رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والخمسون

توجَّهنا أنا و كانيلا و مُرافقينا الصغيرين إلى المدينة فوراً بعدما تلقينا خبر من جواسيس كانيلا عن مكان تواجُد فيرنون المُحَرِض ضِد قرار فالين بإغلاق المملكة مِن أجل حماية أهلها مِن الأتلانتيانز إلى أشعارٍ آخر.
قيلَ أنه بعد غياب الشمس بِقليل حينما تكون غائبة بين الغيوم و الجبال في البعيد، يذهب إلى نُزُل ما لكي يتناول عشائه هناك مع بعض الأصدقاء و رجاله.

و أنه بعد ذلك يتوَجّه إلى حانة حتى يسهَر على الكحول و الرقص فَهو رجل أرمل لديه أولاد و أحفاد إلاّ أنه يعيش لوحده في منزله و يَقضي أيامه هكذا، مِن النُزُل إلى الحانة و أحيانًا يُساعد رفاقه الفلاحين في عمله على ضواحي المملكة في القُرى و بِما أنَّ المملكة تم إغلاقها تغير كل شيء بالنسبة له و لِرفاقه.

لهذا أنا و كانيلا و حارسينا توك و راث، توجَّهنا بِسرعة إلى المدينة في وقت غياب الشمس لِلنُزُل وسط مدينة الشمس و نحنُ راكبين أحصنتنا لكي نصل بِشكل أسرع فالعربة بطيئة خاصةً في مدينة يعُجها الآلاف.
فوق رؤوسنا، تحولت السماء مِن الزرقاء إلى البرتقالية، الصفراء و الزهرية، تبدو كَلوحة فنية لِرسام مَجهول غامِض لكنه فنان بِعمله بإمكانه ألقائك في سحر عمله و الضياع فيه.

وصلنا إلى وجهتنا في الوقت المُحَدَد و حتى أبكَر مِن ذلك، لِنترجل مِن على أحصِنتنا، رداء كُل واحد مِنا أسود طويلة يُلامس الأرض المُبلطة بالحِجارة الرمادية.
النُزُل مِن الخارج يبدو كالمنازل التي تُحيطه، مَبنية مِن الحجر مِن لون الأرض تقريبًا، بِنوافذ صغيرة بِسبب الأنوار القادمة مِن الداخل، تُضيء تلكَ النوافذ بالأصفَر أما الأبواب إما بُنية مِن الخشب أو حمراء كَلون باب النُزُل و عرين فيرنون.

أبقوا صامتين و دعوا التحدُث علينا، قلتُ لِحارسينا ألقي بِذقني على كانيلا ليومئوا هُم بِصمت يَضعون قُبعاتهم و يُخفون ملابسهم و أسلحتهم بِردائهم.
أنا و كانيلا بقينا على حالنا، لا نضع القبعات لكي نُخفي وجوهنا حتى نبدو مُسالمين و ليسَ و كأننا في مهمة بحث عن داعِم التمرُد في المدينة مِن قِبَل البشر و الجنيات.
هيا بنا. بدأتُ أنا أولاً أفتح الباب لأدخُل و خلفي الباقي.

نُزُل هَيديز مكان مَعروف في المدينة. أنه في الواقع جاذب لِلغرباء أو لِمَن يُحِب الطعام و الجعة و غير ذلك أنه كبير و واسع جميل الشكل بِثلاث طوابق.

الطابق الأول كل شيء فيه مِن الخشب كأية نُزُل أو حانة في أية مملكة لكن المُختلف فيه أنه كالدائرة هذا يعني أنَّ في منتصفه، البار دائري الشكل و على طاولته جميع أنواع المَشاريب كما أنَّ فوقه أربعة براميل جعة لها أنبوب سُفلي منه يَسكُب عامل البار الجعة في كؤوس كبيرة جداً لِمَن يطلُب.

الطاولات الخشبية أيضًا دائرية و حولها كراسيها الصغيرة مُمتلئة بِمَن استأجَر غُرفة هنا (لكون الطابقين الأخرين فيهم غُرَف نوم) أو بِمَن يُحِب قضاء الوقت هنا مع بعض الأصدقاء أو لوحده.
الشموع في كل مكان، تُنير النُزُل كأنه غارق في حُفرة مِن الظلام و تلكَ الشموع، كُرات مِن النيران المُسالمة. حتى هناكَ فوانيس مُعلقة على الجُدران أو فقط في زوايا النُزُل العتمة.

خلف البار، توجد مِنصة ذات ستائر جانبية قرمزية اللون و في وسطها فرقة موسيقية تعزف موسيقى هادئة مع غناء شاب يبدو مِن عمري و ربما أكبر يحمل بيده غيتار، عينيه مُغلقة و هو يغني بِبطء عن قصة لِثلاثة فرسان و مغامرتهم الشهيرة.

عند دخولنا إلى النُزل، بعضًا مِن الذينَ يجلسون على الطاولات حول البار، نظروا باتجاهنا قليلاً و أنا خِفت أنهم لِلحظة عرفوا مَن أكون فَلقد سمعت أنني في الحقيقة معروف الشَكل و أنَّ هنالك مِن أهل هذه المدينة يعلم بأنني أمتلك عيون بنفسجية أو لِنقول بأني معروف بِسببها.
لكنهم أدارو وجوهَهُم و عادوا يُكملون تناول طعامهم أو أحاديثهم الهامسة.

أخرجتُ زفيراً مُطمئِن مِن فمي ثم أكملتُ طريقي أنظُر مِن طاولة لأخرى عيناي تبحث عن رجل بِالمواصفات التي أعطونا إياها جواسيس كانيلا التي إلى الأن لم تخبرني عن سبب امتلاكها لِهم لأنَّ الأمر سري.
هي و أسرارها التي لا تنتهي لكن هذه المرة ألوم فالين و فينار.
المواصفات تقول:.

الرجل يجب عليه أن يبدو في الخمسينيات من عمره إلا أنه أكبر من فالين نفسه و فالين في سنه الثلاثمائة و شيء ما، أكبر مِن ريس بِخمسونَ سنة إن كانت ذاكرتي لا تخونني.
ضخم البنية، بِشعر أشقر رملي قصير و عيون زرقاء كبيرة، لديه ندبة على رقبته و جزء مِن حاجبه الأيمَن مفقود كَأصبعه الخنصر في يده اليُمنى بِسبب حادث ما في حرب مِن الحروب القديمة.

لديه رجُلين يُرافِقانه أينما ذهب كالحُراس بِما أنه الأن رجل كبير معروف في المدينة بِفضل تمرده و لأنه في نظر الفالينيين فَهو بطل و مُحق بِوقوفه ضِد حكم فالين كما حدث تمامًا في كاداري و ضد لايتا.
الزمن يُعيد نفسه لكن في مملكة مختلفة.
هذا ما ظننته و أنا أنظُر لِجميع وجوه الرجال الذينَ يمتلكون بعض المواصفات المطلوبة.

كيف لي مساعدتكم؟ فجأة اوقفتنا عاملة جميلة يافعة بِشعر أحمر داكِن جداً بدى أسود مرفوع على شكل كعكة خلف رأسها، بِعينين عسلية و على شفتيها بسمة تُلقي نظرة على مَن معي قبل أن تعود مقلتيها إليّ.
صَفيتُ أنا حلقي
أممم نحنُ في الحقيقة--
لم أكمل جُملتي التي لا أعرف ما هي أصلاً و إذ بي أسمع ضحكة مرتفعة قادمة مِن على يميني مِن طاولة في الزاوية شبه مَخفية، أنوار الفوانيس و الشموع بالكاد تصلها.

ألقيتُ أنا نظرة سريعة على مَصدر الضحكة الأجِشة العميقة لأرى صاحب الصوت يضحك على شيء أحَد مِن الذين يجلسون معه قاله. ذراعيه في الهواء لكن يده اليُمنى بِها أربعة أصابع كبيرة فقط، الخنصر مفقود.
بينغو!
ابتسمت لا إراديًا على ذلك أرى كانيلا تفعل المِثل.
سيدي؟ أعادني صوت العاملة المتعجبة لأنظُر لها أعطيها بسمة لطيفة ألمس كتفها بِخفة.
سنعتني بأنفُسنا، شكراً لكِ.

رفعت هي حواجبها بِحيرة و أنا تركتها و معي رفاقي متجهين إلى تلكَ الطاولة التي يجلس عليها أربعة رجال و مِن بينهم رجُل ظهره لنا، وجهُه غير ظاهر لكنه من نبحث عنه.
فيرنون.
أخذتُ أنا كرسي مِن طاولة عليها شخص واحد ثم سحبته معي إلى طاولة فيرنون لأضعه بينهم و أجلس عليه مِن دون سابق أنذار أصبح على يمين صديقنا الجديد الذي ماتَت ضحكته و توقفت أحاديثه فور رؤيته لي و مَن معي يقفون خلفي.

الأن أصبحتُ مَحَط الأنظار و خصيصًا مِن فيرنون و أصدقائه.
مرحبًا فيرنون. أنا قلت مبتسمًا له أتجاهل أصدقائه.
لاحظتُ تحركات صدرت مِن عند الطاولة القريبة لأشيح بِعيناي عليها أرى رجُلين يقفان و أياديهم على سيوفهم المُعلقة على خصورهم.
حُراس فيرنون.

حُراسي أنا و كانيلا، توك و راث فعلوا المِثل بِردة فعل ليرفع فيرنون ذراعه فجأة بِإشارة يجعل حارسيه يتوقفوا و يرجعوا إلى مقاعدهم مِن دون لفظ كلمة لكن عيونهم علينا ثاقبة لا تتزحزح من مكانها.
أرجع فيرنون يده على الطاولة ثم أخَذ رشفة كبيرة مِن جعته الرغوة البيضاء تُغطي شفته العلوية ليمسحها بِكُم قميصه البني يُحدق بي قليلاً ترتسم بسمة ماكِرة على فمه، أعرف سببها.

سمو الأمير، لِمَن أدين بِهذا الشَرف على مقابلتك؟
تقدمتُ بِجسدي على الطاولة أضَع مِرفقاي فوق بعضها أشعُر بِسَكينة تُحيطنا في النُزُل حتى الفرقة توقفت عن العزف و الشاب عن الغناء، أعلم بِأن جميع العيون علينا، تنتظِر لِتسمع ما سيُقال على الطاولة و ترى ما سيَجري بعدها بيننا.
لِجلالة الملك. كان ذِكري لِفالين كافي بِخَطف لون وجه الرجل يجعله يتحول لِلشاحب كما لو أنني ذكرتُ وحش أسطورة قديمة.

أبعد فيرنون عينيه عني يُحركها على الحارسين خلفي و على كانيلا قبل أن ينظُر مِن حولنا يومئ لِأحدٍ ما أعتقد انه عامل البار لترجع الفرقة بالعزف و الغناء و بأحاديث الغُرباء في النُزُل تُغطي على ما سنَقوله لِبضعنا.

يبدو أنه يمتلك النُزُل أو يكون قريب مِن صاحبه فَهذا الشيء المنطقي الوحيد الذي جعله يتحكم فيه و يُعطي أوامر بِتلكَ العينين الحادة القاسية، مِن حولها تجاعيد تُخبرني عن أنه كبير و عاشَ لِفترة البشر يكونوا فيها تُراب و هواء و ربما أقدم مِن التراب نفسه.

مع كامل أحترامي لكَ و لِجلالته، لا تحاولوا إقناعي بِتغيير رأيّ فَلقد حاول مَن يقف بِصَف الملك و فشل و أنا ليست لديّ الرغبة بالتوقف فأنا أحارب مِن أجل حقنا. أخبرني فيرنون بِنبرة مُنخفضة كي لا يسمعنا مَن هو قريب منا.
رفعتُ أنا حاجبًا عليه
حقكم؟ جلالته لم يُقَصِر به ابداً و لن يُقَصِر أو يحرمكم إياه لكن ما فعله كانَ من أجل حمايتكم مِن شَر أنتم غير مدركون به.
تعني الأتلانتيانز؟

هنا توَسعت عيناي بِصُعق لم أتوقع كلامه و على ما يبدو أنَّ مَن معه يعرفون بِالأمر أيضًا فَهُم ظلوا متجمدين الوجوه لا يتحركون و إنما فقط يُراقبون. لِوهلة ظننت أنهم لا يتنفسون.
أعدتُ تركيزي على فيرنون تَعابيري تغدو أقسى مِن نظراته.
كيف تعرف؟
ابتسم الرجل بِخباثة يرجِع بِجسده لِلوراء قبل أن يُجيب.

أنتم تظنون أننا نجهل ما يجري خارج المملكة و سبب ظهور الجُثث من حولها؟ نحنُ حتى نعرف بأنَّ ذات الشيء البائس يحدث في الممالك المجاورة.
ضَيّقتُ عيناي عليه لا أتفوه بِكلمة لأنني حقًا مَصعوق لم أكُن أخَطِط لِحديثنا أن يذهب في هذا الاتجاه المُعقد و العتم لكني خمنت أنَّ هذه المُقابلة لن تكون سهلة المنال يعني لن أصِل لِهدفي بِسرعة و إنما أحتاج الكثير مِن الجهد و الطاقة و تحريك اللسان لكي أصل إلى مُرادي.

لا يُمكن لأحد أخفاء الأسرار لِفترة طويلة في هذه المملكة، سموك. المشكلة تكبُر و لن تظل صغيرة إلى الأبد و سوف يتم كشفها لِلعلن لأنَّ الأتلانتيانز لديهم رسالة هدفها الوصول إلى الجميع في العالم. فيرنون أكمل ملامحه الخبيثة تعود حادة و صارمة.

مشكلة الأتلانتيانز ليست مِن شأن أحدٍ منكم و القصر الملكي يعمل على حلها، فَإغلاق المملكة جزء مِن الخُطة و أنتم بِهذه الطريقة تُعَرقِلون طريقنا و تُبطِئوننا بِإضافة مشاكل فوق آخرى.
تقدم فيرنون مرة ثانية على الطاولة، يُصبح قريب مني جداً أشعُر بأنفاسه الدافئة بِرائحة الجعة على وجهي ليَرُد مِن بين أسنانه.

ما سبب إخفاء سرهم عنا؟ لماذا تضعوننا في الظلام بدلاً مِن أخبارنا بالأمر لكي نَحمي أنفُسنا و نَحمي مَن نُحِب حتى لا نتلقى حتفنا بِطريقة غامِضة كأننا أسماك في نهر لِلصيد؟
لأنه إن أصبحت الحقيقة مكشوفة فالذُعر و الخوف سوف يكون طاعون من نوع جديد عليكم، كارثة و بلاء ستعيشونَ فيه إلى أن تنتهي قصة الأتلانتيانز في نهاية تعيسة.

حدق بي فيرنون لِلحظة طويلة ظننتُ أنه فقد قُدرته على التكلم أو فقط لن يتكلم و سيَكتفي بالصمت. أخَذ كأسه الكبير مِن دون أبعاد نظُره عني ليَشربه كُله بِمرة واحدة يُرجِع وضع كأسه بِقوة على الطاولة يُصدِر ضجة جذبت أنظار من حولنا مجدداً.
أنتم عليكم تحذيرنا و نحنُ سنتصرف لكي نحمي أنفسنا مِن طاعون الخوف و ليس ألقائنا في الجهل و الفقر و المشي بعيداً بِحُجة الحماية و القضاء على أعدائنا.

حُجة؟ سألته و أنا على حافة فقداني لِصوابي فَهذا الرجل يسخر منا بِكل وقاحة و جُرأة.
كل شيء متوفر لكم في المملكة يَكفي لأشهُر و مَن يعيش خارجها في القُرى مَحمي بِعدد مِن الحُراس يفوق المتواجدين بِالداخل و مَن على طريق رجوعه، يتم أخذه إلى مكان أمِن مؤقتًا قبل أن يؤخَذ إلى القُرى و مَن عالق في الممالك فَهو على ما يرام و بعيد عن الخطر أكثر مِن الذينَ يعيشون في فالينيا، فأخبرني الآن فيرنون، أين المشكلة؟

كان صوتي قد أرتفع أكثر مِن اللازم يُنَقِط منه السُم، قادر على قتل مَن يتحداه ولكن فيرنون لم يتأثر أو يبدو عليه الخوف و إنما ظل جالسًا بِهدوء ينظُر لي بِصمت يتحدث أكثر مِن الكلمات نفسها.

سهل عليكم قول ذلك و أنتم يا مَن تعيشون بين الذهب و المُجوهرات يأتي لكم كُل ما تتمنونه على أطباق مِن فِضة مِن دون رفع أصبع. كارثة كَهذه وقتها سنين، عقود و ليسَ أشهر فأنا مَن كنتُ أخوض الحروب كُلها و أخرج منها متمسِك بالحياة، توقف هو قليلاً ثم أقترب مجدداً نحوي يُقَرِب وجهُه من وجهي و صوته أنخفض حتى صار هامسًا.

الأتلانتيانز، كائنات هجينة، مثلي، أشار بيده على أذُنيه التي تبدو كأذُنين كانيلا، بشرية ثم تابع هو
نِصف شيء و نِصف شيء آخِر تمامًا لا يجب أن يكونوا مُتحِدين بِشخص واحد و تلكَ الكائنات النصفين معًا و ربما اسوأ، استطاعت فعل المُستحيل لِتُنَمي الرُعب بِداخل الممالك الستة فَما الذي يجعلك تظُن انه أغلاق سخيف كَهذا على المدينة سوف يبقيهم خارجها؟
رفع يديه في الهواء يُشير بِهما مِن حولنا مُكمِلاً.

ما الذي يجعلك تظُن أنهم ليسوا بيننا الآن، سمو الأمير؟
لم أجبه لأنه، لأنه قد يكون مُحق.
الأتلانتيانز أذكياء لِلغاية و قادرين على فعل المستحيل لكي يصلوا إلى مبتغاهم مِن دون أستسلام أو أخذ نَفَس حتى. فقد دخلوا أراضي مَمالك كثيرة و قتلوا منها عدد و لو صغير لكنه واضح على أنه رسالة لنا لكي نتجهز لِحرب قد حاولنا تفاديها منذُ بداية ظهور الحقيقة لنا عنهم.
و الأن السؤال الأكبر يقول:.

ما الذي يجعلنا نظُن أنهم ليسوا بيننا في المدينة، المنازل، السوق، القصر و هذا النُزُل؟
أحسَستُ بِشيء غريب على ذكرهم بِصوت مَسموع في حديثي مع هذا الرجل الغبي الذي مع الأسف لديه وِجهة نظَر.
حركتُ رأسي على اليسار مُضَيّق عيناي على الطاولات أجِد واحدة قريبة من الباب يجلس عليها خمسة رجال، أجزاء مِن وجوههم ظاهِرة و متجهة نحونا كأنهم ينظرون الينا مِن بعيد و يُراقبوننا نتنفس.

قد تذكرت أنهم لم يتحركوا منذُ دخولنا لِلنُزُل حتى أنهم لم ينظروا الينا و لم يقتربوا مِن الجُعة أو طعامهم الذي طلبوه.
رؤوسهم مُغطاة و مخفية و لديهم هالة مزعجة لا تبعث الاطمئنان و الراحة أطلاقاً.
تقابلت عيناي بِعيون توك و راث ليومئوا هم بِخفة يُلاحظون الأمر ذاته.

ما الأمر؟ أنحَنت كانيلا هامِسة في أذُني تجعل فيرنون و رجاله يَعقِدون حواجبهم بِاستغراب مِن تغير الأجواء إلى الهادئة و الثقيلة و خاصةً أنني تجاهلتُ سؤاله و أصبح هنالك ما يجذب اهتمامي أكثر منه.
علي تحديقي بِتلكَ المجموعة الغامِضة التي تُرسِل القشعريرة لِكامل جسدي، نهضوا خمستهم في أنٍ واحد مِن دون فعل المزيد.
هُم فقط وقفوا، انتبه على طول قامتهم و ضخامة أجسادهم المَخفية أسفل ردائهم الرمادي الغامق.

فجأة أحسَستُ بِقلبي يَخفِق نبضة قوية ألمتني بِشدة و بِشعور ليس لطيف ابداً يَكسوا داخلي.
أتلانتيانز! تمتمتُ أنا أنهض بِبطء أبعِد عيناي مِن عليهم أمسك بِمعصم كانيلا مِن دون شرح ما يجري أتلقى نظرات متعجبة من فيرنون و رجاله.

غادر هذا المكان حالاً و أخبر كُل مَن تعرفه في المدينة عن وجودهم هنا و نحنُ سوف نناقِش الموضوع لاحقاً مع الملك و نجِد الحل الأنسب لِلجميع، أنا أعدك. أخبرتُ فيرنون بِسرعة. هو أعطاني المزيد مِن النظرات التي لا تفهم شيئًا و كأنني تكلمتُ معه بِلغة آخرى.
فتح هو فمه لكي يَسأل لكني تحركت و لم أنتظِر أكثر، فيَجب عليّ مغادرة النُزُل الأن قبل لاحقًا و أخَذ كانيلا إلى مكان أمِن قبل أن تسوء الأمور أكثر.

فالكين ما مشكلتك؟ لماذا تركتَ فيرنون فجأة؟ سألتني كانيلا لا تستوعب تصَرُفي بينما راث و توك ظلوا خلفنا بِحِراسة يعلمون جيداً ما المشكلة.
الأتلانتيانز، أنهُم هنا. أجبتها لأشعر بِها تتجمد مع أنها تمشي معي نحوَ المَخرج، تحدق بي نظراتها تخترق جانب رأسي.

فالكين لوماريل! فجأة صرخ أحدهُم بِاسمي لِأتوقف عن مشيّ السريع قريب مِن الباب الرئيسي ثم أستدرتُ مع كانيلا أعثُر على الاتلانتيانز ملتَفِتون إلينا هذه المرة.
لم أجِد مَن صاحَ باسمي لكني متأكد انه واحد منهم.
سمو الأمير، أنتَ خُذ الأنسة هاندسين و غادروا حالاً. همس توك لي ليَتحرك مَن صاح باسمي، يأخُذ خطوة إلى الأمام بعيد عن مجموعته لأعرف انه هو من صاح لي.

لم أتحرك ساكنًا مِن مطرحي. ساقاي لم تعُد تُنصِت إليّ كما أمرها بأخذي خارج النُزُل كما يجب كأنَّ جسدي لم يعُد يسمعني أو تحت أمري و إنما نسية مَن صاحبه و مَن يجدُر به أن يكون المتحكم.
يجب عليكَ القدوم معنا، فَهُناك مَن يوَد رؤيتك. قال الأتلانتي الغريب يُبعِد جزء مِن ردائه لكي يُرينا انه يحمل سيف ضخم و نهايته حادة قد تقطع العظام بِسهولة.

لم يُخِفني ذلك و لم يجعلني أرتجف كَمَن يُشاهدونَ بِسكوت في النُزُل، رجال فيرنون و فيرنون ذاته قد وقفوا بِبطء و سكينة كما يتحرك الثُعبان، أياديهم على أسلحتهم.
لا أظُن ذلك. رددتُ عليه التَفِت إلى الباب مجدداً أسحب معي كانيلا أجد بلايز يحمِل إكسانا بيديه ينتظِر عند الباب الذي فتحه مِن أجلنا و القلق واضح على وجهه الصغير.

لقد أمرتهم أن ينتظروا في الخارج عند الأحصنة لكن أعتقد أنهما أحسا بِخطب ما لهذا ها هُما ينظران معًا لكنهم يعرفان ما سبب هذا التوتر.
لا مجال لِلنقاش، سمو الأمير! صاح لي الأتلانتي أسمع صوت سيوف تَخرُج مِن حمالاتها لأخرِج أنا سيفي بِسرعة و التَفِت حتى أقتلهم و انتهي منهم في هذه اللحظة.

لكن ما قابلني لم يكُن سيفوهم و وجوههم أو صرخاتهم بَل أنفِجار قوي مِن وسط البار حرارته مُرتفعة و نيرانه حمراء حارقة، قد ألقى بي و مَن معي مُحلقين في الهواء أفلِت ما أحمله بيداي مِن سيف و معصم كانيلا.
أرتطم ظهري بِجدار بِشدة أحسَستُ أن عامودي الفقري انفلق لِنصفين ثم وقعتُ على طاولة عليها طعام و جعة، أكسرها و ما فوقها أقُبَل الأرض أولاً قبل أن يُصبح كل شيء أسود.

أستيقظتُ على صُراخ رجال و صياحهم كلام لم أستطع استيعابه لأنَّ رنين غطى عليه في أذُناي و حرارة عالية جداً جعلتني أسبح في عرقي، ملابسي تثقل على جسدي و رائحة مُزعجة ملأت مجرى تنفسي جعلتني أسعُل بِكثرة و أنا مستلقي على بطني.
و عندما فتحتُ عيناي لم أرى جيداً، بصري ضبابي و رأسي يؤلمني كأنَّ أحدٌ ما ضربني بِبطيخة.

حاولتُ النهوض أبحث عن سيفي لأجده قريب مني. أخذته بِيد مَخدوشة دمائي يسيل مِن الجروح لكني لم أكترث لها و تجاهلتها أنهض على ساقين الهُلامية بالكاد تحملني.
فَرَكتُ عيناي بِشدة كي تتوضح رؤياي، لأرى جيداً ما يُحيطني و ما يحدث من حولي.
نار.

كل شيء مُشتعل بالنيران الحارقة قوية الحرارة تُذيب كُل ما يقترب منها أو تحرقه حتى لا يتبقى منه شيئًا، و هنالك رجال يركضون في ما تبقى مِن النُزُل و النيران مُتشبثة بهم كالملابس تحرقهم و تأخُذ منهم روحه رويداً رويداً و لا يوجد مَن يُساعدهم لأن الجميع مشغول بِقتال الأتلانتيانز أو فقط النجاة.
نظرتُ على اليمين و اليسار أبحث عن أصدقائي و، كانيلا!

لم أعثُر عليها في أية مكان، فأخِر مرة رأيتُها فيها كانت باللحظة التي أنفجر فيها النُزُل من دون سابق إنذار.
لكن في وسط النُزُل و بين النار، وقف توك يحمل بيده سيفه، دماء متأكد انه دمائه، يُغطي جبينه و جانب وجهُه بالأحمر الداكِن و على ملابسه بُقَع كبيرة كأنه مُصاب فَالأنفجار أثر عليه أكثر مني لأنه هو و راث كانا في وجهي أنا و كانيلا.
أنه مُصاب! فَهو يُحَرِك سيفه يقاتل الأتلانتي الذي أمامه بِضُعف حركة.

توك! صحتُ أنا أركُض نحوه لأني لم أعُد أعرف ماذا أفعل أكثر من ذلك.
كل شيء خراب. فوضى عارمة و قاتِلة.
نصف النُزُل تتأكله النار كَوجبة العشاء، رجال يحترقون و منهم مَن أستسلم لِلموت و عانقه بِشِدة و رجال غيرهم يُحاولون الهروب و أخذ معهم أخرين مُصابين.

رأيتُ في زاوية النُزُل لم تصل لها النيران بعد، العاملة الشابة و معها عامل البار يُساعدون رجل بِمُحاولة أخراجه مِن تحت الأنقاض، فالسقف الخشبي بسبب الانفجار الذي لم أفهم كيف حدث، سقط على الأرض و تم كشف السماء فوقنا.
حتى سمعت أشخاص مِن الخارج يَصيحون لِمَن قادر على الهروب من الموت، بالأسراع إلى المخرج.

أنا لم أتجه إلى مَخرج لأنَّ لديّ أصدقاء عليّ مساعدتهم أولاً و بعدها معًا سوف نُغادر و نعود إلى القصر و قبل كل شيء، الأتلانتيانز سوف يدفعون ثمن ما فعلوه.
كيف دخلوا إلى المملكة؟ و كيف عرفوا أننا سوف نكون اليوم في النُُزل لكي نقابل فيرنون؟
ليست لديّ أدنى فكرة و هذا ما يغضبني حتى العظم.

سوف أعرف بِكُل شيء قريبًا، بعد أن أمسك بأحَد الأتلانتيانز و تعذيبه حتى يتمنى الموت و لا يعود لديه الخيار عدى أخبارنا بِكُل تفصيل عنهم و عن خُطَطِهم.
فَلا مجال لِلرحمة بعد الآن.
توك كانَ يَصُد ضربة الأتلانتي الضخم ذو القرنين بِسيفه، لكن الأتلانتي ركله بِقدمه في معدته يوقعه على ظهره بِثانية.

أنا قفزتُ في الهواء بأعلى ما يمكنني أثني رُكبتي أخرِج صرخة الغضب الذي في داخلي، لِتضرب رُكبتي جانب الأتلانتي بِقوة يندفع هو فجأة إلى النار قبل أن يتخطاها يُصبِح خلفها و يرتطم بالجِدار يوقع سيفه العملاق من قبضته.
كنتُ أوَد إنهاء أمرُه، على الأقل التخلص مِن واحد منهم أفضل من تركهم جميعًا، لكن توك أوقفني بِأنينه لألتفِت نحوه أجده يتحرك على الأرض ذراعيه مُلتفة حول جسمه و وجهه منكمش بألم.

توك! ركضت إليه أقَرفِص بِجواره أضَع يدي أسفل رقبته لكي أرفع رأسه.
أين أصِبت؟
لم يُجبني فوراً بَل أستمر بالأنين مُغمِض عينيه بِقوة جبينه ينزف كثيراً.
توك أرجوك أجبني أين أصِبت؟ رددتُ أنا له ليَفتح هو عينيه يرمِش بِسرعة عِدة مرات إلى أن فتح فمه، شفتيه ترتجف
لديّ بعض الخدوش لكن أعتقد أنَّ أضلاعي مَكسورة لا أستطيع التنفُس جيداً.

حركتُ عيناي على الجُزء العلوي مِن جسده ألاحِظ أنَّ صدره لا يرتفع و يهبط بِشكلٍ طبيعي فَيوجد خلل أو كسور كما أخبرني هو.
حسنًا، حسنًا لا بأس سوف تكون على ما يرام. سوف أخذك إلى طبيب لكن عليكَ أخباري عن مكان راث و كانيلا و الصغيران هل رأيتهم؟
لم يتفوه بِحرف عينيه تفتح و تُغلق بِبطء يُقاتل فقدانه لِوعيه.

توك أخبرني هل تعرف مكانهم؟ سألته أريد و لو إجابة سطحية منه فأنا لا أرى أحدٌ منهم كأنَّ النيران أكلتهم و بلعتهم أو حولتهم إلى رماد.
لم أتلقى إجابة منه و عندما فتحتُ فمي لكي اسأله مُجدداً أحَرِك رأسه بِخِفة كي يبقى في وعيه، هزَ هو رأسه بِكِلتا الجهتين مُجيب
لقد، قتلوه.
عقدتُ حواجبي فجأة لم أعُد أعلم إن ما كانَ توك الذي يرتجف أو أنا
مَن؟ عن من تتحدث؟
ف-فيرنون.

أحسَستُ بأنَّ كلمة واحدة كافة بِجعلي في راحة لا توصَف شعوري الحقيقي بعدما سمعتُ أسم فيرنون. أعني حزنت على موته لكن أصدقائي على قيد الحياة.
هذا ما أتمناه و مع ذلك، موته لم يكُن صِدفة كَأمر هذا الأنفجار اللعين.

توك، ماذا عن راث، كانيلا و الصغيران؟ عدتُ اسأله لكونه لم يَرُد على سؤالي مِن البداية ليفتح هو فمه مجدداً، يسعُل قليلاً عينيه غير مُركِزة بل ضائعة و خالية مِن النور، تبدو ظلمة، يُحدق بالسقف/السماء بِلا حِراك.
ل-لا، راث، صغيران.
لم يُكمل جملته التي لم أفهم منها حرفًا ثم فقد وعيه يَدبُل بين يداي بِلا تحرُك.

لِلحظة ظننت أنه لم يعُد موجود، أنه أصبح يُرافق الموت لكن و الحمد لِله أن صدره بقية يرتفع و يَهبِط بِشكل غريب لكنه يتنفس و هذا ما يهم.
لا تقلق. سوف أجدهم و أحضر المساعدة. همستُ له أنهض لكي ألقي نظرة سريعة في الأرجاء و مِن حُسن حظي رأيت الأتلانتي الذي أوقعته أرضًا قبل قليل، يَخرُج مِن بين النيران و مع سيفه. الجُزء الأيسَر مِن وجهِه أحمر و جانب جسده كذلك، فالنار تَمكنت منه و من نصف ملابسه.

ابتسمت مع نفسي على المنظَر.
مِن ماذا تم خلقكم؟ سألتُ نفسي أمسك سيفي بِقوة كأنَّ حياتي تعتمد عليه و هذا في الحقيقة صحيح.
الأتلانتي ذو العينين الزرقاء مُخيفة الشكل و القرون المُلتوية كَقرون الماعز، رفع سيفه نحوي مِن دون التحرك ساكِنًا مِن مطرحه يُشير به عليّ.
أنتظرت كلامه، تهديده، مُحاضرته عن نهايتي و قوتهم و عن ما سيجري في العالم بِسببهم لكن لا شيء.

لم يتفوه بِحرف لكنه لِمُفاجئتي، ابتسم ابتسامة فهمت معناها بِوضوح. ابتسامته لم تُظهِر أسنان، لا، و إنما جانبية معتوهة و سامة.
أردتُ أن أذهب اليه و أمحوها عن وجهه القبيح و إذ بِأحدٍ ما يضرب ساقاي من الخلف يجعلني أقع على ركبتاي. حاولت أن أستدير لِلشخص الحقير الذي تجرأ على فعل ذلك لكن سلاسل مِن الفولاذ الصُلب و البارد جداً، التفَتَت حول رقبتي لتَخنقني تقطع الهواء عني.

هذا سيَترُك علامة صعب التخلص منها مستقبلاً.
أفلتُ السيف مِن يدي أمسك السلاسل ذات الهالة البنفسجية التي أعرفها كما أعرف شكل كَف يدي عن غَيب، سحرها الأسود الذي يَملأها و يحوم حولها كالدُخان وصل لِعُمق جسدي و كياني.

أشعُر بِها تسحب شيئًا ثمينًا مِن داخلي بِطريقة بِخباثة، شريرة و قاتلة. سمعتُ أصوات ضحك مِن حولي، لِلحظة ظننت أنها قادمة مِن رأسي، أنني أتوهمها بسبب قوة السلاسِل الشريرة لكن عندما فتحتُ عيناي رأيتهم...
رجُلين مِن الأتلانتيانز يقفون أمامي و أعلم أنَّ الذي يخنقني بالسلاسل يكون أيضًا منهم.
مِن الخمسة تبقى ثلاثة؟
حاولتُ النظَر لِتوك على يساري مُستلقي على الأرض لا يتحرك أنتبه على أنَّ النيران تقترب منه.

فتحتُ فمي لكي أصرُخ له حتى يتحرك و يهرب، أن يبتعد عن النار التي أردتُ أستدعائها و أبعادها عنه و عن الجميع لكن لا فائدة فأنا مُحاط بالأعداء و السلاسل تُحارب قواي و هي التي تفوز.
ال-لعنة، ع-عليكم. قلتُ لهم مِن بين أسناني ألُف أصابعي حول السلاسل التي على رقبتي أبعدها كي أسحب نفسًا فَرئتاي تحترق، تترجاني بأعطائها و لو بعضًا من الهواء.
ضَحِكوا الأتلانتيانز أكثر مِن حولي أصواتهم كالعذاب لأذُناي.

لقد أمسكنا بالفأر العنيد. قال الذي مِن خلفي يَشُد على السلاسل أكثر و أنا أغمضتُ عيناي أشعُر بِالدماء ينقطع عن رأسي و يتجمع في وَجهي، يصبح ثقيلاً.
هيا يا رجال، دعونا لا نُضَيّع المزيد مِن الوقت. قال الذي يقف جانب ذو القرنين يرتدي نصف قناع مِن الخشب يُخفي جزء من وجهه و يرتدي قفازات بيديه.

أخرج هو و ذو القرنين المزيد مِن السلاسل من حقائبهم المُعلقة على خصورهم ليُمسكوها من طرف و باليد الأخرى يُحرِكونها في الهواء بشكل دائري، مبتسمين يقتربون مني خطوة.
أيها-- قاطع كلاهُما كلامي بإلقاء السلاسل نحوي، لتلتَفِت حول رسغاي، سحبوها هُم إليهم يبعدون يداي عن السلاسل التي حول رقبتي.

أصبحتُ مُقيد بِرقبتي و يداي التي يُبعدانها عني. سحب الأتلانتي الذي خلفي السلاسل أكثر يُرجِع رأسي إلى الخلف. أنا لم أعُد قادر على التحرُك، الشعور بِشيء أو التنفس، الاختناق واحد مِن أسوأ أساليب التعذيب وهذه أول مرة أحس و كأنني على حافة الموت.
ظل الرجل يضغط بالسلاسل حول رقبتي لفترة طويلة شعرتُ بِها ساعات، أيام سنوات إلى أن لم أعُد أسمع شيء أو أحس بِشيء.

كنتُ قد غطيتُ في ظلام حالك مِن دون علمي و نمت بين ذراعين الموت و ربما ما هو اسوأ منه قبل أن أرى كانيلا لِلمرة الآخيرة و أودِعها.

نبض ما أيقظني.
نبض في صدري؟ بِجواري؟ في رأسي؟
في صدري، نعم هو.
نبضات قلبي عادت تضرِب صدري بِخِفة، دق دق دق دق مراراً و تكراراً.
لينضم له نبض آخَر، مُزعج و حقير، نعم في رأسي، فَهو يؤلم بِشدة، صُداع رهيب لعين يجعل رأسي ثقيلاً لِلغاية كُلما حاولتُ رفعه يعود و ينزل على كتفي الأيسر.
نبض؟
فتحتُ عيناي بِبطء أرمِش عِدة مرات لكي تتضِح رؤياي لكن سؤال غَمر أفكاري كما تغمر مياه البحر السَباح حتى العُمق.

أنا على قيد الحياة؟ أم أنني في ما بعَد الحياة؟
حركتُ رأسي مجدداً أرفعه و لو قليلاً لألعَن تحت أنفاسي أخرِج أنين مِن حلقي فَكُل عَضلة و كل عضو في جسدي يصرُخ ألمًا عدا ذراعاي التي أردتُ تحريكها، فَهي مُخدرة لا أشعُر بِها كأنني بِلا ذراعين و كُلما بلعتُ ريقي الجاف حلقي يؤلمني فَهذه آثار ما بعد الخنق، متأكد مئة بالمئة أنَّ لديّ علامة حول رقبتي، حمراء؟ خضراء؟ زرقاء؟ لستُ أعلم.

و أخيراً بعد مُحاولاً عديدة مليئة بالوَجع و التأوه، رفعتُ رأسي ثم نظرتُ من حولي.
وجدتُ نفسي في هدوء غير مُطمئن أطلاقًا. بِعكس الضجة و الفوضى الذان كنتُ بِهما في النُزُل.
بالإضافة لاحظت أنني في مكان مُغلق، أو مُحاط بأربعة جُدران مِن الحجر القديم و عليه مُعلقة فوانيس تُضيء باللون البرتقالي المائل للأبيض.

السقف يُنَقِط منه ماء، قَطرة وراء قَطرة على الأرض، تُشَكِل بركة صغيرة في وسط المكان، أو كما يجب تسميته بالزنزانة، فَعلى يساري باب رمادي حديدي عليه خدوش، و مناطق غير مُسطحية كأن شخص ما كانَ يلكُم الباب حتى أصبح أعوَج.
تحركتُ مجدداً أريد فَك وثاقي لكن لا قوة لديّ فَجَسدي في حالة نوم لا ينصِت إليّ و لا يستيقظ كما أمره أن يفعل.

فأنا مُقيد مِن معصماي بالجِدار مع أنَّ ساقاي لا تحملانني إلاّ أن تَعلُقي من يداي يبقيني واقِفًا أو شبه واقفًا و لهذا لا أشعُر بِذراعاي، الدماء قد جفت منهما لكونهما على نفس الوضعية المُعلقة منذُ--
انتظروا لحظة...
منذُ متى و أنا مقيد هنا؟
كيف وصلت؟ و أين أنا؟
و أهَم مِن كُل الذي سبق، أين أصدقائي و خصيصًا كانيلا؟
فمنذُ الانفجار في النُزُل و هي غير موجودة، لقد أختفت مع الريح و لم يعُد لها وجود.

كانيلا! كانيلا! صرخت و صرخت كثيراً إلى أن لم أعُد أمتلك طاقة لِلصراخ أو التحدث أصلاً.
صمتُ بعدها لفترة زمنية قصيرة فيها أحاول التقاط أية صوت مِن الخارج أو من خلف الباب لكن لا شيء.
فأنا لوحدي هنا.

بدأ بصري يتحول ضبابًا، و الباب أصبح أثنان بدلاً مِن واحد و الجُدران الأربعة أصبح منهم ثمانية، كل شيء صار له توأم و بالإضافة هنالك برد، جسدي يرتعش لِلغاية مِن البرد و عيناي بِصعوبة تبقى مَفتوحة أمنعها مِن الانغِلاق.
لا!
لن أستسلم لهم. همُ لن يفوزوا و لن يقضوا علينا.
لن أسمح لهم ابداً، لن أسمح لهم بأخذ أية شيء منا فَالأستسلام ليسَ له وجود في كتابي.
سأحاربهم حتى آخِر نفس لديّ لكن ليس بِهذه الطريقة.

لن أموت ضعيفًا مَحبوسًا في زنزانة لوحدي فأنا سأموت في ساحة حرب ضد قائد أعدائنا حامِلاً لسيفي و مُستعمِلاً قواي التي بِها سوف أقتلهم جميعهم و أرحل بِنصري مع أصدقائي، عائلتي و مع المرأة التي أحبها.
ك--كانيلا. همستُ مِن بين شفتين بالكاد مفتوحة قبل أن يهبط رأسي للأسفل و أعود إلى حُضن الظلام الدامِس.

شهقتُ شهقة قوية أفتح عيناي و أرفع رأسي لكون أحد سافل سكب عليّ مياه مثلجة يوقظني بِها مِن ظلامي.
لهثتُ بأنفاس مُرتفعة شعري يُغطي على جبيني و عيناي، أنفُخ الهواء مِن فمي أخرِج المياه الباردة مُقَزِزة الطعم، مع أنني عطشان جداً أشعُر بِحلقي جاف كالورقة.

نظرتُ على مَن فعل فعلته أجِد ذات الأتلانتي صاحِب النصف قناع هذه المرة لا يرتدي رداء يُغطي ملابسه أو أسلحته المُعلقة على خصره و فَخذيه حتى هناكَ أشواك حديدية على مَفاصله موصولة بِقفازيه السوداء.
ابتسم الأتلانتي اللعين الذي سوف اقتلع رأسه مِن بين كتفيه أو هذا ما تخيلته في رأسي قبل أن يقول هو بِصوت أجَش عميق
صباح الخير أيها الأمير.

أين أنا؟ زمجرتُ بِغضب لِتتوَسع بسمته أكثر تُظهِر أسنان بيضاء مِثالية لكن أنيابه كبيرة و حادة كَحد السيف قادرة على قطع كل ما سيَعَضه بِها.
تحت الأرض. هو أجابني.
ماذا؟
ظل مُبتسمًا أرى نِصف ابتسامة لكون النِصف الآخَر مِن شفتيه مُغطى بالقناع المُثبت حول رأسه و فوق شعره الأشقر القصير المبعثر.
أنا رَصِّيتُ بأسناني على بعضها أحاول أستدعاء قواي، أية واحدة منها لكن فراغ...

هذا كُل ما في داخلي، فراغ، لا توجد ذرة مِن قواي و لا أشعُر بِها مِن الأساس كأنني وُلدتُ مِن دونها، أفقد الحِس بِها و هذا يفقدني عقلي فأنا لا شيء مِن دونها هي جزء مني و أنا منها.
عدم امتلاكها يجعلني كالشخص العاري، لا شيء يُغطيه.
تقدم إليّ الرجُل و أنا أنفجرتُ أتحرك بِمطرحي أريد فَك وِثاقي كالحيوان المفترس يرى كل شيء أحمر أمامه و لا غيره.

توقف عن الحراك فَلن تستطيع إنقاذ نفسك و لا أنصحك بالتحرُك أصلاً لأنكَ ستفقد ما تبقى مِن طاقتك في جسدك. أخبرني هو يضع يديه على السلاسل المُقيد بِها.
رمقته بِنظرات قاتلة إلاّ أنه لم يتأثر بِها و ضحك بِخفة. لمُفاجأتي هو بدأ بِفَك القيود لا يبدو عليه الخوف بتاتًا مني مِن دونها.
عندما فَك كِلا يداي ظننت أنني قادر على التهجُم عليه و إذ بي أسقط على ركبتاي أشعُر بِعظامي تتحطم بالأرضية القاسية.

لا يُمكنني الوقوف أو تحريك ذراعاي فَهي مِن دون فائدة على جانباي.
ماذا قلت لك؟ أنا لا أكذب و لا أحِب الكذب. قال الرجل الخبيث متنهداً لينظُر نحوَ الباب أنتبه الأن انه شبه مَفتوح ضوء ما يدخل إلى الزنزانة عبر الشَق الصغير.
إيزريال تعال و ساعدني بِه. صاحَ الرجل ما يزال ينظُر لِلباب ليَفتحه أتلانتي ثاني أكثر لا يبدو مألوفاً، تعابير وجهِه مُنزعجة و باردة كَتلك المياه التي سُكِبَت عليّ لإيقاظي.

الأتلانتي أو كما يُدعى، إيزريال بِشعر أسود قصير مَحلوق على الجوانب، له حلقة ذهبية حول حاجبه الأيمن و في أنفه، له عيون ناعِسة خضراء فاتحة جداً كَلون التُفاح.
لأول مرة أرى أتلانتي ليسَ ضخم البنية بَل نحيل مع أن أكتافه عريضة و صدره منفوخ إلا أنه ليسَ بِطول المُقَنَع الذي يجب عَليّ رفع رأسي للأعلى لكي أنظُر له و إنما مِن طولي تقريبًا.

لقد ظننت أنه بأمكانكَ تولي أمره لوحدك. قال إيزريال مُشابِك لِذراعيه أمام صدره مُتكئ على ساق أكثر مِن الثانية يرمُق المُقَنع بِنظرات تُماثل تعابير وجهه حسنة المَظهر.
أدارَ المُقنع عينه يهزُ رأسه و يُتَمتِم كلامًا لم أفهمه مِن بين همسات. أتى هو إلى جانبي الأيمَن ليزفُر إيزريال الهواء مِن فمه بإحباط قبل أن يذهب إلى جهتي اليُسرى.
أمسك كلاهُما ذراعاي المُخدرة يرفعانني عن الأرضية المُبللة و الباردة.

أخاف أن يتجرأ و يغدُر بي إن حملته لوحدي فَلقد حذرنا القائد من ألاعيبه. قال المقنع لِلثاني و هم يتجهون بي أو يَجُرونني لأنَ ساقاي لا تحملني، نحوَ الباب.
إلى أين تأخذونَني؟ سألتهما أنظُر مِن رجل لآخَر.
سوف ترى و تعرف قريبًا، فَكُن صبوراً أيها الأمير. لقد حان الوقت لِكل شيء نحنُ صبرنا مِن أجله. المُقنع أجابني أعلم أنه يبتسم نظراً لِصوته الساخِر.
أين أصدقائي؟ أين وضعتموهُم؟

لم يُجبني أحدهم هذه المرة و فَضَّلوا البقاء صامتين يَجرونني في مَمر حجري يبدو لي كالقبو أو مكان لِلسجون تحت الأرض كما أجانبي المُقنع قبل لحظات في الزنزانة.

أين يكون هذا المكان بالضبط؟ أين تحت الأرض؟
لم اسألهم لأنني متأكد انهم لن يُجيبوني و لن يُعطوني تفاصيل عن موقعنا لهذا تمعنت بِكُل شيء، كل زاوية و كل ما تَحُط عيناي عليه و خاصةً المَداخل و المَمرات التي يأخذوني فيها إلى لا أعرف.
أحفظ كُل جِهة في ذاكرتي لعلي أحتاجها في المستقبل بالهرب.
لن أبقى تحت رحمتهم، فَلدي خُطة واحدة لا غيرها، العثور على أصدقائي و الهروب بِهم إلى القصر.

أكملوا جَري في مَداخل و ممرات كثيرة إلى أن بدأنا نصعد درج صغير في أعلاه باب خشبي له مقبض دائري أسود مِنَ الحديد.
عندما أخذوا يَجرونَني كالحيوان على بداية الدرج ضُرِبَت ساقي اليُسرى بِحافة لألعَن بِنبرة مُرتفعة على الشعور الفظيع مِن الألم أجعل مَن يمسكون بي يتوقفون.
شعور؟
ساقاي!

عدتُ أشعُر بِها. حاولتُ تحريك أصابع أقدامي أولاً في حذائي و بالفعل، تحركت كما أمرتها واحدة واحدة مع مواجهة صعوبة بعض الشيء لكنها على ما يرام و أستطيع استخدامها الآن.
آوه؟ يبدو أنَّ الدماء عادت تجري فيها، سمو الأمير. قال المُقنع ضاحِكًا ينظُر لِساقاي خلفي قبل أن يكلموا سحبي معهم لِباقي الأدراج.
أنا لعنتهم بِنفَس هامس ثم رمقتهم قبل أن أهَسهِس
إذاً دعوني أمشي!

توقفوا مجدداً يتبادلوا النظرات بين بعضهما بِصمت كأنهم يتواصلون فِكريًا ثم أومئ الذي يُدعى إيزريال ليرفعوني كلاهُما معًا حتى أصبحتُ أقف على ساقاي إلاّ أنَّ ذراعاي مازالت بِلا حِس و مُخدرة.
أمسكاني هُما مِن أسفل أبطيّ ثم فتح المُقنع الباب و دخلنا إلى مَمر آخَر ليسَ فيه أية أبواب عدا جُدران عليها مُعلقة نيران مشتعلة لِإضاءة الطريق.

أخذنا مَمر ثاني و على ما يبدو الآخير لأنَّ في نهايته باب لكنه مفتوح و أثنان من الأتلانتيانز يَحرِسانه.
ما هذا؟ ماذا تفعلون؟ أنا سألتهم مُتعجب ليُعطيني المقنع بسمة جانبية مِن دون الرَد عَليّ قبل أن ندخُل غرفة كبيرة خالية مِن أية شيء بِجُدران كَجُدران زنزانتي و في وسطها ثريا سوداء من الحديد معلقة على السقف و عليها شموع بيضاء رفيعة.

خلفها نافذة كبيرة في وسط الجِدار، زُجاجها ضبابي كأنَّ الزمن نفخ على زجاجها حتى علقت أنفاسه عليها لكن بأمكاني رؤية القمر في السماء، ليسَ بشكل واضح بَل كما لو أنني مُضَيّق عينياي أنظُر له من بعيد.
أننا فوق الأرض و الوقت ليلاً لكن كم قضيتُ هنا؟
عندما أشحتُ عيناي للأسفل بالضبط، رأيتُ كانيلا.

يديها مُقيدة خلف كرسي خشبي عتيق لا وجود لِردائها أو أسلحتها التي كانت حول جسدها. و ملابسها مِن بنطال أسود ضَيّق مع جزمة سوداء تصل لِرُكبيتها و قميص أبيض فَضفاض بِرباط عند الصدر، متسخة و في بعض المناطق مُمزقة لكن لا دماء عليها و هذا أراحني لِلغاية.
لاحظتُ أيضًا أنَّ قميصها عند الكتف الأيسَر مُمزق، يكشِف كتفها كُله، أرى وشمها الذي يُغطيه كما هو غير مَخفي كما عادةً تُخفيه هي عن أنظار الجميع حتى أنا.

و يبدو مختلفًا هذه المرة.
آخِر مرة رأيته فيها، كانَ أصغَر. الوردة كانت بِبتلات قليلة تُعَد على الأصابع أما الآن فَهي أكثر. لم أستطع معرفة أعدادها لأقلق و أفكِر كيف و متى حدث هذا؟
ما هو أصلاً هذا الوشم، ما قصته؟ هذا لُغز لم أقدر على حله منذُ أن عرفت بأمره.

أوقفوني الرجُلين أمامها يضعون بيننا مسافة، عيناي لم تبتعد عنها ابداً. رأسها مائل على جنب عينيها مُغمضة أرى رماد على جلدها الخالي من الشوائب، أخمن أنه مِن الحريق، يُغطي القليل مِن وجهِها و رقبتها.
ماذا فعلتُم بِها؟ صرختُ على الرجُلين احاول مُقاتلتهم عن طريق دفعهما عني لكنهما كالصَخر، ثابتين لا يتحركون أو يتأثرون بِي على الأطلاق كأنني مُجرد حشرة تحوم حولهم و هم يتجاهلوها.

بالطبع لا قوة لي جسديًا أو بالسحر فَتلكَ السلاسل أخذتها كُلها و لستُ أدري متى ستعود أو إذا ما ستعود أصلاً و هذا وَترني أكثر من ما أنا عليه، و مع ذلك لم أريهم أو أدعهُم يعلموا بِشعوري لأني وضعتُ قناع الغضب و الكره لهم.
لا تقلق أيها العاشِق، هي على ما يرام لكنها عاندت قليلاً و حاولت الهرب لهذا لنقول أننا، هَمهَم المقنع قليلاً يَنقُر بأصبعه السبابة على ذقنه ينظُر لها مبتسمًا وضعناها في قيلولة.

سوف تستيقظ قريبًا لكي تُقابلوا أحدهم. أضاف إيزريال بِوجه بارد ينظُر لي لأقابل عينيه أتخيل شرارات بيننا تشتعل و تَختفي، أتخيل نفسي اقتلع تلكَ العيون و رؤوسهم أولاً لكي أعلقها على بوابة القصر حتى يكونوا عبرة لِمَن يفكر بالوقوف ضدنا، أو ضدي.
نقُابل مَن بالضبط؟ سألتهم لكني كما توقعت لم أتلقى إجابة فَحاولتُ سؤالاً آخراً لكوني رأيت كانيلا
أين حارسينا و مخلوقات البيلادو؟

كَرَروا الرجُلين تبادُل النظرات المُحتارة بين بعضهما قبل أن يُجيبني إزريال أثناء مُغادرة المقنع الغرفة
نحنُ لا نعلم عن مَن تتحدث.
فتحتُ فمي لكي أضغط عليه لأنني أعلم أنه يكذب و إذ به يُعطيني ظهره بِكُل ثقة و يُغادر الغرفة يتركني مع كانيلا لِوحدي يُغلق الباب خلفه.

التفتُ أنا بِسرعة نحوَ كانيلا ثم ذهبتُ إليها أحاول تَحريك يداي لكي أفُك وثاقها و أوقظها. أصابعي تحركت بِخِفة مع يداي لكن بِبطء و ليسَ بِقوة فأنا لا أزال أستعيد طاقتي الجسدية و أشعُر بِدغدغة في صدري و معدتي.

لهذا مع الأسف لم أستطع فكها من الكرسي لكني لم أجلس و أنتظر كالأحمق الضعيف و إنما بدأتُ بِمُناداة اسم كانيلا كي على الأقل تسمعني و تستيقظ، فَعلى حسب ما أخبروني به الأتلانتيانز السافلين، هي بخير و فقط فاقِدة لِلوعي و لم يؤذوها، أو هذا ما أمله.
كانيلا، لمَستُ وجنتها بِلُطف أنصدِم مِن برودتها فهَي دائمًا دافئة.

كانيلا أرجوكِ أفيقي. همستُ في أذُنها أضَع قُبلة على جبينها لتبدأ هي بِالتأوه تُحرِك رأسها و عينيها تتفتح شيئًا فَشيئًا.
ابتسمتُ أنا سعيد أنها على ما يرام أجثو على ركبتاي أمسح على شعرها ابعده عن جانب وجهِها لكونه كانَ مُلتصِق به. رَمَشَت كانيلا عِدة مرات بِجفونها تنظُر لي تَقطُب حواجبها بِحيرة.
ف-فالكين؟
اومأتُ لها امسك وجهها بِكِلتا يداي التي تعود لها الحياة ليسَ بالسرعة التي تمنيتها.

نعم، أنا هنا معكِ. سوف تكونين بأمان، سوف أخذك مِن هُنا و نرجع إلى القصر.
نهضتُ على ساقاي أفلِت وجهها البارد لترفع رأسها هي تحدق بي ما تزال تعابير الحيرة على ملامحها الجميلة
ماذا حدث؟ أين نحن؟ لماذا أنتَ هنا؟
توقفت متجمداً لا أفهم اسئلتها.
ألم يكُن يجدر بي التواجُد هنا؟ ما الذي أخبروها الحمقى في غيابي؟

لم أجبها لأنني لا أعلم. ليست لدي أدنى فكرة عن ما يحدث و ما حدث من البداية. لا أذكُر شيء و لا أعتقد أنني سأفعل عدا أنه تم اختطافنا مُجدداً مِن قِبَل الأتلانتيانز و الأن الآله وحده يعلم ماذا يريدون بنا و ما سيفعلونه لنا إن لم نتعاون معه.
هذه المرة ليست كَالمرة التي أختطفونا بِها بَل اسوأ، أنها الحاسِمة.
لهذا يجب علينا الرحيل بأسرع وقتٍ مُمكن فَهم متوحشين مُفترسين متعطشين لِلدماء و قائدهم المجهول...

هَزَزتُ رأسي أنظُر لِلنافذة خلف كانيلا، تَبعُد عنا كِلانا بضعة أمتار فقط و ليس لها حديد يَحميها مِن المتطفلين أو، الهاربين.
فهي وسيلتنا ال
إن كُنتُ في مطرحك لَما فكرتُ بِهذا. فجأة ظهر صوت مِن خلفي أجَش كبير و قديم، لأنتفض في مكاني استدير مسرعًا لِلخلف يدي لا إراديًا تحُط على خصري مكان تواجُد سيفي، لكن سيفي ليس موجود.

لم أسمع أو انتبه على دخول أحدهم لأني شُردتُ بأفكاري و الآن هنالك رجل كبير في السِن مِن شكله أعتقد انه في منتصف الخمسينيات أو آخرها (مع أنني متأكد انه في سن السبعة مئة سنة أو أكثر) جسده لِدَهشتي صحي و جيد، عريض الكتفين، يديه العضلية خلف ظهره المستقيم.

يرتدي ملابس أنيقة مِن اللون الأزرق و الأسود، حول رقبته عُقد بِألماس أزرق كبير و على خصره، سيفه في وسط مقبضه يوجد حجر أحمر اللون بدى لي مُشتعِلاً، كأنه على قيد الحياة.

الرجُل له بشرة فاتحة، لحية كثيفة مُرتبة شقراء فيها بعضًا مِن الخُصلات الرمادية كَشعره القصير و بالنسبة لِعينيه...
بِنفسجية اللون، فاقِدة لِلَمعانها و داكنة لكنها مألوفة جداً، جعلت مِن دمائي يتجمد في عروقي، لم أعُد أسمع نبضات قلبي.
هذا مستحيل. هَمستُ مع نفسي أرجع خطوة إلى الوراء ليترتطِم مؤخرة قدمي اليُمنى بِطرف كرسي كانيلا.

علي ما يبدو أنَّ الرجل سمعني لِتتوسع بسمته، تلكَ العينين لا تبتعِد عني كما لو أنها ترى روحي، تقرأني كالكتاب المفتوح و تكشف كل أسراري.
تلكَ العيون التي لم أراها في حياتي، ليست حقيقة بَل في أوهامي و أحلامي عندما كُنتُ طفلاً صغيراً و في لوحات قديمة كانت أمي تُخفيها عني لأسباب لم أكن أفهمها لكوني صغير.

هذا مستحيل، تَمتمتُ مرة أخرى أمسك بِمُؤخرة الكرسي ألمِس القليل من ظهر كانيلا، حرارتها تصِل لأصابعي التي لاحظتُ أنها باردة لِلغاية مع أنها لم تكُن هكذا قبل لحظات.
لم يتحرك الرجُل مِن مكانها و ظَل يُراقبني عن كَثب، حواجبه الشقراء الخفيفة مرفوعة للأعلى.
أنتَ تعرف أنكَ لو رَدَدتَ تلكَ الكلمتين كثيراً فأنا لن أختفي، صحيح؟ تساءل الرجل مُستهزاءً.

مَن أنت و ماذا تريد منا؟ كانيلا من سألت بِتعجب و غضب تُحاول فَك قيودها بِنفسها.
لم تستطع كانيلا جذب انتباه الرجُل بأسئلتها مِن عَليّ و لم يُجبها هو لا يكترث لها أو فقط يتظاهر انها غير موجودة.

لقد أنتظرتُ هذه اللحظة لِأكثر مِن عشرونَ عامًا، بُني. أخبرني الرجُل يتقدم خطوة نحوي لأرفع يدي أمامي أوقفه كي لا يُكمل، أحس بِغَصة تتجمع في حلقي و بِعيناي تحرقني تتجمع دموع غير مَرغوب بِها، تجعل رؤياي ضبابية كَزجاج تلكَ النافذة خلفي.
كانيلا مِن جانبي، تجمدت على كرسيها. لم تَعُد تُصدِر صوتً و حتى لم أعُد أسمع نبضات قلبها المُتسارعة كأنَّ التشوش في أذُناي يُغلِق كل ما حولي.

لو تعلم كَم تمنيتُ رؤيتك قبل أن تَكبُر و تُصبح رجلاً و أميراً جباراً، بني. تابع الرجُل كلامه بِنبرة مُنخفِضة لكنها قوية و ثابتة لِوهلة ظننت أنها حزينة لكني لم أصدق.
أنا لستُ أبنك فَوالدي مات، تم قتله بِسبب خيانته. تمتمتُ بِشفتين مُرتجفة أعصِر مؤخرة الكرسي بِشدة لو ضغطت أكثر لِكسرته.

أختفت بسمة الرجُل ليُصبح وجهه متحجراً، فاقِد لِأية مشاعر كانت عليه، يتحول لِتمثال حي يرمِش بِعينيه التي كرهتُها لِلغاية.
تشابه خاصتي التي كُلما نظرتُ لها في المرآة، أذكُر الكره و الحقد الذي كانت تحمله والدتي له عندما كنتُ أراهم أحيانًا في مُقلتيها و هي تُبعِد لوحات والدي المُعلقة في رُدهات القصر و غرفتها.

كانت كذلك، في فترة طفولتي أو بدايتها لا تنظُر في عيناي عند التحدث معي. وقتها لم أستوعب لماذا ولم اسألها لكني في فترة بلوغي كنتُ عندما أفكر بِتلكَ اللحظات القاسية التي ألمتني سِراً، أعرف أسباب تصرُفاتها القاسية معي و أسباب حُزنها الذي كانت تُخفيه عن الجميع، التي كنتُ أنا بِسِر أكتشفها و أخبئها بِداخلي.
الآن فهمتها تمامًا.

أنا لديّ تلكَ العينين التي كانت تُحبها و تعشق مَن يمتلكها قبل أن تُصبح أكثر ما تبغضُه و تكره التكلم عن صاحبها أو ذكر اسمه في القصر، لكنها أحبتني أنا ليس لأني أحمل ما يُذَكِرها بِزوجها الخائن و إنما لأني قطعة منها و كُل ما لديها.
لكنها لم تعلم في ذلك الوقت و قبل موتها، أنها تركتني مع حقدها و كرها لِزوجها. لقد حملتُ تلكَ المشاعر معي طوال حياتي و إلى هذه اللحظة بالذات.

ظننت أنها نامَت في صندوق صغير وضعتُه بِداخلي و ها هي أستيقظت تلكَ الأحاسيس و بقوة كبيرة تُغرقني بِظلامها و شرها.
ما الذي يحدُث بِحق السماء؟ هَمست كانيلا مندهشة لِتتقابل عيناي بِعيونها.
توَسعت خاصتها فور رؤيتها لِتلكَ الدموع التي منعتها من الانهيار. لن أسمح لها بِجعلي ضعيفًا لأنَّ والدي مات منذُ زمنٍ طويل و لم يعُد له وجود.

خائن؟ هذا ما زرعوه في عقلك عني؟ تساءل الرجل ضاحكًا ليكمل هو بِنبرة حادة قادرة على قطع الحديد
لا بأس سوف أصَحِح كل الأخطاء، و إن لم تكُن ستعترف بي فأنا سأصبر أكثر حتى تعود إلى الواقع، بني. قال الرجُل يقطع حبل أفكاري يجذُب انتباهنا كِلانا
لقد صبرتُ لِسنين و لن أخسر شيئًا إن صبرت قليلاً بعد.
التفتَ بعدها نحوَ كانيلا ثم رسم بسمة لا تصل لِعينيه قائلاً.

أعتذر عن وقاحتي يا أنِسة هاندسين، فأنا لستُ مُعتاداً على أستضافت زوار كل يوم. أنا في الحقيقة أدعى كاستيل لوماريل أكون زوج الأميرة الراحِلة أغاثا بِغانسي،
حرك الرجُل رأسه إليّ يُلقي بِذقنه عَليّ ثم تابع بِحقارة
و والد الأمير و الملك المستقبلي لِمملكة أسليرا و العالم بأسره، فالكين لوماريل.

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 06 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب