رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والثلاثون

وقفت عرباتنا عند الشاطئ الرملي و أمواج البحر الصغيرة كالموسيقى لِلروح، تلعب بأوتار قلبك مع كل موجة تصل لِلشاطئ ثم تعود حتى يأتي غيرها و غيرها و غيرها.
القمر في أعالي السماء بدى أكبر من اية مرة رأيتها فيه. كأنهم أقرب منا و لو مَددتُ يدي اليه أستطيع لمسه بِكل سهولة. النجوم ايضاً أوضَح و أقرب، تتلألأ في كل مكان في السماء تغمز لي كلما نظرتُ لها.

ترجلنا جميعنا من العربات و الحراس يُحيطونا من كل جهة، السيوف على خصر كل واحد منهم لكن أياديهم لا تتحرك مِن على مقبضها مُستعدين لأية مفاجأة غير مرغوبة.
دومًا أنسى كم أنَ البحر خاطِف للأنفاس. تمتم ريزار من جانبي يُعَدِل من القماشة على عينه لأعيد نظري لِلبحر أسمع من عند العربات المزيد من الشهقات المندهشة و الهمسات عن روعة البحار.

وقف بلايز على كتفي الأيمن يُهَمهِم مع نفسه كل ثانية يشاهد البحر أمامنا.
يبدو مخيفًا.
نظرتُ له بِطرف عيني متفاجئ من كلامه فَلقد توقعته أن يكون متحمسًا كما ظل طوال فترة رحلتنا القصيرة الى هنا.
انه مخيف فهو كبير جداً و عمقه لا نهاية له. قلتُ له أضَع يداي على جيوب بنطالي.
لا تقلق بلايز، وضع ريزار يديه على خصره قبل أن يكمل.

صدقني، انها مملكة لن ترى مثلها في حياتك الطويلة لهذا أستمتع و لا تدع من الخوف يُسَيطر عليك لأنكَ باللحظة التي تدخُل هذه المياه، سوف تُبَلِل سروالك.
رفعتُ حواجبي على صديقي و طريقة تعبير لِيُعطيني بسمة جانبية و غمزة. انا شقلبتُ مُقلتاي عليه أنظُر بسرعة نحوى البحر لأنَ أذُناي التقطت صوتً قادم منه.

لقد وصلوا. سمعتُ أحدهم يقول مِن على يميني أظن انها فينار بِنفس اللحظة بدأت منطقة داخل البحر تُخرِج فقاعات كثيرة.
ظلت هذه الفقاعات الغريبة تتجمع الى أن ارتفعت و ارتفعت جداً تُظهِر منها سِتة رجال بِبشرة زرقاء و ضخام البنية. حملتهم المياه كأنهم ريش لا يزن شيئًا من دون أن يتحركوا باتجاه الرمال و الينا.

هنالك خمسة رجال أو على ما أعتقد حُراس بداية البحر و كما نُسميهم مخلوقات حارسة، لون بشرتهم قريبة مِن لون البحر حتى كأنهم جزء منه لا يرتدون ملابس و ليس لهم أفواه، عيونهم صفراء و لهم خط أسود فيهم كالبؤبؤ.

علي معاصمهم، أكتافهم و رؤوسهم أعشاب بحرية و أذانهم على شكل زعانف و أصابعهم مُدببة و طويلة جداً، انهم ضخام الحجم و أطول قامة مِن الرجل الذي يقف أمامهم.

بشرته زرقاء أغمق مِن الذينَ معه يحمل بيده رمح ذهبي طويل في أعلاه كُرة بنفسجية تُضيء بِالسحر. الرجل يرتدي ملابس طبعًا أزياء المملكة و له وجه مِثلنا إلا انه يمتلك عيون حمراء و شعر أسود قصير على وجنتيه خياشيم حمراء تَصل لِذقنه و على ذراعيه زعانف كأذُنيه.

أليستار، انه مستشار سيون و صديقه المُقرب. أخبرني ريزار عندما أصبحوا على الشاطئ يتوجهون الينا بِخطوات ثابتة و فيها عظمة مِن نوع ما لم أقدر تسميته.
تقدم فالين و معه فينار أولاً لأخُذ انا خطواتي معهم. بقوا المخلوقات الحارسة خلف أليستار لكنهم تركوا مسافة يدَعون سيدهم يمشي لوحده الى أن وقف أمامنا.

منه تفوح رائحة البحر و أعشابه و أستطيع استطعام الملح على فمي. مع انه خرج من المياه إلا أنَ ملابسه جافة و لا تتساقط منها قطرات ماء أو شيء من هذا القبيل لكن بشرة أليستار تلمَع أسفل نور القمر و عينيه مُضيئة كَما تضيء الكُرة أعلى رمحه الذهبي.
أهلاً بِأهل اليابسة، أتمنى أنَ رحلتكم كانتَ هَيّنة. بدأ أليستار مُنحني الظهر صوته عميق كأنه يَخرُج من صدره و ليس حلقه و بارد كَوجهه.

اومئ فالين له بالمُقابل ثم رد مُبتسمًا
لقد كانت لطيفة و قصيرة، أتمنى اننا لم نتأخر.
رفع أليستار ظهره لِوَضعيته السابقة، مستقيم بِوقفته كالجدار الذي لا يُكسَر ينظُر لِكل شخص بِتلكَ العينين الى أن حَطت عليّ انا.
أمال رأسه على جنب بِفضول لكنه أجاب فالين ينظُر له
أنتم على الوقت تمامًا. الملك سيون ينتظركم و باقي الضيوف في قصره.
هل نحنُ الأوائل؟

أعطى أليستار ملك الربيع بسمة الكاد واضحة قبل أن يُشير بِرمحه على مَن ينتظروا خلفنا قائلاً
لا، لكن ما يزال هنالك الكثير منهم.
اومئ فالين يُغلِق الحديث ثم أشار لِلجميع بِالقدوم الينا. انا لم أفهم لماذا فعل ذلك الى أن أصبحوا كل الحراس و مَن معنا مِن حولنا.
بعد ذلك حرك رمحه في الهواء لتَخرُج شُعلات زرقاء من الكرة كأنها ماء على شكل فقاعات تستدير في مطرحها فوق الرمح.

رجاءً، أشربوا هذه و لا تخافوا أو تشعروا بالتَقزُز منها. أخبرنا هو لأذكُر شيئًا مُماثِلاً حدث لي عندما زرتُ هذه المملكة و انا طفل.
لا أذكُر التفاصيل بما انني كنتُ صغيراً جداً لكني أذكُر رؤيتي لِهذه الفقاعات المائية و انا بين ذراعين تاليا.
ما هذه؟ سمعتُ كانيلا مِن مكانٍ ما تساءل لتكبُر بسمة أليستار تُظهِر أسنانًا مُدببة و حادة.

حرك رمحه بِخفة الينا يُرسل تلكَ الفقاعات لكل شخص. وصلتني خاصتي و خاصة بلايز تطفوا في الهواء أمام وجهي و وجهه كأنها تنتظِر منا أخذها و شربها.
انها فقاعات سحرية تجعلكم تتنفسوا أسفل البحر الى أن تعودوا لِليابسة مجدداً و من دونها لن تقدروا على تخطي ما أسفل السطح لِثواني. أليستار أجابها.

هَمهَم بعض الأشخاص بِدهشة و غيرهم تَمتموا كلمات لم أكترِث لها عن هذا السحر العجيب فَليس الكل له فرصة كَهذه بِزيارة هذه المملكة الجميلة و معرفة سحرها المختلف عن خاصتنا على اليابسة.
اقتربت الفقاعة أكثر مِن فمي و انا وضعتُ يدي خلفها بِرقة أدفعها بِبطء اليّ. شربتها بِمرة واحدة و بلعت طعمها المالح فيه ايضاً طعم كالسمك قبل طهيه، جعلت من وجهي ينكمش قليلاً.

هذا مقرف. همس بلايز يمسح فمه بِملابسه بينما الأخرين أبقوا وجوههم ثابتة أو حاولوا كي لا يُهينوا أهَل البحر بِتصرفهم.
لم أشعر بِشيء.
لم يُفتَح مجرى تنفس مختلف في جسمي و لم تظهر لي خياشيم أو زعانف و بقيتُ طبيعيًا لكني لم اسأل كيف يعمل هذا السحر علينا من دون أظهار و لو شيء بسيط كَأثر.

هل لنا أن نذهب؟ سألنا أليستار يُشير على البحر ليومئ فالين و يُخبرنا بالعودة الى عرباتنا كي نبدأ دخولنا الغريب الى المملكة.
أليستار و المخلوقات الحارسة ذهبوا و انتظروا عند البحر أما نحن ركبنا العربات لكي يقودونا بها الى المياه. خفق قلبي عِدة نبضات كلما اقتربنا من الماء و تلكَ الأمواج التي هدأت.

و باللحظة التي تلامست العجلات بالماء و مالَت لِدرجة كبيرة فيها، أمسكنا بِأية شيء موجود بالعربة كي لا نسقط على وجوهنا. عَضضتُ بأسناني على بعضها أغلق عيناي أشعر بِالمياه تغمُر العربة مِن الداخل و بِبطء شديد غمرت جسدي حتى وجهي.
و لم يعد بأمكاني التنفُس.

حبستُ أنفاسي لمُدة طويلة مع انني مُدركًا بأنَ العربات جميعها أصبحوا أسفل سطح الماء و بداخل المحيط و اننا نملك القُدرة على التنفس، ولكن لم أقدر، لم اجرؤ على المُحاولة.
سمعتُ بلايز و ريزار يشهقون و ربما انا ايضًا انضممت لهم أشهق على برودة الماء و ثُقلها و كيف انه عندما فتحتُ فمي لم يدخُل الماء اليه و عندما حاولتُ سحب نفس لم أختنق فيه بل بدى و كأنني أتنفس الهواء.

ترددتُ كثيراً بِفتح عيناي، في الأخِر أقنعتُ جسدي بالإنصات لأنَ العربة عادت مُستقيمة و الشعور بالماء و انا بداخله بدى، طبيعي جداً.
كأنني لم أعُد بداخل البحر بل فوق، على السطح أتنفس هواءً عاديًا.

فتحتُ عيوني بِبطء شديد و أخذتُ نظرة على أصدقائي. ريزار يجلس مُقابلي عيونه ايضًا مُغلقة مع انه زار هذه المملكة أكثر مني إلا انه لم يَعتاد عليها أما بلايز فَهو مُتشبث بِشحمة أذُني لا يتركها و يرتجف من الخوف عينيه كذلك مغلقة.
حركتُ رأسي على يَساري ثم توَسعت عيناي لا إراديًا على المنظَر و أحسستُ بِأنفاسي تعلق في حلقي.

نور القمر يُنير جزءً من ما هو أسفل البحر و غير ذلك الأعشاب و النباتات البحرية كافية بِالإنارة لأنها هي بنفسها تحمل أضواء بِداخلها من جميع الألوان الخيالية.
بنفسجي، أخضر، أزرق، برتقالي و أحمر و الكثير الكثير كأنها فوانيس المعلقة في مدينة الشمس في فالينيا لكن في الماء. و هنالك أشياء عملاقة و طويلة على ما أظن انها أشجار، جذعها نحيل و طويل بعضها لا يمتلك أوراقًا و شكلها كَشكل الفطر.

أحجار و منحدرات كبيرة في كل مكان كأنها جبال عليها أعشاب و أشياء تتعلق بالبحر فقط، تنمو عليها و منها تخرُج أسماك صغيرة في مجموعات أو مخلوقات أخرى مثل حصان البحر، قناديل و سرطانات بأذرُعها الأربعة و تلكَ المخالب القاتلة.
أفتحوا أعيُنكم! أخبرتُ أصدقائي الذينَ ما يزالون لم يروا ما أراه.

و هم بإنصات، فتحوا عيونهم و شاهدوا روعة و عمق الحبر عبر نفس النافذة. تقدم بلايز الى النافذة يَشهق يده على فمه يُشير بأصبعه على دلافين سبحت من جانب العربة.
يا اللهي ما هذا؟ تساءل هو فمه على 0 و وجهه شاحِب.
ضحكتُ على منظره و أكملتُ التمعُن بِجمال هذا البحر. فَهو يبدو مخيفاً و كبيرة لِلغاية من الخارج لكن الأن تغيرت وِجهة نظري بالكامل.

انه مخيف أكثر لا، بل مُرعب لكنه مرعب بِشكل جميل. كل شيء عملاق و أكبر حجمًا منا و المخلوقات التي تسبح سريعة و رشيقة و لم أرى مثلها من قبل.
هنالك ظلام، أنوار النباتات و القمر لا تصل لها تجعل من جسدي يقشعر. كما لو أنَ البحر يُخفي أسراراً.

أسراراً، مخيفة، كبيرة و عميقة كَعمقه يتحدى اية أحد باكتشاف أسراره لكن لا أحَد لديه الجُرأة حتى مخلوقات البحر لا تقترب من ذلك الظلام الذي يحيطهم و يسبحون أينما يتواجد النور و السحر.
لا أعلم كيف لكن العربات قادتنا أو المياه قادتنا مع أليستار و حراسه الى مدخل بين جبلين حجريين يبدون حاديين لِلغاية لكننا لم نرتطم بهم و عبرناهم في ظلام صغير الى الجهة الأخرى.

الى مكان فيه مساحة أكبر و نباتات أقَل. فجأة سمعتُ مجموعة أصوات غريبة عالية كالصرير البعيد.
أنظروا! أشار بلايز لنا على شيء ما يَبعُد عنا أمتار و عندما ضَيّقتُ عيناي أتقدم بِجسدي على النافذة رأيتهم.
حوتان كبيران يسبحان بِجانب بعضهما البعض على ظهورهم تنموا أعشاب البحر و على بطونهم علامات عجيبة دائرية الشكل لا أعرف معناها، تُضيء باللون الأزرق الفاتح المائل للأبيض و مِن حولهم تسبح قناديل وردية.

صريرهم بدى لي كالغِناء. أصواتهم القادمة مِن بطونهم (أو من مكان أخَر) رقيقة، نحيلة و مُرتفعة كالصافرات لكنها جميلة و مثيرة للاهتمام جعلتني ابتسم مع نفسي بالطفل الصغير.
انها تتواصل مع بعضها. ظهر أليستار يَسبح بِجانب العربة و معه حارسين عينيه مُرتكزة على الطريق.

رفعتُ حواجبي ليس على كلامه و إنما على الجزء السُفلي من جسده. أليستار لم يعد يمتلك أرجُل، انه يسبح بِزعنفته كالتي تمتلكها حوريات البحر. لقد قرأتُ عنهم و رأيتُ رسومات تشرح بالتفصيل كيف يتحولون و يستخدموا هذه الزعنفة بدل الساقين.
خاصته زرقاء مِن لون بشرته لكن مِن حولها خطوط ذهبية فاقِعة اللون ايضًا كَجميع النباتات هنا، تُضيء بِسحرها كأنها حية.

شعب هذه المملكة لهُم القُدرة على السباحة بِزعنفتهم أو ساقيهم فَلديهم كامل الحرية باختيار ما يشاؤون لكن الأغلبية يُفَضِلون الزعانف بِما انها تجعلهم أسرع و أقوى بالتحكم.
رفعتُ بصري على أليستار الذي يحدق بي و على شفتيه الزرقاء بسمة عريضة يعلم بالضبط بِماذا أفكِر.
سمعتُ انكَ تركتَ مملكة أسليرا و منصبك كَأمير لِطفل تاليا و ريساند القادم.

لم يكُن سؤالاً و لا سُخرية على قراراي لكني اومأتُ له على اية حال لا أعرف ماذا أقول.
لكني مازلتُ أرى روح الأمير الصغير الذي زارنا من قبل. تابع هو ينظُر على صدري كأنه سيرى تلكَ الروح التي ذكرها.
ابتسمتُ انا اتنهد مِن أنفي أراقب الحيتان تسبح بِبطء مع بعضها و القناديل الجميلة التي تبدو ضئيلة لِلغاية مقارنةً بِتلك المخلوقات الضخمة.
انا أقول و أردد انني لم أعُد أميراً لكن،.

لكنكَ تريد الحُرية. أكمل هو عني ينظُر أمامه و انا تنهدتُ مجدداً، بلايز و ريزار عند النافذة الأخرى يتظاهرون بأنهم مشغولون بِمشاهدة الطبيعة.
انا لا ألومك، أحيانًا مسؤولية المملكة أكبر مِن الملوك و الأمراء نفسهم لكن لا خيار لهم سوى تحملها كي يُبقوا السلام و الأمان لِشعبها. قال أليستار يُمسك رمحه بِيد اليُسرى.
أحيانًا؟ سألته أجذُب انتباهه.

أخرَج هو ضحكة مرتفعة مِن حلقه يُعيد رأسه الى الوراء يعطيني منظراً كاملاً لأسنانه الكثيرة و الحادة.
انتَ لم تُعطي لِلحكم و الجلوس على العرش فرصة، صحيح انها مسؤولية كبيرة لكن مع الوقت تعتاد عليها.
انا لا اريد أن أختبر الأمر فَهُنالك أشخاص مثل ريس، فالين و سيون يولدون مستعدون لِلمنصب و المسؤولية و هنالك أشخاص مثلي يولدون بِمنصب لكنهم ليسوا مستعدون له مثل،.

لم أكمل كلامي و لفظي لأسماء ملوك مثلي، وُلدَت بالمنصب و أخذته مع انهم لم يكونوا يومًا مستعدين.
مثل لايتا و كيجا و ربما تيريان؟ لفظ أليستار بالأسماء وجهه يتحول لِلجاد كما كانَ عندما رأيته يَخرُج من البحر.
نعم، هم لكنهما أصبحا ملوكاً منذُ قرون و لهم قوتهم و سمعتهم و مع ذلك بِسبب عدم حبهم لِلعرش، ممالكهم في خطر أو كانت.

ليس كل شخص في هذا العالم له الحظ باختيار مكانه ايها الأمير لهذا انتَ محظوظ و أرى لماذا رحلت و لم تنظُر خلفك ابداً.
أشاح بِعينيه الحمراء نحوى الحيتان ثم قال
جميعنا نتوق لِلحرية و العيش كما نحنُ نتمنى و ليس كما العالم يخطط، فأنتظر الى تلك الحيتان،
و نظرت كما أخبرني أراهم ما يزالون يسبحون سويًا لا يتركون أحدهم الأخَر، فإن سبح واحد منهم في جهة، يتبعه الثاني بِنفسها.

ترى انهم أحرار، لهم حرية العيش لكن عندما تدرسهم و تتعلم عنهم تكتشف انهم عكس ذلك تمامًا.
رفعتُ حواجبي عليه الأن ضائع ليكمل مبرراً
الحيتان و جميع مخلوقات هذا العالم تعيش مقيدة بالحياة المتاحة لها و ليس على اختياراتها، هي تأتي الى الحياة، تتعلم كيف تتكيف في البيئة المحاطة بها ثم تقتل لتأكل، تتكاثر و في الأخِر تموت.
اليس هذا ما نفعله نحن؟
اومئ مرة بِرأسه مجيبًا.

هي خلقت بِهذه الطريقة، ليس لها الدماغ الذي لدينا كي تختار أن تترك بيئتها و تعيش على هواها كما نفعل نحن. انا، انت و جميعنا لنا كامل الحرية بالبقاء أو الرحيل، بأن نكون من الأخيار أو الأشرار، بالشعور بالحب أو الكره و هكذا.
قابل عيناي بِخاصته و أعطاني بسمة صغيرة بِما انني لم أتوفه بِحرف بعدما سكت.

انتَ اخترت سموك، اخترت ما رأيته أفضل لك لهذا انتَ محظوظ حتى لو انكَ لم ترحل كليًا لكنكَ أخذت الخطوة الأولى و لا تعلم ماذا سيحدث في المستقبل.
أحسستُ بِمشاعر مختلطة مِن خلال كلماته كأنه قالَ شيئًا له معنى مختلف تمامًا عن الحَرفي لِلجملة إن كانَ هذا منطقيًا.
لكني لم أساله و فَضّلتُ أغلاق الموضوع فَجزء مني يتضايق كلما تحدثُ عن تركي لأسليرا، أفكر بالذينَ تركتهم خلفي أكثر من المملكة نفسها.

عائلتي و أجمل ما في الدنيا.
هذا ما تركته خلفي لكوني أناني.
رأيتُ بِطرف عيني و انا أحدق بِالمقعد الفارغ الذي أمامي، شيئًا صغيراً يتحرك بالقُرب من نافذة العربة بعدما ذهب أليستار على ما أعتقد الى أمام العربات كي يقودها الى طريق المملكة.
حركتُ رأسي الى التحركات أجِد مخلوق بِحجم يدي و ربما أكبر قليلاً، على شكل قنديل بحر جلده أزرق لكنه شفاف من خلاله أرى شيء وردي أخمن انه دماغه.

له عيونه سوداء دائرية و قرون استشعار كبيرة على شكل أجنحة في مُقدمة رأسه فوق العينين مع أربعة أرجل قصيرة.

رمشتُ عِدة مرات عليه أفكِر انه مِن رسم مُخيلتي لكنه حقيقي ينظُر لي يسبح للأعلى و الأسفل كأنه يقفز بِخفة.
مرحبًا. قلتُ أمُد يدي نحوه ليرجع هو بعيداً عني خائف.
انا لن اؤذيك. أخبرته كأنه سيفهم كلامي و لِمُفاجئتي تقدم الى يدي و سبح من حولها ينظُر لها بِفضول.

أخرج صوتً فضوليًا بعدها أقترب أكثر و لمسَ أصابعي بِإحدى قدميه الأمامية، عندما لم أتحرك أو أخيفه لمسها مجدداً هذه المرة بِشجاعة أكبر عينيه تكبر.
ماذا تكون؟ سألتُ نفسي ألُف يدي كي يصبح الكف للأعلى و هو أتى و جلس عليها يرمش ثلاثة مرات.
ارتسمت بسمة عريضة على شفتاي و بلايز شاركني منبهراً يقف هو على ذراعي العُلية.

ما هذا؟ سأل بلايز يتقدم نحوى المخلوق الصغير بِبطء و الصغير راقبه بِصمت لا يتحرك من مكانه على يدي.
لستُ أدري لقد ظهر لوحده يبدو انه ضائع أو لا يرافق أصدقاء القناديل.
تقدم بلايز أكثر من دون أن يلمسه. مرافقي يبدو أصغر حجمًا أمام القنديل لهذا أضطر أن يرفع رأسه للأعلى كي ينظُر الى تلك العينين الفضولية.

انه قبيح. قال بلايز يلمس إحدى أقدامه و فجأة من دون اية سابق أنذار صقعه القنديل يُرسله مُحَلِقًا اليّ ليرتطم بِصدري يخرج أنينًا من ألمه.
عضتُ على شفتاي كي لا أضحك و أرعِب المخلوق فَلا أعلم كيف فهم كلام مُرافقي و أنتقم منه أو هو فقط لم يحب بلايز كما تفعل أغلبية المخلوقات.
هذا الحقير صعقني! نهض بلايز بِشعر يقف للأعلى من الصعقة جسده يرتجف يُشير بأصبع أحمر اللون على القنديل.

من جيد انه لم يَشويكَ حيًا. انا أخبرته كي استفزه أكثر.
أخرج القنديل صوتً يُعبِر عن عدم حُبه لِبلايز يجعلني أضحك و بِضحكتي أتى ريزار كي يرى ما الأمر. فكرتُ ايضاً أنَ القنديل يفهم كلامنا و لو على الأقل طريقة تعبيرنا بِوجوهنا و تحركات أجسادنا فالمخلوقات التي لا تتحدث تفهم مَن يتحدث معها.
مثل أيكس كلبي. صحيح انه لا يتكلم لكنه يفهمني جيداً عندما أتواصل معه.

هذا لأنكَ نعته بالقبيح. أخبره ريزار يهُز رأسه ضاحكًا ليَسبح القنديل اليه، ينظُر على صديقي بفضوله ثم يقترب من وجهي يحرك قدميه كي يلمس أنفي.
نعم هذا وَجهي. قلتُ له لكنه أبتعد عنا أمال رأسه على جنب ثم غادر العربة الى مكانٍ ما في البحر.
كانَ هذا غريبًا. قال ريزار يعود الى مقعده ليوافقه بلايز يجلس على ركبتي يلعن القنديل بِنبرة منخفضة.

أكملتُ تمعني بالبحر و جماله أتمنى أن لا نصل لِلمملكة بسرعة فَما يزال هنالك الكثير لرؤيته و تخزينه في ذاكرتي.

أخذ منا لِلوصول الى المملكة العشرون دقيقة فَهذا ما حسبته بِصمت مع أنَ أليستار أخبرنا انه يأخُذ منهم الطريق العشرة دقائق لكن لأننا في عربات لا تتعلق بالمملكة و ليست خاصة بالبحار ضاعفت الوقت أكثر.
و شكل المملكة مِن بدايتها قبل عبورنا البوابة الكُبرى مخيف بِقدر المُحيط، هذه المملكة تتم حراستها مجموعة حراس يرتدون دروع، يحملون رماح مُدببة و دروع بيد أخرى يركبون أحصنة بحر أو قروش مُدرعة.

مع أنَ هذه المملكة الوحيدة التي يصعُب دخولها إلا انهم يحمونها بِشكل زائد و هذا ليس سيء على الأطلاق فالاحتياط واجب.
المملكة صعب الشَرح عنها بِكلمات كَعظيمة، رائعة أو خارج الخيال لأني سأظلمها لكن لو دمجنا كل الكلمات معًا ربما أعطيها حقها.

هنالك آلاف مِن النباتات التي تُحيطها و تحمي جُدرانها ذات الأشكال الهندسية الذكية تبدو مِن عالم أخَر. و لا توجد بيوت صغيرة أو مباني مِن طوابق قليلة بل مباني مرتفعة جداً تُغطي على ما في المملكة بأكملها و منها أنوار قوية تجعل جفوني تُغلق و تُفتح كثيراً الى أن اعتادت عليها.

حوريات و مخلوقات مِن أنواع لا يمكن عدها تسبح فوق الجدران، داخل و خارج المملكة فالبوابة لِلدُخلاء و ليس لِلشعب و فقط لِلعربات و كل ما لا يستطيع السباحة الى ذلك الارتفاع.
عبرنا نحنُ البوابة و أخيراً دخلنا المملكة و الى مدينتها التي تسمى لانتيا، عريقة و قديمة عمرها يفوق أعمار الممالك على اليابسة إلا انها حديثة و قوية ربما أكثر مملكة متطورة بين الممالك الأخرى.

مبانيها المرتفعة مصنوعة مِن حجر هذه المملكة و هنالك منازل مسطحة السقف تُشبه تلكَ الأشجار خارج المملكة إلا انها مُضاءة و فيها مَن يعيش بِداخلها.
توجد كذلك جسور تصل بين كل منزل و أخَر من الأعشاب و منها أنفاق شفافة زجاجية تأخُذ اية شخص الى المتاجر أو ساحات ما فيها الكثير مِن أهل المدينة يتسوقون و يعيشون حياتهم على طريقتهم.

مقاهي، متاجر، ملاهي و غيرها كلها مليئة بالأشخاص يضحكون يلعبون و يتناولون الطعام بِسعادة.
سمعتُ موسيقى.
هادئة لكنها قوية ذبذباتها تطفوا في أرجاء المدينة تجعل من الجسد يتراقص معها حتى وهو ساكن.
غريب صحيح؟
كمان، بيانو و آلات موسيقى أخرى كالقيثارة معًا يؤلفون هذه الموسيقى التي تتكلم مِن دون وجود لِكلمات مَسموعة، تبكي مِن دون دموع و تضحك من دون فم.

دلافين، أسماك بأنواعها الفريدة حتى الحيتان الأصغر حجمًا تسبح و على ظهورها أصحابها.
الكثير يحدث في أنٍ واحد هنا، الكثير و الكثير لكن لا ضجيج و إنما جمال و روعة فَحسب.
واو هل هنالك نهاية لِعجائب هذه المملكة؟ تساءل بلايز يتكئ بِأكواعه على حافة النافذة المفتوحة.
كنتُ أزور هذه المملكة مع والديّ و كل مرة أنسى كم انها مذهلة. أضاف بلايز عند النافذة الأخرى.

وصلنا الى أخِر المملكة الى منطقة مُحاطة بِجدران كبيرة. عبرنا بوابة ثانية و دخلنا أرض كلها نباتات و بِشكلٍ ما نوافير.
نوافير مياه بداخل البحر؟
نعم هذا منطقي لِلغاية.
أمامنا تمامًا القصر الملكي، ذهبي اللون لا يمكن القول انه أجمل مِن قصور الممالك الأخرى لكنه ضخم ويجعل القلب يتوقف عن النبض لِثانية طويلة.

هنالك هالة ما مِن حوله تجعله يُشِع بِلونه الذهبي كأنما نور الشمس مِن الأعلى ينعكس عليه مع انه ليلاً و لا وجود لِتلك الشمس.

دخلنا أخِر بوابة، التي تتصل بالقصر نفسه كي نصبح بِداخله الكثير مِن الخدم و الحُراس يعملون أو يقفون لِلحراسة في الساحة الرئيسية لِلقصر كَحال كل قصر في الممالك التي زرتها.
توقفت العربات ثم ترجَلنا منها جميعنا نُشاهد ما يُحيطنا في الساحة، أرضية رخامية بيضاء و خضراء، أشجار بحرية و الأعشاب تُزَيّن الجدران بألوانها الرقيقة.

مخلوقات بحرية تمشي في زوايا الساحة و تختبئ من الخدم أو العُمال و كل ما لا يشبهها لكنها تراقب عن كثب في ظلامها.
من الأن أقول أنَ القصر رائحته سمك. تَمتَم بلايز في أذُني اليُمنى لأشقلب مُقلتاي لكني فكرت بالأمر فَهذا مُمكن مع أنَ رائحة البحر نفسها، ملح، أعشاب و مخلوقاته كالسمك و غيره.
انا متحمس لرؤية زوجة سيون. همس ريزار يقف بِجانبي لأرفع حاجبًا عليه متساءل.
ماذا؟ سألني عندما لاحَظ نظراتي.

هل سمعتَ نفسك تتكلم ريزار؟
انا لا أعنيها بِطريقة مُنحرفة ايها العبقري بل سمعت انها أجمل حورية في المملكة.
حورية؟ سأله بلايز و حماسه يشرُق كَالشمس في الصباح على وجهه.
أومئ ريزار بِرأسه يؤكِد ذلك. على ذكِر الحوريات أشحتُ بِعيناي على عربة أعرف جيداً لمَن تكون.
وجدت مايكا مُمسكًا بيد كانيلا يُساعدها على الترجُل من العربة و هي تحمل طرف فستانها بيد ثانية.

انتبهت الأن أنَ شعرنا يتحرك في المياه، شبه يطفوا و شعرها الجميل يطفوا قليلاً مِن حولها كَستائر الحرير المُمَوج بِخِفة و أطراف فستانها ايضاً يطفوا عن الأرض من دون أظهار ساقيها فقط كاحليها و ما ترتديه في قدميها.
ظهرت ذِكرة عن كانيلا و هي بين ذراعاي عارية الجسد لأغمض عيوني بسرعة أهُز رأسي كأنَ بِتلك الطريقة أنساها.

أهلاً بكُم في مملكة البحار يا سيدات و سادة. وقف أليستار أمامنا و معه أثنان مِن حرسه عيونهم الصفراء تراقبنا بِحذر و حِدة.
إن لم تُمانعوا فَجلالة الملك و ملكتنا ينتظروكم في غرفة عرشهم فَهم مشغولين قليلاً في أعداد حفل الزفاف. أكمل أليستار مُبرراً لعدم ظهور سيون ليومئ فالين يُشير بيده كي نتابع طريقنا الى داخل القصر.

و كما توَقع بلايز، نعم رائحته كالسمك لكنها ليست رائحة مُقرفة بل بدت طبيعية جداً أنفي أعتاد عليها حتى أصبح يَعُجبه مِما بدى غريبًا لكن لم يعُد يهم.
بالإضافة شكل القصر مِن الداخل مئة بالمئة أجمل من ما يبدو عليه خارجًا.
وقفنا في منتصف رواق كبير، بأرضية زرقاء على اليمين درج و على اليَسار واحد و أمامنا بالضبط، ثالث على كل درابزين الدرج، أعشاب تُزينها و بالأخَص الذي سلكناه نصعد عليه لِلطابق الثاني.

أخذنا الدرج الى رواق الثاني أصغر مِن الذي قبله مُحاط بِأعمِدة فيها سائل ما برتقالي و أصفر اللون يتحرك بِبطء و من حول كل عامود عروق خضراء.

مِن هنا. أخبرنا أليستار يقودنا الى درج أخَر يقودنا الى ردهة زجاجية كأنها نفق لكنها كبيرة و واسعة بأمكاننا من خلالها رؤية البحر و الأسماك التي تسبح من حولنا.
مروا مِن جانبنا مجموعة خادمات ذو بشرة منها صفراء و منها زرقاء و حتى خضراء يسبحون بِزعانفهم. منذُ دخولنا المملكة لم أرى شخص واحد له ساقين و في كل مرة أندهش.

قهقهوا الخادمات مِن ورائي لأنظُر لهم مِن فوق كتفي أعثُر عليهم يحدقون بي يقُهقِهون أكثر.
أعطيتهم غمزة بِعيني و أكملتُ طريقي مع الباقي.
دخلنا ردهة أخرى (نفق زجاجي) الى أن وصلنا عند أبواب عملاقة (كَكُل شيء عملاق هنا) ثم فتحوه الحُراس على كِلتا الجنابين يسمحون لنا بالدخول.

و كالصفعة على الوجه وجدتُ نفسي في قاعة عرش واسعة ذات مساحة خيالية و سقف حتى لو حاولتُ الطيران اليه لن أصِل له مع أنني لا أعرف إن كانَ باستطاعتي استعمال جناحاي.
أرضية لكونها مَلساء جداً بدت كأنها جزء من مياه البحر تعكس أثاث القاعة نصفه من الذهب و السقف المنحوت على شكل قُبة و مِن حولها تماثيل على شكل تنانين بحر، حيتان و أسماك.

هنالك خَط عريض يبدأ مِن منتصف القاعة ذهبي بدل البساط جزء من الأرضية يَصِل الى ما يوجد في أخِر القاعة و هو العرش.
له درج ذهبي كَكُل شيء تقريبًا. يصل الى درج أخَر في أعلاه عرشين، واحد لِلملك و الثاني لِلملكة اللذان لا أراهما عليهم.
فوق العرشين يوجد صَدَفة بحر ضخمة ذهبية تأخُذ مساحة النافذة الزجاجية التي خلف العرشين فقط لِلزينة، تجعل القاعة تبدو أكثر جمالاً و روعة مِن ما هي عليه.

يجب عليّ تغيير بعض الأشياء في قاعة عرشي. قال فالين مِن جانبي لتَضحك فينار تومئ رأسها توافقه الرأي.
ليس بعض فالين، و إنما الكثير الكثير.
أعطاها نظرة لتضحك هي زيادة. التَفَت فالين لي و فتح فمه ربما كي يتذمر لكن قاطعه صوت رجولي وصل الى عظامي هَزة من القاعة لِقوته و ثباته.
لماذا تقفون؟ فَهنالك طاولة طعام من أجلكم.

استدار الجميع نحوى الصوت لِنجد رجلاً طويل القامة بِجسد عضلي أزرق اللون عليه وشوم بيضاء تصل حتى وجهه، عيون بيضاء مسحوبة و شعر أزرق طويل، الجزء العلوي من جسده عاري و السُفلي مُغطى بِلحاف كحلي اللون و أبيض، يرتدي صندل بِقدميه.

قدمين؟
هممم غريب انه لا يستعمل زعنفته بِعكس المرأة التي تسبح بجانبهَ انها ذات بشرة بيضاء و شعر أحمر كَلون النبيذ و عيون رمادية على جبينها سِلسِال يُشابه الذي على رقبتها من اللؤلؤ.

علي أكتافها وشوم سوداء على شكل زعانف سمك ذات تفاصيل تُشابه التي تسبح بها. زعنفتها خاطِفة للأنفاس، زرقاء، وردية و برتقالية، جميعها مُندمجة معًا تُعطيها شكلاً لا مثيل له و بدت ناعِمة المَلمس تُشِع كلما حركتها في المياه.
متصلة بِملابسها التي تكشف صرتها و تغطيها الى صدرها فقط.

الملك سيون و الملكة أوكتافيا، يافعة جداً تبدو في عمري مع اني أعلم انها أكبر.
و كما وَصفها ريزار، حورية و جميلة لِلغاية لا تبدو و كأنها تنتمي الى زوجها أو مخلوقات هذا البحر بل في روايات خيالية.
وقف الملك مُتحجر الوجه و ملكته المبتسمة مقابلنا ليتقدم فالين يُصافح سيون أما فينار عانقت أوكتافيا تسألها عن أحوالها.

انا أخذت يَد سيون بعدما انتهى مِن مصافحة فالين كي أصافحها ايضًا أشعُر بها دافئة مُقارنةً بِخاصتي الباردة ما يزال جسدي لم يعتاد كما أردته على برودة المياه.
لقد مرت فترة طويلة منذُ أن رأيتك فيها في مملكتي، فالكين. أخبرني سيون يدع يدي.

نعم، حتى انا أذكُر انكَ كنتَ طفلاً بالكاد تمشي و الأن كبرت و أصبحت، أمسكتني أوكتافيا مِن كتفاي تُديرني عليها تنظُر لي من الأعلى للأسفل متفاجئة قبل أن تكمل قائلة بِوجنتين وردية
رجُل.
أحسَستُ بِوجهي يتوَرد على طريقة قولها لِلكلمة. أعطتني بسمة جميلة مثلها لأومئ لها شاكِراً أضع قُبلة على يدها قبل أن أرجع الى مكاني بِجانب فالين.
صفى سيون ريقه بِصوت مرتفع لتُقَهقِه أوكتافيا من خلف يدها تقف بجانبه.

أرى أنَ جميع مَن وصلتهم الدعوة، حاضرين. قال سيون ينظُر الينا جميعنا بِتلكَ العينين الكبيرة البيضاء.
هل كنتَ تتوقع قِلة حضورنا؟ سأله فالين يديه في جيوب بنطاله.
نعم بعضًا منكم.

تساءلتُ عن مَن بالذات لكنه لم يتفوه بِحرف أخَر و أشار لِمُستشاره أليستار و مجموعة خدم كي يأخذوا الأغراض من الحرس الى غُرفنا التي سوف يأخذونا اليها بعدما نتناول العشاء معه على طاولة قريبة مِن زجاج القاعة لها إطلالة على البحر بِما انه يُحيطنا من كل الجهات.
جلسنا على الطاولة العريضة و الطويلة عليها طعام بحري من كل الأصناف و بعضه غريب لدرجة انني تمعنتُ به زيادة الى أن بدأت عيوني بألمي.

سيون و أوكتافيا جلسوا في مُقدمة الطاولة جنبًا الى جنب، على يسار سيون فالين، فينار، انا و ريزار و على يمين أوكتافيا، مايكا، كانيلا و أليستار.
لا يزال هنالك ما يقارب الخمسون مقعد فارغ.
بدأنا بِتناول الطعام الذي وجدته لذيذ جداً أخرِج مع كل لقمة هَمهَمة منخفضة أقول أنَ هذه اللقمة ألذ من الأخرى لكن دائمًا أكون مخطئ.

بلايز واجه بعض الصِعاب بِتقبُل الطعام. فَهناك رقاق عشبة خضراء تقرمش جعلت من وجهه ينكمش على طعمها حتى صوت عضه أصبح صدى على الطاولة بيننا.
قهقهت أوكتافيا تلاحِظ معاناته قائلة
انتَ لطيف ما اسمك؟
حاول بلايز بلع ما في فمه لكنه فشل لهذا أضطر على إجابتها و قِطَع من الرقائق تتساقط من فمه على طبقي
بلايث.

رفعت حواجبها المُرتبة مِن لون شعرها الجميل تسأل مجدداً لأنَ فمه ممتلئ لم يلفِظ حرف ز جيداً لكني انا مَن أجبتها أختصر الأمر
يُدعى بلايز، انه مرافقي من مخلوقات البيلادو.
هَمهَمت هي عينيها تتوسع قليلاً ثم أخذت من طبقها قطعة من لحم السلطعون و أعطته إياه تُخبره انه سوف يُفَضِل هذا.
أخذها مِن يدها يشكُرها بِخجل بعدها أكل قضمه و تحولت عينيه الى قلوب يُهَمهِم متلذذاً بالطعم.

بالمناسبة، اين العروس و العريس؟ سألت فينار أصحاب القصر ليَضع سيون كأسه الذهبي على الطاولة و يُجيبها
من عاداتنا عدم ظهور العرسان قبل وقت الزفاف لهذا كل واحد منهم في غرفته.
يتناولون عشاءهم لوحدهم؟ سأل ريزار مُتعجب لتومئ أوكتافيا تُعطي قطعة من لحم السلطعون لِبلايز.
قد يكون مُحزنًا لكن سيكون لهُما العمر كله ليَقضوا الوقت مع بعضهما و يتناولان العشاء كل يوم لهذا عليهم تعلم الصبر الى حين زفافهم.

مثير للاهتمام و عادة ليست لدينا إلا أنَ العروس و العريس في يوم زفافهم فقط لا يتقابلون بل ينتظر العريس من عروسته أن تأتي اليه و هو يقف على منصة.
هذا ما سيحدث ايضاً هنا، انه شيء الوحيد نتشارك فيه على الأقل.
لقد نسيتُ هذا كليًا. أذكُر انكِ ايضاً قَضيتِ أياماً من دون رؤية سيون. قالت فينار تبتسم مع نفسها و هي تملئ شوكتها بِالسلطة.

سرقت أوكتافيا نظرة سريعة على زوجها الذي يشرب شرابه ثم ابتسمت كذلك كأنها تذكُر تلكَ الأيام
نعم كانَ عذابًا له لن يُعيده ابداً.
فجأة أختنق سيون بِالمَشروب ليأتي خادم مُسرعًا يُعطيه منديلاً جديداً مع أنَ خاصته أسفل طبقه.
ضحك فالين عليه يشرب مِن كأسه.
أعتقد انني أعرف السبب.
كبرت بسمة أوكتافيا أكثر تضرب سيون على ظهره بِخفة الى أن توقف عن السُعال و مسح فمه بالمنديل.

ذكراني بأن لا أدعكُما تجتمعان ابداً في المرة القادمة.
هنا نحنُ شاركناهم الضحك من القلوب، أسمع صوتً ناعم عذب يضحك مِن بيننا لأشيح بِعيوني نحوى الصوت أجِد أكتاف كانيلا تهتز يدها تحمل منديلاً تضعه على فمها و عينيها صغيرة بالكاد واضحة.
شعرتُ بِدغدغة في صدري لتتوقف عن الضحك و ترفع عينيها عليّ كأنها عرفت انني أحدق بها. تلامست أبصارنا و تجمد الزمن لِلحظة طويلة جميلة تمنيتُها لو تظل على حالها.

تساءلتُ ايضاً كيف حالها. كيف تشعُر حقًا و إن ما شُفيت على الأخِر من مرضها. أذكُر أنَ حالتها كانت سيئة لِلغاية ظننت سأفقدها و أفقد نفسي معها لكني تركتها نائمة بِهدوء أدعوا الله انها ستستيقظ بِصحة و على شفتيها بسمة مثل التي تُزَين وجهها الأن.
هل تعلم انني انا مَن ظل معها طوال الوقت و ساعدها؟
هل أخبرتها إكسانا التي تجلس على طرف الطاولة تتناول طعامها أو خادمتها أخمن في غرفة سيدتها كي ترتب أغراضها؟

فَهي لم تتكلم معي منذُ بداية الرحلة وحتى في الأوقات التي توقفنا فيها كي نأخُذ استراحة قصيرة و لم تسألني أو تشكرني مع انني لا أنتظِر الشُكر منها.
انا لم أساعدها كي تشكرني بل لأنني، لأنني أهتم لها كثيراً، أكثر من ما توقعت يومًا.
انا لم أراكِ من قبل. فور انتهاء الضحكات وَجَّهت أوكتافيا كلامها لِلتي أفكِر بها لتُبعِد كانيلا عينيها العسلية عني و تضعهم على الملكة الفضولية.

صَفّت كانيلا ريقها و مسحت فمها قبل أن تجلس مستقيمة الظهر ترسم بسمة ناعمة كَوجهها على شفتيها الممتلئة تجيب
انا أدعى كانيلا هاندسين، سفيرة البشر لِمملكة فالينيا.
رفعت أوكتافيا حواجبها تُلقي نظرة على فالين ليومئ هو لها. نهضَت بِخفة حركة كأنها ريشة في الهواء مِن مقعدها تسبح الى كانيلا التي تَبعُدها مقعد فقط و بيديها امسكت وجه كانيلا.

لديكِ وجه بِتفاصيل مثالية. تَمتَمت أوكتافيا تُحَرِك وجه البشرية بِكُل الجهات كأنها تدرس التفاصيل التي تحدث عنها.
ضحكت كانيلا لكنها لم تُعَلِق.
بالفعل جميلة و مع ذلك لا ترى نفسها هكذا. أضافت فينار تشرب من كأسها الذهبي مرصع بِياقوت أخضر.
تركت أوكتافيا وجه كانيلا ثم وقفت مشابكة الذراعين يد أسفل ذقنها مُضَيقة العينين.

كوني شاكرة لِما تمتلكينه انسة هاندسين، فَلديكِ أنف، توقفت لِلحظة تُحرِك أصبعاً على سطح أنف كانيلا تتابع بانبهار
واو مستقيم و صغير كأنَه أنف تم نحته بِأيادي محترفة و تلكَ الشفاه، اقتربت من كانيلا أكثر حتى أصبحت المسافة بين رموشها و شفاه كانيلا، قصيرة جداً كادوا أن يتلامسوا.
كأنها مرسومة بِفُرشاة رسام قضى طيلة حياتها يرسم و ذلك الفَك و ماذا عن هذه الأذُنين الدائر--.

هذا يكفي عزيزتي. قاطعها سيون لتبتعد عن كانيلا و تعود الى مقعدها لا تزال تنظُر لِكانيلا كما لو انها ترى العجائب.
لا تؤاخذي ملكتي، فأنها تُحِب الجمال و تدرسه و لا تقدر منع نفسها أو طلب الإذن قبل أن تغوص في فضولها. وجَّه كلامه لِكانيلا التي اومأت بِخجل لا تُمانع بينما أوكتافيا شقلب مُقلتيها تشرب من كوبها.
انتِ لم تري بشرية في حياتك صحيح؟ سألها فالين يمسح فمه بِمنديله.
صحيح.

إذاً عزيزتي كانيلا، نظَر فالين الى كانيلا
لديكِ الكثير من الشرح عن البشر و حياتهم لِأوكتافيا.
لا بأس لدي الوقت. رَدت هي تبتسم لِلملكة اليافعة.
نعم، لدينا جميعنا الوقت الوحيد لِقضائه على راحتنا في هذا القصر العظيم.
هل عائلتك هنا؟ تساءلت فينار تعود بِظهرها على مقعدها.
هزت أوكتافيا رأسها قبل أن تجيب
مع الأسف لن يقدروا على الحضور فلديهم عمل في قصرهم منعهم من التواجد معنا.

قصرهم؟ سأل ريزار ليومئ سيون له يرد بدلاً من زوجته
أوكتافيا أميرة الحوريات و والديها ملوكهم.
ظننت انكَ ملك البحار.
ضحكت أوكتافيا تضع يداً على ذراع سيون العضلية
هم ملوك جنسي انا، هنالك ما يقارب الثمانون ألف نوع من الحوريات و لكي يكون النظام هنا أدَق و أقوى، اختاروا أجداد سيون و الملوك القُدماء أنَ وضع ملوك أقل رتبة منهم في المملكة سيأخُذ و لو القليل من حمل مسؤوليتهم.

هذا يعني انه ليس لهم حُكم عَليّ لكنهم يُشاركون بِقرارات القانون وعملي في المملكة. تابع سيون يضع يده فوق يد زوجته يعطيها بسمة جانبية.
أدارت أوكتافيا رأسها نحونا تشرح لمَن لا يعرف
الحوريات تعيش في مدينة لانتيا لكن بعضها يعيش في مناطق بعيدة خاصة بهم و أفضل لهم لهذا وضع ملوك أخرين يبقوهم في أمان أنسب لهم و سيون يذهب الى والدايّ أحيانًا للزيارة.

كنتِ تعيشين في تلكَ المناطق في قصر والداكِ من قبل؟ انا من سألها هذه المرة.
لقد ولدتُ في قصر والداي و عشتُ فيه لكني أتيتُ الى لانتيا من أجل الدراسة و التعلم و سيون أستقبلني في قصره لمدة.
تقابلت عينيها الرمادية بِعيون سيون و بينهما أحسستُ بِهالة الحُب تطفوا مِن عيونهم. نظرتُ الى طبقي الفارغ على الطاولة أشعُر انني أسرق خصوصيتهم في تلكَ اللحظة.

و هكذا ولِدَت قصة حب الملك سيون و أميرة الحوريات أوكتافيا. تَمتَم فالين يسكُب لنفسه مشروبًا أخراً يرفعه في الهواء كَتحية لهما بعدها شرب رشفة كبيرة.

بعد العشاء المُمتع و اللذيذ أخذوا خدم البعض منا الى غُرفهم و أوكتافيا ذهبت بِحماس مع كانيلا الى مكانٍ ما و عندما أتى دوري انا و فالين أتى الينا سيون يوقف خدمه كي يُخربنا
انا سوف أذهب الى ريس هل توَدون الانضمام الينا في لعب الشطرنج؟
رفع فالين حواجبه متفاجئ و قلبي خفق نبضة مرتجفة.
ريس هنا؟
منذُ متى وصل؟

ريس هنا؟ كَرر فالين سؤالي بدلاً عني ليومئ سيون شعره الطويل يطفوا مِن حوله يلمع كلما انعكست أنوار القاعة السحرية عليه.
متى وصل؟ انا سألته هذه المرة.
في الصباح، انه أول المدعوين.
بالطبع هو كذلك، ذلك اللعين و سُرعته في كل شيء. تمتم فالين ليبتسم سيون أول مرة ابتسامة كبيرة.
سيَسعد عندما يسمع كلامك هذا فالين.
فتحتُ انا فمي كي اسأله عن تاليا لكنه سبقني و قال
هل توَد الانضمام لنا فالكين؟

بلعتُ ريقي أفكِر بالأمر حتى انني فكرتُ كثيراً قبل تواجُدنا في المملكة و قبل أن نغادر فالينيا ايضاً. انا أعلم انه سوف يحضُر ربما لوحده أو مع تاليا و الى هذه الثانية و انا متوتر من رؤيته مجدداً بعد أشهر.
فالكين؟ هَمس بلايز يجذُب انتباهي الى الذينَ يحدقون بي منتظرون الإجابة.
انتبهت أنَ فالين مُضَيّق عينيه عليّ يعرف ماذا يجول في رأسي.

انا متعب، أوَد أخذ قسطًا من الراحة إن لم تمانعوا و انا سأراه على اية حال غداً في الحفل.
كما تشاء. قال سيون متوجهًا الى خارج القاعة لحق به فالين لكنه توقف و استدار لي
انتَ تعلم انه ليسَ بِوحش، مواجهته ستكون مساعدة لك.
انا لا أخافه لكني لستُ مستعد لرؤيته بعد.
اومئ فالين متفهمًا ثم غادر القاعة مع سيون.
ريس هنا.
تحت نفس السقف الذي انا تحته.
ملك أسليرا، المملكة التي تركتها له و لأبنه القادم.

ابن عمي و الذي أعتبره كالأخ الأكبر لي، الأخ الذي رباني و أحبني جداً و انا رددتُ على لطافته و حبه بِأنانية و جعلته خائب الظن بي.
تنهدتُ بِشدة أضَع يداي على خصري أنظُر عبر النوافذ الى عمق البحر.
ملك أسليرا هنا.

الفصل التالي
بعد 05 ساعات و 53 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب