رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والخمسون

لم يكُن ذعر الشاب المُراهق كافي بِتحذيرنا مِن الذي يتهجم على القرية و إذ بِصراخ من قلبها و أصوات تدمير و صوت حيوان ما يَخور بِقوة جعل من الأرض أسفل قدامي ترتجف.

كونور أذهب وأحضر المُعِدات! صاحَ كالون لِشقيقه ليومئ كونور بِصمت و يركض مسرعًا إلى الطابق الثاني بينما هو أخبر الشاب شيء ما ثم أغلق الباب و توجَّه بِخطوات كبيرة إلى أسفل الدرج.

ما الذي يحدث؟ تساءلت كانيلا لا تفهم مثلي تنظُر على الجميع تنتظِر منهم تبرير مع أنَّ لا وقت له.

لكوننا نعيش في قرية تُحيطها الغابة فَمن الطبيعي أن تتهجم علينا وحوش مفترسة كل فترة لكن وحش الكونكاسا، أغلقت دينيسا فمها شاحبة الوجه تهُز رأسها مع نفسها قبل أن يخرج كالون من خلف الدرج على ظهره مُعلقة أسلحة حادة ومدببة و بيديه الاثنتين يحمل فؤوس كبيرة أكبر مِن التي يستعملها لِتقطيع الحطب.

بينما كونور نزل مِن على الدرج يحمل ذات الأسلحة إلاّ انه هو يمتلك قوس و مجموعة سهام معلقة على ظهره.
بلعتُ ريقي.

وحوش و ليسَ حيوانات؟ سألت كانيلا متوسعة العينين لأضيف أنا
وحش الكونكاسا؟

اومأت بيلا تذهب إلى أولادها تعدل أسلحتهم عليهم جيداً و هي تُجيب من دون النظر الينا
نعم. هنا الوحوش التي تجول الغابة و ليسَ حيوانات و وحش الكونكاسا هو شيء مختلف كليًا عن باقي الوحوش.

رفع كالون رأسه بِصمت على والدته مُعقد حواجبه بينهما خط رفيع مستقيم
هل تذكُر فالكين قصة والدي و الصيادين الذين قتلوا وحوش خطيرة و نجى واحد منهم؟

اومأتُ أنا لا أجد صوتي لكي أجيبه ليتابع هو بِنبرة هامسة لكنها مسموعة
لقد عاد.

جميع مَن في المنزل تجمد عن الحركة ولم يعُد أحدهم يصدر صوتً حتى كونور الذي ليسَ له صوت بدى أكثر هدوءًا من أية مرة.

هيا يا أولاد، التفتَت بيلا إليهما تُربِت على صدورهم العضلية تبدو قلقة و خائفة لكنها واثقة و فخورة بهم
اقضوا عليه و انتقموا لِوالدكم.

كلاهما سويًا أومئوا بِرؤوسهم ثم توجهوا مسرعين نحوَ الباب الذي فتحته دينيسا مِن أجلهما. أنا و كانيلا تبادلنا النظرات لِلحظة فيها أسألها عن أمر مهم قد لا توافق عليه لكني لا ضرر بالمحاولة.

بعد ثانية مِن التحديق ببعضنا، تنهدت هي مُغمضة عينيها ثم فتحت فمها و قالت بِرقة
أذهب.

أعطيتها بسمة صغيرة على طرف شفتاي ثم لحقتُ بِالأخوة قبل أن يغادروا المنزل قائلاً
سوف أتي معكما!

توقف كلاهما عند الباب ثم استداروا إليّ متعجبين الوجوه. تقدم كالون يقف أمامي تمامًا لأرفع رأسي قليلاً للأعلى حتى أنظُر له بالعينين لكونه أطول مني قامة بِقليل.
هل أنتَ مجنون؟ أنتَ ضيف لدينا و سلامتك أولويتنا لهذا أبقى مع الإناث هنا و نحنُ رجال القرية سنتولى أمر ذلك اللعين أبن اللعينة.

هززت رأسي رافضًا لِكلامه لأقول له
صدقني أنتم تحتاجون أقوة السِحر و أنا من حسن حظكم، لديّ إياه.

لكن الكونكاسا أقوى مِن أية شيء قد تراه في حياتك، فالكين. عارضت دينيسا بِقلق تقف بِجانب شقيقها أما كونور مِن خلفهما عند المَخرج تحرك في مطرحه بِنفاذ صبر يبدو و كأنه سيُحلق عند الإشارة إلى قلب القرية وهذه المُحادثة تُضيع وقته الثمين و أرواح الكثير.

نظرتُ إلى كلاهما الأخ و أخته ثم أصريتُ بِصرامة
جربوني.

تبادل الشقيقان النظرات و فتح كالون فمه رُبما لكي يرفُض فَفي النهاية أنا حقًا مُجرد ضيف كما أنني لستُ سعيداً جداً بِترك كانيلا لوحدها هنا بينما هنالك وحش ما يدمر القرية لكن قال صوت من خلفي أعرفه جيداً جعل كالون يتراجع
دعه يذهب، فَنحنُ في أمَس الحاجة إلى المساعدة الآن.

أشاح كالون بِعينيه المُضيئة مِن فوق كتفي أكيد يُحدق بِبيلا قليلاً قبل أن يستسلم تنخفض أكتافه و هو يزفر الهواء مِن فمه يعيد تلكَ المقلتين إليّ.
حسنًا، أبقى معنا ولا تفارقنا إلاّ بأمر مني و إن تم قتلك فَسوف أقتلك أنا.

كدتُ أن أضحك على كلامه الغير منطقي لكني اومأت متفهم جيداً. ابتسم هو بِلُطف ثم استدار و أكمل طريقه مع كونور خارج المنزل بينما أنا التفتُ إلى كانيلا التي تجلس الآن على مقعدها المتحرك تقف جنبها بيلا.

ابتسمتُ لها أخبرها بِصمت أنني سوف أكون بخير و سوف أعود بعدها لحقتُ بالأخوة نصبح ثلاثتنا متجهين إلى ساحة القرية الكبيرة إلى الصُراخ و الصياح و الدمار و زئير الوحش القاتل.

عندما وصلنا إلى ساحة القرية الكبيرة التي يكون فيها أغلبية القرويين، رأينا أنَّ الدمار في القرية لم يكتمل ولكن هنالك فوضى.

نصف المنازل، النافورة في وسطها المياه منها تفور في كُل الأتجاهات تغسل الدماء الذي ملء الأرض و على ما تبقى مِن المنازل التي كانت جميلة، و سبب هذه الفوضى نفسها وقف على سطح منزل لستُ أدري كيف تحمله، و في فمه شيء ما يَسيل منه شلال مِن الدماء القرمزي.

منظر الوحش مع بُكاء وصراخ القرويين و ركضهم هاربين منه، جمد دمائي في عروقي و أحسستُ بِقلبي يقع في معدتي و ربما على الأرض بيد قدماي.

الوحش ليسَ عملاقًا كما ظننت لكنه كبير و ضخم البنية. جلده رمادي مائل للأزرق، على بطنه و حول صرته رسومات ما كالتي على صدره و كتفيه. له أقدام كَأقدام النسر و ساقين عضلية كَجسده العملاق.

يمتلك أربعة أذرع بِمخالب بِطول طفل صغير و حادة كَحَد الأسلحة التي يحملها الشقيقان. له ذيل طويل و رأسه ما جعلني أغوص في حيرة مِن أمره. أنا لم أرى وحشًا مثله من قبل، رأسه عبارة عن جمجمة لِحيوان ما بِأنياب و أسنان كبيرة و مدببة و أربعة قرون.

أثنان على جبينه و أثنان خلفهما مُلتويان لِلخلف و مِن حول رأسه، كمية كبيرة من الشعر الكثيف يذكرني بِشعر الأسد.

لكنه ليسَ أسداً و ليسَ حيوانًا و إنما مَخلوق متوحش قاتل و الشي الذي في فمه لم أعرف ما هو في البداية أتضح أنه قروي، أو ما تبقى منه.

اللعنة. همستُ مع نفسي متبحلق العينين لينظُر لي كالون مِن على جانبي لِثانية قبل أن يُعيد تركيزه على سبب فراغ ذلك الكرسي حول طاولتهم في البيت.

لم أراهُ منذُ عقود و غريب أنه عاد الآن.

هل لِحظي أن يكون أسوأ؟

سمعته يضحك بِخفة مِن جانبي
المهم أن تبقى معي أنا و كونور و إن طلبتُ منكَ أن تقاتل، ستقاتل و إذ طلبت أن تهرب، حرك رأسه مجدداً إليّ هذه المرة لا توجد ذرة مرح على وجهه أو في صوته العميق ستهرب.

لا أظُن أنني أحتاج الهروب، كالون.

أرتفعت زاوية مِن شفتيه للأعلى تشكل بسمة؟ فَهي ليست من القلب على الأطلاق بل فيها شيء ما مِن التعطُش لِلدماء و الأستسلام لِلغضب الذي كانَ يكبته منذُ عقود طويلة.

الأن كونور. أمَرَ كالون شقيقه ليومئ كونور يمسك بِقوسه بِقبضة محكمة وبيده الأخرى سحب سهم يضعه فيه يرفعه نحوَ وحش الكونكاسا و مِن دون أية تردُد، أطلق السهم بِسرعة الرياح ليُصيب الوحش في فمه.

وضع ما تبقى مِن القروي المسكين مِن فمه إلى سطح المنزل الذي هرب أهله منه مذعورين ليَخرُج الوحش صوتً أو صرخة رجَت مِن كياني حتى أنكمش وجهي و قاتلتُ الرغبة بِتسكير أذُنايّ.

تعال إلى هنا، أيها القبيح. تمتم كالون مع نفسه يدير الفأسين بيديه بِمهارة بينما أنا وقفتُ مستعداً لِأستدعاء جناحايّ.

آخِر مرة أخرجتهما كانَ البارحة مساءً قبل النوم لكي أختبرهُما و مِن حسن الأمر انهما على ما يرام أو الجرح الذي كانَ في الجناح الأيسَر أختفى و لم أعُد أشعر بألم كلما حركتُ جناحي كما شئت لهذا الطيران الآن سيكون سهل جداً.

صرخ الوحش مرة آخرى ثم تقدم على سطح المنزل ينظُر باتجاهنا. لعقتُ شفتاي أرطبها ثم بلعتُ ريقي أجد حلقي جاف كَرمال الصحراء كأنني لم أشرب المياه منذُ زمنٍ طويل.

لا بأس فالكين سوف تكون على ما يرام. لقد واجهتَ الكثير مِن المخلوقات والمواقف اسوأ من هذه، صحيح؟
حاولتُ مواساة نفسي بِتلكَ الكلمات لكني لم تقدر على منع توتري و نبضات قلبي المتسارعة في صدري عن التوقف.

استعدوا. أخبرنا كالون يَحني ظهره بِخفة و يفرُد ساقيه بعيداً عن بعضها ليُخرج كونور سهمًا جديداً من الحمالة على ظهره يضعه في القوس بينما أنا أغمضتُ عيناي لِلحظة لأنادي أجنحتي أمرها بالظهور. بِلحظة كنتُ خفيف الوزن و بِلحظة آخرى أصبح هنالك وزن ثقيل جداً على أكتافي و ظهري.

لكن عضلاتي أبقتهم فوق الأرض مرفوعين في الهواء. امتلاك الأجنحة سهل و طبيعي لكن التحكُم بهم و حملهم يحتاج تدريبات خاصة و هذا ما كنتُ أخوضه في طفولتي إلى أن أصبحتُ محترفًا بِأستخدامهم.

واو، آخِر مرة رأيتُ فيها جني بأجنحة كانت عندما كنتُ في الخامسة عشر من عمري. أخبرني كالون مندهش يُحرك عينيه على جناحايّ.

و كم عمركَ الأن؟

لم يُجبني على الفور لكن وجنتيه أحمرت يواجه الوحش الذي توقف على حافة السطح يُحدق بنا أو ربما لا يحدق فأنا لا أعرف لكونه لا يمتلك مُقلتين و إنما حفرتين سوداء تبدو فارغة.

أنا في الواحدة و السبعين. سمعتُ كالون يُجيبني قبل أن يُخرِج الوحش صرخة آخرى و يقفز في الهواء نحونا.

ابتعدو! صاح كالون لنا يتدحرج هو و شقيقه على الأرض بعيداً عن الوحش الذي أصبح فوقنا و أنا بِسرعة البرق طرتُ مُحلقًا في السماء إليه.

أعلم أنَّ كالون لن يعجبه تصرفي وأنني لم أنصت له من المرة الأولى بعد، لكني لم أهتم الأن لأني ذهبتُ إليه قبل أن يهبط على الأرض و بِقبضة يد تملأها نيراني التي أشتقتُ لها، لكمته على وجهه أحس بِعظامي تتكسر مِن قوة اللكمة لكن العزم أتى مِن النار.

حلق الوحش بعيداً عن القرية بِفضل اللكمة و سقط على مجموعة أشجار في الغابة.

فالكين! صياح كالون مِن الأسفل جعلني أنظُر له أراه يُشير بيده على مكان سقوط الوحش و نهوضه كأنه لم يتأثر حقًا باللكمة.

فهمتُ تمامًا ما يعينه.
أنه يريد أن يُبقي الوحش بعيداً عن القرية لكي يكون قتاله في الغابة.

فهمت! صحتُ له ردًا بعدها حلقتُ إلى الغابة و مكان وقوف الوحش، رأسه تحرك مع تحركي، يراقبني و ينتظِر الفرصة المناسبة لِلهجوم.

تصرف حيواني وحشي متوقع.

تعال إلى هنا أيتها الدجاجة! صرختُ له احِلق مِن حوله بين الأشجار ليُخرج هو زئيره يركُض إليّ، أنا وجدتُ جذع شجرة مناسبة لأقف عليها كي أجره أعمق في الغابة.

توقف هو بين شجرتي وآخرى قرية منها ثم بيدين أمسك هو جذع الشجرة الأولى و بيديه الأخرين أمسك بِجذع الثانية ثم بدأ بِهزهِم بِشدة جعلني أفقد توازني و أقع مِن عليهما مع سقوط أوراقها مِن حولي. لكني لم أقع له و إنما عدلتُ مِن جناحايّ و طرتُ للأعلى أمُد يداي أمامي أطلق نيراني عليه.

زئر هو بِقوة و قفز إلى عمق الغابة يهرُب منها. لعنتُ أنا تحت أنفاسي بِذات اللحظة التي وصل الشقيقان و مجموعة قرويين إلى الغابة يحدقون بالوحش الذي يقف مِن على مسافة صغيرة بينهم.

لا يبدون خائفين بل يحملون أسلحتهم، فؤوسهم، رماحهم و سهامهم في أقواسها مستعدين لِقتله.

ابتسمت مع نفسي على شجاعتهم ثم ذهبتُ إليهم أنزل بِخفة ريشة على الأرض أقف بين الشقيقين أمام الوحش.

النار إحدى قواك؟ سألني كالون متفاجئ.

و لديّ قوة آخرى ستعجبك أكثر.

لا يهُم لكن هذا رائع بِحق.

رفع كونور من على يميني أصبعه السبابة للأعلى يوافق رأيّ شقيقه. تجاهلتُ الإطراء للأن لأنَّ الوحش ركض باتجاهنا بِسرعة، عيناي لم تلحق بها ليَصل إلينا قبل أن نرى. بيدين ضخمة و قوية، ضرب مجموعة قرويين جعلهم يحلقون في الهواء و يرتطمون بالأشجار و بيدين غيرها، ضرب مجموعة آخرى لَِنصبح نحنُ الثلاثة و القليل منهم خلفنا نحدق به.

سحقًا! قال كالون مِن بين أسنانه يلقي بِفأسه الأول على رقبة الوحش لِيُصيبه و يجعله يزأر من الألم بِشدة، دمائه الزرقاء تسيل على جسده العاري العضلي.

امسك الوحش بِالفأس يُحاول أخراجه مِن جسده لأحلق أنا مجدداً في الهواء أصبح مواجهًا لِوجهه تمامًا لكن بِوجود مسافة فأنا لا أخطِط لِفقدان رأسي قبل أن أتزوج كانيلا و على الأقل أنجب منها طفلين أو ثلاثة.

و ربما أرى طفل تاليا أو أطفالها إن قررت أنجاب أكثر من واحد مع أنَّ هذا الخيار محتمل جداً لكونها ملكة.

ضحكتُ داخليًا على فكرة أطفالها و أطفالي يلعبون معًا، هذا منظَر سيكون جميلاً لِلغاية.

أفكاري مِن قوس قزح و الزهور لم تستمر مطولاً لأنَّ الفأس الذي أخرجه الوحش من جسده طارَ باتجاهي لأحرك جناجايّ على يساري أتفادى الإصابة به لكني لم أتفادى ضربة إحدى يديه القريبة مني التي جعلتني أحلق بعيداً واصطدم بِشجرة و أسقط أسفلها.

سمعتُ أحدهم ينادي باسمي، لعله كالون لكني لم أرُد أو أنصِت بل فتحتُ عيناي أخرج أنينًا من حلقي على الألم الذي غزة كامل جسدي ثم وقفت جيداً أنظِف التراب من على ملابسي ألعن الوحش مليون مرة إن كانَ هذا ممكنًا.

رصيتُ على أسناني من الألم لكني رفعتُ جناحايّ و حلقتُ من جديد بين الأشجار بِمستوى الوحش أتجه إليه و هو يقاتل سهام القرويين و كونور بينهم يُعطيهم بِطريقةٍ ما إشارات و أوامِر وحدهم يفهموها بينما كالون و قرويين آخرين من جهة أخرى يؤذونه بِقدر الإمكان لكي يضعفونه.

الأن دمائه الزرقاء أصبحت تملأ جسده و تُغطيه في الكثير مِن المناطق و الأرض تسبح به، تصبح زرقاء و بنية و سوداء.

التخلص منه صعب جداً بل أصعب من ما توقعته. رأيتُ بِطرف عيني جذع شجرة مُقسَم لِنصفين و تبدو أصغر مِن الباقي التي تحيطنا لأدير وجهي واتجاهلها. فقعت فجأة فكرة في رأسي على رؤيتها لأغير مسار تحليقي ليصبح الوحش و القرويين خلفي. حلقتُ فوق الجذعين يدايّ مرفوعة من مستوى صدري و أمامي أركِز عليهما. أنها مُغطاة بِالكثير من العفن لكنها ستجدي نفعًا.

بدأ الجذعين بالتحرُك بِبطء في البداية لكنها ارتفعت رويداً رويداً عن الأرض إلى أن أصبحت تحلق معي في الهواء.
ألقيتُ نظرة خاطفة على الوحش أجد مجموعة قرويين يتسلقون جسده و هو يُحاول الألقاء بهم أرضًا و التخلص منهم لكنهم أكثر منه عدادًا.

تبًا! همستُ مع نفسي ثم حلقتُ بِسرعة وخلفي الجذعين المنفصلين قبل فوات الأوان و فقدان المزيد من القرويين.

و أنا في طريقي إليهم، أستطاع الوحش التخلص مِن القرويين على جسده لكن بعد أن أذوه بِشكل كبير كما أنَّ هنالك فأس يغرز في صدره و إحدى قرونه الأربعة مفقود.

جيد. هم ليسوا ضعفاء ابداً.

أخرج الوحش زئراً مِن فمه جعل أوراق الأشجار تتحرك بِشدة في اتجاه واحد كأنَّ رياح ما عصفت بِها، لأسرع أنا أكثر أطير مقابله تمامًا.

نظر لي الوحش وهو يمسك بإحدى مَخالبه قَروي يصرخ لكي يدعه و شأنه كأنه سيفهم لغته مع أني متأكد أنه يفهم معاناته جيداً و يتغذى عليها.

بدى على الوحش و كأنه مُحتار، كأنه لم يتوقع ظهوري مجدداً بعد تلكَ الضربة التي تلقيتها منه، لهذا ابتسمت ابتسامة عريضة تظهر أسناني و قلبي هائج بِداخلي لكني لم أظهر له ذلك.

كانَ يجب عليكَ فعل الأفضل في المرة المُقبلة. قلتُ له ساخرًا ليمُد هو ذراع فارغة نحوي بِصرخة و لأتصرف أنا لا أضيع وقتًا.

حركتُ يداي لِيحلق الجذعين بِسرعة هائلة إليه. جذع يُصيب وجهُه و جذع يغرز بِبطنه، تلكَ الأخشاب المكسورة كَقوة الزجاج المكسور و حتى أكثر خطورة. كسر منها قطع كثيرة قد تناثرت في كل الجهات لكن الإصابة التي تسببت به أكبر جعلته يزأر مِن جديد و هو يفلِت ما بِقبضاته يقع بِبطء شديد على ظهره.

و بوم!

وضعيته سببت صوتً كبيراً كَصوت الرعد و الأرض زلزلت مِن أسفلنا، بعضًا من الطيور طارت بعيدة عن الأشجار و كل ما هو على الأرض ارتفع لِلحظة و هبط إلى مكانه.

فالكين! لم ينتهي بعد. صاح كالون مِن الأسفل ينظُر على الوحش الذي تحرك بعدها امسك بالجذع الذي يغرز في بطنه و الدماء الأزرق في كل مكان لألاحظ شيئًا...

قرنين من قرونه كسرت و جانب وجهه أو الجمجمة، مسكور أيّ أنه فاقد لِجهة منه كأنه تمثال كسر نصفه.

توسعت عيناي بِعدم تصديق لكونه ما يزال على قيد الحياة مع أنَّ جذع شجرة بِطول منزل و بِعرض فيل في بطنه.

هذا المخلوق يُقاتل الموت حتى. تمتمت مع نفسي أثناء سحبه لِلجذع من بطنه يخرج صرخته العميقة كَمجموعة من الأسود التي تزأر.

سحبتُ نفسًا عميقًا إلى صدري أحبسه قليلاً قبل أن أزفره أفرُد ذراعايّ أمامي استدعي القوة التي لم تخذلني يومًا.
النار.

هذا المخلوق بِكل تأكيد ليس ضد النار، صحيح؟ تسألتُ مع نفسي أحرك جناحايّ متجهًا نحوه و نحوَ الرجال الذينَ يُحيطونه من كل الجهات بينما كالون و كونور يركضون إليه إلى أن أصبحوا أسفلي.

بدأ الوحش بالنهوض من جديد و جرحه في بطنه يستمر بالنزيف لكنه لم يهتم وكأنه لا توجد حفرة كبيرة في معدته بتاتًا.

توقف الوحش و هو يإنِ بِألم عن التحرُك و ظل بِوضعية الجلوس يحاول أبعاد الرجال عنه بِذراعيه الأربعة و قد نجح بِضرب ثلاثة منهم أما الباقي ابتعدو عنه قليلاً يحذرون منه.

عند اقترابي منه مسافة كافية لِكي أكون هدفًا أسهل، رفعتُ يداي أمامي ثم ألقيتُ كرات حجمها متوسط من النار على وجهه لكي أجذب انتباهه قبل أن ينهي أمر القرويين.

و بالفعل، توقف الوحش عن مُحاول قتلهم ثم رفع رأسه الذي ليس بِرأس باتجاهي ينظُر إليّ بِتلكَ الحفرتين السوداء. فتح فمه يزأر يمسح على وجهه كأنَّ كرات النار كانت لسعات مِن ذبابات ليس إلاّ مع أنَّ دخان رمادي يخرج من المناطق التي أصابت كرات النار وجهه.

أنا هنا أيها القبيح! صحتُ له أنتبه أنَّ كالون و كونور يفترقون في الغابة و بين الأشجار يحملون بِأياديهم حبال ما.

ما الذي يفعلونه؟
سالتُ نفسي مِن دون أن أبعِد نظري عن الوحش الذي عاود النهوض مجدداً يضع إحدى أذرعه الأربعة على جرحه العميق.

عندما وقف على ساقيه العضلية الضخمة تقدم إليّ بِخطوات بطيئة جداً يمُد ثلاثة أذرع لكي يمسك بي لكني طرتُ إلى الخلف ألقي المزيد مِن كرات النار البسيطة عليه أبعده عن القرية و القرويين.

رأيتُ بِطرف عيني كالون يقف على جذع شجرة عالية قد تسلقها في ثواني يُشير لي بِيد إلى الشجرة التي يقف عليها و الشجرة التي يقف عليها كونور هو أيضًا.

في البداية لم أفهم ما يعنيه بِذلك لكن بعد أن رأيته يحرك الحبل في يد على شكل دوائر فهمت ما يجول في خاطره هو و شقيقه.
انهم يعدونَ فخًا قادر على إيقافه للأبد.

اومأتُ له مرة بِخفة ثم غيّرتُ وجهتي إلى الشجرتين و الوحش بِجهله لحق بي كل مرة يأخُذ خطوة كبيرة على الأرض، يخرج صوت قوي يهُز منها من ثقله الهائل.

بعد مُعاناة بِجعله يلحق بي مِن دون أن يفهم ما سنفعله به، وصلتُ إلى وجهتي وانتظرته بين الشجرتين إلى أن وصل إليّ يمُد أّذرعه لكي بِكل تأكيد يعصرني بها و يجعل مني عصيراً. أطلق الشقيقان فجأة حبالهم يمسكون بِأول ذراعين يسحبونه بِقوة نحوهم حتى يجعلوه يتوقف بين الشجرتين يمنعوه من التحرك أكثر و الوصول لي.

الآن! صرخ كالون لأحدهم و إذ بِالمزيد مِن القرويين يظهرون من بين الأشجار على جذوعها المرتفعة و في أياديهم حبال أكثر.

ألقو بِها نحوَ الوحش يمسكونه مِن ذراعيه الأخرى و ساقيه و قرونه يجعلوا هروبه شبه مستحيلاً.

عاد يزأر الوحش بِشدة يتحرك بِهمجية في مطرحه يريد فَك قيوده العديدة لكن القرويين و الشقيقان شدوها أكثر بِقوتهم يعصروه حتى الألم إلى أن تخيلت أعضائه و مفاصيله تخرج من مكانها.

انكمش وجهي على الفكرة لأهز رأسي وأنظُر على كالون أجده عاقد حواجبه، جبينه يلمع من التعرق الكثيف و هو يُقاتل الوحش. هذا مبهر بِحق فَهم لا يملكون قوة سحرية كافية أو قادرة على منعه لكنهم يمتلكون ما هو أفضل من أية قوة جسدية، العقل.

فالكين، أنهي أمره! صاحَ لي كالون يجذب انتباهي من عالم أفكاري لأنظُر له لِلحظة، أومئ بِرأسي أغمض عيناي لِدقيقة فيها أتخيل نيراني تهيج و تدمر.

أحسستُ بِكامل جسدي ساخِن، حرارته تستطيع إذابة الحديد لأفتح عينايّ مجدداً أعلم أنها تبرُق بِاللهيب بدلاً مِن لونها البنفسجي و يداي يخرُج منها نيران مشتعلة برتقالية و صفراء.

ظننتُ نفسي أتخيل الموقف عندما نظرتُ لِلوحش أجده متجمد يحدق بي بِلا حراك و كأنه هو الذي يواجه الوحش و ليس العكس.

أنا لم أنتظر لأعلم المزيد أو أشاهده و هو يبدو خائفًا (أو ربما هذا ما حقًا تخيلته) لهذا رفعتُ ذراعايّ و بِحركة واحدة و بِسرعة البرق، أطلقتُ النيران باتجاهه كأنها أمواج بحر لكنها ليست من الماء وإنما حمم بركانية.

لم تصبه في وجهه فَحسب بل في كامل جسده من الأسفل حتى قرونه التي نجت في البداية ليُصبح شبه مَخفي فيها لا يُمكن معرفة شكله إلاّ أنَّ صرخاته ملأت رأسي و هزت مِن كياني حتى أوراق الأشجار من فوق و حولي ارتجفت تتضارب بِبعضها تصدر حفيفًا شديد القوة.

توقف! فالكين قلت توقف! سمعتُ اسمي يتردَد بِأمر صارم مِن مكانٍ ما فأنا معمي بِقوتي بالكاد أرى شيئًا غيره نيراني التي تقتل الوحش مع صرخاته التي غطت على باقي الأصوات من حولي.

استمر مُنادة باسمي إلى أن لاحظت أنني لم أعُد أحرق الوحش فَحسب و إنما بعض الأشجار مِن حولنا. لعنتُ تحت نفاسي ثم أوقفت النيران من الخروج من يدايّ أرى القرويين يخمدونها قبل أن تأكُل الغابة كلها.

ما الذي فعلته؟ سمعتُ كالون يسألني من على جذع الشجرة ذاتها.

كنتُ قد أعتقدت أنَّ سؤاله عن أهمال تصرفي و التسبُب بِحريق بسيط في الغابة ولكن عرفت السبب الحقيقي عندما أشحتُ بِعينايّ على مكان الوحش لأرى أنه أختفى لم يعُد له وجود. فقط دليل وجوده مِن الأساس هي مجموعة الرماد على الأرض بين الشجرتين.

لقد تبخر.

قصة قتلي، أو جعل وحش الكونكاسا يتبخر و يختفي عن وجه الأرض سافرت بين كل منزل في قرية أولينا وحتى خارجها في القرى المُجاورة لأصبح بطلها العظيم صاحب القوة المطلقة كما أنهم أخترعوا لي لقبًا لم ينادوني إلاّ به و هو:
ريتار.

الأسم يعني بِلغتهم، المبخر أو الذي يبخر الأشياء و في الحقيقة أعجبني جداً و وجدته مضحك بعض الشيء لكني قبلته بِموَدة وسعادة و أعتدتُ عليه بِسرعة فَكلما مررتُ في قلب القرية مع كانيلا أو أحَد الأشقاء اسمع اسمي مِن القرويين وهم يسلمون عليّ أو يتمنون يومًا سعيداً لي.

ريتار، سوف أستبدل اسمي بِه من الأن و صاعدًا.

أو لا، لأنَّ كانيلا رفضت عندما أخبرتها بالأمر (مازحًا) و طبطبت على كتفي تضحك أكثر كأنني أخبرتها بِأكثر النكاتة فكاهة في العالم، ربما هذا ما ظنت به حقًا.

بعد أربعة أيام من التنظيف وإعادة القرية كما كانت بِسبب ما حدث مع الوحش ودفن من مات مع عيش القرية في حداد، قرر أهل القرية الأحتفال بِزواجنا بِأسرع وقت ممكن و لأنَّ قائدتهم سمعت بِالذي حدث قررت هي أنَّ الأحتفال سيكون مزدوج.

أحتفال بِنصرهم و التخلص مِن الوحش الأسطوري القديم الذي حرمهم من أحبائهم وبِذات الوقت، أحتفال زواجي بِكانيلا.

كانَ قد أتى اليوم الموعود فيه أسمع ضحكات و أحادث القرويين مِن قلب القرية أعلم جيداً أنهم يجهزون لِلأحتفال و يُزينون كل زاوية بالورود و الأزهار.

أنا مِن الجهة الآخرى، جلستُ في غرفة كالون عاري الجسد عدا الجزء السُفلي منه طبعًا، أحدق بِالمرآة التي أمامي أشاهد كالون يرسم رسوماتهم الغريبة على كامل جسدي، رقبتي و وجهي.

رسومات بيضاء جميلة قد سألتُ عن معناها بعد فضول دامَ لأيام ليُجيبني كالون و هو يبتسم يركز بِعمله بِالرسم بِفرشاة رفيعة الريش
أنها رموز مُقدسة خاصة بِإلهتنا القديمة التي عمرت هذه الغابة و هذا الجزء مِن العالم. أنها تعني الحب، الثقة، القوة، الرحمة و الاستمرار بالعمل و نحنُ نرسمها على أجسادنا منذُ ولادة الطفل حتى موته.

هذا، جميل جداً ولكن متعب.

ضحك كالون يومئ عِدة مرات بِرأسه يكمل عمله على ذراعي اليُمنى بِأحترافية كأنه يرسم كل يوم، أعني هذا بالفعل ما يفعله فَهذه الرسومات عندما تجِف تبقى على الجسد ليوم كامل قبل أن تبدأ بالتقشر و الوقوع تصبح فُتاتًا.

هل يتم رسمها على كانيلا أيضًا؟ أنا سألته بعد صمت قصير بيننا و قبل دخول كونور إلى الغرفة يحمل بيديه ملابس ما و على شفتيه بسمة صغيرة.

فضولي مِن الآن، هاه؟ سأل كالون يُغيظني لأهز كتفاي و أتلقى كلمة قذرة منه لأني دمرتُ الخط الذي يرسمه.

رأيتُ كونور يُحرك أصابعه بطريقة لم أفهمها ليرى كالون الحركات و يبتسم يومئ متفهمًا ما يقصده بِحركاته
كونور يقول: أنه يجب عليكَ الصبر لكي ترى بِنفسك بعد الاحتفال.

أخذ مني دقيقة كاملة لكي أستوعب ما عناه كونور لأحس بِوجنتاي تحمر لِلغاية و بِمعدتي تقفز.
آوه، لقد نسيتُ أمر هذا بالكامل.

وضع كونور الملابس على السرير خلفنا ثم بدأ بِخلع ملابسه لكي يرتدي خاصته لأدير أنا وجهي و أتابع مشاهدة رسم كالون الذي استمر لِساعة مُملة و مؤلمة و أنا في ذات الوضعية القاعدة أمام مرآة طويلة.

انتهى هو مِن الرسم على جسدي و أنتظرنا قليلاً لكي تجف حتى نهضت و بدأت أرتدي الملابس التي احضروها مِن أجلي.

انها عبارة رداء من الشيفون لونه أسود و ذهبي يظهر صدري و ظهري كما هما عاريان وعليهما الرسومات التي أخذت من كالون الكثير من الوقت فَهذه الملابس التي يرتدونها هنا في حفلات الزفاف التقليدية، كدتُ أن أرتدي جزمتي و إذ بِكونور يمنعني و هو يهُز مِن رأسه.

لماذا؟ سألته بِحيرة و هو يضع الجزمة عند مؤخرة السرير بعيدة عني.

سوف نكون عُراة الأقدام، جميعنا. فَسر لي كالون و هو يفتح الباب لكي نخرج.

ولماذا سنكون عُراة الأقدام؟ سألته قبل أن يغلق الباب خلفنا لألقي نظرة خاطفة على باب الغرفة المُجاورة بأخِر الردهة أعلم أنَّ خلفها كانيلا تستعد لِحفل الزفاف و معها دينيسا و بيلا.

لقد أخبروني أنني سوف أراها في القرية عند بدأ الأحتفال.

لأننا مخلوقات من الأرض و علينا أن نكون جزء منها في الاحتفالات المقدسة وأهمها حفلات الزواج. أجابني كالون ينزل الدرج إلى الطابق الأرضي لألحق به و خلفي كونور.

كلامه منطقي لهذا أغلقتُ فمي و غادرتُ المنزل معهما إلى قلب القرية و خصيصًا إلى الساحة الرئيسية التي فيها كما توقعت، كل شيء مُزين بأجمل و أروع الزهور و النباتات الملونة و بِزينة من القماش المطرز تمتد مِن منزل و آخَر حتى النافورة مُزينة بألوان الربيع الرائعة تجعل من القرية أكثر جمالًا و ترحيبًا.

لكن السيء في الموضوع أنني و أغلبية القرويين، لا نرتدي ملابس مُناسبة بالشتاء فالهواء اليوم بارد جداً لكني لم أتذمر لأحد و أكملتُ طريقي أبتسم لمن يبتسم لي و ألوح لمن يلوح لي ينادوني بِريتار.

رفعتُ رأسي إلى السماء لأرى أنَّ الشمس تغيب و بعيدة جداً بين الأشجار تلون سمائها بالأصفر، البرتقالي و الوردي الغامق تُعطي منظراً مثاليًا ليوم أحتفال كبير فلقد أخبرني كالون أنهم يفضلون الأحتفال في الليل أسفل النجوم وعلى ضوء القمر لهذا الحفل سوف يبدأ بعد ساعة من الآن.

في الساحة الرئيسية الكبيرة لِلقرية، رأيتُ القرويين مجتمعين فيها، منهم مايزال يعد الزينة و منهم من يقف ويتحدث ويضحك وأطفال تركُض في الأرجاء خلف بعضها صياحهم و ضحكاتهم الصغيرة تملء الأجواء و منهم مَن يعد موقد النار الضخم في وسط الساحة و الذي سوف يتجمع الجميع من حوله قريبًا.

هناك، فجأة أشارَ كالون بِذراعه اليُسرى على الموقد يقطع حبل أفكاري لِنقف ثلاثتنا بالقُرب منه نترك مسافة جيدة لكي نعطي لمَن يعمل عليه بعض المساحة قبل أن يكمل هو
سوف تقف أنتَ و كانيلا عند النار و بينكم أولينتيا مِن أجل مراسم الزفاف المقدس.

موقد النار عبارة عن مجموعة عصيان من الخشب الطويل أطول مني بِبضع سنتيمترات متكئة على بعضها أعلم أنها عند الاشتعال سوف تكون نيرانها هائجة و عملاقة.

ومِن حول الموقد بعض الوسادات لِلجلوس و أكبرها من الجهة الأخرى لِلموقد، أخمن أنها لِقائدتهم المجهولة.

ما هي مراسم الزفاف بالضبط؟ أنا سألت كالون ليهز هو كتفيه يشابك ذراعيه أسفل صدره.

يجب عليكَ الأكتشاف بنفسك كما أنَّ أولينتيا سوف تخبركم بالأشياء التي يجدر بكم فعلها لهذا لا تقلق.

همهمتُ أو اومئ بِرأسي مرة مع أنني لم أفهم شيئًا لكني لم اسأل المزيد بل أكملنا ثلاثتنا السير بأرجاء القرية. لِلمفاجئة ظللت أتلقى هدايا عشوائية من البعض، هدايا جميلة و لطيفة مِن أهلها بينما الشقيقان يرافقانني في كل لحظة وعلى وجوههم ابتسامات حتى أنهم فتحوا أحاديث قصيرة مع الجميع يسألون عن أحوالهم و يخبرون مَن يود السماع عن قصة قتالنا وحش الكونكاسا و طريقة فوزهم ضده.

فليحيا المحارب ريتار!
كانت هذه الجملة الغريبة لِأذُناني كل ما رددوها القرويين فور رؤيتهم لي (بالإضافة لِلقبي)، جعلتني أبتسم كالأحمق طوال الوقت إلى أن حان موعد الاحتفال.

حل المساء و حل علينا هدوئه و جماله مع قمره و نجومه الصغيرة فوق رؤوسنا تتلألأ كالألماسات و الياقوت في بحر مِن الظلام.

جميع القرويين تجمعوا في الساحة الرئيسية عدا بيلا، دينيسا و كانيلا فَهم ثلاثتهم سوف يرافقون كانيلا عندما تأتي أولينتيا لِبدأ المراسم المُقدسة كما يسميها كالون.

موقد النار الكبير في الوسط قد أشعلوه لِتدفء نيرانه العملاقة المنطقة و تنضم لها أصوات فرقعة الخشب مع أصوات صراصير الليل القادمة مِن الغابة كما أنني اسمع عجيج النهر مِن بعيد لكنه لطيف و لمَسة ساحرة لِهذا اليوم الذي يجعلني متوتر أكثر مِن توتري عند مقاتلك وحش الكونكاسا.

يداي تتعرق بِشدة منذُ رؤيتي لِأثنان مِن القرويين يُشعلون الموقد و منذُ أن لاحظت أعيُن الجميع تراقبني بِفضول و سعادة نابعة من قلوبهم و واضحة على ملامحهم البشوشة، فَهم لا يستقبلون زوار و يحتفلون بِزواجهم كل يوم.

و غير ذلك ظللت أسمع همسات عن قدوم قائدتهم أولينتيا النادر إلى ساحة القرية و استقبالنا أنا و كانيلا و عن ردة فعلنا عند رؤية تلكَ المرأة العظيمة التي أبقت هذه القرية كما هي لِقرون.

كما أنني متوتر أكثر مِن هذا الزواج مع أنني سعيد به أكثر مِن ما يمكن تصوره. نبضات قلبي تتكلم و تصرُخ بدلاً مِن فمي لكن يوجد شعور آخر لم أستطيع منعه و كبته، الحزن. ما يحزنني أيضًا هو أنني سأتزوج بالمرأة التي أعشقها من دون وجود أصدقائي و عائلتي.

أعني بكُل تأكيد لا أريد تواجُد مايكا فَذلك قد يكون مُحرِجًا لِلغاية و حقيراً بعض الشيء لكن أردت أن يكون معي فالين و فينار و صديقي المُقرب ريزار الذي أعتبره كالأخ لي.

وبالطبع تمنيت تاليا و ريس، أدلار و جيانا حتى تيلار أن يحضروا الحفل و يكونوا بِجانبي يسعدون لِسعادتي.
ولكن هذا غير مُمكن فأنا في جِهة مِن العالم و هم في جهة آخرى.

لا يجب على العريس أن يبدو عليه الحزن في يوم كَهذا، فالكين. قال كالون من جانبي لألاحظ أنني قد شردتُ مع نفسي أحدق بِحُزن بالنار التي أمامنا ونحنُ نقف بالقُرب من الوسادة الكبيرة الخاصة بِأولينتيا.

نظرتُ على يميني إليه أسحب نفسًا عميقًا لِصدري قبل أن أزفره بِرقة من أنفي أضع بسمة صغيرة مزيفة على شفتاي.
أعتذر، أنا كنتُ أفكر بِعائلتي و أصدقائي.

اختفت البسمة العريضة من على شفاهه يُدرك بالذي يجعلني حزين لِيتشكل فمه على شكل 0 يومئ عدة مرات مع نفسه.

أنتَ محق. عادةً الشخص أيًا كان يُحب أن يحتفل مع أقاربه و مَن يكون عزيز على قلبه لهذا لا ألومك، لكن فكر بالآن و بالمرأة التي تنتظرك في المنزل لكي تصبح زوجها، تنتظر أن تتوحدو للأبد و تكملوا بعضكم، أغلق فمه لِلحظة يتحرك بِمطرحه ينظُر لِلنار مثلي ثم أكمل.

و بالنسبة لِلذينَ تفكر بهم، أنا متأكد أنهم سيتمنونَ لو يكونونَ معكم أيضًا في زفافك لكنهم سيسعدون عندما يعلمون أنكَ تزوجت من الشخص الذي تحبه و سيحتفلون بكم على طريقتهم.

ارتسمت بسمة لا إرادية على الفكرة و كم أنه مِن السهل تخيلها حقيقية لأنَّ فالين و الجميع سوف يفرحون لي حقًا عندما يعلموا بِزواجنا، فَهم كانوا يُشجعون على علاقتي مع كانيلا بِالسِر لكونهم مُدركون بِسرها الذي اكتشفته مِن فترة في جبال العسل بِفضل والدي اللعين.

لكني توترت مجدداً عندما فكرت بِردة فعلهم باللحظة التي سوف نعود بِها سالمين إلى فالينيا و نحنُ متزوجين، كوننا ثنائي أبدي.

هززتُ رأسي مع نفسي أنصت لِنصيحة كالون أفكر بالآن فَحسب أما المستقبل سيبقى مجهول حتى لو جلستُ هنا لِساعات أفكر بالذي سيُحدث به أو ما لن يحدث.

آوه أنظروا أنها أولينتيا!
سيدتنا وصلت!
يا للهول استعدوا قائدتنا وصلت!

بدأت مجموعة مِن الهمسات المرتفعة و التأشيرات بالأيادي على الجهة اليُمنى من القرية في الساحة بين القرويين. ألتفتُ أنا و كالون بِذات الجهة نجد ثلاثة رجال ضخام البنية، جميعهم بِصدور عارية مرسوم عليها كَوجوههم.

الذي على اليمين بِشعر قصير أسود، له بشرة داكنة كما هو حال أغلبية القرويين هنا، ويمتلك شارب و القليل مِن اللحية، يرتدي حول رقبته طوق ذهبي كبير. لديه عيون من نفس لون كأنهم طقم واحد، يبدو لطيف بِأبتسامته العريضة الودودة.

بينما الرجل على اليسار ذو وجه بارد متحجر، لديه عيون ذهبية كذلك، شعر أسود ناعم طويل جداً و رسوماته مختلفة عن الباقي، أنها بِلون أفتح بِكثير من بشرته الداكِنة كما أنَّ لديه أظافر مطلية بالأسود و طويلة بعض الشيء.

انه يرتدي ملابس مِن الذهبي و الأسود بالكاد تُخفي جسده الشبع عاري من الأعلى و الأسفل لكنه بدى، قوي، ملكي يذكرني بِمملكة كاداري و لايتا.
كلاهما من الممكن أن يصبحا أصدقاء.

الرجل الثالث، أصغرهم، لديه بشرة فاتحة و شعر أبيض طويل، بعض الخصل مظفورة و يمتلك عيون ثلجية، زرقاء جداً لم أرى مثلها من قبل و لِسببٍ ما يبدو غاضبًا فَهو معقد لِحواجبه الأغمق مِن شعره يتشكل بينهما خط رفيع، أنه يرتدي معطف من الصوف و بنطال رمادي فقط.

ولكن لم يكونوا الرجال مَن جذبوا انتباهي أو انتباه الجميع هنا و إنما المرأة الفاتنة التي تمشي بينهم بِرُقي و هدوء تام. ساقيها الطويلة العارية وأقدامها لا تُصدر أصواتً على الأرض و العُشب كأنها مخلوقة من الهواء نفسه، تمشي بِهدوء وخفة.

بشرتها الجميلة داكِنة جداً مِن لون الشوكولاه السوداء، لا أحد هنا يمتلك مثلها و مَن يمتلك حقًا، يكون نادر. لها شعر أسود كَسواد الليل طويل على شكل ضفاير متعددة سميكة. ترتدي عقد ضيق ذهبي على عنقها و أساور كثيرة مِن نفس النوع و اللون، تضع تاج على شكل أوراق ذهبي على رأسها.

هناكَ رسومات بيضاء في كل منطقة على جسدها بالكاد مَخفي بالملابس. على رقبتها، صدرها، ذراعيها، أصابعها، أذُنيها، أعلى وأسفل عينيها و شفتيها وحرفيًا في كل مكان.

وبالنسبة لِلون العينين...
سمعتُ نفسي أشهق بِخفة على لونها الساحر.

انها إما ذهبية أو رمادية فأنا حقًا لا أعرف ما هو اللون بالضبط. لقد ظننتُ أن لون عيون كالون مُحيرة و إذ بي أكون مخطئ.

غير ذلك، تلكَ المرأة لها هالة غريبة. هالة تجعل قلبي يتوقف لِثانية و يرجع بالنبض. يتوقف لِثانية و يرجع كأنها تضربه بِقبضات هالتها باستمرار. إنها هالة تصرُخ بِقوة و عظمة و قيادة ليسَ لها مثيل، هالة القليل يمتلك مثلها في هذا العالم. أنها ليست مُخيفة ولكنها رهيبة وقديمة جداً عمرها قرون و قرون.

كأنَّ آلهة تمشي على الأرض.

أولينتيا. همس كالون من جانبي بِثقة يبتسم لي.

حاولت رد الابتسامة له لكني لم أقدر لأنَّ عيناي ألتصقت بِها و هي تمشي إلينا بين الرجال و مرأة قصيرة القامة التي لم انتبه لها لكوني مشغول بالتحديق بِأولينتيا ذات النظرات الناعسة.

المرأة داكنة البشرة بِعيون بنية و رسوماتها ذهبية توجد على وجهها فقط. ظهرت من جانب الرجل على اليسار بارد الوجه و جنبها يمشي الرجل ذو الشعر الأبيض.

سبقتهم المرأة صغيرة الحجم إلى موقد النار ثم وقفت تنظُر لِلجميع بِملامح ثابتة تشابك يديها عند بطنها لِتفتح فمها و تقول كلام لم أفهمهم لأنه بِلغتهم.

هذه أوكتانا أنها ترحب بالجميع، أخبرني كالون مِن جانبي يهمس في أذُني و هو لا يبعد عينيه عن المرأة الصغيرة
و تخبرهم عن ما سيحدث اليوم و كلام من هذا القبيل،.

و مَن هُم؟ ألقيتُ بِذقني على مَن يرافقون أولينتيا التي تنتظر أوكتانا بِصبر لكي تنتهي من كلامها.

أشارَ كالون على الرجل ذو الشعر القصير و الشارب وَدود الشكل قائلاً
ذاكَ الرجل يكون زوج أولينتيا الثاني، يدعى بيكندسي ولكننا نناديه بِ بيك فقط.

الثاني؟

اومئ هو بِ نعم يُجيبني.

زوجها الأول يحكم قرية آخرى و نادرًا ما يزور أولينا بِسبب انشغاله و بالنسبة لِلرجل الآخَر، أشارَ كالون على الرجل متحجر الوجه مكملاً
فَهو يكون شقيق بيك الأكبر و زوج أوكتانا الذي يدعى لاميوس و كلاهما يساعدان أولينتيا بِحكُم القرية و غيرها مِن القرى المجاورة.

ماذا عن ذلك الرجل؟ نظرتُ على صاحب الشعر الأبيض.

آوه ذاك، أنه يدعى دوكسان و هو في الواقع أبن أولينتيا السابع و أحد أوسط أشقائه الخمسة عشر و والده هو زوج أولينتيا الأول.

رمشتُ بِسرعة البرق على دوكسان و الحقائق التي تلقيتها ليُخرِج كالون ضحكة من مؤخرة حلقه يرى جيداً تعابير وجهي المتفاجئة.

تعال لكي أعرفكَ عليهم شخصيًا. أقترح كالون لي يدفعني بِلطف مِن على ظهري نحوهم لأذهب معه إليهم، ردائي المفتوح يتطاير من ورائي بينما أبلع ريقي مرة و أثنتين أحاول أن أجمع رباط جأشي قبل أن أحرج نفسي أمامهم.

وقف كلانا مُقابل العائلة و خاصةً أولينتيا التي أشاحَت بِعينيها الجميلة نحوي تنظُر لي عن كثب كأنها تحاول معرفة مَن أكون. حتى الأخرين حدقوا بي أصبح محط الانتباه لأشعُر أنني قزم بينهم فَهُم هنا طوال القامة كالأشجار في الغابة و يجب عليهم أحناء رؤوسهم لكي ينظروا إليّ.

ما الذي يتناولونه بِحق الجحيم هنا؟

أعدتُ عيناي على أولينتيا ثم بلعتُ ريقي مرةً آخرى أبعِد توتري للأن و أضع الثقة و الشجاعة بعدها فتحتُ فمي لكي أقول شيئًا لها و إذ بها تتقدم خطوة نحوي تضع يدها الدافئة بِرقة على صدري فوق قلبي تجعلني أصمت.

أغمضت عينيها لِلحظة طويلة ثم فتحتهم تحدق بي مِن دون أبعاد يدها عني، زاوية من شفتيها أرتفعت للاعلى تُشَكِل بسمة جميلة.
فالكين لوماريل. الأبن الوحيد لِلأمير كاستيل و لِلراحلة أغاثا لوماريل و أبن مملكة أسليرا العظيمة.

أحسستُ وكأنها قالت أشياء آخرى لكن بِصمت مِن دون أن يسمعها أحد غيري. كأنها تراني عاري تمامًا و تعرف كل سِر مِن أسراري. بِلمسة واحدة قد فتحت قفل الصندوق بِداخلي.

أنا أعلم جيداً أنهم يعرفون بِشأن الممالك الستة لكن لم تكُن لديّ أية فكرة على أنَّ هذه المرأة تعرف أكثر مِن ذلك بِكثير فَهي تعلم بأمر والدايّ و بِموت والدتي.

يبدو أنني إما سألتها بِصوت مرتفع أو هي فقط رأته واضح على وجهي لِتبعِد يدها و تقف بِين زوجها و شقيقه تبرر الموقف
صحيح أننا لا نتعامل مع السحر مثلكم أنتم في الممالك الستة لكني أنا لديّ قدرة مميزة، تساعدني بِمعرفة الحقائق و بعض الأسرار المَكشوفة عن أية شخص ألمسه.

أعتذر سيدتي، أنا لم أقصد الإهانة بِتعجُبي. أنا أخبرتها أحني رأسي لأسمع الرجل على يمينها أو زوجها بيك يضحك بِخِفة ليتقدم و يضع يداً على كتفي الأيمن.

لا تقلق بِشأن ذلك، أهل القرية فضوليين مثلك تمامًا مع أنهم يعيشون على نفس الأرض معها.

رفعتُ رأسي مع حواجبي باندهاش ليُرَبِت على وجنتي مرتين يُكمل شرحه بِصوته العميق الرجولي كما لو انه يَخرُج من صدره
و بالمناسبة، جميعنا هنا نُفضل نعت أحدنا الآخر باسمائنا من دون ألقاب فَكلمة سيدتي، ليست مرحب بها بيننا.

أومأتُ له بِتفهم أنظُر لِلقائدة و هي تقول بدلاً من زوجها
نادني بِأولينتيا و أخمن أنَّ كالون عرفكَ على الجميع قبل قدومكم إلينا؟

ألقيتُ نظرة جانبية على كالون الذي اومئ بِسرور لِقائدته وجنتيه محمرة.

نعم، لقد فعل ذلك. أنا أجبتها أعيد تركيزي عليها.

أعطته أولينتيا بسمة دافئة تجعله يحمر أكثر حتى أصبح لونه مِن لون الطماطم
جيد جداً. أتمنى يا فالكين أنَّ كل شيء أعجبك مِن ترتيبات و زينة لِلحفل؟ صحيح أننا خسرنا من أهلنا في القتال مع الكونكاسا قبل أيام لكن لكي نجتاز الحزن يجب علينا الأحتفال و العودة إلى حياتنا و العمل.

أخذت نظرة سريعة مِن حولنا أتظاهر أنني أتمعن بِكُل شيء مع أنني فعلتُ ذلك فور وصولنا إلى الساحة من ساعة تقريبًا ثم أخبرتها بِصدق
كل شيء مثالي. هذه القرية و أهلها مثاليين، أنا لم أرى قرية مثلها من قبل كما أنه لِشرفٌ لي البقاء فيها إلى أن نجد حلاً لِلعودة إلى فالينيا وسعدتُ جداً بالمساعدة لِلتخلص من الكونكاسا.

لقد أخبرتني بيلا بِكُل شيء و أنا أعدك أننا بعد الحفل سوف نتحدث بالموضوع و نجد الحل معًا. فَهذا أقل ما يمكنني فعله بعدما أنقذتَ القرية من الكونكاسا.

هززتُ رأسي من اليمين و اليسار لأطبطب على كتف كالون و أقول
أنا ساعدت فحسب أما الأبطال الحقيقيين هُم كالون و كونور و القرويين.

ومع ذلك، نحنُ جميعنا ممتنون لكَ للأبد.

أبتسمتُ لها من القلب ثم أنحنيتُ بِظهري أحترامًا لها و هي تقبلت تصرفي بِمَودة و سعادة لِتقترح هي أن نذهب إلى النار و ننتظِر العروس لكي تبدأ مراسم الزفاف كما وعدتنا.

ذهبت هي بِرفقة زوجها، شقيقه و زوجته التي رسمت بسمة لي، إلى الوسادات و هُم يتناقشون بأمر ما بِلغتهم. أردتُ أنا و كالون الذهاب إلى مجموعة شُبان يكونوا أصدقاء كالون المُقربين لكي نقضي بعض الوقت معهم لِيُقاطعنا صياح ذات الشاب الصغير الذي أتى إلى منزل بيلا و حذرنا بأمر الوحش و خلفه يمشي كونور تعلوا على وجهه الوسيم ابتسامة تُظهِر أسنانه البيضاء.

لقد حانَ الوقت! لقد أتَت العروس! كرَر الطفل الجُملتين و هو يركُض في أرجاء الساحة من شخص لآخر ذراعيها مَفرودة في الهواء.

قلبي خَفق نبضة على ذِكر العروس لِنتجمد أنا و كالون و كُل كائن في الساحة على ظهور بيلا و دينيسا يُمسكان بينهما كانيلا، يساعدانها على المشي من دون العصا لكون ساقها مَكسورة.

كل الدماء في رأسي هبط لِقدماي على شكلها.

شعرها الحريري مَضفور على كتف واحد، انها ترتدي فستان طويل لونه ذهبي و بيج، على خصرها ملتف حزام و فوقه حبل مِن لون الفستان الذي يُخفي جسدها كله عدا القليل مِن صدرها و رقبتها المرسوم عليهما باللون الأبيض.

الرسومات تصل لِلمنطقة بين ثدييها لِتبدأ مُخيلتي باللعب بي بِمُكر تجعلني أتخيل كل جسدها مُغطى بِتلكَ الرسومات مثلي لأذكُر أيضًا كلام كونور أو ما ترجمه لي شقيقه عندما كُنا في غرفته نستعد لِلأحتفال.

أنها أجمل مِن الخيال و أنعَم مِن الحرير، أنها تُضيء مع كل خطوة صعبة تتخذها إلى الساحة و تخطف أنفاس كل من ينظر إليها. لم ألحَظ وقوف كونور معنا إلاّ بعدما نكزني بِكوعه في معدتي أجده يغمز لي.

لقد حان الوقت. همس كالون لي يسحبني معه نحوَ أولينتيا التي الآن تقف لوحدها تُشاهد الثلاثة نساء يتجهون نحونا بِبطء.

قف أمام و على يسار أولينتيا ولا تتفوه بِحَرف. وضعني كالون عند أولينتيا، تمنى لي التوفيق ثم ذهب مع شقيقه و وقف مع دوكسان الذي يُشاهد كذلك كالجميع لكن عينيه تحوم على جسد دينيسا بِطريقة جعلني أفكر بأنه إما يعرفها جيداً أو أنهما على علاقة أو قد أكون مخطئ.

كالغراء، التصقت عيناي بِعيون كانيلا بعدما رفعت رأسها لكي تنظُر لِأمامها لكونهم تَخطوا النار و أصبحوا عندنا لكنهم تركوا مسافة كبيرة بيننا.

في العادة، الفتاة تُكمِل طريقها نحوَ زوجها لهذا تقف هي بعيدة عنك. تمتمت لي أولينتيا تشرح ما يجري لأومئ لها متفهمًا.

ساق كانيلا تمنعها مِن الأكمال لوحدها لهذا فجأة خطرت على بالي فكرة قد تكون عونًا مؤقتًا لها.

دخلتُ إلى عمق قوايّ الثلاثة و بحثتُ في القوة الثانية مِن بعد النار، والتي تكون التحكُم بالأشياء. وجدتُ طاقتها و أمسكتُ بِها جيداً كي أستخدمها على كانيلا. مرةً من المرات رأيتُ ريس مرةً يفعلها من قبل لِتاليا و هي تنزل الدرج بِصعوبة بِسبب حملها.

الجنين في بطنها ثقيل و يجعل حركتها متعبة ومؤلمة لِلغاية لهذا ريس وجد الحل المؤقت بِاستعمال قوته التحكُمية بأخذ القليل مِن حمل جنينها في بطنها حتى يُسهل عليها الحركة.

في البداية لقد تعجبتُ مِن سهولة حركتها مع أنها دومًا ما تبدو مرهقة و توَد فقط الجلوس و عدم فعل أيّ شيء ولكن عندما ساعدها ريس بِقوته، عادت الحياة لِوجهها و ارتخت عضلاتها كأن ريس جعلها تطير و يحركها هو بِدلاً منها.
فعلتُ ما فعله هو.

ألقيتُ بِقوايّ نحوَ كانيلا و خاصةً على ساقها المكسورة أخَفِف مِن ثقلها و أعينَها بالحركة هذا يعني أنها عندما تمشي عليها لن تشعُر بِها مكسورة أو بأيّ ألم أطلاقًا و كما لو أنها لم تكسرها من الأساس.

ركزتُ على عظامها و عضلاتها وأعصابها أذكُر كيف تمشي و أفكر بِكَم خطوة ستتخذها إليّ. و كما لو أنها شعرت بِها حول ساقها، توَسعت عيون كانيلا بِدهشة تنظُر مني ثم لِساقها لا تصدق ما يحدث.

مددتُ أنا يدي إليها أطلُب منها بِصمت القدوم إليّ لكنها ترددت قليلاً و مع ذلك سحبت نفس إلى صدرها تجعله يرتفع ثم يهبط بعدها طلبت مِن بيلا و دينيسا تركها ليترددوا هم بالمُقابل لا يفهمون كلامها الغريب.

أصرت هي بِتركهم مرة أخرى تعطيهم ابتسامة واثقة لينصتوا من دون المزيد من الاعتراض يدعوها تقف لوحدها على ساق. ظللتُ أنا مادِد يدي لها أنتظرها و أشاهد ساقها المكسورة تَهبِط على الأرض بِبطء شديد تبدو خائفة مِن الشعور بالألم عند الدعس عليها إلاّ أنه ِبلحظة وقوفها عليها، لم ينكمش وجهها.

لم تُخرِج صرخة من الألم أو تقع و إنما بدأت بالمشي على ساقيها الاثنتين بِشكلٍ طبيعي، لا وجود لأية خطب بها. كبرت بسمتي تظهر أسناني كلها و أنا أراقبها تأخُذ خطوة وراء الآخرى عارية القدمين فستانها يتطاير بِخفة من حولها و خُصلات من ضفيرتها الهاربة تمسح على جانب وجهها المثالي و رقبتها.

القرويين شهقوا بِقوة على منظرها و هي تَمشي حتى كالون مِن مكانٍ ما، لعنة تحت أنفاسه مصعوق لأضحك بِداخلي عليهم كلهم بينما شكرتُ ريس بِصمت على الفكرة العبقرية. لم أكُن يومًا لأظن أنني سأستخدمها على الشخص الذي أحبه مثله هو.

وصلت كانيلا إليّ تمسك بِيدي لِتقف هي على يمين أولينتيا و أمامي مباشرة تدع يدي، لكنها همست لي بِصوت أنا وحدي سمعته (وربما أولينتيا كذلك لكنها لم تُعطي ردة فعل) تشركني به على الخدعة الذكية و مُساعدتي لها بِتَخفيف ألمها و أعطائها فرصة المشي مجدداً و لو لِلحظة قصيرة على ساقها المصابة.

أنا أومأتُ لها بِخفة قبل أن تشير أولينتيا لِلجميع بيديها بِرقة لكي يجلسوا على الوسادات من حول النار.

جسلنا كُلنا سويًا على الأرض، هي على وسادتها الكبيرة بينما أنا و كانيلا كُنا الوحيدين الذينَ جلسنا على التُراب الجاف البارد بعض الشيء جعلني أرتعش لكوني بالكاد أرتدي ملابس تدفئني لهذا قررت أستعمال القليل من قوتي حتى أبقي حرارة جسمي طبيعية.

لم اسأل لماذا لا توجد وِسادات لنا بل نظرتُ مثل كانيلا على أولينتيا التي بدأت بالتكلُم بِصوت مرتفع كي يسمعها الجميع
قبل يومين، فقدنا أفراد مِن عائلتنا الكبيرة. ربما شقيق، زوج، صديق، أو حبيب تحت أيادي الوحش ولكننا لم نستسلم و لن نستسلم ابداً طالما كُنا معًا و يد واحدة.

يد واحدة! صاح القرويين بأنٍ واحد يرددون الجملة.

الوحش قد مات ومات معه تهديد عمره عقود و تخلصنا مِن معاناة حلت علينا منذُ زمن بِفضل بِطل قد أتى من بعيد يبحث عن مأوى، أشارت بيد عليّ ثم تابعت لِأتباعها
لقد أنقذنا مِن شر مُطلق مع أنه كانَ يهرُب مِن واحد بِنفسه بِرفقة امرأة شجاعة و ذكية. لقد فقدنا أفراد من عائلتنا لِنكسب غيرها. لقد حزنا على موتهم و سنحتفل بأرواحهم اليوم كما سنحتفل بِأندماج روحين ينتميان معًا منذُ اليوم الأول لِولادتهم.

وضعت أولينتيا يديها على كتفي و كتف كانيلا تنظُر لنا تومئ لِكلينا لنعيد لها الإيماء بالمقابل.

و لكونهم مِن العائلة أوَد مِن الجميع أن ينضموا إليّ، لِننسى الحزن قليلاً و نعيش السعادة مجدداً و لِجعل مراسم الزفاف المُقدسة مكتملة حتى نجمعهما لكي يُصبحان جسد و روح واحدة.

جسد و روح واحدة! رددوا القرويين الكلام مرتين ثم عَم الهدوء فيه نسمع فرقعة الخشب مِن موقد النار الذي ينعكِس لونه علينا و على كانيلا، يحول لون بشرتها و عينيها لِلذهبية.

جيد جداً. تمتمت أولينتيا لِتتقدم إليها أوكتانا تحمل بيدها سلة مِن القش مُزينة بالورود.

وضعتها في حُضن أولينتيا أحنت لها رأسها ثم عادت إلى جانب زوجها.

هل أنتما مستعدان؟ سألتنا أولينتيا تنظُر لي و لِكانيلا مِن أسفل رموشها الكثيفة لنومئ بِ نعم لها.

فتحت هي السلة تدخل يدها بِها لتخرج منها تاجين مِن الزهور و عروق النباتات ملتفة من حولهما يذكرانني بِأكسسوارات مملكة فالينيا لكونها مملكة ربيع.

أعطتني التاج الصغير و لِكانيلا الكبير تضع السلة على جنب و هي متربعة الساقين.

التاج لدينا في المراسم، يُمثل الأحترام المتبادل. قالت القائدة تُشير لنا حتى نضعه على رأس الآخر.

قرّبتُ رأسي لِكانيلا التي تجلس مُقابلي ما زلتُ أحمل القليل مِن ضغط و ثقل ساقها المكسورة لكي تجلس بِشكل مريح لكي تضع هي التاج الكبير على رأسي قبل أنّ تقدم رأسها هي لأفعل المِثل.

أدخلت أولينتيا يدها مرة أخرى في السلة ثم آخرجت تُفاحة خضراء لذيذة الشكل تعطيني إياها أولاً.
الفاكهة تمثل المشاركة، الصدق و الثقة.

مددتُ يدي إلى كانيلا لكي تأخُذ قضمة منها عينيها لا تُغادر خاصتي و هي تأكُل ما في فمها بعدها أخذت من يدي التفاحة لكي تُطعمني منها كذلك.

الأمر غريب و مضحك قليلاً لكني أحسستُ بِأنني حقًا هذه المرة أصبح واحد معها. مع أننا نتشارك وشوم تُعبِر على أننا نِصف الآخَر ولكن هذه المراسم تجعلها حقيقية أكثر، عَلنية، الجميع يمكنهم رؤيتها، يصبحونَ شهود عليها.

أخرجت أولينتيا خنجراً مِن السلة مُدبب و حاد أسوَد اللون مرصع بالياقوت الأحمر و الأخضر لتُعطيني إياه. شعرتُ بالقلق حيال الأمر لتُخبرنا هي بالذي يجدُر بنا فعله تلقي بالقلق بعيداً فَلا يوجد له مكان بيننا في هذه اللحظة
السلاح أو الخنجر يمثل الشجاعة، الأصرار، الدفاع والتضحية بالنفس من أجل الثاني.

أشارت هي لي لكي أجرح يدي مِن منتصفها بِشكل طفيف غير مؤذي لكوني أشفى بِسرعة لأفعل ما أمرتني. جرحتُ كَف يدي قليلاً، سالَت دمائي القرمزية على الأرض قطرة وراء قطرة بعد ذلك أعطيتُ الخنجرة لِكانيلا من أجل أن تجرح هي نفسها أيضًا. شاهدتُ دمائها تتساقط كَقطرات الأمطار على التربة بيننا بِبطء بيننا انتبه أنه لا يبدو عليها الألم أو الأكتراث.

و الأن ضعوا أيديكم على التراب و دعوا أرواحكم تتعرف على نفسها و تتوحد إلى آخِر نفس. قالت أولينتيا لِنضع أيادينا المَجروحة على التربة.

أنكمش وجهي مِن الشعور الغريب و الألم البسيط على تلامس الجرح بالتراب، أنظُر لِكانيلا أراها تحدق بي و في عينيها دموع. تفاجأتُ مِن بكائها، عينيها تصبح ضبابية تُهدد الدموع بالسقوط على وجنتيها الناعمة.

في البداية اعتقدت انها تبكي بِسبب ألم يدها و بالأخَص لأنها تضع جرحها على التربة بدلاً مِن تنظيفها و تضميدها فأنا سأتأكد من فعل ذلك بعدما ننتهي من المراسم ولكن اتضح انها لا تبكي بِسبب هذا و إنما من السعادة.

فهَي تبتسم، تلعق شفتيها الممتلئة ترطبها و تبتسم أكثر تنشُق مِن أنفها. مِن على يساري بدأت أولينتيا تُتمتم كلامًا بِلغاتها وهي مغمضة العينين لتضع يديها فوق أيادينا بينما القرويين عادوا يرددون كلامها بِهمسات بالإضافة لغيرهم يُهمهم ألحان موحدة جميلة مغمضين الأعيُن.

فجأة و مِن دون سابق أنذار، خرج شُعاع أبيض مِن أسفل أيادينا، مِن التربة لِترتفع ألحان القرويين حتى يقوة الشعاع أكثر.

أردتُ سحب يدي لكني أولينتيا ضغطت عليها تمنعني. شعرتُ بِحرارة ما تنتشر من الأرض و يدي و إلى كامل جسدي، توَسعت عيناي منصدم لا أعلم ما الذي يجري بِحق السماء وفجأة توقفت الترددات المستمرة و الألحان لِيتختفي الشعاع كَظهوره.

ابعدت أولينتيا يديها عنا ثم فتحت عينيها ليفعلوا القرويين مثلها يَحِل علينا الصمت لِلحظات طويلة نعود لِسماع قرقعة النار في وسطنا.

لقد ظننت أنكم لا تتعاملون بالسحر. همستُ مع نفسي لِتسمعني أولينتيا و تُجيب بِنبرة هادئة
هذا ليسَ سحرنا و إنما سحر الأرض. و اليوم ريتار و كانيلا، عادت تُشير علينا تستخدم لقبي الذي أعطوني إياه القرويين قبل أن تكمل
أرواحكم متصلة و أجسادكم تولدت مِن جديد. كُل الذكريات، المشاعر، العقول، القلوب و القوة الجسدية و الروحية أصبحت واحد، أنتما واحد.

تقابلت عيناي بِعيون كانيلا أجدها تحدق بِساقها المسكورة و يدها التي من المفترض أن تنزف و يكون جلدها ممزق بِسبب الجرح. وجهها شاحب مخطوف اللون تبدو، محتارة و مصعوقة. عقدتُ حواجبي بِقلق أنظُر لِيدي كذلك أراها قد شُفيت تمامًا أسرع من ما توقعته.

فتحتُ فمي لكي اسألها ما الخطب لكن أولينتيا سبقتني تلمس كانيلا على ركبتها بِخِفة تجذُب انتباهها إليها.
لا تخافي و ثقي بي.

بلعت كانيلا ريقها يديها ترتجف تومئ بِرأسها مرة.

و الآن المراسم أكتملت بِمُباركتي و مباركة الأرض و مِن العادة أن يتبادل الشريكان الهدايا بينهما. لا يهُم ما هي بالضبط فَهل لديكما ما تودان مبادلته بينكما؟ سألتنا القائدة رافعة لِحواجبها لِأومئ أنا بِنفس الوقت اومأت كانيلا.

تبادلتُ النظرات المتعجبة معها لِتُعطيني بسمة جعلت من قلبي يقفز.

نهض أحَد القرويين من بين الباقي يحمل بيده طبق يتقدم نحونا. أتى هو إلى جانب أولينتيا ابتسم لنا ثم وضع الطبق بيني و بين كانيلا ليرحل و يجلس في مطرحه مع عائلته الصغيرة.

نظرتُ أنا لِلطبق لأجد أقراط صغيرة. قُرط على شكل قمر و الثاني على شكل شمس، رمشتُ مرتين عليها و رفعتُ رأسي لِكانيلا.

همهمت أولينتيا بينما تأخُذ القرطين لتُعطي الشمس لي و القمر لِكانيلا.

متى؟ أنا سألتُ كانيلا لتُشير لنا أولينتيا كي ينهض الجميع من جلوسه.

نهضتُ أنا مِن دون تلقي الإجابة على ساقاي أذهب لِها من أجل مساعدتها بالنهوض ولكنها لوَحت بيدها تُبعدني عنها تنهض بِنفسها تقف أمامي.

حركت هي ساقها المكسورة أو التي كان من المفترض أن تكون مكسورة تُشيح بِبصرها على المرأة بيننا.

أجسادكم انولدت مِن جديد، كل شيء مُدمر، تم إصلاحه مرة آخرى وكل شيء سام أصبح صحي و كامل. شرحت لنا قائدة القرية تنظُر لِساق البشرية التي شفيت تمامًا.

تبًا! يجدر بي الآن الإلقاء بالكرسي المتحرك لِلنار. قال كالون مِن ورائي بِخيبة ظن ليَضحكوا الجميع على ذلك ومِن ضمنهم نحن لِفترة.

بعدها عم الهدوء مِن جديد فيه تهُز أولينتيا رأسها بِكلتا الجهتين على كالون ومع ذلك رأيتها تبتسم بِسِر مع نفسها.

كانيلا حكت قصة حبها التي دامَت لِفترة طويلة لِبيلا و بيلا طلبت مِن الحداد صنع هذه الأقراط كَهدية منها لك، ريتار. عادت أولينتيا لِلموضوع الرئيسي لألقي نظرة آخرى على القُرط الذي بين أصابعي و أصابعها.

هي شمسي و أنا قمرها.
أنها تذكرني بالبطاقة التي أعطاها إياها العرافة من مملكة سنويان قبل أشهر.
أشهر...

لقد مرت أشهر على كل شيء.

زينتُ شفتاي بِأبتسامة نابِعة مِن القلب أحدق بِهذه المرأة التي تقف أمامي. بريئة مِن كل شَر من في هذا العالم، نقية من وساخته و جميلة كَجمال الورود على تاجها.

شكراً لكم على مساعدتي بِصُنعها. قالت كانيلا لِلقائدة و هي تتقدم إليّ تطلب مني أن أدير رأسي على جنب كي تدخل القرط بِأذني اليسرى.

بعدها وضعتُ الذي معي بِأذُنها اليُمنى حتى عندما نقف بِجانب بعضنا تظهر معًا، دليل على كوننا واحد، لِبعضنا ولا أحد غيرنا.

و أنا لديّ هدية صغيرة مِن أجلها. أخبرتهم أتحسس القرط في أذُني لِترفع كانيلا حواجبها بِحيرة على ذلك قبل أن تنهض فتاة صغيرة وتأتي نحونا تحمل صندوق خشبي ضئيل الحجم أذكُر أنَّ مَن صنعه يكون كالون كما طلبت منه.

هو يقف خلفي لم يستطع رؤية تعابير وجهي الممتنة له على مساعدتي بأعداد الهدية ومع هذا شعرتُ به يبتسم بِجانب عائلته بِفخر. أعطتني الفتاة اللطيفة الصندوق لأرَبِت على رأسها قبل أن أواجه كانيلا.

فتحتُ أنا الصندوق بِبطء أنظُر لمُحتواه الذي فكرت بِكيف يجب أن يكون وانتظرته بِحماس و صبر طويل حتى يجهز لِأيام.

أخذتُ خطوة إلى كانيلا أجعل المسافة بيننا قصيرة جداً أشعُر بِحرارة جسدها تصلني و أسمع نبضات قلبها المَجنونة خلف صدرها، يديها ترتجف ليس كالسابق رهبتًا مِن ما حدث قبل قليل مع التربة بل بِسبب شيء كل فتاة تحب امتلاكه من الشخص الذي تحبه.

شيء أظن أنها خمنت ما هو، ما أحمله بيداي.
شيء يثبت لِمَن لا يعلم، بأنها تنتمي لِشخص ما و لا أحد غيره.

أخرجت زوجين مِن الخواتم و أنا أقول لها و لِلجميع
تبادُل الخواتم أمر نفعله في الممالك عند الزواج أنه تقليدي ومهم، الخاتم لديه الكثير مِن المعاني و أولها، الحب فالحُب لا يكون موجود مِن دون كل الذي ذكرتيه من قبل أولينتيا، ألقيتُ نظرة خاطفة على القائدة التي اومأت تفهم ما أعنيه لأكمل أنا أنظر لِزوجتي.

الاحترام المتبادل، المشاركة، الصدق، الثقة، الشجاعة، الأصرار، الدفاع والتضحية بالنفس مِن أجل الثاني. كل هذه الأشياء هي مكونات الحُب و في هذه الخواتم أنا وضعتها كلها.

شهقت كانيلا عند رؤيتها لِلخواتم المُتطابقة.

خاصتي بسيط مِن الحجر الأسود و مِن حوله حجر بنفسجي قد أحضره كونور لي لكونه طلب خاص. لقد اضطر الذهاب إلى قرية آخرى تصنعه من المناجم القريبة لكي نصنع الخواتم.

بالنسبة لِخاتمها هي، أنه الأجمل.
مصنوع مِن ذات الحجارة إلاّ أنَّ الألماسة في وسطه حجرها سحري دومًا حملته معي منذُ أن علمت بِأمر انتهاء علاقة كانيلا و مايكا بِبعضهما.

لطالما حملتُ الأمل معي على أنني يوماً الأيام سوف أكون زوجها، سوف أضع هذه الألماسة في حمالة تليق بِها وفي أصبعها.
حملتُ أمل أن أناديه زوجتي.

وها هي تلكَ الأمنية تتحق و آخيراً بعد عناء و قتال حتى وصلت له.

أخذتُ أنا يدها اليُسرى ثم وضعتُ الخاتم بأصبعها أذكُر أنه كان فيه خاتم ضخم يعود لِمايكا عندما طلب يدها كي تصبح زوجته، و هو لم يُحَقق لها ما تمنته هي منه بعد حب دام لِعقود.

حب مستحيل.

أخذت هي الخاتم الآخر مني تضعه في أصبعي بعد ذلك ظللت مُمسكًا بيديها النحيلة بِخاصتي و أنا أحدق بِها كما هي بي. كِلانا نتحدث بأعيُننا بدلاً مِن ألسنتنا لأسمع أولينتيا مِن جانبنا تُصَفي حلقها وهي ترجع خطوة للوراء قائلة
عاداتنا مُختلفة عن عاداتكم لكننا نرحب بِها أيًا كانت و أنا أعرف أنَّ الزوجين يقبلان بعضهما بعد أكتمال المراسم عندكم لهذا،.

أشارت لنا هي تسمح بِالذي أوَد فعله و بِشدة لأشكرها و أتقدم أغلق المسافة بيني و بين زوجتي أضع شفتايّ على شفتيها الرقيقة الدافئة.

بادرتني بالتقبيل تمسك بِوجهي بِكلتا يديها و أنا بِخصرها النحيل لأعمق القُبلة أكثر تأخُ وقتًا أطول من العادة ننسى أين نحن ومن يوجد حولنا بل لا نكترث و كل الذي نفكر به هو أحدنا الآخر، لِيبدأو القرويين بالتصفير و التصفيق يرددون أسامينا يستعملون لقبي هذه المرة كما استعملت أولينيتا إياه.

أثناء تقبيلي لها لم أقدر منع نفسي مِن الضحك مِن دون سبب مُعين أدمِر القُبلة. كانيلا لم تُمانع و شاركتني الضحك تَغمِر وجهها بِرقبتي تكمل ضحكها مع أصوات صياح الجميع و تصفيقهم لنا.

الأحتفال لم ينتهي بل بدأ باللحظة التي انتهينا مِن مراسمه. جلسنا أنا و كانيلا بِجوار أولينتيا على وسادات قد أحضرها كونور لنا نُشاهد رقص أهل القرية التقليدي حول النار وهم يغنون مع بعضهم أغاني خاصة بهم و هنالك رجلين يعزفان على الطبول معهم.

بالإضافة، بدأوا نساء القرية بِتوزيع بعض الطعام و الحلويات و المَشاريب لكي نشبع بها بطوننا بِما أنه حان وقت العشاء. كما أننا تحدثنا مع أولينتيا قليلاً عن أمور طبيعية كَحياتنا، مَعيشتنا و كل ما يُشابهه مِن دون التعمُق بالكثير من التفاصيل و أهمهما عن كيفية تواجُدنا هنا في جبال العسل.

قالت انها تُفضل سماع القصة كاملة لوحدنا في منزلها يومًا ما.

بالنسبة إليّ، واجهتُ صعوبة التركيز على ما حولي و كانيلا بِجانبي تضحك وتتكلم مع مَن يقترب منا لكي يتمنى لنا السعادة الأبدية أو لِفتح أحاديث ودودة لطيفة معها و معي.

فَكُل الذي أفكر به هو طريقة لعبها بِخاتمها في أصبعها كأنها ما تزال في صدمة مِن الهدية و أنها لا تصدق زواجها الذي لطالما حلمت به وبِلمساتها لِصدري كلما مالت عليّ أو نظراتها السرية وهي تسمع لِمن يتكلم معها كأنها لا تنصت و وضع رأسها على كتفي كلما شعرت بالتعب من المشي والتنقل من شخص لِآخر.

كل تلك التفاصيل أحسستها كنز لا يُفنى، شيء ثمين بالنسبة إليّ وخاص بي فقط.

و أنا مِن الجهة الآخرى، مازلتُ لا أصدق أنها زوجتي أو أنني متزوج أصلاً.

لم أكُن أخطط على الزواج بِسن مبكر أو على الزواج من الأساس فأنا من الجنيات و حياتي خالدة لديّ كل الوقت في العالم للأستمتاع و تجربة نساء مختلفات ولكن كل مخططاتي تغيرت بالثانية التي قابلتُ فيها هذه البشرية التي لم تعُد بشرية.

أنها تحمل حياة جني وهي عالقة في جسد بشري.
خليط غريب لم أرى مثله مِن قبل ولا أظُن أنَّ هنالك مثله من الأصل.

وغير ذلك، يوجد شيء آخر يجعلني أضيع بأفكاري ولا أركز على من يقف معنا، رائحتها من الياسمين. أنها تملء مَجرى تنفسي وكأنني في حقل من الياسمين. هذا غريب مع أنه يحدث لأنني أكون معها دومًا ولكن هذه المرة لستُ أدري الأمر بدى عجيب.

بدى وكأنني مَن أمتلك الرائحة وكأنني هي نفسها.
لم أفكر بالموضوع كثيراً لأني أحسستُ بِتحرُكات ما قادمة مِن طرف القرية باتجاه النهر القريب منها لأرى كالون يمشي لوحده قبل أن يختفي في الظلام بين منزلين.

كنتُ سأناديه كي كي أسأله إلى أين ذاهب لألتقط أعيُن كونور وهو يقف مع عائلته وعائلة أولينتيا عدا دوكسان و دينيسا غير موجودين معهم.

لاحظ كونور القلق في نظراتي ليَفهم تمامًا لماذا. اومئ هو لي مرةً أعلم أنه يُخبرني بأن ألحق بِشقيقه و أعرف بِنفسي لماذا غادر. عدتُ ألتفت لِكانيلا و الشابة التي تتحدث معها أقترب مِن كانيلا أهمس لها بأذُنها بِسرعة
أنا سوف أعود قريبًا.

توقفت هي عن التكلم تنظُر لي لِلحظة قبل أن تومئ تُقبل وجنتي و تعود إلى حديثها.

كالأحمق ابتسمت على تصرفها الذي أصبح عاديًا بالنسبة لها ثم مشيتُ أتركها مع الشابة لألحق بِكونور إلى النهر.

رأيته فوراً عند مجموعة صخور كبيرة هو يجلس على طرف أحدها. النهر أسفل أقدامه العارية، إذا أمالَ نفسه قليلاً للأمام يستطيع لمس المياه الهادئة بِها.

ذهبتُ أنا إليه أصعَد الصخور بِحذر إلى أن وصلت له. تحركت أذُنيه تلتقط أصواتي مِن ورائه لكنه لم يلتفت إليّ أو يتفوه بِحرف بل ظل صامتًا إلى أن جلستُ بِجواره أنظُر لِجانب وجهه وهو يحدق بِالنهر الذي ينعكس عليه القمر وتعابيره ساكِنة كَسكون النهر.

هل مِن خطب؟ كسرتُ الصمت بِسؤالي لكني لم أخُذ منه الجواب لأطبق على فمي وأشاهد النهر مثله أرى بعض الأسماك الملونة بالبرتقالي و الأبيض أو الأصفر و الأحمر تسبح فيه.

كنتُ أفكر بأمر وحش الكونكاسا. فجأة قال كالون يرفع ساق تصبح ركبته بِمستوى صدره يسند مرفقة عليها.

رفعتُ حاجبًا للأعلى على ذلك ثم سألت
تتساءل عن سبب قدومه بعد مدة من اختفائه؟

أخرج هو صوتً مِن حلقه بدى كالضحكة الساخِرة يهز رأسه
لا ليسَ هذا لأني أعرف سبب قدومه.

ما الذي تعنيه؟

أنا و كونور مَن أحضرنا الوحش إلى هنا، فالكين.

كانت جملته القصيرة كفيلة بِجعلي أبدو كالذي تلقى صفعة قوية على وجهه و بِتحويل دمائي لِثلج في عروقي.

ما الذي-- بدأتُ أنا ليقاطعني هو مُكملاً كلامه
جميعكم يجهل الأمر و أولهم عائلتي. لم يسأل أحَد أين يذهب كونور لِلصيد ولم يسأل أحَد لماذا يعود ليلاً مع أنَّ الصيد ينتهي قبل غياب الشمس.

رمشتُ عليه مِن دون اللفظ بِحرف لأني حقًا عاجز عن تَشكيل الكلام على لساني و فتح فمي لِلرد.

هنا شعر كالون بِصمتي ليحرك رأسه نحوي ينظُر لي يرى صدمتي مرسومة بِوضوح على تعابير وجهي. ضحك بِخفة يرجع لِمشاهدة النهر.
كانَ كونور يذهب إلى الغابة بعد وقت الصيد لِكي يصطاد الكونكاسا. لكي يجره و يقوده إلى القرية حتى نقتله وننتقم لِوالدنا ولكُل مَن مات بِسببه.

منذُ متى و أنتما تُخططان لِلأمر، كالون؟ أنا سألته بِفضول أشاهد النهر أيضًا أستمع لِأصوات صراصير الليل، غناء القرويين، العزف على الطبول و ضحكاتهم من خلفنا.

منذُ ثمانية سنين تقريبًا، في البداية كُنا مترددين ولكن قررنا أنها مهمتنا التي سوف ننتهي منها قبل موتنا وعلى حظك أنتَ و كانيلا، ظهر الوحش.

أخرجتُ هواءً مِن أنفي أسخَر من ذلك لأنه حقيقي ولكني لم أعلق بل تركته يكمل كلامه أسمع حزنه بِصوته الذي أنخفض
أنا لا أصدق أننا تخلصنا منه بعد بحث طويل. ظننا أنه لن يأتي و أننا لن نأخذ انتقامنا منه مِن أجل والدنا الذي كبرنا من دونه.

لماذا أردت الأنتقام، أعني أنا متفهم ولكنه لن يُعيد أحد لِلحياة.

اومئ هو يوافقني الرأيّ يُكَوِر يده المُتكئة على ركبته على شكل قبضة يعصرها حتى تحولت مفاصله لِلبيضاء.

أعلم ذلك ولكني أردتُ فعلها مهما كانَ السبب. موت والدي لم يؤثر عليّ كما أثرت عليّ حالة بيلا بعد موته. بيلا كانت و مازالت تُحبه بِجنون، كانَ والدي كل شيء بالنسبة لها، وعندما خسرته لم تعُد كما كانت. توقف هو يأخُذ نفس عميق قبل أن يزفره يمرر أصابعه في شعره القصير.

الجميع عدا أولينتيا وأشقائي يعتقدون أنها سعيدة بِعملها و حياتها لكنهم لا يعلمون أنها تعمل و تغيب اليوم كله لكي تنسى و تُسَلي نفسها عن التفكير بِزوجها حتى بعد عقود من موته.

أنا، أنا لم ألحَظ ذلك. قلتُ مدركًا ليَضع يده على كتفي يبتسم ابتسامة لا تصل لِلعينين.

لا بأس فالكين. هي لا تحب أن يعرف أحد آخر عن ذلك وأنا اليوم رأيتها لأول مرة منذُ فترة تبتسم من قلبها بِحق عندما رأتك أنتَ و كانيلا. شعرتُ بِفرح كبير ولكني تذكرت فعلتي.

جلبك لِوحش الكونكاسا إلى القرية. تمتمتُ أنا تكملة جملته التي لم يتفوه بها ليومئ هو يؤكد كلامي.

أنها لا تعلم بِالسر وأنا شعرتُ بالحزن لكوني أخفي عليها سر وأنا لا أخفي شيء عنها ابداً وإذا علمت بالأمر فَسوف تغضب مني وتتجاهلني وتحزن أكثر على خسارتنا لِقرويين مع أنهم تَضحية أضطرارية لكي نتخلص مِن الوحش للأبد حتى لا يأخُذ المزيد منا.

لا تقلق، أنا لن أخبر أحد عن ذلك فَسرك في بئر عميق.

أدار وجهُه إليّ وحدق بي لِلحظة ثم شكرني و عاد يراقب مياه النهر تجري بِبطء مياهه تلمع كالألماسات أسفل ضوء القمر الساطع.

أدركتُ شيئًا ذلك المساء بعد حديثي مع كالون، وهو أنَه لا توجد عائلة و حياة سعيدة دائمًا وإنما السعادة تمُر كَما تفعل السحاب في السماء.

تأتي و تذهب كما يأتي الحُزن ويذهب فَلا يوجد شيء أبدي و مستمر ونحنُ بِسبب هذه التجارب، نقوة، نتعلم و نتغير وفي النهاية نحنُ نقرر إن ما نريد أسعاد وأحزان مَن نحب و كالون لأنه يحب عائلته، قرر أبقائها سعيدة وأحزان نفسه إلى أن تذهب سحاب الحزن لِتتبدل بِسحاب السعادة.

عرفنا أنَّ الأحتفال سوف يستمر حتى الفجر وهذا شيء لا أنا أو كانيلا قادرين على تحمله لهذا أخبرنا بيلا بالأمر لِتطلب مِن كالون أخذنا إلى المنزل مِن أجل الراحة و، أعطائنا بعض الخصوصية.

كانيلا منذُ حين ظلت محمرة لكنها لم تبدو متوترة كأنها مرتها الأولى (لأنها ليست الأولى) بل لأنها تشعر بالخجل مثلي مثلاً وهم لم يتوقفوا عن إغاظتنا طوال الوقت.

أخذنا كالون بِصمت ليسَ إلى منزلهم وإنما إلى طريق مختلف فيه أوصلنا إلى منزل حجمه صغير لكنه جميل كَجميع المنازل في القرية. مصنوع مِن الخشب وعلى بابه منحوت عصافير ملتفتة حول بعضها.
عصافير حب.

كنتُ سأشقلب مقلتايّ على ذلك لكن كانيلا منعتني عندما سألت كالون بِفضول
لماذا نحنُ هنا؟

فتح كالون الباب مِن أجلنا ثم أعطاني المفتاح وهو يُجيبها بِخباثة يغمز لي
لقد أصبحتم روح واحدة وهنا ستصبحون جس--.

حسنًا حسنًا كالون! شكراً لكَ على أحضارنا إلى هنا. قاطعته قبل أن يكمل أرمقه بِنظرات قاتلة ليَضحك بِخفة أكتافه تهتز لأشقلب أنا مقلتاي عليه أضع المفتاح بِجيبي.

أعتذر لقد أردتُ تلطيف الأجواء، أخبرنا هو يمسح دموع مزيفة من عينيه تتحول ملامح وجهه لِلجدية وهو ينظُر على المنزل الصغير
لكونك بطل القرية سيد ريتار، صنعوا أهل القرية هذه الهدية الصغيرة من أجلكم لكي تقضوا حياتكم الزوجية هنا إلى أن ترحلوا.

لقد صنعوا المنزل في أيام قليلة مِن أجلنا؟ سألته كانيلا متفاجئة نبرتها ترتفع.

اومئ كالون لها
هذا لا شيء، لم يكُن صعب بتاتًا.

تحول فمها على شكل 0 وهي تُشيح بِمُقلتيها على المنزل من الخارج أشعر بِحماسها يعلوا بِداخلها وأنها تريد وبِشدة رؤيته من الداخل كذلك.

نظرت لي هي مِن فوق كتفها تعصر يدي بِيديها تترجاني بالدخول أولاً لأبتسم على تصرفاتها، تبدو كالأطفال عند رؤية الحلوة لكنها ألطف منهم قبل أن تشكُر كالون و تدخل المنزل تدعني وحدي معه.

لم يكُن عليكم فعل هذا. قلتُ أنا مُحرج أحُك رأسي من الخلف.

دفعني هو بِخفة بِكتفه على كتفي قائلاً
كانوا يودون بناء قصر يليق بِسموك ولكن قررنا أنه سخيف فَبنينا هذا المنزل المتواضع، بالإضافة لا أنا أو دينيسا أو كونور اللطيف سنقبل بِأعطائكما غرفة من أجل قضاء الليلة الأولى معًا على سرير أحدنا.

تمنيتُ لو توجد حجرة قريبة مني لكي ألقي بها على وجهه حتى أسبب له ندبة آخرى لكن مع الأسف لا توجد حجرة أو صخرة هنا لأكتفي بِلعنه تحت أنفاسي أتلقى منه ضحكة مرتفعة.

هيا أدخُل ولا تدع من زوجتك تنتظِر أكثر مع أني أشُك أنها متحمسة أكثر من اكتشافها المنزل، فَدينيسا رتبته على ذوقها.

همهمتُ أنا أوَد دخول المنزل لكن قدمي تجمدت قبل أخذي لِلخطوة الأولى لألتفت إليه أذكُر شيء قد نسيته.
بالمناسبة، أين دينيسا؟ أنا لم أراها بعد الأحتفال لقد أختفت كليًا.

آوه هذا، لقد نسيتُ أخبارك انها ربما مع دوكسان يُمارسان الحب أسفل شجرة في مكانٍ ما.

تبحلقت عيناي بِدهشة لم أكُن لأتوقع هذا على الأطلاق ليَضحك كالون على ردة فعلي يجعلني أكثر مِن مجرد متفاجئ
ألم تخبرك بِعلاقتها به؟ أعني هذا ليس واضح لأنَّ دوكسان لا يبدو رجُلاً حسن الأخلاق نظراً لِوجهه الغاضب دائمًا لكنه في الواقع لطيف و نبيل أعني لم تكُن اختي لِتتزوج رجلاً مُخيفًا مثلها فالعكوس تجذب بعضها.

دينيسا زوجة دوكسان؟

اومئ هو عند ظهور كانيلا جنبي تُشابك ذراعها بِذراعي لا يبدو عليها الصدمة مثلي لأعلم أنها مدركة بِزواج دينيسا.

لكن لماذا تعيش معكم إن كانت متزوجة؟ أنا سألته بِحيرة أكبر من القرية ذاتها.

لأنَّ دوكسان يعيش مع والده في القرية التي يحكمها زوج أولينتيا الأول. كانيلا مَن أجابتني ليومئ كالون يؤكد ذلك.

هو يزورها بين فترة وآخرى كما أنَّ دينيسا لا تمانع غيابه، حالها كَحال كونور. أخبرني كالون.

ما الذي تعنيه كَحال كونور؟ هذه المرة كانيلا مَن سألته بدلاً عني يبدو انها لا تعرف بِهذه المعلومة.

كونور أيضًا متزوج لكنه حديث بِعكس دينيسا. أختي تزوجت قبل تسعة سنين بينما كونور تزوج مِن سنة ونصف. زوجته كذلك تعيش في القرية التي يحكمها زوج أولينتيا فَهو تعرَّف عليها هناك عندما ذهب إلى قريتها من أجل العمل.

وماذا عنك؟ سألته مُضيق عينايّ.

أنا أعزب. أفضل عدم الزواج أعني دخلت في علاقات كثيرة ومع ذلك لم أعثر على امرأة مناسبة لي كما أنني أحب عيشي مع عائلتي.

وعدم تركي لِبيلا وحيدة.
كانت هذه الجملة التي لم يلفظها أمام كانيلا. اومأتُ له أتفهم موقفه و أسبابه جيداً من دون سماعها.

بعد سماع الحقائق التي لم أكُن لأعرف بها لولا لم يخبرني كالون صدفة، أستأذن منا هو ثم غادر لأدخل أنا و زوجتي المنزل أغلق الباب ورائنا.

المنزل صغير كما يبدو لكنه مناسب لِشخصين و لطيف ودافئ المظهر. كل شيء من الخشب يذكرني بِمنزل عائلة بيلا. هناك موقد نار على اليمين و أمامه كنبة كبيرة لونها زيتي و على اليسار طاولة طعام لِأربعة أشخاص.

المطبخ مِن الجهة الآخرى له بابين و على يمينه درج قصير يوصل لِلطابق الثاني الذي فيه غرفتنا.

صعدنا معًا الدرج و دخلنا الغرفة وأغلقت الباب أقفله جيداً، أرى كانيلا تتجه إلى السرير وسط الغرفة على يساره نافذة كبيرة لها ستائر بيضاء مِن بينها يدخل ضوء القمر ينير الغرفة مع المصباح المُضاء على منضدة السرير الجانبية.

جلست على طرفه وحدقت عبر النافذة ضائعة بأفكارها. ذهبت اليها وجلست معها لكنها هي كانت نافذتي لأحدق عبرها أرى ما خلفها.

لم تكن قراءتها كالكتاب مهمة سهلة على الإطلاق، لذا منحتها الوقت و المساحة لِلتفكير وعندما تكون مستعدة لِلنتحدث سأكون كُلي أذان صاغية. لهذا نهضت وذهبت إلى الحمام الصغير على يمين زاوية الغرفة لأغسل يدايّ لأنها مُغطاة بالتراب مِن الحفل وعندما عدت لِلداخل وجدتها واقفة عند النافذة ولكن عينيها كانت عليّ.

رفعتُ حواجبي عليها و واصلتُ السير نحوها بِخطى صغيرة، أثناء ذلك رأيتُ عينيها الجميلة تتحرك مِن الأسفل للأعلى على جسدي بِطريقة جعلتني أرتعش.

هل كل شيء على ما يرام سيدة لوماريل؟ سألتها بِقلق لكن اللقب ترك أثر حلو على لساني عندما لفظته بِصوت مرتفع و ترك شبح بسمة على زاوية شفتيها.

شابكت هي ذراعيها أمام صدرها مُجيبة
كنتُ أفكر بِمَن ينتظرنا وربما يبحث عنا في فالينيا. لقد مضت أيام على اختفائها ومنذُ الحادث، فالكين.

وقفتُ مواجهًا لها من الجهة الثانية لِلنافذة أسند رأسي على الجدار أنظُر لها هي فقط لأغوص في ذلك الحزن الذي وردني قبل بداية الأحتفال أذكر أنَّ المشكلة لم تنتهي بعد وحتى لو عدنا إلى فالينيا، هي لن تنتهي إلاّ بِموت كاستيل وإيقاف الأتلانتيانز الأشرار.

وأنا أيضًا، أنه موضوع يصعُب عليّ معرفة الحل له ولكن أولينتيا الوحيدة القادرة على مساعدتنا لهذا فلنفكر بإيجابية. قلتُ لنفسي أكثر منها وهي شعرت بِذلك من دون أن ترد بالمقابل.

ولكنها أخذت خطواتها نحوي بِساقيها النحيلة التي لم أقدر على نسيان كيف شُفيت المكسورة منها بِسحر أرض هذه القرية العجيبة. أغلقت المسافة بيننا بِعناق سُفلي، ذراعيها مِن حول خصري وجانب رأسها على صدري العاري.

أنتَ دافء. همست هي لي لأبتسم مع أنني أشعُر بالبرد لكون الهواء في الخارج بارد لِلغاية فَهُنا يكون بداية فصل الشتاء وقد تتساقط الثلوج في أية لحظة.

لففتُ ذراعايّ مِن حولها وضعتُ رأسي فوق رأسها اعصرها بِجسدي واحميه من العالم و ادفئه و أدفئ نفسي بِقواي.

سوف نكون على ما يرام، أنا أعدك. تمتمتُ على شعرها أقبله و أشتم رائحته المنعشة.

أعلم، أنا أثق بك، ابتعدت هي مِن العناق تنظُر لي في العينين أجد خاصتها تلمع و تتلألأ قبل أن تكمل وفي نبرتها لمحة مِن المغازلة
أعني أنا لم أصبح السيدة لوماريل من دون الوثوق بالسيد لوماريل.

همهمتُ أنا أضيّق عينايّ عليها
هكذا إذاً،.

نعم هكذا.

توسعت بسمتي قبل أن أحني رأسي واقبلها على شفتيها مطولاً أتلذذ بِطعمها أحفظ شكلها. هي أرادت التعمق أكثر لكني كسرتُ التقبيل أبتعد قليلاً عنها أجعلها مستغربة من تصرفي.

لديّ سؤال مهم جداً. أنا قلتُ لها لِترفع حاحبًا مرتبًا للأعلى.

وماذا يكون السؤال عجبًا؟

تقدمتُ مجدداً نحوها أرفع أصبعي السبابة لأمررها بِبطء و رِقى مِن بداية رقبتها حتى أسفلها اتجرأ بِتمريرها على المنطقة المكشوفة مِن صدرها بين الثديين أقَشِر الطلاء الجاف مِن على جسدها.

لقد سألتُ كالون قبل الزفاف إن ما رسمت دينيسا بعض الرسوم كَخاصتي، أشرتُ بيدي الآخرى على الرسومات التي تملء صدري العاري على جسدك ولكن أخبروني أنه يجب عليّ الأكتشاف بنفسي.

حان دورها هي بالهَمهمة وتُضيّق العينين عليّ تراقب حركات أصبعي بين أثدائها بِهدوء وبِلا تحرُك.

حقًا؟ تساءلت هي بِنبرة ماكرة.

حقًا، لهذا السؤال يكون، هل توجد رسومات مَخفية أسفل هذا الفستان على كامل جسدك أم لا؟

لم تُجبني على الفور إلاّ بعد أن أعدتُ تمرير أصبعي لِفوق حتى رقبتها و جانب كتفها الأيسر مكان تواجُد الوشم لأبعد الكُم بِخِفة أكشف منه القليل أرى مِن حوله المزيد من الرسومات.

أبعدتُ الكُم أكثر مِن قبل أكشفه كاملاً ليسقط على منتصف ذراعها. عضتُ على شفتي السُفلية من الداخل أشيح بِنظري على وجهها أجدها تحدق بي.

إذاً؟ سألتها أنتظِر إجابتها لِتأخُذ خطوة صغيرة إلى الوراء تبتعد عني من ثم بدأت بِفَك الحزام و الحبل حول خصرها.

تخلصت هي منهما تُلقي بهما على الأرض بعدها حركت يديها لِخلف رقبتها تفتح سحاب الفستان لِمُنتصفه فقط قبل أن ترفع رأسها و تقابل عيناي مرة آخرى.
لمَ لا تكتشف بِنفسك أيها المنحرف؟

عثرتُ على نفسي أخرِج ضحكة عميقة مِن حلقي كأنها قالت أكثر نكتة مضحكة في العالم أجمع لكني في الحقيقة لم أكُن أضحك بِسبب كلامها وإنما توتري وعلى شجاعتها التي حركت مشاعر بِداخلي وأشياء آخرى لم أكُن أعلم بِوجودها.

هذه المرأة، ثعلبة وأحبها جبًا جمًا.

لم أدع المزيد مِن الكلام يشغلنا أكثر لِهذا أغلقت المسافة بيننا أخلع ذلك الفستان اللعين مِن عليها لأخذها بأحضاني على السرير.

في اليوم التالي أستيقظتُ على زقزقة العصافير مع أنني لم أنَم جيداً البارحة بسبب، أمور أشغلتني طوال الليل، ولكني فتحتُ عينايّ على نور الشمس العابر مِن خلال الستائر البيضاء، تدعه يضيء الغرفة اللطيفة ويدافئها.

رفعتُ رأسي ألعَن العصافير بِنبرة هامسة ثم أعدتُه على الوسادة أحدق بِالمرأة الفاتنة التي تنام بِجانبي ذراعيها مُلتفة حول خصري العاري أسفل الغطاء و وجهها مَغمور في صدري، أشعُر بأنفاسها الدافئة على جلدي.

ابتسمتُ مع نفسي على منظرها أذكُر موقفًا مماثلاً لنا (لكنه ليس حميمًا كَهذا) في غرفتي في فالينيا. كُنا سنصل إلى هذا المستوى لو لم أكُن مُصابًا بِسبب قوتي بِرؤية ماضي أحدهم والتأثُر به.

ومع ذلك، ها أنا، زوجًا لها كما هي لي، كل ما أمتلكه لها وهي بالمقابل أعطتني كل ما تمتلكه أيضًا.

أخذتُ أتمعن بِملامح وجهها الرائعة إلى أن أستيقظت هي كذلك تبتسم لي بِنعاس تتثائب. لم أتحمل شكلها الناعس لأقبلها على شفتيها المفضلة لديّ لأنتقل إلى كل مكان من وجهها حتى رقبتها لِتخرُج منها قهقهة خفيفة تخبرني أن أتوقف.
حاولت الإنصات لها لكني فشلت وبِسبب ذلك، لنقول أنَّ القبلات تحولت لِأشياء آخرى و آخرى.

بعد الجلسة الثانية مِن ممارسة الحب معها، نهض كِلانا من على السرير و ذهبنا للإستحمام بِمياه باردة. وبعد الأستحمام انتهينا مِن ارتداء الملابس التي وجدناها موجودة في الخزانة بِفضل دينيسا، تكون عبارة عن:.

سترة سكرية اللون وعليها رسومات سوداء مع بنطال اسود و جزمة تصل لِلركبة بينما كانيلا ارتدت قميص أبيض بأكمام فضفاضة، سترة خضراء عشبية طويلة من الخلف فوقه وبنطال أسود مع جزمة لِلركبة. توجهنا إلى المطبخ لِتجهيز بعض الفطور لأننا لا نقدر على أكمال نهارنا من دونه أعني الفطور أهم وجبة في اليوم، صحيح؟

كنا قد شارفنا على انتهاء شرب الشاي و إذ بأحدٍ ما يدق على الباب. نهضتُ أنا أخبر كانيلا أن تكمل شايها وذهبت لأفتح الباب. ظهرت لي بيلا من دون السلة التي عادةً تحملها أينما ذهبت وعلى وجهها بسمة بشوشة مُنيرة كَنور الشمس في أعلى السماء المليئة بالغيوم الرمادية.

سوف تمطر قريبًا.

آوه بيلا، صباح الخير. بدأتُ أنا أفتح الباب جيداً أشير لها بالدخول.

رفضت هي الدخول تهز رأسها بِكلتا الجهتين.

أعتذر على ازعاجكم في ثاني يوم من زفافكم ولكن أولينتيا تود رؤيتكما حالاً قبل أن تصبح مشغولة مجدداً. رددت هي تبتسم لِكانيلا كذلك لكونها أتَت تقف معي.

هل من مشكلة؟ كانيلا سألتها بِقلق.

لا لا، لكن أنها مستعدة لِلتحدث عن طريقة عودتكم إلى فالينيا إلاّ إذا غيرتم رأيكم و تودون البقاء هنا في القرية.

تبادلتُ أنا و كانيلا النظرات قبل أن أجيبها أضحك بِخفة
سيكون هذا أفضل قرار نتخذه لِحياتنا الخاصة ولكن هنالك ورطة كبيرة ستحل على الممالك إن لم نعود، بيلا.

أنا أتفهم الأمر و الآن دعونا لا نتأخر عليها أكثر.

اومئ كِلانا بالموافقة. عُدنا إلى الداخل أخذنا معاطفنا ثم لحقنا بِبيلا إلى منزل أولينتيا في آخِر القرية بعيد عن باقي المنازل قليلاً.

مشينا لِفترة طويلة لم أكُن لأعتقد أنَّ القرية بِتلكَ الكبر لو لم تأخذُنا هي إلى منزل كبير وربما أكبر منزل موجود في أولينا وأجملهم. منزل من الحجر بني اللون له عدة نوافذ صغيرة تزينه نباتات و زهور على جدرانه من الخارج و حول نوافذه، يطل على بركة مياه وحقل من الخضار والأشجار.

لو لم تكُن السماء رمادية بالغيوم لكان المنظر خاطف للأنفاس بِحق. طرقت بيلا الباب فور وصولنا لننتظِر لحظات قصيرة قبل أن يُفتح الباب بيك، زوج أولينتيا.

أهلاً أهلاً بكم. تفضلوا. سمح لنا بالدخول ليُغلق الباب خلفنا و نشرب من شكل المنزل من الداخل.

أنه كَباقي المنازل، بسيط لكنه أكبر وأوسع من الباقي. أثاث مِن الخشب، غرفة الجلوس مُختلفة، أرضيتها مُغطاة بِسجاد بني وأحمر داكِن، على اليمين خزائن كبيرة فيها قارورات، صناديق وأغراض أخرى كالكتب والتماثيل.

علي اليسار مدفأ حطب مُشتعلة نارها خفيفة ومن حولها مقاعد موحدة بينها منضدة مِن الخشب عليها مزهرية وأمامنا مباشرة تجلس أولينتيا على وسادة على الأرض وحولها مجموعة وسادات تشكل دائرة.

شقيق بيك الذي يسمى لاميوس يجلس على يسارها وجنبه زوجته أوكتانا تقرأ له من روقة تحملها بيديها. كنتُ سأبحث عن دوكسان لأراه ينزل من على الدرج في زاوية الغرفة ومعه زوجته دينيسا تضحك بِخِفة على شيء ما قاله مع أنَّ تعابير وجهه كما حالها، غاضبة، و خلفهما كالون و كونور.

عزيزتي، لقد أتوا. قال بيك لِأولينتيا وهو يذهب إليها ليجلس جنبها.

توقف الأشقاء ومعهم دوكسان عند الدرج ينظرون إلينا بينما قائدتهم حركت رأسها نحونا تجعل مِن لاميوس و أوكتانا يتوقفوا عن التحدث.

لماذا ما زلتم وافقين؟ رجاءً اجلسوا. أشارت لنا أولينتيا على الوسادات المواجهة لها لِأجلس أنا و كانيلا معًا أما بيلا أخذت الوسادة التي بِجانب أوكتانا تُسَلِم عليها بِهمس.

كيف كانت ليلتكم في منزلكم؟ سألتنا القائدة لأبتسم أنا و زوجتي بِخجل.

رائعة، نحنُ مُمتنون لكل ما فعلتموه مِن أجلنا حتى هذه اللحظة ولا نعلم كيف نرُد الجميل. كانيلا أخبرتها تُمسك بِيدي تضعها في حضنها، حركة تدل على توترها.

وضعت أولينتيا بسمة ناعِسة تومئ لنا لِيقول بيك
لا تقولي هذا كانيلا، أنتم مِن أهل القرية الآن وما فعلناه يعد لا شيء.

ومع ذلك شكراً لكم. أنا قلت بِسعادة.

عمَ هدوء ليسَ مُحرجًا بيننا وإنما لطيف تضع فيه أولينتيا بعض الأوراق على جنب قبل أن تواجهنا تتنهد بِخفة.
لن أطيل عليكم بل سأدخُل في الموضوع ولكن أريد منكم أن تخبرونا القصة كاملة حتى نتوخى الحذر مِن القادم لأنَّ لدينا فكرة عن ما جرى معكم لكننا لسنا متأكدين.

لا تشعروا بالإهانة أرجوكم، نحنُ فقط نوَد حماية القُرى من الخطر الذي تكلمتم عنه مِن قبل مع بيلا وعائلتها. أضافَ بيك على كلام زوجته لتومئ هي ومن يجلسون معنا.

نظرت لي كانيلا ترى إن ما كنتُ أنا أوَد التكلم و أخبارهم بِكل شيء لأومئ لها و أخذ القيادة.

بدأتُ مِن الصفر، من عند معرفتنا بِوجود الأتلانتيانز و إلى لحظة اختطافنا وأخذنا لِجبال العسل لم أخفي عنهم شيء لأنهم يستحقون معرفة الحقيقة كاملة ولكي يحمون أنفسهم من كاستيل وأتباعه الحمقى.

الجميع أنصت لي مِن دون مقاطعة أو تساؤل، ظلوا إما يومئوا بِتفهم أو يبقونَ ثابتين يحدقون بي إلى أن انتهيت مِن التكلم لِتُعطيني دينيسا كوبًا مِن الماء حتى أروي عطشي به.

في الهدوء الذي شربتُ فيه الماء تهامس بيك مع أولينتيا، لاميوس و أوكتانا بينما أنا و كانيلا انتظرناهم بِصبر ننظُر لِعائلة بيلا نتلقى منهم ابتسامات لطيفة تخبرنا بأن نثق بهم.
ونحنُ بالفعل نفعل.

عندما انتهوا مِن التهامُس التفتَت إلينا أولينتيا تبعِد بعض الضفيرات الثقيلة عن جانب وجهها لتخبرنا بِنبرة ناعمة لكن قوية.

مملكة سابعة؟، أنه يكذب عليهم وهم حمقى يصدقونه و يتبعونه يجعلونَ قائد خائن مثله يتحمل مسؤوليتهم. مَن يخون مرة يخون عشرة، هذه قاعدة في الحياة. ونحنُ سوف نتصرف ونضع حماية زائدة حول القُرى من كاستيل ورجاله الذين لن نعترف بهم على أنهم أتلانتيانز بعدما أذوا و قتلوا أبرياء لأعتقادهم أنَّ حرب سترجع بلادهم،.

--نشكركم على تحذيرنا و أخبارنا بالحقيقة وأنا في الواقع وبعد نقاش و بحث وجدتُ الحل المناسب لأرجاعكم إلى مملكتكم ولكن ستعدونني أن الطريقة ستبقى سراً معكم لوحدكم للأبد.

تبادلتُ النظرات المتعجبة مع كانيلا قبل أن أقول لأولينتيا عاقد حواجبي
بالطبع نحنُ سنُخفي السر للأبد فَهذا أقل ما يمكننا فعله لكم ولكن، إن لم تمانعي سؤال، ما هو السر؟

أرتفعت زوايا شفتيها للاعلى لِتنهض هي تجعل الجميع ينهض معها تعدل ملابسها جيداً وهي تُجيب
سوف ترون قريبًا أما الآن، اذهبوا أستعدوا وخذوا ما تشاؤون مِن أغراض طعام و شراب بعدها ستأخذكم بيلا إلى مكان خارج القرية كي نتقابل فيه وتعرفوا عن ماذا أتكلم.

سوف نسافر اليوم؟ تساءلت كانيلا بِضياع متوسعة العينين ليومئ بيك لها قائلاً
إلاّ إذا كُنتم تودون البقاء.

لقد قلتُ ذات الكلام ولكنهم رفضوا لهذا لا تُحاول، بيك. تدخل كالون يأتي إلينا وخلفه كونور مبتسم ليُهمهِم بيك وأنا شقلبت مقلتايّ عليه اكتسب ضحكة من مؤخرة حلقه عليّ.

قضينا ساعات قليلة فيها نُرتِب المنزل الصغير الذي قضينا فيه أول ليلة من زفافنا ثم عدنا إلى منزل بيلا لأخذ الطعام والشراب كما طلبت أولينتيا بعدها جلسنا نتحدث معًا عن مخططاتنا ونتوقع ما سيَحدُث في فالينيا وعن ما يجب قوله لِلملك و الأميرة ومَن في القصر إلى أن أتَت بيلا مجدداً لكي تأخذنا.

لم نحمل حمولة كبيرة لانَّ بيلا أخبرتنا بأنَّ السفر سيكون غير متعب ولن نضطر لِلتوقف كثيراً.

في البداية لم نفهم ما عنته لأننا لم نعرف أين وكيف سنسافر، ليست لدينا أيّ فكرة لهذا أكملنا طريقنا وأنا أحمل سلة مِن الأغراض بيد وبيدي الآخرى أمسك يد كانيلا أساعدها بالمشي فوق أغصان الأشجار الساقِطة حتى لا تتعثر أبقيها كذلك بِقربي.

يقولون أنَّ في بداية الزواج يكون الرجل مُفرط في الحماية والتقرب من زوجته. كنتُ أضحك على هذا الكلام كثيراً عندما أرى زوجين يقال عنهما هذا، والأن لاحظتُ أنه يطبق عليّ بِشكلٍ كبير وهي لاحظت ذلك مثلي لكنها لم تتذمر أو تعلق وإنما رحبت به بِسرور، هذا ما جعلني أتابع تصرفاتي البلهاء بِلا توقف.

دخلنا الغابة وراء بيلا بِصمت وهي تقودنا في منعطفات وبين الأشجار الضخمة ثم عبرنا جسر فوق منطقة مِن النهر مياهه فيها متسارعة وعاصفة مَن سيقع فيها ستكون نهايته الحاسمة.

بعدها أكملنا طريقنا إلى أن وصلنا لِمكان خالي من الأشجار لكنه مليء بِالجحور. جحور عميقة تظُن انها فقط ثقوب في الأرض تسع طفل صغير.

وهناك عند كهف في جدار تلة رأينا أولينتيا ومجموعتها مع أولادها وابنتها التي تقف بِجانب دوكسان ذراع خلف ظهره وآخرى على صدره شفتيها على شفتيه لا يهتمان لمن معهم والباقي يتجاهلونهم لا يمانعونهم.

لقد وصلنا. قالت بيلا لنا تُشير بيدها لكي نسبقها إلى الباقي.

هل كل الأمور جاهزة؟ سألنا بيك فور وقوفنا في دائرتهم لنومئ بِ نعم نعيد له الابتسامة اللطيفة التي لا تُغادر وجهه كما أنَّ الزوجين توقفا عن تقبيل بعضهما ينظران لنا بِخدود محمرة، دوكسان يصفي ذهنه و دينيسا تبعد شعرها عن وجهها تضعه خلف أذنيها.

يبدو أنهما تقابلا في الحفل البارحة لهذا هما مُلتصقان بِبعضهما بِشدة.

إذاً كيف سوف نعود؟ أنا سألتهم بِفضول كبير أنظُر لِأولينتيا.

نحنُ كما تعلمان، لا نتعامل بالسحر لأننا لا نمتلك سحر الأتلانتيانز الذينَ تعرفون عنهم ولكننا نمتلك سحر الأرض كما رأيتم في يوم زفافكم. أجابت دينيسا تتقدم إلينا مع زوجها الذي لأول مرة منذُ أن تعرفنا عليه فتح فمه وأضاف يُخَفِف مِن عقدة حواجبه
أنا وأشقائي بحثنا عن الحل إلى أن وجدنا مخلوق قادر على أخذكم إلى مملكتكُم بِوقتٍ قصير و سريع.

مخلوق؟ سألته كانيلا باستغراب.

نعم. مخلوق نادر في جبال العسل يستطيع التنقُل بِسرعة بين منطقة وأخرى متى شاء أو كما تُفضلون أنتم تسمية القُدرة، التنقل الآني الذي يستعملوه جنس الأتلانتيانز الثاني.

أننا نستعين بالمخلوق ذاته لكي نتنقل لأماكِن بعيدة في الغابة و أحيانًا خارجها و لِلمناطق الخطيرة. قال كالون يضع يديه بِجيوب بنطاله.

وأين يكون هذا المخلوق؟ سألتهم أنا أنظُر مِن وجه لوجه لِتُشير أولينتيا على الكهف الذي نقف أمام فمه وإذ بأذُنايّ تتحرك للأعلى على أصوات قادمة من داخله.

أصوات زئير خفيفة لا تُشبه زئير وحش الكونكاسا بل مُنخفضة تبدو وكأنها تُنادي أحدهم. عادت كانيلا خطوة إلى الوراء تأخُذني معها بِنفس اللحظة التي خرج مِن عتمة وفم الكهف مَخلوق كبير طويل القامة له شعر أبيض كثيف يُخفي كامل جسده النحيل و وجهه تمامًا عدا عيونه البنية الصغيرة.

له ساقين وذراعين مِن طول بعضها إلاّ أنه يقف على الساقين فقط ويمتلك قرنين عليهم بعضًا مِن شعره الأبيض الناعِم. كُل خطوة عملاقة يتخذها إلينا تهتز معه الأرض وتصدر ضجة.

لِثانية ظننت انه سوف يتهجم علينا عندما أخرَج زئير آخَر عالي نحيل لكنه لم يهرُب منه آحد أو يبتعد عنه وإنما ظلوا في مطارحهم حتى تجرأت أولينتيا ترفع يدها نحوه لِتربت على ذراعه.

فجأة أنحنى المَخلوق لها يُعطيها رأسه كي تَحكُه ليُخرِج صوتً مختلفًا من صدره بدى كأنه مسرور من فعلتها.

هذا هو المخلوق، قالت أولينتيا من دون النظر إلينا لتُكمل
وهو صديق الطبيعة وقرية أولينا. ليسَ له اسم أصلي لكننا اخترعنا واحد يليق به وهو جيلبو.

علي ذكر اسمه وكأنه فَهمه، حرك جيلبو رأسه نحونا ثم أخرج صوتً آخراً يختلف عن الباقي بدى لي وكأنه يقول مرحبًا لنا.
هل مِن الممكن أن يكون الوضع أغرب منه هذا؟
لم أتلقى الإجابة فوراً لأننا لم نسافر بعد.

الفصل التالي
بعد 07 ساعات و 58 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب