رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي عشر
صوت...
صوت عميق يهُز من الكيان كلما دخل أذاني...
صوت ليس فرحاً، ليس خائفاً بل حزيناً، يطلب المساعدة و لكن ليس بطريقة واضحة.
في البداية اعتقدت انني أسمع الصوت في حلم لكن الصوت، صراخ مَمزوج بِبكاء معاً جعلني أفتح عيناي لأقابل سقف غرفتي الظلمة. حركتُ رأسي على يساري مكان تواجد أبواب الشُرفة المُغلفة أرى سماء سوداء بِنجوم مُضيئة تغمِز كل حين و أخر.
الصوت عاد مجدداً.
لأجلس بِفستاني نومي الأبيض فوق سريري أجعل من الأغطية المُريحة تتزحزح من على جسدي.
مَددتُ يدي حتى أشعل الشمعة بِجانب سريري لكن أوقفني صوته مرة أخرى، يجعل من قلبي ينبض بِسرعة زيادة عن الطبيعي.
ابعدتُ الأغطية عن ساقاي العارية أنهض من على السرير لأسمع صوت جناحين صغيرة قادمة من خلفي. استدرتُ قليلاً نحوى الصوت أجِد مُرافقتي الصغيرة تُحَلق تلُف ذراعيها حول جسدها و على وجهها الجميل علامات خوف.
تسمع ما أسمعه.
ما هذا الصوت سيدتي؟ سألتني بِنبرتها كَحجمها لأهُز رأسي لا أعلم بالضبط ما هو أو لمَن يعود.
عاد صوته مرة ثانية لتأخُذني قدماي لوحدها خارج غرفتي، أهَروِل في ردهة القصر في هذا الوقت من الليل لم أجِد أحداً من الخدم لأكمل بِسرعة أكبر باتجاه الصوت القادم.
أخذني الصُراخ الى باب لم أتوقع يوماً أن أقِف أمامه، أعرف الأن لماذا سمعتُ الصوت انا فقط و لا يوجد غيري هنا.
غرفتي هي الوحيدة القريبة من غرفة فالكين.
صُراخه ليس عالي لدرجة أن يسمع كل من في القصر صوته لكنه مُرتفع كِفاية لأسمعه انا و مُرافقتي.
تبادلتُ النظرات مع إكسانا لِلحظة قبل أن أتقدم لا أطرُق بل أضرب على بابه، لكن لم يرد أحد على الفور إلا بعد فترة من الانتظار و الصبر.
فُتِحَ الباب بِقوى يَظهر لنا من خلفه بلايز بِوجه شاحِب و شعر مبعثر أعتقد انه مَرَر أصابعه الصغيرة فيه كثيراً.
ساعديه. همس هو بِذُعر لتكون كلمة واحدة فقط تجعلني أركض الى داخل الغرفة العتمة أعثُر على الأمير فوق سريره عاري الصدر يُقاتل شيء ما في نومه.
وِساداته البيضاء على الأرض، غِطائه مُلتصق بِساقيه بِطريقة غريبة و هو يتنفس بِشدة كأنه يُحاول سحب أنفاسه الأخيرة.
ذهبت اليه مُسرعة لأجلس بِجانبه على طرف السرير لا أعلم ماذا يجب عَليّ فعله و هو لا يزال نائماً.
انه يحلم و حلمه ليس جميلاً من شكله، فأن العرق يتلبسه كَطبقة جلد أخرى، شعره الأسود مُبَلَل لأمُد يدي على جبينه أتحسَسُه، بنفس اللحظة أبعدت يدي فَحرارته مُرتفعة جداً بأمكاني غَلي قدر مياه عليه.
تباً! هَسهستُ انا عندما حاولتُ مسك يده ليُمسك هو بدلاً من ذلك بِمعصمي و يَعصِره حتى الألم.
فالكين! أستيقظ! صحتُ له ابدأ بالذُعر على شكله فَما الذي يجري له؟
لدي مئة سؤال يجول في خاطري لكنه ليس الوقت المُناسب لِلتساؤل.
تَمتَم كلمات لم أفهمها بِنبرة منخفضة لأعود انا أحاول التقاط يديه كي أثبته فَهو هائج كالوحش يُقاتل ما في حلمه لا يدري ما يفعله بالواقع.
لن يستيقظ إلا إذا هدئ! أخبرني بلايز يطير لجانبي بعد أن رأني مُحتارة.
كيف لي أن اهدئ--
لم أكمل جملتي و إذ بِصدر فالكين يتوقف عن التحرك و صوت أنفاسه لم يعُد لها وجود.
عَم هدوء فظيع كرهته من الثانية الأولى في الغرفة حتى انا نسيتُ التنفس.
انه لا يتنفس! صاح بلايز يشُد خصلة من شعري حتى يُعيد انتباهي على الأمير الذي يموت بِبطء أمامي.
وضعتُ يداً على خده الحار حرارته تحرق أصابع يداي لكني لم أكترث لأضربه بِخفة عليه
سمو الأمير! أرجوك أستيقظ!
لكنه لم يفعل و لم يتنفس.
وضعتُ كلتا يداي على وجهه أحركه بِحذر أشعُر بِدموع تتجمع في مُقلتاي عاجزة عن فعل شيء له فيَجب عليه التنفس و إلا سيموت و انا لن أتحمل إن جرى له ما أخافه، وهو لا يزال بِطريقةٍ ما يتحرك بِقسوة مع أنَ صدره لا يُعطيني إشارة على حياته.
فالكين، فعلتُ ما أخبرني به قلبي، لأتقدم أكثر و اُقَرِب فمي من أذُنه حتى أهمس له بِصوت مُتقطع
ف-فالكين،
فجأة تجمد جسده لأمسك بِيديه أجمعهم بِبعضها أتابع.
انت بخير، فقط أبقى مُتيقظاً.
لِدهشتي بدأ صدره بالارتفاع و الهبوط و وجهه أصبح لونه طبيعياً لأخرِج زفيراً مرتاحاً طويل من فمي أدع يداً لأبعِد شعره المُبتل عن جبينه، حريري أسود كَسواد الليل، خُصلاته طويلة بعض الشيء لأنها مُبللة.
أخرج فالكين أنيناً من حلقه لأعود من فقاعة أفكاري لِلواقع عن شعره و أنظُر له يُحرك رأسه قليلاً كأنه يستيقظ.
انا هنا و انتَ بخير، سوف تكون بخير. همستُ له لتَسقُط دمعة لا إرادياً على صدره العاري و عندما أزحتُ عيناي اليه رأيته يفتح عيونه بِثُقل و يغلقهم ليعيد فتحهم مجدداً.
غير مُستوعب ما يجري و انا لا ألومه فَحالته لا تسمح له بِذلك.
ستكون بخير انا أعدك. تمتمتُ له أمسك بِيديه مرة أخرى كي لا يقاتلني و كما لو انه أحَس بي، توقف و ارتخت عضلاته المَشدودة.
فتح فالكين عينيه الثقيلة لكن ليس كثيراً لكني رأيتُ لونها الساحِر، الأرجواني النادر لأرفع يديه نحوى فمي و أضع قبلة على مَفاصله لا أعلم لماذا فعلتُ هذا لكن شعور بِداخلي أخبرني أن أتصرف.
فَهذه طريقة تجعل من الأخَر الخائف و القلق بالشعور بالطمأنينة.
هذا ما كانت أمي تُخبرني به و فعلته لعلي أهدئه أكثر.
أمي، أحسستُ بِالكسر في قلبي يَكبُر على ذِكرها.
لاحظتُ انه فتح فمه مُحاولاً أن يتحدث لكنه لم يستطع ليُغلقه و يظل يحدق بي بتلك العينين الحائرة لا يدري مَن انا و اين هو. ابتسمتُ له بِرقة أضع يديه فوق حضني انتبه الأن أنَ حرارته انخفضت قليلاً أو ربما انا فقدتُ الأحساس بها لأنها أحرقتني كلما لمستُ جلده.
أرجوك أبقي عيناك مفتوحة فالكين. ترجيته لكن عينيه بدأت تتسكر بِبطء لا يقدر على مقاومتها.
مددتُ أصابعي النحيلة على خده لأمررها عليه بِلُطف لا أكترث لِلعرق بل لِجلده الناعم الخالي من الشوائب، لديه فَك سُفلي حاد.
حركتُ عيناي لأول مرة أتمعن بِشكل وجهه بالتفاصيل منذُ أن قابلته.
لديه أنف مستقيم رفيع مُناسب لِملامحه الحادة و الرجولية، حواجب سميكة لكنها مرسومة و نظيفة، رموش كثيفة أحسده عليها و بما أنَ عينيه مُغلقة لم أقدر على رؤية لونها لكني أذكُر شكلها و حدتها بنفس الوقت اللُطف الذي فيها.
عيون أرجوانية لا مَثيل لها و شفتين ممتلئة ناعِمة الشكل و ذلك الشعر الذي أردتُ تمرير يدي فيه مجدداً لأشعر بِالخُصلات الحريرية بين أصابعي.
حتى صدره مليء بالعضلات المفتولة، انه رجلاً مَنحوت و لا يبدو حقيقياً حتى و انا أجلس بِجانبه.
ابتسمتُ مع نفسي لا أصدق انني أتفوه أو أفَكِر بهذه الأشياء لأهُز رأسي ألقي نظرة على بلايز و إكسانا، يُراقبون بِصمت من دون وجود تعابير تُخبرني عن ما يفكرون به على وجوههم و لأول مرة لاحظتُ وجود حيوانه الذي يدعى أيكس على ما أظن جالس عند أسفل الطاولة يحدق بي.
عدتُ أنظُر على الأمير النائم، الأن يتنفس بِأرتياحية و يبدو ساكناً كما لو لم يحدث شيئاً قبل لحظات دامَت لزمن طويل.
سوف تكون بخير. همستُ له أمسح مرة أخرى على جبينه قبل أن أنهض و أطلُب من بلايز المساعدة بِأخباري عن مكان تواجد مناشف و الحمام فَلا يمكنني تركه في عرقه و شكله ذاك. ضميري لا يسمح لي.
تفضلي الى هنا سيدتي. قال بلايز مُشيراً على باب أبيض بالقُرب من التسريحة الخاصة بالأمير لأفتحه أدخله أجد الحمام الفاخر بألوانه الفاتحة و الأكثرية اللون الأبيض.
أخذتُ ما أحتاج اليه ثم خرجت و توَجهت الى الخزانة لأخُذ منها أغطية جديدة لِلسرير. ترددت يدي على ملابس نومه لكني و أخيراً قررت انه من المستحيل أن اُبَدِل ملابسه فَهذا غير ممكن، هو ليس أية، رجل و إنما أمير و لمسه من دون أذنه خطئ لوحده.
لكنني اضطُررت لكي أساعده، صحيح؟
عدتُ الى السرير أضع طبق فيه القليل من المياه الدافئة و معي قطع مناشف واحِدة كي أبللها و الثانية لِلتجفيف لكن قبل أن ابدأ نهضتُ من على السرير و اتجهت أقف عند الطاولة المُدَورة فوقها طبق فواكه و عليها يجلسوا الصغيران.
أحتاج منكَ بلايز أن تستدعي قوى لِحمل سمو الأمير عن السرير حتى اُبَدِل الأغطية من أجله. أخبرته انا لينظر لي كأنني وحشاً بِخمسة رؤوس.
م-ماذا؟
هيا بلايز لا وقت لدينا.
لم يتحرك أو ينصت لي على الفور و ظل يحدق بي الى أن دفعته إكسانا بِكتفها على كتفه حتى حرك جناحيه و طار للأعلى. توقف هو يحلق بِمكان واحد ظهره لنا و وجهه للأمير ليرفع يديه في الهواء و يبدأ جسده بالتوَهُج بِاللون الأخضر الفيروزي ليُصبح مع كل لحظة، أشَد توهُجاً و أشَد توهُجاً و بعد ذلك حرك ذراعيه في الهواء من الأسفل لأعلى بِبطء حتى بدأ جسد فالكين بالارتفاع من على السرير رويداً رويداً.
نظر لي بلايز بِطرف عينه لأومئ انا مُتفهمة و أذهب بسرعة اُبَدِل الأغطية المُبللة بِعرقه ليأخُذ مني دقائق مَعدودة. انتهيتُ ثم أخبرتُ بلايز أن باستطاعته التوقف و تركه الأن.
و فعل يجعل من الأمير يهبط بِرقة الريشة على سريره. جلستُ بعد ذلك على طرف السرير بِجانبه أغسِل قطعة القماش في طبق المياه ثم أعصرها أخرج منها المياه الزائدة.
وضعتُ القطعة على جبين فالكين أولاً لينتفِض جسده بِردة فعل و يَهدئ بعدها بسرعة، حركتُ القطعة على رأسه ثم للأسفل على رقبته. أعدتُ القطعة لِلطبق أغسلها من جديد لأرجع و أمسح على صدره و مِن كتفه الأيسر أو الأيمن عند جهتي و الى كَتفه...
تجمدت يدي بِمطرحها و دمائي في عروقي على ما تراه عيناي المُتبحلقة.
فتحتُ فمي كي و ربما أتفوه بالترهات ليَسبقني بلايز يجذب انتباهي اليه
انها عروق،.
نظرتُ له بِحيرة و صُعق مُختلط ليتابع هو شرحه
الأمر مُعقد بعض الشيء.
هذه العروق جزء منه.
لم يكُن سؤالاً لكنه أومئ على اية حال لأشيح بِعيناي على العروق التي لم الاحظها لكوني كنتُ مُشَوشة بما كان يحدث مع فالكين و لأنَ غرفته عتمة تندمج لون عروقه بالظلام.
انها عروق سوداء لِلغاية لو لم أكُن قريبة منه لما رأيته أصلاً. سوداء و طويلة تبدأ من جانب صدره تصِل لأعلى رقبته.
لقد ولِدَ بها. تَمتَم بلايز يطير إليّ قريب من رأسي لكني لم أعره الانتباه بل بقيتُ أحدق بالأمير النائم.
لم أفَكِر بالذي فعلته أو لم أتحكم بِيداي لكونها تحركت لوحدها. لمست العروق بأطراف أصابعي أخاف أن يحدث شيئاً لها، أو لي، لكن لمُفاجأتي لم يحدث لكني أحسستُ بها.
سميكة تنبُض و دافئة أكثر من جلده، فَهذا مَلحوظ.
ما الذي كنتَ تراه سموك حتى كنتَ تصرخ و تقاتل؟ همستُ له أسحب أصابعي على المنطقة بين كتفه و رقبته أتحسس المزيد من تلكَ العروق السوداء.
ما الذي جعلك بهذه الحالة و ما هذه العروق الغريبة؟
أنتفضتُ من مطرحي عندما حرك فالكين رأسه على جنبه لأتنهد مُغمضة العينين اعتقدتُ لِثانية انه سوف يتحدث و يجيب على اسئلتي.
ما الذي سَتفعلينه سيدتي بعد أن رأيتيه؟ سألني بلايز.
أخذتُ القطعة الجافة من على المنضدة لأمسح ما تبقى من مياه على صدره و وجهه بسبب شكله أذكُر نفسي و ما يكون جزءً مني.
لا شيء، أجبتُ على سؤاله أكمل عملي بِوجه ثابت، ذكريات عادت تلاحقني و انا مُستيقظة.
ماذا سأقول له عندما يفيق؟
تنهدتُ ربما لِلمرة التي لا لم أعُد أعدها لأنهض من على السرير أحمل معي الطبق و المناشف كي أرتب المكان.
انتهيتُ من كل شيء ثم وقفتُ عند السرير لأغطي فالكين بالغطاء كي لا يمرض فالهواء هنا بارد قليلاً و هو حار جداً بعدها التفتُ و وقفتُ في منتصف الغرفة أحدق به.
هل الذي حدث معه سيوَد مُشاركته مع غيرك بلايز؟ سألته.
أمممم، ل-لا سيدتي بل يُفَضّل أخفائه لكن لم يعد لذلك أهمية.
هززتُ رأسي غير موافقة لأشير لِإكسانا كي تتبعني حتى نُغادر.
إذاً لن نتفوه بِحرف عن ما رأيناه و سَننسى ما رأيناه من الأساس، صحيح إكسانا؟
فتحتُ انا الباب لتومئ مُرافقتي الجميلة بالموافقة، ابتسمتُ لها أدعها تغادر الغرفة أولاً. وقفتُ لِلحظة عند الباب لكي أخُذ نظرة خاطفة على الأمير النائم و ندم على الفور فَقلبي خفقَ نبضة مُحَرّمة.
لعنتُ تحت أنفاسي أتمنى لو أضرب رأسي بِحافة الباب إلا انني لا أقدِر فقد أوقِظُه من نومه بالصوت لهذا زفرتُ الهواء من فمي، القيتُ نظرة على بلايز و القلق مَرسوم على ملامحه يجلس فوق غطاء سيده يُراقبه و أيكس صعد فوق السرير لكي ينام بجانب فالكين لأبتسم بسمة دافئة ثم غادرت و أغلقت الباب خلفي.
في طريقنا الى خارج مملكة فالينيا في العربة المُرَصّعة بالذهب و الألماس قُدنا و معنا مجموعة عربات أخرى من حولنا لِلحماية في طريق طيني، تُحيطنا غابة خضراء مَطرية أوراق الأشجار عملاقة بِحجم شخصين معاً.
في العربة و بعد مضي ساعات منذُ انطلاقنا جلستُ انا و مُقابلي على المقعد ريزار، أحمل بيداي كتاباً قد جذب انتباهي بِصفحاته و كل المعلومات التي فيه بينما بلايز جالس على حافة النافذة الصغيرة يتمعن بِمنظر الطبيعة بِصمت.
لأول مرة و أحمُدل الله على ذلك.
ما الذي تقرأه؟ قطع سؤال ريزار حبل أفكاري لأرفع رأسي عن الكتاب.
أممممم لا شيء مهم.
أعدتُ تركيزي عليه أرفض مُقابلة عينه.
أليسَ هذا الكتاب الذي أخذته من المكتبة؟
رفعتُ رأسي مجدداً له لأومئ من دون أصدار صوت و أعود لِقرأته.
الكتاب عن البشر و عالمهم صحيح؟
تنهدتُ انا أعلم انه يستفزني لكني لم أجيبه مُحاولاً التركيز على ما بيداي لكن مع الأسف التركيز ضاع فظللتُ أقرأ الجملة مراراً و تكراراً شارد الذُهن.
الَن تُشاركني ما يُعجبك به؟
تنهدتُ انا أغلق الكتاب بِقوى ثم رفعتُ عيناي عليه أرمقه بِنظرات.
أخرِج ما بداخلك هيا، قلتُ له أضع الكتاب جنبي.
ضحك ريزار يُعيد رأسه لِلخلف يجعل بلايز ينظُر له مُحتار يبدو انه كانَ في عالمه هو ايضاً.
لا يوجد بداخلي شيئاً يا صديقي فأنا فقط اتساءل و لقد مللتُ من الصمت بيننا.
ماذا تريد التكلم عنه إذاً؟ شابكتُ أذرُعي أمام صدري مُنتظراً جوابه.
هَزة هو كتفيه ثم قال
لماذا أصبحوا البشر أمراً يُثير اهتمامك فجأة؟
هل هذا ما تريد التحدث عنه؟ ما يثير اهتمامي؟
أخرج هو صوتً من حلقه كالضحكة لأشقلب مُقلتاي عليه.
كما قلت لكَ انا اتساءل لا أكثر فَبأمكانك الرد أو لا، فالكين.
انا أعلم السبب. أنضم لنا بلايز بالحديث لأنظُر له بسرعة البرق أرسل باتجاهه نظرات حارقة.
لا لستَ تعلم. أخبرته من بين أسناني.
بلى لدي فكرة.
أردتُ أن أدفعه خارج العربة بِأصبعي السبابة لكونه ضئيل الحجم فَلا داعي لِيدي كلها لكنه سبقني و فتح فمه يقول
انه يُحِب التاريخ لهذا يقرأ عن تاريخ البشر.
رمشتُ عليه عدة مرات كما لو أنَ أحدهم صفعني على وجهي ليُبادلني بلايز النظرات البريئة يُخبرني بِصمت انني في أمان. اعدتُ ملامح وجهي لِلطبيعية كي لا ينتبه ريزار.
أممم نعم هذا السبب، لأنني أحِب التاريخ لهذا أثار فضولي هذا الكتاب. نقرتُ بأصبع على الكتاب ليُهَمهِم ريزار يغلق الموضوع و انا أشكُر الله بِقلبي.
لستُ أدري لماذا أخاف مِن أن يعلم ريزار عن شيء انا بنفسي لا أعرفه و لا أفهمهم إن أصَح التعبير، سبب زرع خوف بِصدري ينغزني كلما فكرتُ به و خصيصاً بِوجه فتاة شابة جميلة بِعيون كبيرة مَسحوبة كَقطرات العسل تنعكِس عليها أشعة الشمس.
رفعتُ يدي لأضعها فوق صدري أفرُك المنطقة بِخفة أشعُر بِنغزة أبرة الأن.
ما خطبي؟
بعد المزيد من القيادة و نفسي تغفل لِلنوم من دون إرادة عِدة مرات حتى أصبح يومين. سمعتُ صوت أحاديث مُرتفعة من مكانٍ ما و منه صوت زقزقة العصافير في أعلى السماء و صهيل أحصنة.
جلستُ مستقيماً على المقعد أنظُر من حولي، أجد ريزار نائم رأسه مُستند على جدار العربة خلفه فمه مفتوح و لعابه يسيل على ذقنه و بلايز بنفس المكان، على طرف النافذة المغلقة يتمعن بِالطبيعة المُتغيرة الأن.
انني أرى أشجار بِأوراق ملونة، أحمر، أصفر، أزرق و غيره نادراً الأخضر و على جذوعها عروق بارزة بالأحمر و الأصفر، حية تُضيء.
انا أعرف هذه الأشجار و اين توجد في هذا العالم.
في أسليرا و لا غير أسليرا.
هل وصلنا؟ انا سألت بلايز ليُحرك رأسه نحوي مُبتسماً.
نعم، سَنصل بعد قليل.
أومأتُ انا فجأة أحس بِألم في رقبتي من الخلف.
تباً! النوم و انت جالس غير صَحي بتاتاً.
توقفت العربة ليستيقظ ريزار إثر ذلك يُغلق فمه و يمسح ذقنه من ما تبقى من لعاب.
هل وصلنا؟ سأل هو بِصوت مُرتفع قليلاً.
أومأتُ له أمسِك ضحكتي من شكله قبل أن يفتح الباب يظهر توك و بِجانبه حارس أخر.
لقد وصلنا الى حدود مملكة أسليرا. أخبرنا هو يفتح الباب أكثر لكي أخرج انا أولاً و بعدي ريزار يتمايل لأنه لم يستيقظ كلياً بعد ليسنُد نفسه على العربة كي لا يقع.
تقدمتُ انا و بلايز يطير بِجانبي بعيداً عن العربات أنظُر في الأرجاء لأشهق بِعيون متبحلقة و قلب ينبض بِشدة على المنظر.
أمامي مباشرة أرض خضراء واسعة، حيوانات سحرية تركض أو تأكل من الأرض و طيور تحلق مع بعضها بِتناغم فرحة. حركتُ رأسي على يميني لأجد منزلاً كبيراً بِجُدران بيضاء و سقف أخضر داكِن مدخنته الحمراء تُخرِج دخاناً.
أمام المنزل توجد حديقة خاصة به يُحيطه أسوار أسود عالي يمكن الرؤية من خلاله مُتصل بالبوابة الرئيسية و هناك باستطاعتي رؤية خدم يغادرون البوابة و منهم يعملون في الحديقة.
عرفتُ على الفور هذا المنزل لمَن يعود...
الى لوثر أازايّ، حارس البوابة بين العالمين.
علي الفور لاحظتُ شيئاً عملاقاً بِجانب أو بعيد قليلاً عن أسوار المنزل الجميل و هي البوابة بين العالمين. أشعر بِهمهمة عميقة قادمة منه و هالته السحرية القوية في عظامي.
أرى هالته، انها شفافة مُتحركة من حوله كأنها أمواج من المياه الهادئة كل حين و أخر ينعكس ضوئها ليُصبح فيها ألوان أخرى من قوس القزح.
أحسستُ بِقشعريرة تجري في أرجاء جسدي من الأعلى للأسفل و وَبر رقبتي وقف لِلنهاية.
هذا ليس ما توقعته حتى انني و في هذه اللحظة شعرت بِنسمة الهواء الباردة، لقد تذكرت أنَ الموسم في مملكة أسليرا يتغير و هذا الشهر يكون أخِر فصل الصيف هنا و بداية الخريف.
أهلاً بِك سمو الأمير الى حدود مملكتك. صَفق ريزار بيده على ظهري مُشيراً على ما أراه من كل شيء.
بلعتُ ريقي.
هيا بنا لنذهب لكي نلتقي بالبواب. تابع هو يلُف ذراعاً حول أكتافي يسحبني منه و ورائنا الحراس الى بوابة المنزل.
رأيتُ الحماس يجري في جسد بلايز و هو يطير بسرعة يسبقنا الى البوابة السوداء لِلمنزل و ريزار لا يزيح تلكَ البسمة العريضة عن شفتيه.
منذُ متى و هو يبتسم دائم بهذه الطريقة؟
حتى توك حماسه واضِح على وجهه إلا انه لم يتصرف بِطفولية مثل الذي معي و لكن السؤال الأهَم هنا، لماذا انا متوتر؟
ربما لأنكَ ستقابل الشخص الذي كانت تاليا تحكي لك عنه عندما كنتَ في عمر مُناسب لِتفهم ما يعينه
الماضي جيداً.
أجابني صوت بِداخلي لأهُز رأسي بِخفة أقول انه حقاً لا يوجد ما يوَترني و انه مُجرد وَهم.
فتحوا لنا الحراس العمالقة ذو بشرة الخضراء و ملامح وجه قاسية بوابة المنزل، لندخل الباحة الأمامية نجعل من الخدم يتوقفوا عن معلهم لكي يلقوا نظرة على الزائرين، الذينَ هُم نحن.
و منهم أو القريب أنحنى لرؤيتي قبل أن يعودوا الى عملهم.
وصلنا عند الدرج القصير الذي يقودنا الى الأبواب لتُفتَح تلكَ البوابة الكبيرة و يخرج منها رجل بِجسد عضلي و شعر أشقر يصل لِكتفيه يرتدي بنطال أسود و فوقه سترة خضراء تحتها قميص أبيض و على وجهه بسمة كبيرة بِكُبر تلكَ العضلات على ذراعيه.
أهلاً بكم في أرضي. قال لوثر أازايّ ينزل الدرج الينا.
أنحنى لي لأرُدها أومئ له بعدها صافَح ريزار عيونه البنية تُضيء، انه يبدو تماماً كما وصفته تاليا لي.
تفضلوا دعونا ندخُل فالهواء بارد قليلاً لا؟ أشار لنا لكي نلحق به الى منزله.
عندما دخلنا على الفور شعرتُ بِراحة لم أتوقعها. فَمنزله ليس كبيراً لِلغاية كما يبدو من الخارج، بل لطيفاً كَأيّ بيت فيه دفئ جميل.
أمامنا تماماً يوجد درج يقود لِلطابق الذي فوق، على يساري أبواب مُغلقة أظن انها لِقاعة ما و على اليمين توجد غرفة جلوس متوسطة الحجم.
ذهبنا كلنا الى الغرفة على اليسار أولاً أو قاعة الطعام و الحفلات لأن لوثر فتح الأبواب و سمح لنا بالدخول لأجد قاعة كبيرة جداً فيها أبواب شفافة تُطِل على الحديقة و قريب من الأبواب طاولة طويلة بنية اللون و من حولها كراسي كثيرة.
أخبرني لوثر أن أخُذ الكرسي في مُقدمة الطاولة لكنني رفضت و أخبرته أن يجلس هو هناك بينما انا جلستُ على الكرسي على يمينه و ريزار على يساره أما بلايز جلس على كتفي كَعادته.
حسناً يا سادة، كيف كان طريق السفر؟ سألنا لوثر ينظُر مني و الى صديقي.
طويل لكن من المستحيل أن نَمَل من المناظر الطبيعية لعالمنا السحري. أجابه ريزار يُعَدِل القطعة على عينه.
انتَ محق هذا ما أقوله دوماً عندما أسافر و كيف حالك سمو الأمير؟ نحنُ لم نتقابل ابداً إلا انني سمعتُ عنكَ الكثير.
حاولتُ وضع بسمة على شفتاي لكنها لم تتحرك لهذا أخذتُ نفساً ثم أجبته أنظُر له بالعينين و بِوجه ثابت
بخير شكراً على سؤالك لورد لوثر، على ما يبدو انني سأظل أميراً حتى بعد أخبار مُغادرتي المملكة.
هذا حال العائلة الملكية إلا إذا ارتكبت خطأً و في حالتك انتَ لم تفعل ما يجعلكَ تصبح أميراً مُجَرَّد من منصبه.
أومأتُ انا أوافقه الرأي ليَعُم صمت بيننا قصير فيه دخلوا الخدم و معهم مشروبات و فواكه للأكرام لأخُذ انا كأساً من النبيذ الأحمر و طبق من التفاح المُقطع من أجل بلايز كي يأكل.
بِشأن العمل، قال ريزار يدخُل في الموضوع ليضع لوثر كأسه على الطاولة تتحول ملامحه المُبتسمة الى الجدية بسرعة.
نعم بالطبع، والدك اللورد فابيان سوف يصل غداً ظُهراً مع الطلبات لِمملكة فالينيا فَلقد عانوا قليلاً بالتوصيل بِسبب الطقس السيء في عالم البشر، الثلوج تُغطي الغابة و الطُرقات.
تعني اننا سوف ننام هنا؟ انا سألته.
نعم إن لم يكُن لديكَ مانع سموك.
لا، لا مانع لكني فقط ظننت اننا سوف نأخُذ البضاعة فور وصولنا.
لما العجلة فالكين؟، لقد سافرنا لمدة يومين في العربة دعنا ننال بعضاً من الراحة على الأقل. أخبرني ريزار قبل أن يشرب من نبيذه.
شقلبتُ مُقلتاي على نبرته الدرامية ليُكمل لوثر
نعم سموك، خذو قسطاً من الراحة و أعتبروا المنزل منزلكم و أفعلوا ما تتمنوه حتى الخدم تحت أمركم.
شكراً لكَ لوثر. قال ريزار لترجع البسمة على شفاه الأشقر.
آوه و بالمناسبة أريد أن اُعلِمكُم أنَ في الحقيقة الملك ريس كان سوف يرسِل أحداً من قصره لكي يكون المُشرف عن العملية لكن عندما سمع أنَ الأمير فالكين قادم، تراجع.
لاحظتُ أنَ صوته أصبح منخفضاً عندما لفظ أسم ريس على لسانه لكن أختفى ذلك بسرعة يُكمل حديثه طبيعياً.
بعد كل هذه السنوات لا يزال متأثر بِريس و تاليا أم انني أتخيل؟
هذا جيد و أفضل لأنَ فالكين الأن يعيش في فالينيا. أضاف ريزار يأخُذ رشفة مِن مشروبه و يأكل كُرة عنب خضراء من طبقه.
الأن دعونا نتناول الطعام فأظن أنكُم جائعون، لا؟ فرقع لوثر بِأصابعه لتنفتح أبواب القاعة و يدخلوا الخدم و معهم أطباق من الطعام ذو الرائحة الشهية ليَضعوها أمامنا و نبدأ تناوله.
أتى وقت الانتشار في المنزل من أجل وضع أغراضنا في غُرفنا التي أخبرنا عنها لوثر. غرفتي انا و ريزار مُقابلة من بعضها في الطابق الثاني لهذا أعطى لوثر مفاتح الغرفة الأولى لِصديقي و بالنسبة لي قرر القدوم معي الى غرفتي ليفتحها لي ترتسِم لسببٍ ما تعابير الحزن على وجهه.
ما هذا، هل أحزنته بِتصرفي البارد معه؟ أو ربما تماديت بِذلك فَلا شيء شخصي بيني و بينه لكن لعلي لا زلت متأثر بِقصة تاليا عنه في الماضي؟
لستُ أدري لهذا أشحتُ بِنظري عنه و دخلت الغرفة متوسطة الحجم أول ما وضعتُ قدمي فيها ضربتني نسمة الهواء الباردة و المُنعشة القادمة من الشرفة المفتوحة.
وضع أحد الخدم صندوق أغراضي الخاصة على الأرض بالقُرب من السرير ثم أستأذن لِلرحيل.
نظرتُ من حولي على الغرفة أجدها جميلة أنثوية قليلاً فيوجد ألوان الوردي و الأبيض لكن بِشكل بسيط. السرير في منتصفها لكن لوحه ملتصق بالجدار، على اليمين الحمام و الحزانة و في أعلى السقف ثريا كبيرة من الزجاج، طاولة صغيرة فوها أبريق مياه و كأسين و مقعدان من القماش عند الشرفة، البساط على الأرض أبيض و ذهبي الجدران من لون البساط.
أعجبتني.
هذه كانت غرفة تاليا قبل سنوات. تَمتَم لوثر من ورائي لأستدير نحوه.
ماذا؟
أتكئ بِكتفه على الجدار لا يدخُل الغرفة و مُشابك الذراعين أمام صدره.
كانت تعيش في هذه الغرفة بالذات في أول مرة أتَت فيها الى هذا العالم. و منذُ رحيلها و هذه الغرفة ظلت على حالها، لا أسمح لأية شخص بِدخولها عدا لِلتنظيف و لا أعطيها لأية شخص من الزوار مهما كان السبب.
رمشتُ عليه عدة مرات أستوعب كلامه الأن أتذكَر أنَ تاليا عاشت لمدة سنتين في هذا المنزل مع هذا الرجل الذي قي الحقيقة خطفها و لم يأخُذها بإرادتها و انا طبعاً أعرف القصة و سبب أختطافها من البداية.
إذاً لماذا أعطيتني إياها؟ سألته بِفضول أسمع بلايز يطير بِجانبي يُنصِت لِلحديث بِهدوء.
ارتفعت زاوية من شفتيه للأعلى قبل أن يُجيب.
لأنني سمعت انكَ قريب منها و هي تُحبك جداً و من المنطقي أعطاء هذه الغرفة لِعائلتها فَفي النهاية هي أصبحت من العائلة الملكية و ملِكة بنفسها.
لماذا تُخبرني عن هذا؟
لم يُجبني على الفور بل أخذ يحدق بِحذائه لِلحظة طويلة ظنتُ انه لن يتفوه بِحرف لكنه فاجأني عندما قال.
لا أعلم ما الذي أخبرتكَ هي عني، لكني لم أعُد ذلك الرجل الذي تركته ابداً و الى الأن مازلت أكِن لها المشاعر التي نمت بداخلي. لقد تركتها صحيح و لم أعُد أفَكِر بها كما كنت لقد مَضيتُ قدماً عنها لكني أحترمها و لديها مكانة خاصَ بها في قلبي.
لم أبادر بل حركتُ رأسي باتجاه الشُرفة أرى منظر الأرض الواسعة التي رأيتها في أول لحظة حَطت قدماي على هذه الأرض و مع ذلك بقيتُ أنصِت له.
و اعتقد انها أخبرتكَ ما أذاها في ماضيها معي و عن ألامها الكثيرة لكن اريدك أن تعرف انني لم أرد يوماً أن أؤذيها أو أجرحها، انا لا أراها كثيراً في القصر ريس لا يُحِب عندما نتقابل.
نظرتُ بِطرف عيني عليه ليُبادلني هو النظرات ثم يلتَفِت يقول انه سيتركني للإستراحة بعدها غادر و أغلق الباب خلفه.
لم أبادره بالحديث ليس لأنني لا اريد بل لأنني لا أعرف ماذا يجدر بي قوله، فهذه مسألة تخصه و تخص تاليا إلا انني فهمت سبب أخباري، لأنه أحس بِنَفسيَتي السخيفة معه.
طار بلايز بِجناحيه يواجهني رافع الحواجب ليَسأل
هل هنالك ما يجب عَليّ معرفته؟
لا، انه شيئاً ليس مهماً.
هل انتَ متأكد؟
أخرجتُ زفيراً من أنفي لألتفت و أتجه الى الحمام قائلاً
لا و انا سوف أخُذ حمام و أغير من ملابسي.
سمعته يُتَمتِم كلاماً بِصوت منخفض لكني لم أكترث أغلق باب الحمام خلفي لأخلع ملابسي و ابدأ بالاستحمام.
أرتديتُ ملابس كحلية و فضية هذه المرة أضع سيفي في حمالة خصري. القيتُ نظرة أخيرة على نفسي في المرآة بعدها أشرت لِبلايز باللحاق بي الى خارج الغرفة لأنني لا أشُعر بالتعب بل بالضجر و أردتُ التجوال في هذا المنزل الذي عاشت فيه تاليا.
سمعتُ صوت شخير ريزار قادم من الجهة الأخرى لِباب غرفته لأبتسم على ذلك و أنزل الدرج لِلطابق الأرضي أغير رأي عن أخذه معي.
قابلتُ بعض الخدم اللُطفاء و انا أنظُر الى ما في غرفة الجلوس الصغيرة و بعضهم سألوني عني لأرد عليهم سعيد بِمحادثتهم معي. رأيتُ غرفة الجلوس ليست بِحجم اية قاعة أو غرفة هنا لكن لا بأس بها تسع ما يُقارب العشرون شخص. على أرضها بساط و على يسارها مِدفئة حطب مُشتعلة و عندها مقاعدان رماديان من القماش الفاخِر.
فوق المدفأ يوجد رأس غزال بِقرون كبيرة و هنالك في كل زاوية نباتات خضراء جميلة و أمامي مباشرة مِنضدة عليها زجاجات من المشروبات الكحولية و كؤوسها ايضاً.
أما على يميني طاولة طعام صغيرة لِستة أشخاص.
هَمهمتُ انا أضع يداي في جيوب بنطالي أتحرك لأنظُر ما يوجد أسفل الدرج أو من خلفه.
ما هذا؟ أشار بلايز بيده على شيء ما أسفل الدرج لأستدير من حوله و أرى باب أحمر مُغلق ليس بِحجم أيَ أبواب هنا بل أصغر بِقليل.
يبدو انه باب إما لِمكتب شخصي أو غرفة ما. انا أجبته أبتعد متجهاً الى أبواب المنزل لأفتحها و أغادر الى الهواء الطلق و أشعة الشمس الدافئة على وجهي.
عذراً يا انسة، ناديتُ خادمة رأيتها بالصدفة تحمل حبال بيديها لتتوقف تنظُر لي.
سمو الأمير، كيف لي مساعدتك؟ لم أتوقع صوتها الناعم مُقارنتةً بِشكلها الحاد لأبتسم لها و أتقدم اليها يتعبني مُرافقي.
أمممم هل حقاً الحديقة الوردية قريبة من هنا؟
أومأت هي مرة واحدة.
انها ليست بعيدة جداً، على الأقدام لكن من أجل سلامتك خُذ العربة و سَتكون في الحديقة بِشكل أسرع.
شكراً لكِ.
مَررتُ مِن جانبها أرى على يميني الأسطبل و أصوات الأحصنة العالي يخرج منه، تجعلني أشتاق الى ركوبها، فَركوب الخيل مِن هواياتي المفضلة التي أحِب مُمارستها يومياً.
لهذا قررتُ الذهاب الى الأسطبل ربما أجِد فرساً مناسباً لِلرحلة الى وجهتي.
أنتظِر لحظة، هل سوف تذهب الى الحديقة الوردية؟ سألني بلايز و نحنُ نمشي في الأسطبل.
نعم، هل تريد القدوم ايضاً؟
لماذا تسألني و انتَ تعلم الإجابة مسبقاً سموك الأمير. لفظ لقبي بِطريقة ساخِرة لأضحك انا و أهُز أكتافي.
رأني عامِل في الأسطبل شاب كان يُمَشِط شعر الخيل ليتوقف عن عمله و يأتي إليّ مُبتسماً.
أحنى هو ظهره بِترحيب بي.
أهلاً بكَ سمو الأمير.
ماذا تُدعى أيها الشاب؟
استقامة هو بِظهره يضع يداً فوق صدره.
انا أدعى غابريل سموك.
آوه، انه بشري و على ذِكر اسمه حركتُ عيناي على أذُنيه أراهم دائرية و ليست مُدببة كَخاصتي.
حسناً غابريل، أوَد منكَ أختيار فرس مُناسب لي لكي أخذه بِرحلة قصيرة.
توَسعت بسمته يُظهر أسنان بيضاء ليومئ هو متفهماً يبتعد عني حتى يبحث عن الذي طلبته منه و بعد ما يُقارب الدقائق القصيرة أخرج حصاناً مِن مكانه ثم أتى به يسحبه من حبله عند فمه.
انه أبيض و شعره أسود و رمادي عيونه بنفسجية و لديه قَرن واحِد فُضي يشع كلما أنعكست أشعة الشمس عليه.
واو، قد يكون من أجمل الخيول التي رأيتها في حياتي.
هذه موالا جديدة هنا لقد عثرنا عليها مُصابة في قلب الغابة و أحضرناها و اعتنينا بها الى أن أستعادت قوتها و لقد دربناها لتُصبح قوية جداً و مُناسبة لِلركوب و حتى السباق. قال غابريل يمسح على رقبتها لأتقدم انا مُنبهر بِجمالها أمُد يدي نحوها.
لم تتحرك هي بل ظلت تحدق بِيدي كأنها شيء عجيب. أخذتُ خطوة صغيرة أخرى اليها أمُد يدي أكثر اريدها هي أن تلامس أنفها بِيدي لأنها الطريقة الوحيدة التي تجعل من الحصان أن يرى ثقتك به و الموَدة التي بداخلك لِه.
اعتقدتُ انها لن تفعل و لن تقترب مني إلا انها مَدت رأسها للأمام حتى لامس أنفها الأسود كَف يدي بِرقة. ابتسمتُ على ذلك ثم ربتُ عليها سعيد انها تقبلتني.
موالا، انتِ جميلة لِلغاية. قلتُ أضع قبلة على رأسها لتُخرج هي صهيلاً ترفع و تُنَزّل من رأسها.
لقد أحبَتك سموك. قال غابريل يُعطيني الحبل لأخذه انا منه و أسحبها معي الى الخارج.
فَماذا أفعل؟ لدي تأثير على كل النساء. ضحك غابريل و معه بلايز لأركب الحصان أمسح على رقبتها و أخبرها أنَ كل شيء سيكون بخير و اننا سوف نَسعَد كثيراً بالرحلة القصيرة.
هل تعلم انني لم أذهب يوماً الى الحديقة الشهيرة؟ و انا أقود موالا سألني بلايز جالس فوق مكانه المُفضل.
كتفي.
و خلفنا حارسين على خيولهم الخاصة.
خمنتُ ذلك لأنكَ لا تعيش في أسليرا. أخبرته أنظُر لأمامي.
انتَ مزعج هل تعلم هذا؟
هنا حركتُ رأسي على كتفي لأرمقه بِنظرات قاتلة لكنه لم يَخف أو يهتم بل تابع قائلاً
عندما يُخبرك شخص عن تجاربه أو الأشياء التي لم يجربها، لا تُخمن أرجوك بل ساير بالحديث و لا تفتح فمك ال--.
لم يُكمل جملته لِلنهاية لأنني أمسكتُ بِجناحيه و رفعته عن كتفي.
هل عاد بلايز القليل الأدب مجدداً؟
شابك هو ذراعيه أمام صدره و هَزة كتفيه
يبدو أنَ الحقيقة لا تُعجبك أو عندما يُملي عليكَ أحدهم ما يجب فعله.
هل تتمنى الموت مثلاً؟
لا فأنا ما زلتُ في أيام شبابي، أنتظِر قليلاً بعد حتى أصبح عجوزاً و مِن ثم بأمكانك--.
القيتُ به بعيداً عني كما ألقي القمامة ليصرخ هو و يتمدد صراخه حتى لم أعد أسمعه، فأنا سأعترف انني لم ألقي به كالقمامة، لأنني عندما القيها أفعل ذلك بِخفة حركة أما بالنسبة لِبلايز فَرميته كما أرمي الحجر فوق البحيرة أو النهر.
سمو الأمير، لقد وصلنا. أخبرني أحَد الحراس لِأتوقف عند رؤيتي لِعُشب وردي قصير و أشجار وردية تتراقص أوراقها على نسمة الهواء الدافِئة بِعكس التي كُنت أشعر بِبرودتها قبل لحظات.
و أخيراً، رأيتُ بحيرة كبيرة بِمياه صافية الوان الحديقة مِن حولها تنعكس عليها تجعلها وردية أيضاً.
هذا خاطِف للأنفاس. همستُ انا أنزِل من على موالا لتُخرج هي صهيلها تهُز بِرأسها يبدو انها توافقني الرأي.
ابتسمتُ على ذلك أرَبِت على رقبتها لأعطي حبلها لِلحارس و أخبرهم أن يبقوا هنا لأنني أوَد الدخول اليها لوحدي.
انتَ اسوأ سيد قد رافقته على وجه الأرض. سمعتُ صوت بلايز مِن خلفي يتَمتم منزعجاً.
هذا ما يحدث عندما تفرد ذلك البساط الطويل في فمك أمامي.
سبقني هو الى داخل الحديقة يَطير بسرعة و يدور في الهواء فاتح الفم.
لم أكُن يوماً لأتخيل شكلها و روعتها!
مشيتُ أكثر فيها أشعر بِالعشب على قدماي الى أن وصلت لِلبركة و أسفل الشجرة ذات الأوراق الوردية المُهتزة منها يطير في الهواء هارباً من أغصانها لتحُط على الأرض. الهدوء هنا أجمل ما فيها، مريح للأعصاب و الروح كالقُبلة على القلب.
هل بأمكاني الذهاب الى ذلك الجسر؟ سألني بلايز بعد أن جلست على العشب لأنظُر جيداً أرى جسراً أبيض يصل من الجهة اليُمنى لِلبحيرة و الى الجهة اليسرى.
انه الجسر الذي كنتُ أحب الركوض عليه ذهاباً و إياباً و معي كانَ ريس يضحك عليّ و مرةً كنتُ أركض بِسرعة حتى وقعت على ركبتي و خدشتها لأبكي بِشدة الى أن أتى هو و حملني لكي يُلقيني في الهواء و يدور بِمطرحه من أجل أن أنسى الألم و ما كانَ يبكيني.
أفعل ما يحلوا لكَ بلايز، فأنا سوف أستلقي قليلاً.
أومئ هو بِسعادة واضحة على وجهه ليَطير بِحُرية كأنني كنتُ أحرمه منها. شقلبتُ مُقلتاي على شكله أتمعن الأن لوحدي بالحديقة و جمالها النادر.
ذكريات طفولة بدأت تسبح في عقلي عنها و كل ما كنتُ أحب فيها و كل ما كنتُ أفعل فيها مع ريس و أيكس حيواني الأليف.
و حتى هذه الحديقة هي أول مكان تقابلتُ فيه بِتاليا. كنتُ في الرابعة مِن عمري أو شيء من هذا القبيل و كانت أول بشري أراه خارج القصر الملكي بما انه لم يكُن مسموح لي أصلاً مُغادرة القصر.
استليقتُ على ظهري أضع يداي خلف رأسي لأحدق بأوراق الشجرة تُحركها النسمة كما تُحرك شعري على جبيني.
الشعور رائع و مُرخي جداً لهذا أغلقتُ عيناي أقول في نفسي أنَ أخذ قيلولة لن تُضِر أحَد و معي الحراس، حتى هذه الحديقة مَحمية لا تمسح لِلخطر بِدخولها.
أصوات العصافير و المياه القادمة من البحيرة القوا بي الى عالم الاسترخاء و الظلام الجميل لأستسلم لِلنوم أدعه يلُف ذراعيه حولي و يحضُني.
انه يوم بارد أو انا من أشعر بالبرد فأطراف أصابعي باردة جداً مخدرة. تلقيتُ خبراً من القصر الملكي عن وجود بشر قد كسرو القانون الخاص بِعالم البشر و الجنيات و الأن عليّ الذهاب لكي اخذ أعز ما لديهم.
حياتهم.
عالم البشر عالم لم أحبه يوماً حتى مَن يعيشون فيه وحوش صغيرة لديها عقول محتال و مُقَزز اصدقائي يخبرونني انهم ليسوا جميعهم بنفس العقول و منهم في الواقع مثلنا لكنني لم اصدقهم يوماً أو فقط انصتُ لهم أومئ رأسي كلما تفوه بِكلام تافه عن البشر.
بلحظة كنتُ مرتاح في منزلي الدافئ و في لحظة أخرى اصبحتُ أمام كوخ قديم مهترئ لو نفختُ عليه لسقط بأرضه و اصبح حطاماً.
لكني لستُ بِذئب و هذه ليست قصة خيالية.
في لحظة كنتُ واقفاً أمام الكوخ و في لحظة ثانية اصبحتُ بداخله، جناحاي البيضاء خلفي مَفرودة اقف و هالتي السحرية من حولي تُرعِب البشر الذين يقفون أمامي يصرخون.
خصيصاً تلكَ الفتاة التي لم اعرف عنها ابداً، كنتُ اعرف بِشأن الأخ و أخته و الوالدين لكن هي، الأصغر فمِن شكلها خمنت. بِعيون خضراء و شعر بني فاتح انها الوحيدة بين عائلتها التي لم تصرخ بل ظلت واقفة تحدق بي بِعيون متبحلقة.
لسببٍ ما هي مَن جعلت الخوف يهُب بِداخلي، رأيتها كالتهديد لي فَمَن لا يخاف كائن سحري يكون مجرد قصص و أسطورة لِلبشر، يكون تهديداً لنا جميعاً.
و بلِحظة كنتُ اقف أمامهم لأصبح باللحظة الأخرى اقتلهم، سيف في الهواء، دماء يتناثر على كل جدار و الأرض تسبح به. صرخات تملئ أذناي تهز من قلبي و انا اقتلهم واحداً واحداً.
لا إرادياً الشعور فيني يَكبُر كلما رأيتُ الدماء، لقد لقبتهم بالوحوش و ها انا اقتلهم بِدم بارد ليس لأنني اريد أو استمتع بِذلك بل لأن هذا القانون و هذا عقابهم على تخطيه و تجاهل التحذير القادم من الملك ريساند.
لقد حذرهم كثيراً، أكثر من الازم كي لا يصبح قدرهم الموت.
لكنهم لم ينصتوا، لم ينصتوا ابداً.
و تلكَ الفتاة، لماذا تقاتلني؟
لماذا و هي تعرف انها ضعيفة و صغيرة الحجم إلا انها ذات عزم قوي و أصرار على إيقافي من أذية ما تبقى من عائلتها.
شعرتُ بالأسف عليها فَهي لا ذنب لها لما يحدث و هي أصلاً لم تكُن تعلم بِوجود الجنيات و الأن قابلت واحداً منهم يقتل مَن تحب أمام عينيها.
تباً. هذا ليس ما اردتُ ابداً أن افعل بِالبشر مهما كرهتهم و كرهته عالمهم.
لا يستحق أحد الموت بتلك الطريقة حتى هُم.
توقف أرجوك! صرخت هي بأعلى صوتها لأتوقف انا و أحدق بها ممسكاً بِالسيف و منه الدماء يسيل بلا توقف.
دماء عائلتها.
حركتُ ساقاي الى هدفي الأخير و هي والدتها لتقف هي أمامي فاتحة ذراعيها بأكملها تغطي والدتها على الأرض لتقول لي بِصوت هَش.
توقف! هذا يكفي أرجوك، الم تعُد ترى كمية الدماء من حولك؟ لقد اصبحت أرض منزلي تسبح بِدماء عائلتي. اليس لديكَ رحمة و لو قليلاً؟ أرجوك دعها تعيش، لقد أتيت فقط كي تقتلهم جميعاً؟ ذنبهم انهم عرفوا بِعالمك؟ الم تقل انكَ سوف تُعاقب صوفي؟
حدقتُ بها بِدهشة مرسومة عل ملامحي افكر بِكلامها و نبرته المنكسرة و تلك المرأة التي خلفها ترتجف تتمتم اسم ابنها و ابنتها الذين ماتوا.
أخبرتها و أخبرتها كثيراً عن قانون العالمين و كيف انهم اخترفوا و ما افعله هو العقاب الذي يتلقاه كل مَن يخترق القوانين لكِلا العالمين لهذا لا حق لها بإيقافي.
حاولت هي منعي من أكمال مهمتي و لِمفاجأتي كانت قوية و ذكية، لقد عضت ذراعي حتى صرختُ من الألم لكني أقوى منها بمليون مرة و استطعت ضربها على بطنها لتقع على الأرض و سيفي من دون قصد لامس كتفها ليجحرها و يسيل دمائها هي الأن على الأرض يختلط بِدماء عائلتها.
تركتها على الأرض و اكملتُ مع أخر هدف اعلم انها لم تنظُر لتشهد على ما فعلته بِوالدتها بل فضّلت اغلاق عينيها و تقيؤ كل ما في معدتها.
مهمتي هي التخلص من هذه العائلة التي خرقت القانون ولكنها هي كما ذكرت سابقاً، لا ذنب لها. لم تكن تعلم ابداً بِوجود عالمي لهذا هل لي الحق انا بِقتلها ايضاً؟
لا، لا مزيد من سفك الدماء لأذهب اليها أراها مغمضة العينين، شكلها صغير و بريء رأسها منحني لا يمكنني رؤية وجهها.
لكن اعلم انها لا توَد رؤية خاصتي و بِداخلها بغض و كره عظيم باتجاهي و انا لا ألومها لأنني لو كنتُ مطرحها لكنتُ أحسستُ بنفس المشاعر.
لهذا قررت، قررت أن أقدِم على شيء قد يكون خطئ أو بالأحرى قد اندم عليه لاحقاً لكني رفعتُ يدي فوق رأسها و بعثتُ تعويذة سحرية تنوِمُها ليرتخي جسدها و تقع على الأرض كلها.
بِلحظة كنتُ أنظُر اليها مُقرفص و بِلحظة أخرى اصبحت بين ذراعاي و في منزلي في عالمي.
أستيقظتُ أتنفس بِشدة من فمي أنظُر بكل الاتجاهات لكي أذكُر اين انا و ما هو هذا المكان الذي انا فيه. وردي، كل شيء وردي، لما كل شيء وردي؟
فالكين! سمعتُ صوت بلايز المرتفع لأجده يطير أمام وجهي و القلق على ملامحه.
اغمضتُ عيناي بِقوى ثم فتحتهم مجدداً لا زلتُ أرى اللون وردي.
عشب، سماء، شجر و نباتات و بركة كبيرة.
نعم، نعم انا في الحديقة الوردية، لقد أتيتُ الى هنا من أجل التجوال بها قليلاً و غلبني النوم.
تنفس! أخبرني بلايز لأنظُر اليه أرمش بسرعة كبيرة قبل أن أتذكر أنَ عليّ التنفس.
نعم، نفس. أخذتُ شهيقاً من أنفي ثم حبسته لِلحظة طويلة بعدها زفرته من فمي. حرارتي مرتفعة و عرقي يغسلني كما لو انني كنتُ تحت المطر.
انتَ على ما يرام. قال بلايز هذه المرة بِنبرة مُنخفضة مُمسكاً بِشعره، يَشده.
بلعتُ ريقي الذي بالكاد كانَ موجوداً فَحلقي جاف لِلغاية كالذي لم يشرب المياه لأشهر ثم مسحتُ وجهي بيدي و العرق يُنَقِط مني.
تباً. همستُ من بين أسناني أحاول النهوض لكني لم أستطع فَلا قوى لدي في جسدي حالياً.
هل تريد مني أحضار الحرس؟
رفعتُ رأسي لأنظُر على بلايز قبل أن أهُز رأسي بِرفض
لننتظِر بعد لربما سأستعيد قوتي.
كما تريد.
و بالفعل بعد مدة من الانتظار و تهدئة نفسي استطعت النهوض و الذهاب الى الحراس و حتى ركوب موالا و العودة الى منزل لوثر.
أعطيتُ موالا لِغابريل في الأسطبل و لم التَفِت لِلتي ظلت تخرج صهيلها أعلم انها قلقة عليّ و تريد جذب انتباهي لها.
و لاحظتُ نظرات غابريل لي المُتعجبة من شكلي و ايضاً تجاهلته و لم أجيب على اسئلته عني. بالإضافة لنظرات الخدم كلما مَررتُ من جانب أحدهم، يتوقفوا عن عملهم يحدقون بي كأنَ رجلاً غريباً قد أتى.
هذا سيء، سيء جداً فَحالتي ليست ملكية كما هو انا، مُبَلل يتعرق كثيراً و متأكد أنَ وجهي أبيض من لون الثلج و شعري لم يَعُد مُرتباً كما غادرتُ في البداية و قد يخبروا سيدهم.
اللعنة على ما رأيته و على قوتي الحقيرة و كم انها عذاب كل ما أغلقتُ عيناي لِفترة حتى أنام.
النوم بسببها مُحَرّم عَليّ.
لماذا خُلقت أمتلكها؟
لماذا انا؟
اسئلة سخيفة و طفولية فَهذه قوة لا تمتلكها لوحدك
فالكين.
قال الصوت بداخلي.
أخرس! صحتُ أنسى انني مازلتُ في الخارج لأجذُب المزيد من الانتباه نحوي.
ما الذي يجري معك؟ سألني بلايز بعدما فتحتُ أبواب المنزل و أتجهتُ مُسرعاً للأعلى على الدرج.
لستُ أدري.
أغلقتُ باب غرفتي لأسند ظهري عليه مُغمض عيناي أخُذ أنفاساً عميقة أعبئ بها صدري و أصَفي عقلي.
ليظهر في مُخيلتي مشاهد الكابوس الذي رأيته، أو مشاهد ماضي لوثر على ما اعتقد. لطالما تساءلت عن قصته مع تاليا و كيف حدث ما حدث معهما حتى أصبحت تاليا في عالم لا تنتمي اليه.
و بفضل فضولي اللعين أجابت قوتي عليه و أرتني ما لم و لا اريد رؤيته ابداً بعد الأن.
تاليا...
كم كانت يافعة و خائفة لكنها قاتلت و حاولت المدافعة عن مَن تحبهم كما تفعل دائماً. كم كانت صغيرة و جاهلة لما يُحيطها أما الأن أصبحت ملكة لعالم ليس عالمها.
تحدَّت الصِعاب و تخطتهم.
و لكن لقوتي جهة إيجابية كما لها جهة سلبية. لقد رأيتُ القصة من وِجهة نظر لوثر هذه المرة و كيف كان يُفكر. لم يكُن ابداً يتمنى قتلهم لكن القانون يبقى قانون و لا يجب على اية كائن أختراقه.
ابتعدتُ عن الباب متجهاً الى السرير فَلم يعُد لدي رغبة بالاستحمام أترك العرق على جلدي لأنني مُرهق جداً و لا أقدِر على الوقوف أكثر لألقي بِجسدي فوق السرير، وجهي أولاً و بطني.
فالكين؟، هل انتَ بخير؟ بلايز سأل من دون أن يتلقى رداً لأن لساني ثقيل في فمي لا يُنصت لي لكي يتحرك.
يبدو أنَ الكابوس لم يكُن بِذلك السوء بما انكَ لم تنزف هذه المرة؟
أردتُ الضحك على كلامه و أخباره انه محق، لكن لا، ليس حقاً محق، لقد رأيتُ عائلة الامرأة التي أحبها جداً تموت أمام عيناي أو عن طريق عيون لوثر لهذا لم أخبره بِحرف و ظلّت السكينة بيننا الوحيدة التي ردت على سؤاله بدلاً مني.
تاليا، كم أشتاق لها. قريب منها لكن بعيد لِلغاية.
هذا جزائي لتركها خلفي و إدارة ظهري عنها بعد أن ترجتني كي أبقى.
أستحق ما يحدث معي.
انا حقاً أسف على كل شيء تاليا.
في الصباح التالي و بعد تناول الفطور في القاعة الكبيرة مع لوثر و ريزار خرجنا جميعنا و أخيراً لِلعمل المهم و الذي أحضرنا الى هنا في المقام الأول.
قُدنا الأحصنة لمساقة بعيداً عن المنزل الى أن وصلنا لوجهتنا و هو الجدار الذي يفصلنا عن عالم البشر و كما رأيته، طويل جداً كأنه يصل لِلسماء من المستحيل رؤية ما خلفه لأنه ليس شفافاً بل رصاصي اللون هالته الشفافة المُتحركة تُصدر هَمهمة عميقة.
قد يسأل المرء، لماذا لا نطير فوق الجدار بما اننا نمتلك أجنحة؟
حسناً، الجواب لذلك، هو بِبساطة لا يمكن إلا إذا تمنينا أمنية الموت السريع فَهذا ممكن.
كما قلت من قبل أنَ لا يمكن لِلجنيات الطيران فوق اية قصر ملكي لأنه يُحيطه تعويذة سحرية تمنع هذا من الحدوث و لِلجدار نفس الشيء، تعويذة تمنعنا من التحليق فوقه.
أعتقد انهم سوف يصلوا بعد قليل. أخبرنا لوثر يتقدم الى الجدار لنلحق به و نقف بِجانبه نحدق بِعظمته و كم انه حقاً مُرعب عن قُرب، نبدو أقزام مُقارنتاً بِحجمه.
لقد قرأت عن حقيقة هذا الجدار في كُتبنا عن تاريخ الجنيات و بالصدفة في الكتاب الذي كنتُ أقرأه منذُ يومين عن عالم البشر. قرأت أنَ مَن بنوه هُم الجنسين معاً، بشراً و جنيات بِسحرهم (كان لِلبشر سحر لكنه أختفى مع مرور الزمن).
و هُم أتفقوا و وضعوا القوانين كي لا تحدث حرب أخرى بينهم أو يختلطوا بِبعضهم كثيراً، لقد حصل هذا قبل قرون طويلة ليصبح بينهم حرب دامت لِسنوات لا تُعَد على الأصابع.
انا أشعُر بهم. فجأة قال لوثر يمُد يده ليضعها على الجدار يغمض عينيه.
تبادلتُ انا و ريزار النظرات الحائرة لنُعيدهم على لوثر. و من دون اية سابق أنذار، رُجّت الأرض لِلحظة ثم بدأ جزء من الجدار بالتحرك بِبطء. تراجعتُ انا و البقية الى الخلف مُنبهرين على ما نراه لأول مرة، أو انا و بلايز بما أنَ ريزار قد سافر بين العالمين.
تحرك الجدار الى أن أصبح هنالك و أمامنا بالذات، شقاً عريضاً كافياً ليعبره صَفاً من الرجال و العربات. رأيتُ من الجهة الأخرى الكثير من الأشجار بلا أوراق عليها ثلوج بيضاء و الأرض مُغطاة بها كذلك، فقط توجد شجيرات خضراء متأقلمة مع الفصل و البرودة في الغابة الكبيرة.
و مِن الجهة الأخرى وَقفت مجموعة من الجنيات المُرتدية ردائها الطويل و الأغطية على رؤوسهم الظلام حالك على وجوههم يمنع ظهور ملامحهم لكني عرفت على الفور والد ريزار، اللورد فابيان يجُر معه حصانه و خلفه رجاله مع أحصنتهم و عرباتهم.
أبي! ذهب ريزار فارِد ذراعيه في الهواء ليُعانق والده الذي يضحك و يُرَبِت على ظهر ابنه بِفرح.
لقد مَرت خمسة سنوات يا ولدي. قال اللود فابيان بعد العناق لينظُر على وجه ابنه يخلع الغطاء عن رأسه أرى شعر من نفس لون شعر ريزار، بني و عيونه ذهبية فالأبن يشبه والده لكن الفرق بينهما هو أنَ الأب أكبر، وجهُه فيه تجاعيد بسيطة و لديه لحية خفيفة و أقصر قامة.
خمسة سنوات؟ لقد مَرت السنة على تركي لكَ.
كما تعلم الفرق بين عالم البشر و الجنيات كبير لهذا عندنا مرت الخمس سنوات.
أومئ ريزار بتفهم ليعود و يعانقه مرة أخرى.
أنتظروا لحظة، ريزار كان في عالمنا لمدة سنة؟ إذاً لماذا قابلته مِن شهر تقريباً؟ و اين كان طوال الوقت قبل قدومه لِلقصر؟
أهلاً بكَ لورد. مَد لوثر يده ليُصافحه يبتسم.
شكراً لكَ على الاستقبال مجدداً لوثر.
أزاح لورد فابيان عينيه عن الجميع ليحطُهم عَليّ انا و يرفع حواجبه بِتفاجئ كأنه توقع رؤية شخصاً أخر.
مَن انت؟ هو سأل.
أمممم ربما قد لا تذكُر أبي، لكنه صديقي فالكين. أجاب ريزار يشير عليّ.
تقدمتُ انا ثلاث خطوات اليهما أضع يداً خلف ظهري و بسمة كبيرة على شفتاي.
فالكين؟، مِن فال-- توقف هو عن سؤال نفسه لتتوسع عينيه و يدع جانب ابنه لكي يأتي إليّ.
انتَ فالكين، أعني الأمير الصغير لمملكة أسليرا.
لم يكُن سؤالاً لكني أومأتُ على اية حال له لينحني هو قليلاً ثم يرفع نفسه لينظُر لي في العينين ما يزال متفاجئ.
لقد مرت ليس خمسة سنوات فَحسب بل أكثر من ذلك بِكثير سموك، لقد كبرت جداً و أصبحتَ رجلاً وسيماً.
أردتُ أخباره انها مرت عشر سنوات لكني لم أفعل و ابتسمتُ أكثر له.
و ظننتُ انه سوف يَمُد يده لكي يُصافحني لكنه فاجأني عندما لف ذراعيه حولي بِعناق يضحك. رمشتُ انا بِدهشة لكني تحركت و عانقته بالمُقابل سعيد لِسعادته و لما أمانع عناقه فَهو كَالوالد لي كانَ دوماً لطيفاً معي يُحضر لي الحلوة كلما حرمتني منها تاليا لأنها مُضرة كما كانت تقول و كان يلعب معي شطرنج أو يصطاد الفراشات لكي نُطلقها بعدها معاً.
لقد أشتقتُ لكَ فابيان. قلتُ له أبتعد مثله عن العناق ليُمسك وجهي بين يديه يُحركه بكِلا الجانبين يتحقق من شكلي.
أصبحتَ حقاً رجلاً و مختلف.
سأخُذ كلامك على انه أطراء.
ضحك هو مجدداً يومئ ليبتعد خطوة الى الخلف الى جانب ريزار.
مِن الجميل رؤيتكم جميعاً لكن يجب علينا العودة الى العمل، فالبضاعة جاهزة، هيا يا شبان أدخلوها! صاح هو لرجاله ليبدأو و يتحركوا يدخلوا أحصنتهم و العربات الى جهتنا.
قد يأخُذ منهم الكثير من الوقت فَما رأيك لو نتجول في الأرجاء؟ همس لي بلايز في أذُني يبدو انه يطوق لِلمشي أو لِلطيران بِجانب الجدار لألقي نظرة سريعة على الجميع أراهم مشغولين بِعملهم.
حسناً، لنذهب و نعود بسرعة.
أخبرتُ لوثر عن خطتنا الصغيرة ليقول انه خطر علينا تركهم من دون حراس لهذا وافقت و أخذنا معنا أفضل حارسين لديّ و بذلك ذهبنا بنفس الطريق لكن قريبين من الجدار في الغابة التي بِجانبه أرى الأن بعد أن تمعنتُ بِشكل الجدار، انه توجد ثقوب صغيرة جداً و أثار قديمة عليه كما لو أنَ أحدهم كان يضربه باستمرار حتى انكسرت قطع منه و مع كل هذا انه بحالة قوية و ثابتة.
الى اية مدى يمتد؟ تساءل بلايز يطير أمامي.
لا تبتعد عني بلايز! صحتُ من ورائه ليلتفت في الهواء و يومئ.
لا أعلم لِكَم من الوقت ظللنا نمشي لكنا سمعنا فجأة صوت كسر عصى خشبية قادم من على يميني. تجمدتُ بِمطرحي و معي الحراس و بلايز لأنظُر بنفس الاتجاه و أرى تحركاً بين الأشجار و الشجيرات.
تقدموا الحارسين لجانبي يسحبون سيوفهم يضعون ذراعيهما أمامي بِحماية.
أبقى بالقُرب منا سمو الأمير. قال الذي على يميني.
سمعنا صوتً أخراً قادم من جهة مختلفة لكن قريبة على السابقة لِتلتقط عيناي التحرك ذاته و هذه المرة انتبهت انه جسم بِساقين و ذراعين، له شعر أسود و جسد أزرق.
فتحتُ فمي لكي أقول شيء ما لِلحراس و إذ بِصوت صراخ قاطعني يرن في أذُناي. أخذتني ساقاي بِمفردها نحوى الصوت، فأنه صوت أنثوي و الصراخ كانَ كالطلب لِلمُساعدة يُعاني ايضاً.
سمو الأمير أرجوك توقف! صاحوا من خلفي الحراس لكني لم أكترث و ركضت و ركضت و معي يطير بلايز الى أن توقف صوت الصراخ و أصبح أنيناً باكياً.
من هنا! أشار بلايز على مكان ما لأذهب باتجاهه أمُر من جانبه لأتوقف بِمكاني مَصعوق.
الدماء في عروقي تجمدت و لم أعُد لِلحظة أتنفس.
رأيتُ بطرف عيني ليس جسداً واحِداً فَحسب، بل أثنين من نفس اللون. أزرق و لديهم شعر أسود طويل شبه عاريين. و قابلت عيون سوداء كَسواد الليل و أغمق من ذلك كالحفر العميقة لا تعرف ما بداخلها.
لعنتُ تحت أنفاسي عندما ركضوا هاربين لأشير بأصبعي عليهم و أمُر الحارسين بِصرامة
الحقوا بهم حالاً!
لكن سمو الأمير—
الأن!
أومئوا هما و ركضا خلف مَخلوقات البيلافي الغدارة التي يكرهها الجميع و لا يحبوا الاختلاط بهم كثيراً فَهي عشيرة خطيرة و خاصةً لِلبشر.
قرفصتُ عند جسد فتاة شابة على الأرض فوق العشب و الدماء يُغطي جانب رأسها و العشب. أول ما لاحظته هو انها بشرية، فاقدة لِقوتها، صدرها يرتفع و يهبط بِسرعة.
يا اللهي لقد حاولوا قتلها. همس بلايز يقف على كتفي لأمُد انا يدي و أضعها على ذراعها.
أردتُ سؤالها إن ما كانت تستطيع سماعي لكن و من دون اية سابق انذار توقف صدرها عن التحرك و أنينها لم يَعُد له وجود.
بلعتُ ريقي بِصعوبة أحدق بها لا أعلم كيف أشعر لقد فقدتُ القدرة على الأحساس بِيداي.
لقد ماتت، فَهذه أول فكرة ظهرت في عقلي.
وضعتُ أصبعين على رقبتها لكي اتحسس نبضها لكن و مع الأسف لا نبض.
تصرفتُ بسرعة، حركتها بِحذر أناديها بأية اسم أو لقب لكن لا رد مارستُ التنفس الاصطناعي لها لكن لا حركة أو إجابة منها.
لقد، لقد ماتت. همس بلايز يطير اليها واضعاً يديه على فمه.
لأتوقف انا مُنصدم. عاجز على المساعدة و لقد ماتت.
لقد قتلوها تلكَ المخلوقات السافلة. فأنهم يعرفون على وحشيتهم اتجاه البشر و انهم حتى يأكلون لحمهم إن أشتهوه، لديهم أسنان حادة جداً كَحدة السيوف و بنفس الوقت منهم ليس كذلك، منهم اللطيف و الذي يُمكن التعايش معه يتواجدون أكثر في مملكة أسليرا و رأيتُ منهم في حفلات كثيرة قد أقامها ريس في القصر في الماضي.
و لكن السؤال الذي يطرح نفسه و الذي عجزتُ على معرفة إجابته، مَن هذه الفتاة؟ و مِن اين أتت؟ فَهي لا ترتدي ملابس من عالمنا و مُتسخة الوجه و اليدين حتى الملابس.
و ما الذي تفعله هنا وَحدها في الغابة؟
تباً، هذا أمر غير طبيعي و ورائه شيئاً يجب أن أكتشفه من أجل هذه الفتاة المسكينة التي ربما تمتلك مَن ينتظرها و يُحبها.