون لديه أعيُن و أذُنين في كل مكان كي لا يغيب عليه شيء يحدث.
كرهتُ فكرة انها مُحقة لكن لا خيار أخَر. إن سألته هي قد يكون أقل غرابة مني إن سألته انا فجأة.
لن يشُك بها إن كانت خطيبته، صحيح؟
خطيبته.
دوماً ما أنسى أنَ هذه المرأة مخطوبة أو أنَ لها علاقة مع رجل ما.
تنهدتُ أحرك رأسي الى فوق كتفي لكي أنظُر اليها و وجهي ثابت.
أفعلي ما تجدينه صحيحاً ولكن كوني حذرة أرجوكِ، فأخبارك كانَ خطورة بِحد ذاتها.
لم أنتظر لكي ترُد أو تتفوه بِحرف. دخلتُ الحمام و استحممتُ كاملاً، أخذتُ وقتي بالاسترخاء في الحوض، أنظف كل الدماء الجاف و الطين من عليّ، منه عالق في شعري و أسفل أظافري.
أغلقتُ عيناي لثواني أسنُد رأسي على حافة الحوض لأفتحهم و أحدق بالسقف الأبيض فيه عروق بنية و خضراء من القصر مُلتوية كأنها ديدان لكن لا تتحرك.
بعد ذلك خرجتُ مِن الحوض، جففتُ جسدي بالمناشف و شعري ثم ارتديتُ ملابس نومي من بنطال أبيض فضفاض حريري و قميص بِنصف أكمام يُعانق جسدي، مع انني كنتُ أخطط لِلنوم باكراً من أجل سفرنا غداً باكراً إلا أنَ الخطط تدمرت كُلياً بِسبب ما جرى اليوم.
عندما خرجتُ من الحمام تفاجأت لأنَ كانيلا لم تغادر بعد بل انها نظفت الغرفة مِن القطن و الضمادات التي كانت على السرير و ملابسي المتسخة على ما يبدو في سلة لكي يتم أرسالها لِلتنظيف أو حرقها بما انها مُمزقة و لا يمكن استعمالها مجدداً.
واقفة في نفس المكان الذي وجدتها فيه عند دخول لأول مرة الى الغرفة اليوم. بلايز و إكسانا ايضاً بِنفس المكان لكن كلاهما نائمان و هُم جالسان، إكسانا رأسها على كتف بلايز و بلايز وجنته على رأسها.
كيف ناموا بِهذه الشكل، ليست فكرة.
لقد ظننت انكَ غفوتَ في الحوض، كدتُ أن أطرق الباب و أدخل لكي اتأكد انكَ بخير لو لم تخرج. أعادني صوت كانيلا المُنخفض من تحديقي بالصغيران.
لاحظتُ أنَ يديها نظيفة مِن دمائي إلا أثره، فالقليل منه على فستانها بالذات على المنطقة عند أفخاذها المكان الذي كانت تضع عليه القطن المُبلل بالدماء و يديها.
انا بخير. كان كل الذي لفظه لساني لا أعلم إن ما يجب أن أتحرك اليها أو أظل في مطرحي.
ابتسمت هي بِرقة تومئ بِرأسها لكنها لم تتحرك من مكانها بعد.
غداً سوف يكون لدينا طريق طويل لِلوصول الى فالينيا. قالت هي لأومئ بِنعم من دون أن أعرف ما يجدر بي قوله.
هل يجدر بي قول شيئاً من الأساس رداً على كلامها؟
أتمنى انكَ ستكون بخير الليلة بعد ما حدث.
رمشتُ عليها مرتين لا أفهم ما تعنيه بالضبط قبل أن أمسح جبيني من قطرات مياه سقطت من خصلات شعري التي لم تجف جيداً ثم قلت
لا تقلقي كانيلا. انا حقاً على ما يرام.
بسمتها بدت مُزيفة لا تصل لِلعينين لكني تجاهلتُ ذلك لكوني أشعر بِتعب شديد فأنا لم أكذب عندما قلت أنَ لا طاقة لي لفعل شيء.
بالمُناسبة ماذا فعلتم بِجثة التاجر؟
سؤالها أصابني كاللكمة في معدتي، تذكرني بما جرى مع التاجر.
أحسستُ بِغضب مفاجئ على ذِكرة جسده ضعيف على الأرض و ساقه المَكسورة التي منعته من الهرب من ذلك الرجل الذي غرز السيف بِ--
لقد دفناه في مكان محترم و أرسلتُ توك الى عائلته لكي، لكي يعطيهم خبر وفاته و غير ذلك سوف أظَل أهتم بهم و بِمصروفهم الى الأبد، فَهذا ما يستحقونه.
جيد ما فعلت، بدت كأنها تريد أكمال الجُملة لكنها أخذت لحظة صمت قبل أن تفعل متابعة.
انتَ لا تلوم نفسك على موته صحيح؟
توَسعت عيناي و بِسرعة أبعدتهم عنها لا أنظُر لها. لأنني في الحقيقة ألوم نفسي و كثيراً مع اني أعلم انه لا دخل لي.
لم أحس بها و لا أعلم كيف أصلاً أصبحت أمامي يدها على وجنتي تجعلني أرفع رأسي من الأرض لأحدق بها، صغيرة.
كم أنَ يدها ناعِمة و صغيرة و لها أصابع طويلة.
إياك. إياكَ أن تلوم نفسك على موته، انتَ لم تُجبره على العمل و التحقيق عن الجثث بل هو مَن أختار ذلك الطريق و مشى فيه و ما جرى له ليس لكَ شأن به.
لكن، لكن--
هَزت رأسها تُبعِد يدها الدافئة عن وجهي الذي لم أكُن أعلم انه بارد الى ذلك الحَد لأشتاق لذاك الدفء لكن ايضاً ألقيتُ بالشعور و تجاهلته.
لم أتعرف عليه يوماً، لكني واثقة انه كانَ رجلاً محترماً و نبيلاً. قالت هي ملامح وجهها تخف كأنها كانت تشدهم لِفترة طويلة.
نعم، لقد كانَ.
و انا متأكدة أنَ عائلته سوف تحزن لفقدانه لكنهم سوف يتفهمون لماذا و اهتمامك بهم مع انكَ بالكاد تعرف التاجر. انه أمراً وحده كافي بِأثبات انكَ لستَ أميراً فَحسب و إنما رجلاً طيباً له ضمير و قلب أبيض.
كلماتها رَقت من قلبي و دفأتني حتى من دون حاجة لِنار أو لمساتها، وحدها أحياناً الكلمات قادرة على التأثير علينا أكثر من اية لمسة أو نظرة.
أردتُ فتح فمي و التفوه و لو بِكلمة لها مُقابل ما قالته و لكني لم أستطع، هنالك صمت كبير في رأسي، فراغ يمنعني من تحريك لساني أو فعل اية شيء و هي لاحظت ذلك.
في العادة انا أتكلم، لدي ردة فعل على كل ما يحدث و أسمعه لكن الأن في هذه اللحظة، لا وجود لأية مِن ما هو طبيعي بي، فقط، سكون.
حسناً، انا سوف أغادر الى غرفتي! رفعت من نبرة صوتها لتستيقظ إكسانا و بلايز مُنتفضين مصعوقين من كونهم كانوا نائمين.
طارت إكسانا مُسرعة نحوى سيدتها تَفرُك عينيها من النعس بعدها جلست فوق كتفها تُميل رأسها على رقبة سيدتها لكي تعود الى النوم.
وجدتُ نفسي ابتسم نِصف ابتسامة على منظرها اللطيف شعرها البرتقالي الطويل يُغطي جزء من وجهها خُصلات على أنفها تتحرك كلما زفرت نفساً.
تُصبح على خير سموك. تَمنت لي كانيلا تتوجه الى الباب، وضعت يدها على المقبض و فتحته قليلاً لأذهب انا مُسرعاً أضع كَف يدي عليه أدفعه لكي أغلقه بِطريقة جعلتها ترتعِب من ظهوري المفاجئ.
رفعت رأسها و حواجبها الى الأعلى بِتعجُب لأبعِد يدي عن الباب و أقول أنظُر على بقعة الدماء على فستانها
شكراً لكِ.
عندما لم يَخرُج صوتً منها لفترة أشحتُ بِنظري عليها أراها تحدق من دون رمش بِجفونها كأنها لم تتوقع كلامي.
لا شُكر على واجب.
فتحت الباب مرة أخرى و غادرت تغلقه خلفها ربما انا مجنون أو فقط بِسبب تعبي لكن أقسم انني رأيتُ قبل ذلك، يدها قد تحركت قليلاً نحوي بِتردُد كأنها كانت سَتلمِسني قبل أن تُعيدها و تُغادر.