رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والعشرون
كما توقعت. توقفنا في هذه القرية، كانَ قراراً جيداً.
أخذتُ فرصتي بِسؤال الجميع هنا بِطريقة غير مُباشرة أسحب منهم الإجابات بِذكاء عن إن ما سمعوا إشاعات تخُص جُثَث تظهر من دون أثَر في غابات أريزو و خاصةً الغابة الشهيرة، أبيرو التي مررنا منها.
و جميعهم نفوا الأمر غير مُدركين انهم في الحقيقة مُخطئين و قد يوجد خطر عليهم إن لم يتصرفوا أو إن كنتُ انا محقاً. حتى لودفيك ليست لديه فكرة و قال أنَ الغابة التي تُحيط بهم فيها الطبيعة كما هي منذُ قرون و لم يتغير شيء.
لهذا الوضع حتى هذه اللحظة أمن.
هنالك لغز أحاول حله منذُ أسابيع و إن أخذتُ قطعاً تنتمي لِلغُز من هذه المملكة لعلي سأحلها في النهاية.
لكن للأن أبقيتُ نفسي ساكِتاً كي لا أحدِث ضجة على لا شيء بعد، على الأقل الى أن أرى التاجِر الذي وجد الجثث أولاً.
لكن، توجد مشكلة واحدة تظهر هذه الأيام أكثر من اللزوم و لا أعرف كيف أتفاداها أو أتجاهلها.
كانيلا.
بِذلك الفستان الأسود خاطِف للأنفاس و ضحكاتها مع الأطفال التي تُلاحقني، بسمتها الدافئة كلما نظرتُ لها و وجهها الضائع حتى عندما تركتها بعدما انتهينا من مهمتها بِمُساعدة لوديان بِعرضه الرومانسي لِحبيبته التي أصبحت خطيبته.
لقد جعلتها مُحتارة، أعلم ذلك لأنني رأيتُ تعابير وجهها على ردة فعلي لأنها لم تخبرني بالخطر الذي كانت فيه البارحة في رحلتها مع هِند و تلكَ المرأة الصيادة.
قد تكون ردة فعلي ليس لها داعي لكني مُستاء فَهي قبل كل شيء مسؤوليَتي لكون مايكا ليس معنا.
إن حدث لها اية مكروه، لا أعرف. انا حقاً لا أعرف...
أشعر بِذنب فظيع يملئ صدري كلما فكرتُ بها من دون سبب وجيه كأنني أسرق شيئاً لا ينتمي لي، أسرق التفكير بِشخص ينتمي لأحدٍ أخر.
لماذا يحدث هذا معي؟ لماذا عليها أن تكون هي و ليس شخصاً غيرها؟ ما الذي لديها يُجذبني كل يوم أكثر من الثاني؟
أعني هي لا تملك ما يُميزها جداً فَبعد التفكير هي مجرد امرأة بشرية قد تكون ذكية و لديها جمال شكلياً إلا انها حقاً لا تختلف عن الكثير من النساء التي قابلتها في حياتي.
فَما المميز بها؟
و الأسوأ من كل هذا انها خطيبة رجل و ليس مجرد رجل عادي، بل لورد كبير و قريب من ملك مملكة يُحكى بها و عن عظمتها.
أجد نفسي بعض الأحيان أتصرف معها بِقساوة أو بِرقة غريبة تجعلني أريد صفع نفسي و أحياناً فقط أوَد تجاهلها أو انتباهها كالطفل الذي يحتاج انتباه الجميع عليه ولكن الأمر هنا ليس مع الجميع، بل انتباهها هي فَحسب و لأنها بريئة و لديها نية حسنة دوماً ما تُعطيني ذلك الانتباه غير مُدركة بِتأثرها عليّ.
مسحتُ وجهي بانزعاج من نفسي أمشي بعيداً عن الجميع أسمع أسمي قادم من خلفي لكني لم أتوقف لكي أرُد على من يناديني بل أكملت طريقي.
فالكين! هييي توقف!
وضع مَن يناديني يده على كتفي يوقفني لأستدير بِسرعة بِردة فِعل أمسك ياقة الشخص أصرخ قائلاً
ماذا؟
أمسك ريزار بِمعصمي متوسع العيون كما انني رأيتُ من فوق كتفه بعض القرويين يحدقون بنا بِتعجب و هناك...
بينهم تماماً عند النيران، تقف كانيلا مع هِند و ابنها و خطيبته ينظرون ايضاً، لكنها هي بالذات تحدق بي و على ملامحها الجميلة القلق واضِح.
ما الخطب بك؟ سألني ريزار يُعيد انتباهي له، لأدع ياقته من قبضتي و أتنهد، أضع أصبعين على جسر أنفي أضغطه.
انا أعتذر ريزار، لكني مرهق دعنا نتحدث لاحقاً. أخبرته التَفِت مُكملاً طريقي أشعر بِصداع في جانب رأسي يشوش تفكيري.
لم يتفوه ريزار بِحرف بل تركني انا و بلايز نذهب الى خلف شجرة عملاقة و من بعدها ظللتُ أمشي و أمشي الى أن وصلت لِحدود القرية و الى مكان لِدهشتي مفتوح في الغابة، منطقة مُشابهة لِلتي عرض فيها لوديان الزواج على غويا.
أرض واسعة عشبها قصير و القمر في أعلى السماء واضح جداً لي، أرى تفاصيله. و الهدوء هنا أفضل لهذا أخذتُ مَطرحي أسفل شجرة أجلس أرَكِ ظهري على جذعها.
هل تَوَد أخباري بالذي يجول في خاطرك؟ جلس بلايز فوق ركبتي المرفوعة لِمستوى جسدي.
انه ليس بالأمر المهم.
ضَيّق هو عينيه يضغط بِشفتيه على بعضها، لا يُصدق حرفاً يغادر فمي.
لقد كُدَتَ أنَ تقتل ريزار قبل لحظات عندما أراد التكلم معك.
زفرتُ الهواء مغمضً عيناي لِثانية قبل أن أفتحهم و أنظُر بالقمر من دون أن أجيبه، لستُ أدري كيف يجب عليّ أخباره بالسخافة التي تدور في رأسي.
حسناً، يبدو انني عرفت، قال بلايز يُدير ظهره لي، يجلس مواجهاً للأرض الواسعة مثلي.
عَمَ صمت بيننا طويل نستمع فيه لِأوراق الأشجار المُتحركة بِسبب النسمة العليلة و ضحكات القرويين القادمة من القرية خلفنا.
إن كانت تغزو أفكارك بِلا سبب و باستمرار فَلا يوجد ما يمكن فعله، عدا تجاهل كل شيء إلا إذا كنتَ تُفَكِر بالعودة الى أسليرا و الهرب. كَسر هو الصمت لأنظُر على ظهره.
ماذا؟
حرك رأسه الى الوراء لا توجد تعابير ساخِرة على وجهه الصغير، بل ثابت يعني ما يقوله.
هل تفكر بالعودة؟ سألني لأرفع حاجباً واحداً عليه.
و لما سؤالك الغريب ذاك؟ و انتَ تعرف انني تركتها و لن أعود لها.
هَزة هو كتفيه
لستُ أعلم، لكن يبدو انكَ سوف تُعاني إن استمرتَ حالتك هذه.
عن ماذا تتحدث بالضبط بلايز؟
لم يجبني على الفور بل ظل يحدق بي قبل أن يُعيد رأسه لأمامه يَهُز كتفيه مجدداً.
انتَ تعرف عن من أتحدث انا،.
نعم أعرف و هل يبدو واضحاً لِلغاية على وجهي؟
لا، لستُ أعرف. رددتُ عليه أعيد رأسي على جذع الشجرة.
عليّ التفكير بما هو مهم و بما أتيتُ من أجله، فما الذي يَخطُر على بالي الأن؟ شخص لا يُفكر بي كما أفعل و لستُ أحداً يهمه.
مثير لِلشفقة...
مطر غزير، بارد جداً على جلدي، يُبلل وجهي شعري و ملابسي فأنا مُعَرَض له كاملاً أمشي أسفله بين الظلام في غابة ما، لوحدي أشعر بِحمل ثقيل في يدي اليُمنى لأحني رأسي و أنظُر عليه.
انني أحمل سيفاً، ثخين و حاد ذو قبضة من ذهب و ألماس، عليه تراب، عشب و...
شيء أحمر اللون، قرمزي جداً، دماء.
دماء ليست لي.
اللعنة! هَسهَستُ من بين أسناني لكون ألم فظيع ظهر في ظهري و ليس هذا فقط، بل كتفي.
توقفتُ أسفل شجرة لا تحميني جيداً من الأمطار أتكئ على جذعها لأضع يدي الفارغة على كتفي الأيمن أولاً.
أبعدتُ يدي عنه أجد كَف يدي يملئه الدماء، لا أعلم لماذا لكني ابتسمت على المنظر. أحنيتُ رأسي أضعه على الجذع متنهداً.
وضعتُ سيفي في الحمالة على خصري بعدها بدأتُ بِخلع الدرع المثقوب لم يَعُد له أهمية فَلن يقدر على حماية الجزء العلوي من جسدي.
ألقيتُ الدرع على الأرض فوق الطين و العشب عند قدماي ثم جلستُ بِجانبه لا أهتم لِبرودة الارضية.
لقد نجوت، نجوت لأهرب الى أيادي الموت البطيئة تنتظرني على حافة العالم بِصبر كبير. لكن هل حقاً سأموت بعدما قاتلتُ كل شيء في حياتي؟
هل ستكون نهايتي هكذا؟ مثيرة لِلسخافة؟ ضعيفة و جبانة؟
لا!
ليس بعد، ما زالت البداية و الطريق طويل. حتى لو من الصفر، سوف ابدأ و أفعل ما بوسعي لِلوصول لهدفي.
و مع ذلك، لأفعل ما اريده يجب أن يكون لدي قوة، عزيمة و إرادة أما انا الأن في حالة ميؤوس منها، مثيرة لِلشفقة و ضعيفة.
أردتُ تعديل جلستي لكني بالخطء لامستُ المنطقة في ظهري بين الكتفين بالجذع، لأخرج أنيناً عميقاً من حلقي ألعن تحت أنفاسي على الألم الذي رافقني.
ألَم لا يُحتَمَل يحرقني و ينبض، يُذَكِرني بالذي خسرته، للأبد.
أحسستُ بِدموع تملئ عيناي تُهَدِد بالسقوط لأدعها كما يحلوا لها تختلط بِمياه المطر على وجهي. انا أحتاج الراحة، أحتاج الطعام و الشراب فأنا من دونهما منذُ يومين و مياه المطر لا تكفيني قد أعيش عليها لكن الى متى؟
في اللحظة التي سوف تتوقف، انا سأتوقف عن العيش و ليس باستطاعتي الصيد فَلا حيوانات من حولي و انا لا طاقة لي.
سأغمض عيناي فقط. تمتمتُ بِنبرة منخفضة مع نفسي أحس بِثقل في جفوني مهما حاولتُ هزيمتها بِتركي متيقظاً تصبح أثقل و أثقل الى أن استسلمتُ لها و أغمضتُ عيناي.
سوف أخُذ غفلة سريعة ليس أكثر لأنني في مكان خطير، غابة لا أعرف ما فيها مِن مخلوقات متوحشة قد تأكلني في لحظة فور رؤيتها لي و خصيصاً انني أنزف...
.
.
.
سيدي؟، هل انتَ على ما يرام؟ هل بأماكنك سماعي؟ سمعتُ صوتً رجولياً يسألني في الظلام أشعُر بِيده تهُزُني من كتفي.
فتحتُ عيناي بِبطء شديد أرى ضباباً و وجه غير واضح أمامي حاولتُ تحريك جسدي لكن لا فائدة انه لا ينصت لي و لا أشعر به حتى.
ب-بارد، وجدتُ نفسي أقول.
انه على قيد الحياة! صاح الرجل.
انا، ب-بارد، قلتُ له مجدداً عيوني مُغمضة.
لا بأس سيدي، سوف تكون على ما يرام، لقد عثرنا عليك.
عَم صمت في الأرجاء، أذُناي تسمع هدوءً مُخيفاً، غير اعتيادي فَلا صوت لِمطر قوي و إنما سكينة لم تعجبني.
كيف حاله؟ فجأة قال رجلاً أخراً أسمع صوت خطوات أقدامه على الطين قادمة نحونا.
انه مصاب و بالكاد مستيقظ، يجب علينا أخذه الى مكان دافئ بِسرعة قبل أن تسوء حالته و نجد طبيباً له. أجابه الأول يده تبتعد عن كتفي الغير مُصاب.
لا تقلق، أخبرتُ باقي الرجال بأحضار العربة الى هنا. قال الثاني.
انها معجزة اننا وجدناه قبل الأخرين.
انتَ محق لقد ظننتُ انه مات.
سمعتُ الأول يُخرِج ضحكة ساخِرة من حلقه ليقول بعدها
جميعنا اعتقدنا ذلك، فَبعد موت ملكنا مات معه أملنا و الأن،
لم يُكمل جملته لأنَ على ما أظن العربة حضرت لأحِس بعدها بِمجموعة أيادي تحملني. توقفوا فجأة مَن يحملوني.
هل تشعر بِذلك؟ سأل على ما أعتقد الأول مُنصدم.
ما الأمر ايها القائد؟ تساءل رجلاً ما.
أجنحته،.
وضع أحدهم يده على ظهري في المنطقة التي تؤلم بِشدة يجعلني أخرج أنيناً قوياً من فمي أسمع بعدها شهقات متنوعة من كل الجهات.
يا للهول، قال أحدهم.
هذا سيء، سيء لِلغاية.
لقد، لقد فقد—
يكفي! دعونا لا نطيل.
يجب علينا أخذه الى طبيب بسرعة، لقد خسر الكثير من الدماء. أخبرهم الأول أو القائد.
أخذوني الرجال الى العربة ثم وضعوني على شيء مريح لِلغاية، طري و رقيق كالغيمة لكن ألم ظهري زاد و بِسببه دخلتُ بعدها تماماً في نوم عميق و ظلام دامس يُخفي عني الأصوات من حولي أفقد حواسي كلها عدا ذلك الشعور، بالبرد و الاشتياق لِمعرفة الدفء.
شعرتُ بِأحدهم يُحركني من كتفاي و يهمس لي بِكلام لم أفهمه ابداً، غامض أو إن أصَح التعبير، ضبابي يُصعب عليّ سماعه لأنَ صوت صراخ يُغطي عليه.
سمو الأمير أرجوك أستيقظ! قال صوت أنثوي لأعلم انني انا الذي أصرخ و ليس أحَداً أخر.
لماذا أصرُخ؟
ألم، ألم في ظهري بين كتفاي، انه حقير يَمنعني من التركيز و الحرارة في تلكَ المنطقة مرتفعة جداً تحرق جلدي، انا لستُ على ما يرام، لستُ بخير.
سموك أستيقظ. هَمس ذلك الصوت الجميل من أجلي، يجعلني أتوقف عن التحرُك لكنه لم يوقِف الألم انه لا يتوقف مهما فعلت.
أجعلوه يتوقف!
أجعلوه يتوقف!
فتحتُ عيناي بِسرعة لأعثر على ظلام. فيه رأيتُ شخصاً يجلس عندي، وجهُه أو وجهها غير واضح بل مُظلم أرى بِفضل نور القمر عبر النوافذ القليل من شعرها الطويل الداكِن يختلط بالظلام و فستانها الأبيض الخاص بالنوم بِلا أكمام.
سموك هل انتَ بخير؟ سألتني مجدداً صوتها مألوف لكني لا أستطيع تذكُره مهما حاولتُ التفكير بإيجاد صاحبته.
أخرجتُ صرخة من فمي فالألم عاد أقوى من قبل، أجنحتي.
انها تؤلمني، لقد فقدُتها! كيف فقدتها؟ متى؟
جلستُ مُسرعاً أُبعِد ما يَحتَك بِظهري لأرتمي الى أذرُع الفتاة المجهولة أعانقها أغمُر وجهي في رقبتها دموعي حارقة على وجنتاي.
انه يؤلم، تمتمتُ ليس لأحَد بالتحديد أصابعي تَغرُز في جلدها من شِدة أوجاعي.
ما الذي يؤلمك؟ فجأة سألتني هي و دموعي تنهمر أكثر و أكثر.
أجنحتي، لقد فقدتها، و الألم لا يتركني، كل شيء يؤلم.
أحسستُ بِيديها تلتَف من حولي ايضاً تُقَربني منها أكثر بِحذر لم تلمِس المنطقة التي أتألمها فيها ثم بدأت بالمَسح على شعري بِلُطف و بيدها الأخرى تُرَبِت على ظهري.
سوف يتوقف، كل شيء سيتوقف، عليكَ التحمل قليلاً بعد. همست لي، كلماتها لسببٍ ما تجعل عضلاتي و كامل جسدي يرتخي بين ذراعيها.
لاحظتُ رائحتها، تُعبئ مجرى تنفسي. الياسمين، هذه رائحتها منعشة تُهَدئني كلما أخذتُ نفساً منها و كلما سمعتُ صوتها.
الضباب في عقلي يرحل رويداً رويداً كالنمسة الرقيقة تُبعِد دخاناً مزعجاً عني.
سوف تكون بخير، لطالما كُنت. قالت هي تُعانقي و تغمرني بها أكثر، دموعي تتساقط على كتفها.
لكنها رحلت، أجنحتي.
سمعتها تتنهد بِخفة تُحَرِك أناملها على مكان عامودي الفقري من الأسفل و للأعلى بِحركة مُستقيمة تُرسِل قشعريرة لِجسدي.
سوف ترجع مجدداً، سوف تنموا. أخبرتني هي.
أردتُ فتح فمي و قول العكس، بأنَ الأجنحة لا تنموا بعد خسارتها فَلا عودة لها ابداً و مهما حاول مَن كان يمتلكها لكني لم أفعل.
بل تمسكتُ بِذلك الأمل الصغير في كلماتها كالذي يتمسك الشخص بِشيء يجعله يُتابع حياته، لا، و إنما حياته تعتمد عليه بالذات.
انتَ شجاع فالكين. تَمتَمت هي في أذُني و جفوني تثقل و تثقل كأن يداً تغلقهم بدلاً عني.
انا معك. عادت تقول تُبعدني عن عناقها الجميل تُرجعني الى الوراء، ليُلامس جسدي الشيء الذي كنتُ نائماً عليه.
السرير؟
نَم فالكين و لا تحلم إلا بال--
ياسمين؟ قاطعتها قائلاً.
لم أراها لكني خمنتُ انها تبتسم في الهدوء، تضع يداً فوق صدري العاري لمستها رقيقة لِلغاية و ناعمة.
نعم، الياسمين و كل ما هو جميل فقط.
بلعتُ ريقي الجاف أستسلم لِلنوم مُحاولاً الحلم بالذي أخبرتني به.
عَم صمت قصير قبل نومي ليقطعه صوتٌ ايضاً مألوف لكني لا أذكُر صاحبه، عقلي يَرفُض تذكُر شيئاً في هذه اللحظة.
حالته تسوء مع الوقت.
تنهدت ذات الصوت الجميل قم قالت
أتمنى لو بأمكاني معرفة ما الذي يحلم به لعلي أساعده بِتخطيه.
مِن المستحيل أن يُخبر أحداً فَهو مُنغلق بِهذا الموضوع و يُبقيه لنفسه فقط و لا يشاركه حتى معي.
ما العمل إذاً؟ سألت فتاة ما ذات صوت صغير جداً ثالث شخص مألوف لا أذكره.
لستُ متأكدة لكن يجب عَليّ التصرف قبل أن تسوء حالته أكثر و نفقد السيطرة. أجابتها سيدة ياسمين.
انتِ محقة.
أحسستُ بِلمسة طفيفة على وجنتي، أسمع نبضات قلبها المنظمة و أنفاسها بين حين و أخر قبل أن يُصبح الظلام كل ما أسمعه و أراه.
لقد تشرفنا بِزيارتكم سمو الأمير. صافحني لودفيك و نحنُ نقف في نفس المكان الذي وقفنا فيه في اليوم الأول الذي أتينا فيه الى هذه القرية الخيالية.
مع عرباتنا المُعبئة بأغراضنا خلفنا و الحراس الملكين ينتظرون و الباقي معي يوَدِعون كل مَن تعرفوا عليهم هنا.
شكراً لكم جميعاً على استضافتكم الكريمة. قلتُ له بالمقابل ليومئ هو لي و مَن معه ينحنون.
أتمنى رؤيتكم مجدداً و انا أعتذر على ما حدث قبل يومين. قالت هِند تضع يداً على خَد كانيلا لتبتسم لها البشرية و انا أنظُر على الأرض.
أرجوكِ لا تقولي هذا، لم يكُن ذنب أحَد لقد حدث ما حدث و أنظري، جميعنا بخير. ردت عليها كانيلا تبتسم بِلُطف.
في المرة المُقبلة سوف نكون مستعدين أكثر. أضافت الصيادة التي على ما أظُن اسمها سالاندي لتومئ لها كانيلا بالموافقة.
سررتُ بالتعرف عليكِ كانيلا. تقدم لوديان و معه غويا خطيبته مُبتسمين لا يزالون مُمتنين على ما فعلته كانيلا لهم.
أخذت كانيلا تعانق غويا و تُخبرها أن تهتم بِزوجها المستقبلي لتضحك ثم عانقت لوديان ايضاً تتمنى لهما السعادة.
أشرتُ انا لِتوك لكي يُخبر الحراس حتى يبدأو بِفتح أبواب العربات لكي يصعدوا الجميع فَلدينا رحلة أخرى الى مدينة فوريا في قلب المملكة.
و بذلك بعد الوداع القصير ركبنا عرباتنا ثم بدأت بالتحرُك تبتعد عن القرية و أهلها الذينَ يُلوِحون لنا بأياديهم. نظرتُ الى الأعلى، طبعاً أرى الغيوم الرمادية فوقنا لم تَنسى جعل مَطر يهطل علينا، مطر يرتطِم بِسقف العربة يملئ الهدوء فيها.
أغلقتُ النافذة و السِتارة الحمراء الصغيرة لأستريح بِشكل أفضل على المقعد أرى بلايز يطير كي يجلس فوق حافة النافذة يضع ساقاً صغيرة فوق الأخرى.
تبدوا بِحالة مُزرية. قال هو يفتح حديثاً مُزعجاً لأتنهد لا أنظُر له.
شكراً و انتَ تبدو وسيماً ايضاً عزيزي بلايز.
أخرج هو ضحكة من حلقه.
هل كلامي جعلكَ مُستاءً؟، انا صادق سمو الأمير.
أخذتُ الكتاب الذي لم أكُن أنتهي يوماً من قرأته بِسبب المغامرات التي لم أتوقعها ابداً، تُلهيني عن أكماله لأفتحه بعدها أبحث عن الصفحة التي توقفتُ عندها.
لقد أصبحتُ في منتصفه على الأقل، عندما أصبح الطفل الصغير و العالِم العبقري في عمق البحر و معهم حوريات تُساعدهم على عبور الأمواج القاتلة و من بين الحوريات، واحدة مُصابة—
هل سوف تتجاهل جميع أسئلتي فالكين؟ قاطعني بلايز من الأكمال لأرفع رأسي أقابل عينيه الماكِرة.
دعني في سلام بلايز، سوف نقضي يوماً أخراً معاً في مكان ضَيّق و صغير لهذا خبئ أسئلتك الى أن نصل لِلقصر.
هَمهَم هو و انا أعدتُ تركيزي على الكتاب.
انتَ تعلم أنَ حالتك تسوء كل مرة تحلُم بها صحيح؟ سألني هو.
لم أجبه ليتابع هو لا يُبالي بِكوني اقرأ
الى متى سوف تتجاهل صحتك و قدرتك؟ ألن على الأقل ترى طبيباً أو ساحِراً لكي يساعدك؟
تنهدتُ أغلق الكتاب بِقوة أضعه بِجانبي لألتفت لِلمخلوق المزعج أتكتف و أقول له بِبرودة.
لا يوجد مَن يقدر على مساعدتي بلايز لا طبيب أو غيره و انا بخير، لقد مررتُ بِأسوأ بِكثير لهذا كُف عن القلق و دعني أكمل قرأت كتابي.
رفع هو حاجباً عليّ
انتَ تتكلم أحياناً في نومك حتى لو لم تكُن تحلم بِسبب قدرتك، و لقد قلت مرةً أنَ تاليا الملكة تأخذك الى طبيب سافل عجوز لكي يعالجك مؤقتاً.
يا للهول لماذا لم أقتل هذا الحقير بعد؟
و لكن لا ذنب له أو يتقصد أزعاجي، من كلامه أفهم انه حقاً قلق و يهتم و لو قليلاً لي و انا لدي مشاكل لا تُعَد على الأصابع.
أسمع بلايز، انا قلتُ أستسلم لِه مُكملاً.
هنالك طبيب واحد كانَ جيداً بالتعامل مع قدرتي لكنه موجود في أسليرا و يعمل في القصر الملكي و إذا طلبتُ منه القدوم تاليا سوف تعرف و إن عرفت هذا يعني انها سوف تأمُرني بالعودة لأنني كذبتُ علينا و أخبرتها بِأنني بخير و لكوني أعرف تاليا جيداً انها لن تستسلم لي و بِطريقةٍ ما سوف أجِد نفسي في أسليرا.
هل هذا السبب فقط، انكَ لا تريد العودة لأسليرا من أجل التداوي؟
هَززتُ رأسي أنفي ذلك أعيد الجلوس بِشكلٍ أواجِه فيه المقعد الأخر لِلعربة.
سأكون على ما يرام، صدقني لطالما استطعتُ التعايش مع قُدرتي لكني هذه الأيام أنشغل و أنسى الاهتمام بِنفسي لا أكثر و أنظُر انا أمامك بِخير و لم يحدث شيئاً.
بدأ بلايز يُتَمتِم كلمات لم أسمعها جيداً لأنه يهمسها مع نفسه و لكني التقطتُ بعضاً منها كال لو انكَ تعلم و من يبقى بِجوارك ليلاً
عقدتُ حواجبي أحدق به لا أستوعب ما يُتمتمه.
ما الذي قلته؟ سألته بِحيرة ليهُز رأسه و يلتفِت يواجِه النافذة يفتح الستارة لنفسه فقط.
لم أضغط عليه أو أرغمه بالتحدث بل تركته و شأنه ثم عدت أمسك الكتاب أفتحه لكي اقرأ لكني ظللتُ اقرأ نفس الجُملة مراراً و تكراراً أشرُد فيها و لا أكمل ما بعدها.
هل حدث شيئاً البارحة ليلاً لي لا أعرف عنه؟
انا حتى لا أذكُر تفاصيل ما حلمتُ به أصلاً بل بعضاً منها ضبابية لا أفهم ذرة ما هي.
أذكر، أمطاراً على وَجهي، باردة. ألم في ظهري طفيف و، بكائي بين أحضان أحدهم؟
يا اللهي ما الذي جرى؟
أكمل قرأت الجُملة سموك و توقف عن التفكير. أخبرني بلايز لأنظُر له بسِرعة متفاجئ من كلامه أجده بِوضعيته ذاتها يُشاهد الغابات عبر النافذة، ظهره الصغير لي.
أخذتُ نفساً عميقاً مِن أنفي ثم حاولتُ التركيز بالقصة، نجحتُ لِبعض الوقت لأعثر على نفسي أفَكِر مرةً أخرى بِلا شيء و كل شيء.
استيقظتُ على شهقات بلايز في الصباح التالي أراه ينظُر عبر النافذة لأتقدم على نفس الجهة و أرى ما يراه أفهم تماماً لماذا ردة فعله أيقظتني من قيلولتي.
اننا نرى أرض واسِعة خضراء كلياً. و نهر كبير يجري بين جبالاً عديدة فوقها غيوم رمادية تبكي أمطارها علينا جميعنا.
هنالك ايضاً حيوانات تشرب من النهر و منها تنظُر الينا نعبر الطريق بعيدين عنهم.
الطبيعة بِنفسها خُلُق لا مثيل له، الخالِق عرف كيف يُبهِرنا حتى بها بأشكالها و أنواعها المميزة و الفريدة و المتنوعة.
و بعدها بِدقائق قصيرة، رأيتُ بوابة عملاقة من الحجر الصُلب عليها تنمو النباتات الخضراء و فوقها مِنصة خشبية يقف عليها ثلاثة حُراس دروعهم رمادية و على خوذاتهم ريش أخضر و سور مُتصِل بالبوابة كبير جداً يحمي كل ما بداخلها.
مدينة فوريا و قلب مملكة أريزو مملكة الغابات.
توقفت العربات قليلاً الى أن تأكدوا حُراس البوابة من هوياتنا لتعود العربات مجدداً تمشي و تَعبُر البوابة ندخل الى بداية المدينة.
ما رأيته على الفور هو نهر ضَيّق المجرى، يجري معنا و بينهم على كِلتا الجهتين بيوت سطوحها ملونة بألوان مختلفة، حرس في كل مكان و أهل المدينة يتمشون أو متوجهون الى عملهم يرتدون ملابس إما خضراء و بنية أو عروق و ملابس من الطبيعة نفسها.
لم ألاحظ أحدهم يطير بعد، لستُ أدري لماذا بالضبط لكن لم أفكر بالأمر كثيراً ربما هنالك سبباً مَخفياً انا لا أعرفه.
لم أرى متاجر و محلات بعد عدا التي مِنصات بيع خُضار و فواكه و نبيذ بأنواعه فَحسب. أعلام صفراء و برتقالية تُزَيِّن بعض المنازل و رأيتُ أوراق شجر خضراء تطير في الهواء لتَسقُط على أرض من الحجر الأبيض.
ظللنا نمشي الى داخل المدينة الى أن مررنا بِدَوّار يوصلنا الى ثلاثة اتجاهات، يمين، يسار و أمامنا بالضبط و بين كل أتجاه مياه النهر تملئ الفراغ بينهم. نحنُ طبعاً أخذنا الطريق أمامنا الذي سيقودنا الى عمق المدينة أكثر.
لقد وصلنا. قال بلايز مع بسمة عريضة على شفتيه تُظهِر أسنانه البيضاء.
هل تعلم انه بِسبب المطر نشأ نهر الكريستال الشهير الذي يَعبُر من مملكة سنويان الى مملكة أريزو و ينتهي عند مملكة البحار؟ انا سألته أشاهد معه الطريق مُنبهر مع انني زرتُ هذه المملكة من قبل.
حقاً؟ ينتهي بِمملكة البحار؟ كنت أعلم على انه يَعبُر من مملكتين لكن ينتهي بِثالثة؟ هذا عجيب.
ليس حقاً، مملكة البحار تُساعد بالاهتمام بالنهر إن حصل جفاف مع انه أمر نادر بما أنَ أريزو لا يتوقف فيها المطر و يتطهر النهر في البحار لهذا المملكة تلعب دوراً كبيراً بِحماية النهر.
أشار بلايز بأصبعه السبابة على السماء رافع حواجبه قبل أن يقول مستغرب
لماذا المطر لا يهطل اليوم؟
نظرتُ الى السماء لأرمش مندهش، سؤاله وَجيه.
السماء زرقاء صافية لا وجود لِذرة غيمة رمادية و الشمس ساطعة و دافئة على بشرتي.
هل من الممكن...
ظهرت بسمة على طرف شفاهي أعلم السبب لأخبره
الملك تيريان عَلِم بِوصولنا.
حدق بي الصغير لِبعض الوقت الى أن أستوعب و توَسعت عينيه
يبدو أنَ الجميع يُحِب قوته بالتحكم بالغيوم و طبيعتها.
أومأتُ أوافقه الكلام.
و يُحبون التباهي بها.
قهقه بلايز يرجع لكي يُشاهد منظَر المدينة و نحنُ ندخلها أكثر و أكثر و النهر معنا طوال الوقت يُعرَف بِكونه بِداخل المدينة فيه يتنقلون أهل المملكة بِقواربهم من منطقة لأخرى.
مدينة فوريا كبيرة جداً ربما ثالث أكبر مدينة في هذا العالم، لقد نسيتُ في أية مركز لكنها كبيرة لِلغاية.
و أخيراً بعد انتظار طويل و سفر أطوَل أصبحنا في عمق المدينة لرؤيتنا النهر بِشكل أفضل و أكبر مِن قبل. فيه كما ذكرتُ سابقاً قوارب عليها مَن يقودها و أخرين لِلتنقُل الى جهة أخرى من المدينة أو صناديق بِضاعة.
أشجار، شُجيرات و نباتات تملئ الطُرقات و على أطراف البيوت الحجرية ذات السطوح المُسطحة أو على شكل مثلثات. متاجر مخبوزات و محلات مجوهرات، ملابس، عطور و أثاث في كل مكان كذلك متاجر الورود و زيادة طبيعة كأنها تنقصهُم.
رائحة رطوبة التي تركها المطر تملئ مجرى تنفُسي تُنعِش صدري و تُصَفي عقلي. انتبهت أنَ الأرضية مُبتلة ايضاً إثر المطر لأنَ أحد الأطفال التي كانت تركض وقعوا فوق بعضهم بِفضل المياه.
ضحك بلايز يَشهد على ذلك صفعته بِخفة شديدة على رأسه من الخلف.
لا تسخَر منهم.
ضَيّق هو عينيه على شفتاي لأنني أحاول جاهِداً أن لا أضحك مثله عليهم. أطبقهم بِبعضهم مُمسِكاً الضحكة بِصعوبة.
بِطرف عيني رأيتُ بعض الجنيات بأجنحتها الشَفافة و الملونة تحلق بأعالي السماء معاً يحملون أكياس ورقية أو شبكية.
كيف يكون شكل القصر عجباً؟ تساءل بلايز يضع يداً على خده كالحالم.
انه مختلف عن أية قصر قد تراه في حياتك.
هَمهَم هو يحرك رأسه إليّ.
ما الذي تعنيه؟
أشرتُ بأصبعي في نفس اللحظة الى ورائه أشير لِلجواب من دون اللفظ به ليلتَفِت بلايز بِنفس الاتجاه يرى ما يتساءل عنه.
لقد أصبحنا فوق جسر عالي في المدينة، أبيض الحجر و فيه مَنحوتة أحواض كبيرة فيها أشجار خضراء داكِنة و بينها نباتات تُشِع باللون الأبيض المائل للأزرق السماوي كلما مررنا من جانبها تُشِع أكثر.
اننا فوق جسر مِن ضمن جسور أخرى غيرها. على اليمين و اليسار المزيد منها لكنها تقود الى أماكِن أخرى في المدينة و ليس الى القصر الملكي.
قادتنا العربات الى أخر الجسر لتقف عند البوابة ليست من حديد، أو أيّ نوع فولاذ قوي و لا حتى حجر، بل بوابة ذات عروق نباتات فيها أشواك و جذور شُجيرات ضخمة تُغلِق المَدخل و لا يُعرَف مِن اين يمكن فتح البوابة.
هذا مذهل. قال بلايز ينظُر الى البوابة لأبتسم على شكل وجهه أعلم انه لن يكون شيئاً مُذهلاً مُقارنتاً بالقصر خلف البوابة و الجدران الحجرية.
بعد دقائق معدودة عادت العربات تتحرك مجدداً الى داخل الساحة الكبرى لِلقصر لأغلق انا النافذة و السِتارة قبل أن تتوقف العربة و يَفتَح توك الباب من أجلي.
لقد وصلنا سموك. قال توك بِترحيب مُبتسماً لأعيدها له أنزل مِن العربة و معي بلايز أراقب ردة فعله باللحظة التي يرى فيها روعة القصر.
أمامنا تماماً، شجرة عملاقة لم أرى مثل كِبرها في حياتي، مع انني رأيتُ القصر من قبل إلا انه لم يفشل بِأدهاشي دوماً.
انها شجرة منحوتة بِشكل فريد و جميل جداً، مِن حولها درج ذهبي مُلتَف عليها كالحبل و في منتصفها ثلاثة جواهر كبيرة، اثنتان خضراء و واحدة عند باب القصر حمراء اللون.
في أعلاها الأوراق مُعلق فيها فوانيس ملونة تبرُق لِروعتها السحرية.
لكن العجيب و الذي لا يوجد منه أثنان في هذا العالم و في اية مملكة، هي الساحة و الشلالات التي تجري فيها تملئ أرضها بالمياه ناعِمة الشكل كأنها زجاج.
علي اليمين و اليسار تماثيل لوجوه طويلة مِن الخشب و بينها الشلالات كالقُطن الرقيق. تتساءلون كيف لنا أن نَعبُر المياه الى القصر، هل سنمشي فيها؟
حسناً الإجابة بِبساطة، لا طبعاً.
هنالك قوارب بيضاء ستأخُذنا الى الباب، نزهة قصيرة في بحيرة صغيرة لامعة.
مملكة أريزو تأتي كَثاني أغرب مملكة من بعد مملكة البحار لكونها ليست على يابسة بل في أعماق البحر و كيف يزورها مَن ليسوا من أهل المملكة؟
حسناً، هذه قصة تُحكى ليوم أخَر لأنني رأيتُ تيريان يقف بالقُرب من المياه خلفه، و يديه خلف ظهره و بِجانبه سيري و أبنهما.
هيا بنا. انا قلت لِبلايز قبل أن أخُذ خطواتي نحوى الملك الهادئ لتظهر بسمة بالكاد واضِحة على شفتيه يَمُد يده اليمنى لِلمُصافحة.
أهلاً بِسمو الأمير لوماريل و مَن معه. قال تيريان ترحيباً بنا يقف ريزار بِجانبي مُنحني الظهر أحتراماً لِلملك.
شكراً لكَ تيريان على الاستضافة الشخصية. شكرته أعيد يدي الى جانبي.
أخمن أنَ أغلبية الملوك التي زرتها في قصورها لم يغادروها بل أنتظروا في الداخل؟
أخرج بلايز صوتً من حلقه بدا كَالضحكة لي أما انا ابتسمت.
يمكنكَ قول هذا،.
حركتُ رأسي على عشيقة الملك، سيري ذات البشرة الحنطية و الشعر البني المَرفوع على شكل كعكة و العيون الخضراء. رقبتها، أذُنيها و أصابعها النحيلة كلها مُمتلئة بالمجوهرات و الذهب، انها تبدو يافعة لكنها أصغر من الملك بِسبعة و أربعون عاماً فقط، تيريان ثاني أكبر ملك في العالم عمره 370 سنة.
تكون سيري كما هو حال عشيقاته القُدماء، لكن هذه مَن نَجت لسنوات معه حتى وصل الحال بهما بِطفل و هي في الحقيقة الوحيدة التي أحَبها الجميع، انها لطيفة و مُحترمة بِعكس غيرها.
اومأتُ انا لها لتُعطيني بسمة ايضاً تنحني لي.
من الجميل رؤيتك مجدداً سمو الأمير، ناضِج و وسيم أكثر من قبل. أخبرتني سيري تستقيم بِظهرها.
شكراً لكِ سيري و انتِ تُصبحين أجمل و أجمل كل مرة أراكِ فيها.
سمو الأمير. تقدم آناس أبنهم و مَن سيَجلس على العرش من بعد أبيه (إلا إذا قرر تيريان أن يتزوج يوماً ما و يُنجب من زوجته أبن) ينحني قليلاً لي.
آناس، لقد أصبحت أطول مني. رددتُ التحية مازحاً ليُقهقه يَحُك رأسه من الخلف بِخجل.
ليس حقاً، مازال لدي المزيد من القامة اخبأها لِلاحقاً.
انه شاب لطيف، في التاسعة عشر من عمره من المُمكن أن أكَوِن صداقة معه.
اومأت لي والدته بامتنان على الإطراء لأراها فجأة بِعيون متوسعة تنُظُر لشيء ما، أو أحدٍ ما أمامها.
كانيلا؟ تساءلت هي مع نفسها تجعلني أدير رأسي الى الوراء أرى كانيلا تركُض الينا و في عينيها دموع.
تحركت سيري كذلك نحوها تَمُد ذراعيها في الهواء لتُعانق كانيلا بِشدة، كلاهما يضحكون و يبكون لا يَهُمَهُم مَن يحدق بهم.
يا للهول لقد أتيتِ! قالت سيري تُمسِك بِوجه البشرية تتفحصه.
بالكاد، لكني هنا الأن. ردَت عليها كانيلا تُعانقها مجدداً.
عندما انتهوا من العناق و الاشتياق ذهب آناس الى كانيلا مُسرعاً ليُعانقها يَرفعها عن الأرض يضحكان بِسعادة و فرح.
لقد عادت البشرية الجميلة! صاح آناس يفاجئني، فَلم أكُن أعلم أنَ ثلاثتهم قريبون مِن بعضهم الى هذا الحَد مع أنَ كانيلا عاشَت معهم لأشهر فقط.
أنزلها آناس على الأرض مُمسِكاً بيدها قبل أن يأتوا ثلاثتهم الينا مجدداً حتى يدعها و تأتي هي لكي تنحني لِلملك تمسح دموعها المُنهمرة و بسمتها التي لا توصف.
لم أرى عائلتي الصغيرة سعيدة هكذا منذُ سنوات. قال تيريان يجذُب انتباه الجميع له. وقفت كانيلا باستقامة تأخُذ أنفاساً وجنتيها محمرة.
بعدها أشار تيريان بيده على القارب الأبيض خلفه مُكملاً.
لما لا نكمل في الداخل انني أمسك بالمطر منذُ دخولكم الى المملكة أشعر بها غاضبة عليّ.
ضحك الجميع على ذلك ثم وافقنا نَصعد القارب و به تحركنا الى أبواب الشجرة، أعني القصر الملكي المميز.
و ظل مميزاً حتى بعد أن دخلناه. ما فيه ثلاثة ألوان فَحسب، الأخضر الفاتح، الذهبي و البني بِدرجاته، حسناً هنالك القليل مِن البني لكون بعض الأثاث مِن أفضل أنواع الخشب.
أرضية ذهبية لامعة، جدران من نفس اللون و منها أخضر فستقي.
ثريات عملاقة تنير البهو، نافورة مائية في وسط البهو و من حولها مقاعد من الذهب و بالقُرب من النافورة طاولة طويلة و حولها كراسي، لا أذكُر وجودها هنا من قبل.
علي يساري و يميني مَداخل منها تأخُذك الى ردهات مختلفة و مواجِهاً لنا تماماً ردهة طويلة تأخُذنا الى الحديقة الخلفية لِلقصر، على يسار الرُدهة درج و يمينها درج أخَر على شكل ذيول تقود لِلطابق الثاني.
توقفنا جميعنا بِجوار النافورة على شكل أطباق خضراء فوق بعضها منها يَسقُط الماء ثم أستدار الينا تيريان يديه ما تزال خلف ظهره.
رجاءً تفضلوا مع خدمي لكي يأخذوكم و أغراضكم الى غرفكم فأنتم تحتاجون بعض الراحة، رحلتكم كانت طويلة.
ظهروا فجأة الخدم مِن المداخل على كِلتا الجهتين لكي يحملوا الأغراض و يشيروا لمَن معي عدا ريزار كي يتبعوهم.
انا سوف أرافق كانيلا. قالت سيري لِتيريان فَسمح لها و لِآناس كذلك.
تفضلوا معي يا سادة. مشى تيريان أمامنا لأتبادل النظرات مع ريزار بعدها لحقنا به من دون سأله عن السبب.
ذهبنا في ردهة قادتنا الى غرفة اجتماع متوسطة الحجم على جدرانها الذهبية لوحات مَرسوم فيها رجال بِدروع يُقاتلون في حرب و هنالك دروع فضية عليها رمز المملكة باللون الأخضر مِن شجرة و حوليها سِلسِلة فضية.
توجد نافذة واحدة صغيرة في أعلى الجدار أمامنا.
في وسطها طاولة خشبية غامِقة اللون ليجلس الملك في المقدمة أما انا على يساره و صديقي على يمينه.
وضع تيريان ذراعيه فوق الطاولة يُشابك أصابعه بِبعضها قبل أن يسأل ينظُر مني و الى ريزار
لقد تفاجأتُ عندما وَصلني طلب زيارتكم لِأريزو قبل أيام، سعدتُ بِحضوركم فَلا تظنون العكس ولكني أشعر بالفضول بِشأن أمر.
تقابلت عيناي بِعين ريزار الصفراء و شاهدتُه يبلع حلقه.
تباً! لا شيء يُمكن أن يتخطى تيريان و يبدو انه يلاحظ ما هو غريب بالنسبة لِقدومنا العشوائي.
صفيتُ انا حلقي أعيد تركيزي على الملك ذو التعابير الفضولية ثم تقدمت بِجسدي على الطاولة.
سوف أكون واضِح معكَ مِن الأن تيريان، بدأتُ انا أفكِر بِطريقة لأنهاء الحديث على خير
انا لم أتي الى هنا من أجل زيارة أصدقاء فَحسب بل من أجل أمر غيره كذلك.
ركلني ريزار من أسفل الطاولة بِخفة بينما بلايز صفع شحمة أذُني لأغمض عيناي العنهُما بِداخلي. ما خطبهما هكذا؟ هل يظُنان انني سوف أفشي الموضوع بِسهولة؟
هل انتَ بخير؟ سأل تيريان رافع الحواجِب لأهُز رأسي أرسم بسمة مُزيفة بالتأكيد لاحظها لكنه لم يتفوه بِحرف.
لقد أتيتُ من أجل عمل أفكر به منذُ فترة و بالصدفة مَن يستطيع مساعدتي بالمشروع موجودون هنا في أريزو.
همهم تيريان لِلحظة و انا صبرت أنظُر له بِجدية و صرامة لا يتزحزحوا مشاعري ابداً بِعكس الذينَ معنا، يبدو انهم سوف ينفجرون توتراً بأي ثانية إن لم يقول تيريان شيئاً.
يا لهم من سافلين، صناديق قمامة لا يثقون بي.
ارتخَت فجأة ملامح وجه تيريان ثم عاد بِظهره على كرسيه قائلاً
حسناً، من الجيد انكَ صادق معي فالكين. هل تَوَد مشاركة هذا المشروع معي أم انكَ ستبقيه سراً الى أشعارٍ أخر؟
سأبقيه سرياً للأن فأنا لم ابدأ به بعد و بالكاد أخبرتُ صديقي.
و فالين؟
عدتُ انا ايضاً بِظهري على الكرسي أسترخي كما فعل الأخرون.
ليس بعد، هو ايضاً يعتقد انني أتيتُ لزيارة أصدقائي.
ابتسم تيريان كَرداً يومئ متفهماً و بما أنَ الحديث أنتهى هنا أشرتُ لريزار بالنهوض لكني تذكرتُ بسرعة شيئاً مهماً.
وضعتُ يدي بِداخل معطفي أخرِج من جيبي رسالة ذهبية أعطاني إياها فالين من أجل تيريان.
تفضل هذه من فالين. أخذها الملك مني ينظُر اليها من جميع الجوانب متعجباً.
انتَ مَن أوصلتها.
لم يكُن سؤالاً لكني قلتُ نعم على اية حال.
قال انها مهمة لِلغاية و لا يثق بأحَد أن يوصلها غيري.
عقد حواجبه البنية يتمعن بِالرسالة قبل أن يضعها على الطاولة مُقابله و يشكُرني لإيصالها بأمان.
سوف أراكم بعد ساعتين. أخبرنا تيريان كإشارة لِمغادرتنا.
بعد أن خرجنا و أغلقنا الباب خلفنا ظهر لنا رجلٌ مِن الخدم لكي يأخذنا الى غُرَفنا بما انها قريبة من بعضها.
طبعاً تبعناه نحنُ في ردهة في الطابق الثاني، عروق النباتات و الخشب المنحوت على أشكال هندسية بسيطة تملئ الجُدار، نور الشمس ينفُذ من بين الستائر الخضراء لكي ينير الردهة كلها يبقي القليل مِن الظلام في الزوايا و الأماكِن التي لم يقدر النور على الوصول اليها.
هل تعتقد انه يشُك أو يعرف؟ فتح ريزار باباً على الصمت لأنظُر له يَمشي جنبي و الخادم يقودنا عن بُعد.
لستُ متأكداً ولكن على حسب كلام ذلك الرجل الذي قابلناه في الغابات قبل عِدة أيام، فأنه هو و التاجر مَن يعرفون بِشأن الجثث.
لكنه الملك، ألَن يصله أية خبر على الأقل؟
هَززتُ رأسي لستُ أعلم بِحق. قد يكون تيريان يعرف لكنه لا يتحدث و ربما ليست لدي فكرة ابداً عن ما يحدث خارج مدينته أو على أراضي مملكته و مع ذلك لا يجب أن لا أضع ذلك بالاعتبار.
سوف ننتظِر و نرى ما سيحدث ريزار. و لا تغفوا عن حذرك و لو لِثانية بل كون مُتيقِظاً. أخبرته بِعزم في صوتي ليومئ لي.
ماذا عن التاجر؟
لم أجبه على الفور بل أخذتُ أفكر. لقد أخبرنا الرجل من الغابة أنَ التاجر سوف يعود الى القصر بعد أسبوع و نحنُ قضينا يومين في القرية و يوم أخَر سافرنا فيه الى أريزو هذا يعني تبقت لنا أربعة أيام.
بعد أربعة، إن لم يأتي التاجر الى القصر أو المدينة سوف نعود الى فالينيا.
انتَ محق، لا خيار لنا غير ذلك.
هنا غرفة اللورد ريزار. توقفنا عند باب خشبي كبير أولاً ثم أشار الخادم بيده على الباب مُقابله نفس الشَكل.
و هنا غرفتك سمو الأمير، لقد كنا سنأخذك الى غرفة أكبر لكن جلالته قال انكَ تُفَضّل هذه.
هذا صحيح. شكراً لك.
أنحنى الخادم ثم أستأذن و غادر يتركنا لوحدنا.
هل تحتاج بعض الراحة؟ سألتُ ريزار عندما وضع يده على مقبض باب غرفته مِن الفضة.
رمش عَليّ قليلاً كأنه لم يستوعب ما سألته ثم هَزة بِرأسه مُجيباً
لقد نمت طوال اليوم في العربة لكني جائع.
أخرجتُ ضحكة صامتة من حلقي أفتح بابي.
تعال معي، سوف أطلب مِن أحَد الخدم أحضار شيئاً لكي نجعل العصافير تنام في بطنك الى حين العشاء.
ابتسم ريزار بِرضى ثم لحقني الى الداخل.
-كانيلا-
جلستُ على طرف سريري في الغرفة التي استيقظتُ لأول مرة في هذا العالم، لوحدي، خائفة و ضائعة لا أفهم مَن هُم من حولي و اين انا.
غرفة كبيرة جداً أرضيتها رمادية، جُدرانها بنية عليها عروق نباتات و جذور كأن الشجر ينبُت منها. طبعاً هذا منطقي بما أنَ القصر حرفياً شجرة سحرية.
في منتصف الغرفة، كالبركة الصغيرة للاستحمام، على يميني نوافذ كبيرة جداً تُطِل على جبال و وديان بعيدة في أريزو. السرير مُقابل الباب و الخزانة على يسار السرير أما الحمام بالقُرب من الخزانة الخشبية.
جلست سيري أمامي تواجهني و بسمة عريضة مُرتسمة على شفتيها لم تغادرها منذُ أن رأيتها.
تبدين مختلفة جداً. قالت هي تجعلني أحدق بِوجهها اللطيف و الوَدود.
مختلفة؟ كيف ذلك؟
عادت هي الى الخلف تستنِد بِظهرها على عامود السرير الذي له سِتارة من الشيفون باللون الفستقي من حوله.
مشرقة، وجهك يبرق و عيونك تلمع مع أنَ حالت جسدك لا تعجبني لقد فقدتِ وزناً عن أخِر مرة رأيتكِ فيها لكنكِ تبدين أكثر أشراقاً من اية مرة.
رأيتُ إكسانا تقف على حافة السرير رافعة حاجباً عليّ. كأنها تتساءل هي ايضاً عن السبب، لكن لا سبب لأني لا أشعُر إلا بالسعادة لرؤية سيري و آناس فقط.
فَهل يوجد سبب انا لا أعلمه؟
هذا مُحير.
دعيني مِن أشراقي و شكلي و أخبريني عنكِ، كيف حالك لقد مرت خمسة سنوات. قلتُ انا أغَيّر الموضوع لتتوسع بسمتها مُدركة للأمر من دون أن تضغط عليّ لهذا تنهدت تنظُر لِلسقف لِلحظة.
بالفعل، خمسة سنين جَرَت بِغمضة عين، و انا كما انا. ضحكت هي بِخفة ثم أكملت
كل ما تتركيه يبقى على حاله كانيلا فَلا جديد إلا انني أهتم بِطفلي الوحيد و أعيش لأجله.
هذا ما توقعتها أن تقول و لدي جزء بداخلي يحزن من أجلها و حتى بِطريقةٍ ما نُشبه بعضنا و نشعر بالأخر.
أقتربتُ انا منها ركبتي تلامس ركبتها فوق السرير ثم أمسكتُ بيدها فوق حضنها أجعلها تنظُر لي.
انه يتجاهلك مجدداً. لم اسألها بالضبط لكنها أومأت صامتة تعَض على شفتها السُفلية.
لم يَعُد يؤلم كما كانَ قبل تسعة عشر سنة عزيزتي كانيلا فَلدي آناس، حبيبي و حياتي كلها و لم يَعُد يهمني شيئاً غيره.
أرجوكِ لا تقولي هذا سيري، قد لا يقول تيريان ما يشعر به لكني أراه انه حقاً يهتم لأمرك و يحبكِ.
رفعت سيري رأسها إليّ تحاول أن تتظاهر انها لا تهتم لأمره قبل أن تخبرني تضع يدها الثانية فوق يدي تُرَبِت عليها.
دعينا لا ندخُل في هذا الموضوع من بداية قدومك بعد خمس سنين.
أومأتُ متفهمة أترك يدها بِلُطف.
عن ماذا تريدين التحدث إذاً؟
جلست مستقيمة على سؤالي تُعيد وضع البسمة الودودة على وجهها كما لو انني أخبرتها بأني سأعطيها أجمل هدية في العالم.
عنكِ و عيشك في فالينيا.
همهمتُ أنقُر بأصبعي على ذقني بِتفكير.
العيش في فالينيا لا يختلف عن أية مملكة و أحياناً ممل.
ضَيّقت عينيها ثم سألت بِفضول في نبرتها الناعمة.
حسناً، و ماذا عن مايكا؟ همست أسمه كأنَ تيريان سيَسمعها.
الملك تيريان لا هو ايضاً لا يُحِب التحدث عن مستشاره السابق ابداً و يغضب مثل مايكا عندما يَذكُر أحدهم شيئاً عنه.
قصتهم مُحزنة لكنها سخيفة ايضاً، على الأقل هذا رأيي الشخصي.
فيها خيانة في صداقة كانت قوية مرةً قبل أن يكونا ملكاً و مستشاره.
مايكا، يكون مايكا انه على حاله لكن ما زيادة عمل في السنتين الأخيرتين. انا أجبتها أعود لِلواقع.
انا الى الأن لم أسمع عن زواجكما بعد فَما الذي يحدث كانيلا؟ ما الذي أخركُم الى هذا الوقت؟
تنهدتُ أمرر أناملي بين خُصلات شعري من الأن لستُ معجبة بهذا الحديث و الطريق الذي تقوده سيري.
لما الزواج مهم، لا أهمية له بعد الأن.
هذا ليس صحيحاً، الزواج قد يُغَير الكثير بينكما و حتى إن لم يكُن مهماً بالنسبة لكِ، فَماذا عن العائلة التي لطالما حلمتِ بها؟ انا لا أرى الأطفال.
عضتُ على لساني بِقوة أذكُر الكلام الذي أخبرتها إياه بعدما تعرفتُ على مايكا و أحببته...
أممم هذه قصة مُعقدة سيري. انا قلت.
شابكت هي ذراعيها أمام صدرها كما فعلت إكسانا بِجانبها على الحافة. و ها نحنُ نبدأ من جديد.
اليس هذا ما تتمنيه كانيلا؟ رجلاً يُحبك يبقى معك و يساندك و معكم أطفالكم، أربعة منهم يركضون من حولكم و يضحكون في منزل على ضواحي--.
هذا لم يَعُد حلماً سيري! قاطعتها بِنبرة مرتفعة لم أتحكم بها أزفُر الهواء من فمي بأحباط، أحس بالجدران تضغط عليّ، تَضيق و تَضيق بِبطء.
ماذا؟ سألتني مندهشة.
انا سعيدة معه، لكنه مضغوط سيري، انه مستشار ملك و عمله أكثر من عمل الملك نفسه لهذا لا وقت لدينا لهذه الأشياء و مازال لدينا أياماً و غيرها.
حدقت سيري بي لفترة طويلة ظننتها ساعات و انها لن تتفوه بِكلمة ابداً لكنها فتحت فمها ثم أغلقته بعدها فتحته مرة أخرى غير متأكِدة من الذي ستقوله.
كم سنة مرت و انتِ مخطوبة منه، هاه؟ أخبريني كانيلا كم سنة؟
لم أجبها بل حركتُ رأسي على جهة النافذة أمسك بِطرف فستاني بيدي المَضمومة بِشدة أحس بِأظافري تمزق القماش.
أعرف، أعرف انكما تحبان بعضكما لكن هذه العلاقة مؤذية إن أستمرت على هذا النحو كانيلا، أنظري الى حالتي مثلاً، لولا وجود آناس معنا لكان ألقى بي تيريان خارج القصر منذُ زمن. هكذا هو الرجل عزيزتي، بعدما ينتهي من المرأة التي أعطته ما رغبة به، يُلقي بها بعيداً و يذهب الى غيرها.
نظرتُ لها بسرعة منصدمة من الذي غادر فمها لتتقدم مني أكثر تأخُذ كِلتا يداي بيديها تنظُر لهما.
و هذا حالنا نحنُ النساء، نحنُ مَن نتأذى في النهاية و نَكسِر قلوبنا عند تعلقنا بِمَن أمثالهم و نخسر أنفسنا بِتربية أطفالنا نظُن انهم سوف يُنقِذون علاقتنا ولكنها فاسِدة منذُ البداية فلَما نُكمل؟
عضتُ على شفتي السُفلية لدي رغبة بالبكاء لكون نبرتها الضعيفة و المكسورة تؤثر فيني و تجعلني أفكِر بِنفسي ايضاً و علاقتي بِمايكا، ما الذي يجب فعله؟ فأنا مُتعلقة به جداً و أخاف تركه.
لكن، قالت سيري تمسح الدموع في عيونها قبل أن تسقط متابعة
لم أندم يوماً على حملي و أنجابي لِآناس أو على حُبي لِتيريان، صحيح انه لم يُعاملني كما تمنيت لكنه حماني و وضعني أسفل جناحيه و مع ذلك نحنُ النساء نحتاج الحُب و الحنان و الاهتمام مِن الذي نحبهم لكوننا مَخلوقات حساسة و رقيقة لا؟
ابتسمتُ لا إرادياً على كلامها أومئ موافقة أمسح انا ايضاً الدموع التي لم تسقط بعد.
لكننا لسنا بِحاجة لهم طوال الوقت، بأمكاننا العيش من دونهم و نقف على أقدامنا كلما وقعنا لأنهم لن يكونوا موجودين دائماً لأعطائنا يَد المُساعدة بينما هُم، بحاجة لنا من دون أن يعلموا إلا عندما نختفي، لهذا هُم مَن يحتاجوننا بِجانبهم و ليس العكس.
لم أكُن أعلم انكِ امرأة قوية لهذه الدرجة، لكن أنتبهي على ما تقولينه في وجودهم فقد تقعين في مشكلة.
أردتُ أخبارها انها مخطئة بَل سيخافون مننا و انهم سوف يهابون المرأة القوية و لأنها سَتُثبت انهم ليسوا الوحيدين الأقوياء في العالم و على أول القائمة، تاليا.
صديقتي العزيزة، لقد فعلت المستحيل و ها هي الأن تجلس على عرش ملكي بِجانب ملك جنيات في عالم سحري لم تُخلق منه و فيه.
اومأتُ لسيري بِهدوء نُغلق عن النقاش في لحظة، نستمع لِصوت المطر الغزير الذي حبسه لفترة تيريان من أجل أن يكون قدومنا أمن.
نهضت سيري بعدها من على السرير تُعَدِل مِن فستانها كي لا يتجعد لأنهض انا معها ايضاً.
الى اين؟
الى عملي كَمسؤولة في القصر، سوف أراكِ على العشاء.
عانقتني هي بِرقة ثم قالت لي بِنبرة مُنخفضة بالكاد سمعتها من قوة المطر خارجاً ترتطم بِزجاج النوافذ
فكري بِكلامي عن علاقتك بِمايكا، إما أنقذيها أو أتركيها قد يكون أول رجل، لكنه ليس الأخير، و لدينا يوماً لنكمل الحديث فيه فَنحنُ لم ننتهي بعد.
و بذلك ابتعدت عني تضع يداً على وجنتي ثم ألتَفَت و غادرت الغرفة تتركني و كلامها مُعلق في الهواء لألُف أذرُعي حول نفسي و أرجع جالسة على السرير.
أحدق بالفراق و عقلي مُشوش بِكلامها و كلامي و كلام الجميع.
انا أحب مايكا، لطالما أحببته و هو ملئ وِحدتي بِوجوده في حياتي كانَ كالشمس في يوم بارد و نوراً في ظلامي.
لهذا اريد أنقاذ العلاقة إن كانت حقاً مؤذية كما قالت سيري، لكن ماذا لو كانت بالفعل فاسِدة؟
كيف لي أن أنقذها؟ و أصلاً كيف لي أن أعرف انها فاسِدة من الأساس؟
الجواب دوماً يكون عندك سيدتي، فَلا تسأل إلا نفسك عن علاقة عِشتها لِأكثر مِن تسعة عشر سنة. قالت إكسانا تُرجعني من فقاعة أفكاري لِلعالم الواقعي.
طارت هي بِجناحيها الجميلة إليّ ثم حَطت فوق ركبتي تجلس بِخفة عليها تنظُر لي بِتلكَ العيون الكبيرة و شعرها البرتقالي يتحرك من خلفها كأنما توجد نسمة معها.
لا تتسرعي لكن لا تؤجلي. أكملت هي تنصحني.
نظرتُ على النوافذ التي يَسيل عليها مياه المطر أرى ضباباً بِسببها و ليس الجبال الرائعة و ما هو معها.
أدخلتُ يدي في فتحة فستاني عند الصدر لأخرج منها بطاقة ظلت معي الى هذه اللحظة. قلبتُها على وجهها ثم تمعنتُ بالذي فيها.
تمثال لامرأة منحوتة من الحجر الأبيض، على عينيها غِطاء و بيد تحمل شمس، فيها شيء أسود و بالأخرى تحمل قمراً، فيه شيء أصفر مائل للأبيض.
نور فيه ما يؤذيني و ظلام فيه ما يُسعدني.
اين انا و ما الذي يجب عليّ أختياره؟..
زفرتُ هواءً محبطاً من فمي ثم نهضت متجهة الى الحمام لكي أستحم و أغَيّر ملابسي و لعلى الحمام الدافئ قد يُرخي أعصابي و يُنسيني هذه الهموم اللعينة و سلبيتها عَليّ.
بعد الحمام ارتديتُ فستاناً يليق بأزياء هذه المملكة الخضراء، فستان طويل بسيط لِلغاية، بِمَشد لونه وردي فوق الفستان الأبيض و تنورته باللون الأخضر الكريستالي أيّ انه مائل للأزرق السماوي.
علي اية حال و انا أقف عند النافذة أشاهد منظَر الطبيعة بعدما توقف المطر قليلاً على ما أظُن بأمرٍ من تيريان سمعتُ صوتً غريباً قادم من خلفي.
نظرتُ على إكسانا التي تطير بِجانب رأسي بعدها استدرتُ الى الخلف قلقة لكن، لا شيء.
عقدتُ حواجبي مُستغربة، لأنَ الصوت عادة مجدداً و الغريب انه يأتي من مكانٍ ما في الجدار.
ما هذا الصوت؟ تساءلت إكسانا تقترب من مكان الجدار على يسارنا تضع أذُنها عليه.
و من دون اية سابق أنذار تَحرك الجِدار و فُتِح باباً فيه لتطير إكسانا بِسبب الدفعة القوية منه، ترتطم بِصدري.
ألتقطها على الفور بين كفوف يداي ثم نظرتُ على آناس الذي ظهر مِن الجدار، أو بالأحرى الباب السري في الجدار الذي لم أعرف عن وجوده يوماً.
يا اللهي آناس لقد أخفتني. قلتُ أضع يداً فوق صدري.
أسف كانيلا، لم أقصد إخافتكما. قال هو يتكئ على الباب مُشابك الذراعين ينظُر على إكسانا بِتأسُف.
الى الأن لا أصدق انه كبر و أصبح شاباً وسيماً جداً و طويل القامة، أخر مرة رأيتها فيها كانَ في سن الرابعة عشر و قصير أما الأن، لا تعليق.
لديه ملامح وَجه والده، أنف صغير مستقيم، شفتاه مُمتلئة وردية و رسمة عين جميلة بِرموش كثيفة داكِنة و لون عيون خضراء مع شعر بني طويل يصل لأسفل أذُنيه.
أعتبره كالأخ الصغير بالنسبة لي مع انني أمتلك أخوة، خمسة أخوة في الحقيقة، أصغر مني في عالمي. ثلاثة توائِم صبيان و بعدهم صبي أخَر و بعده فتاة.
انا و هي كُنا البنات الوحيدات بين أربعة صبيان.
لكني الأن لا أعلم عنهم شيئاً و لم أسمع منهم منذُ أن تركتهم، قبل عشرون سنة تقريباً.
عشرون، يا له من رقم كبير.
آناس لا يملئ الفراغ الذي كانوا يملئوه أخوتي لكنه شاب لطيف أحِب قضاء الوقت معه و التكلم اليه دائماً، انه بهجة بالنسبة لي صعب تركها.
ما الذي تفعله هنا ايها العفريت؟ انا سألته بِما انه لم يتفوه بِكلمة.
هَزة كتفيه ثم ردَ عليّ
أردتُ رؤيتكِ لكن والدتي رفضت و انا استخدمتُ هذه المداخل السرية لكي أصل اليكِ.
كيف تعرف بها أصلاً؟
ضحك بِخفة كأنني أخبرته نكتة فكاهية قبل أن يُجيب.
انتِ قلتيها بِنفسك، انا عفريت بالإضافة، هذه المداخل توصِل الى جميع الغُرَفة و القاعات في القصر. انها قديمة و لا يستعملها أحد غيري لهذا أبقيهم سراً بينناً إن كنتِ لا تريدينا، توقف هو لِلحظة يَميل بِظهره لي و يهمس الجملة
أن نقع بِمشكلة كبيرة.
أدرتُ مُقلتاي على صوته الدرامي، لا أصدق هذا المشاكس حتى بعدما كبر عاداته و شخصيته لم تتغير و هذا ليس سيئاً على الأطلاق بَل مضحك
انتَ مَن ستقع بِمشكلة يا سيد.
رفع حواجبه المُرتبة عليّ يقف مُستقيماً يبدو انه سيُغادر و يتركني
كما تشائين يبدو انكِ لن تشاركينني ما كنتُ سأراه اليوم.
ما هذا الشيء إلى ستراه؟
أمسك بِطرف الباب يغلقه بِبطء لا ينظُر لي و شفتيه مَقلوبة بِحزن طفولي
كنتُ سأريكِ شيئاً قد يُفقدك أنفاسك مِن جماله لكن لا بأس انتِ لا تريدين مرافقتي، لهذا سوف أراكِ لاحقاً كانيل.
كاد أن يغلق الباب لكني ركضتُ مسرعة أمسك به أمنعه من أغلاقه قائلة
أنتظر لحظة!
أستدار اليّ وجهُه بِتعابير مُحزنة مُزيفة.
ماذا تريدين؟
أمممم سوف أتي معك، لكن بِشرط.
ما هو؟
سوف تُعَلمني لعبة النرد الثمل بعدما ننتهي.
حدق بي آناس متفاجئ مِن طلبي لكنه وافق بِسرور يضع بسمة عريضة على وجهه الوسيم.
بعد تفكير قصير و تحديق بِإكسانا كأنني أخُذ أذنها، دخلتُ انا معه في المَدخل السري ليُغلق الباب ورائنا و يُصبح المكان عتم لِلغاية.
مشينا و مشينا في ممرات ضَيّقة نور الشُعلة التي يحملها آناس على عصى مُشتعلة بالنار تنير الطريق فقط. سمعتُ بعض الأصوات بين حين و أخَر، أصوات من الجدران تنبُع منها أحاديث لم أفهم ما هي لكني متأكدة انها من الخدم.
لكون المداخل كما قال آناس، تصِل الى جميع الغرفة و القاعات في القصر.
بعد فترة من المشي وصلنا الى جدار منه فتح آناس باباً يُخرجنا الى الجهة الخلفية من القصر الى حديقة كبيرة و الوحيدة لِلقصر.
السور الذي يُحيط بالقصر نفسه، أراه بعيداً بعض الشيء و طويل لو كانَ ممكناً لاستطاع لمس السماء و الغيوم البيضاء فوقنا.
مجموعة خدم فيها ايضاً، يهتمون بالمكان و ما فيه من زهور ملونة و عشب أخضر رائع و طبعاً الأشجار الصغيرة و هنالك نافورة على شكل ورقة كبيرة ذهبية منها ينزل الماء و على اليسار بيت زجاجي و توجد أبراج مُراقبة في كل زاوية مِن السور و أبراج خاصة بالحرس الملكي و الجنود على ما أظن.
تعالي معي. أخبرني آناس يأخُذ الطريق الأيمَن لنذهب الى خلف برج قديم حجره قديم جداً، يبدو انه يحتاج بعض العِناية و إلا لو نفخ عليه أحدهم سيَسقُط.
الى اين نذهب آناس؟ انا سألته أمسك بِذراعه العُلية لكنه أكمل مشيه لم يتوقف.
الى مكان فيه أخفي شيئاً عظيماً.
انتَ تخيفني آناس.
أخرج ضحكة شبابية من حلقه يتجاهلني لأتابع خلفه بِصبر أنظُر من حولي، في هذا المكان لا وجود لأحد لا خدم أو حراس.
لقد بدأتُ أقلق.
آناس، ناديته لكي يُنصِت لي لكن قدماي تجمدت على الأرض و قلبي معها كما أني سمعتُ شهقة إكسانا مِن على كتفي.
أمامي تماماً مخلوق أبيض ضخم البِنية، بِريش أبيض و جناحين كبيرة بيضاء على حوافها أسود. لدى المخلوق أربعة أرجُل، الخلفية، شكلها مثل شكل أرجُل الأسد و الأمامية أرجُل صقر كَالوجه.
لديه وجه صقر بِمنقار أسود حاد و عيون زرقاء جميلة و كبيرة، أذُنين طويلة في نهايتها سواد و لديه ذيل أسد.
يا للهول ما الذي أراه!
حول كاحليه سِلسِلة فضية مُتصلة بِجزء مِن السور يمنعه من الطيران و الهرب لكنه يبدو هادئً لِلغاية. لا يتحرك بل مُستقلي على الأرض رأسه فوق مخالبه و عينيه الجميلة تنظُر لِي ثم لِآناس.
آناس، ما هذا؟ انا سألته مُنبهرة و فمي مفتوح على مصراعيه.
توقف آناس عند المخلوق لا يهابه ابداً و كأنه مُجرد حيوان أليف بسيط و ضئيل حجمه ليس أكبر مِن حجمنا بأضعاف.
رفع آناس ذراعه في الهواء يُشير عليه ثم أجاب بِثقة و سعادة
كانيلا، هذه أزورا مخلوقة من مخلوقات الغريفين النادرة.
(Griffin)
رفعت أزورا رأسها عندما لفظَ أسمها ثم أمالَت رأسها و رمشت بِعيونها الفضولية عليّ.
قفز قلبي قفزة ثم وقع في مَعدتي و ربما سقط بين قدماي.