رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن والثلاثون

كيف دخلوا الى المملكة؟ و كيف دخلوا القصر الملكي مِن الأساس؟
ليست لدي أية فكرة لكني سأعرف، لن أتركهم يتجولون كما يشاؤون و يُهَدِدون الخدم و مَن لا يقدر على مُجاراتهم بالقوة.
أخبرتُ كانيلا أن تعود الى حفلة الزفاف و أن تتصرف بِشكلٍ طبيعي و تُبقي فمها مغلقًا عن ما رأته و سمعته من ذلك الخادم الخائن.

جادلتني طبعًا و قالت انه يجب علينا تحذير الجميع لكني أخبرتها بأنني سوف أفعل ذلك من دون أحداث فوضى أو هَب الرُعب في الحضور لهذا وافقت و غادرت الى مجموعتنا.
أخذتُ انا وقتي أتحقق مِن الحديقة أبحث عن الرجلين اللذان وصفهم لي الخادم.
كلاهما بِبشرة صفراء و ضخام البنية.
واحد بِقرون و عيون زرقاء و الأخَر بِجلد مثل الحجر و مخالب بِعيون سوداء.
سهل.

إيجاد أثنان مِن هذا النوع سهل بين أهل هذه المملكة الذين يمتلكون بشرة زرقاء متنوعة بِدرجاتها و غير ذلك لهم زعانف، مع انه يوجد حضور مِن ممالك مختلفة لكن لا أحد منهم جديد على العين.

و كما توقعت لم أجد كائن بِهذه المواصفات لهذا أكملتُ بحثي بِداخل القصر و في أماكن لم أزرها من قبل مثل: قاعة وجدتها بالصدفة على شكل حديقة مُصغرة، فيها عشب و أشجار و حتى حيوانات البحر و شلال صغير بين صخرتين و مقاعد بيضاء جميلة مُزينة بِأعشاب البحر.
غرني منظرها لِفترة الى أن لاحظت انها فارغة.

بعد بحث و سؤال الخدم و كل مَن قد يساعدني، عدتُ الى ساحة الزفاف مسرعًا كي أخبر فالين و سيون بِما انه ملك هذا القصر و من الواجب عَليّ تحذيره على الخطر الذي يتجول تحتَ أنفه.
و انا أهَروِل متجهًا نحوى الأبواب المفتوحة التي تأخذني الى الحفل، ارتطمتُ بِأحدهم قادم مِن يميني.
أومف! خرج الصوت مني لأحرك رأسي بأتجاه الذي أرتطمتُ به لأجِد ريس ينظُر لي.

لِمَ العجلة؟ سألني هو مُضَيّق عينيه، بعضًا مِن خصلات شعره هربت من مكانها المُرتب لِتحُط على جبينه.
وقفتُ انا أعدِل من سترتي التي تحركت الى الأعلى قليلاً إثر اصطِدامي به قبل أن أجيبه و أنفاسي متقطعة
هنالك ما يجب أن تعرفه، ريس.
أختصر.
و أخبرته.

أخبرته بِكل ما جرى و كل ما تفوه به ذلك الخادم الذي رأيته يعمل في الزفاف شاحب الوجه ينظُر في كل أتجاه كأنه يخاف أن يعثروا عليه الأتلانتيانز، لكنهم لم يأتوا لهذا تركته و أكملتُ بحثي لوحدي.

تركتُ تفصيل كوني مع كانيلا كي لا يسألني أكثر و انه أمر يخصني فلا شأن له به و لا أعتقد انه سيُهمه أيّ موضوع متعلق بِها أصلاً و لم أخبره عن حانة بوسايدن التي ذكرها الخادم، مكان مقابلته معهم بعدما يأخُذ المعلومات الازمة عني إليهم.
لماذا فعلتُ هذا مع انها معلومة مهمة؟
لأنني هدفهم و لدي خطة إن ساءت الأمور، و قد تضُرني لكني انا من أريد مواجهتهُم إن اضطُرِرت.

اللعنة! كان يجب عليكَ أخبارنا قبل بدأ بحثك عنهم، فالكين. قال هو يمسح جبينه ينظُر باتجاه الموسيقى، الضحكات و الأحاديث المرتفعة القادمة مِن الحفل ثم حرك مُقلتيه الفضية بِعكس الاتجاه و فوق الأدراج و ما يوجد خلفها في الردهات، كأنه يرى تاليا.

مُلءَ وجهه بِنوع مِن أنواع الخوف الذي لم أراه عليه يومًا، يجعله مخطوف اللون و في عينيه غضب قد أشتعل بالنيران الرمادية، قد تحرق كل شيء مِن حوله لكنه رمش مرتين و اختفت.
انتَ أذهب الى غرفتي انا وتاليا و أبقى هناك الى أن أتي. أمرني هو بِنبرته الملكية قبل أن يتحرك الى الحفلة لأمسك انا بِذراعه العُلية أوقفه.
لكن يجب علينا أخبار سيون.

عقد حواجبه الداكنة الى أن أرتسم خط رفيع بينهما ثم أشار بِرأسه الى داخل القصر قائلاً
أفعل كما أمرتك و انا سوف أتي و معي سيون و الباقي.
و بِذلك ذهب هو بِخطوات سريعة و كبيرة الى الحفل و انا ظللتُ أراقبه الى أن عبر البابين و أختفى بين الحضور.

زفرتُ كمية كبيرة من الهواء أمسك بِشعري مُستاء، لكني فعلتُ ما أخبرني به و ذهبتُ الى غرفته حتى أنتظره هناك على أحَر من الجمر مع تاليا التي وجدتها مستيقظة و خادمتها جيانا التي بدت قلقة حتى قبل أن أخبرهم ما الخطب.
لقد أحسوا أو بالأحرى تاليا أحست بأنَّه يوجد أمر ليس طبيعي، أمر قد جعلها تُنادي أدلار كي تتحدث معه و بالفعل طرق الباب و بِسماح تاليا لِلطارق بالدخول، دخل أدلار و معه بعض الملوك و مجموعتنا.

وقفتُ عند المدفأ التي بِالسحر فيها النار لا يتأثر بالماء، ذراعي مُتكئة على الرف و كاحل قدمي فوق الأخَر، أحدق بالنيران البرتقالية تحرق الخشب، تصدر صوت فرقعة في هدوء غرفة ريس و تاليا أو إن أصَح التعبير في جزء منها، غرفة الأجتماع.

بعدما أنهى سيون الزفاف مُخبراً الجميع أنَّ هنالك دُخلاء و خصيصًا في القصر، أخذو حراس القصر و حراس كل مملكة، حضورهم الى غُرَفِهم لِلحراسة أما العروس و العريس فقد تفهموا مِن أجل سلامة الجميع و ذهبوا الى غرفتهم التي يحرسها أكثر من عشرة حارس.

عَم هدوء ليس في هذه الغُرَف الخاصة بِريس و تاليا فَحسب و إنما بأرجاء القصر. لم يعُد توجد أصوات الضحكات و الموسيقى الجميلة و الراقية بل صمت فيه سمعتُ نبضات قلوب مَن في الغرف معي.
ملوك الممالك فالينيا، كاداري و هذه المملكة و مَن يرافقهم من مُستشارين و غيرهم الأن يقفون منتشرين في غرفة الاجتماع التي خلف أبوابها توجد غُرَف أخرى، مثل مكتبة، مكتب و الغرفة التي ينام فيها ريس و تاليا.

و انا الذي أعتقدتُ أنَّ غرفتي كبيرة و جميلة غَيّرتُ رأيّ باللحظة التي دخلتُ غُرَف ملوك أسليرا التي فيها غُرَف إضافية.
طُرِقَ الباب الرئيسي لِلغُرَف ليُغادر أدلار الذي كانَ يقف عند باب هذه الغرفة يختفي. سمعنا بعدها همسات بعيدة لأدلار مع شخص ما ثم خطوات أقدام قوية على البساط الى أن فُتِحَ الباب و ظهر لنا أدلار مجدداً بِدرعه الرمادي الملكي سيفه مُعلق على خصره.

مَن يكون أدلار؟ سأله ريس الذي يقف عند الطاولة الدائرية في وسط المكان يداً على المقعد الذي تجلس عليه تاليا و يدها على بطنها.
انه أحَد حُراس جلالته، نظَر أدلار بِعينيه الداكنة على سيون الذي يقف بِجانب ريس عند المقعد الذي تجلس عليه أوكتافيا جنب تاليا
لقد أخبرني انهم مَشطوا كامل القصر لكن لا أثر لِلأتلانتيانز أو أية رجلين بالمواصفات التي ذكرها سموه فالكين.

تنهد لايتا يضع أصبعه السبابة و الأبهم على جسر أنفه مغلق العينين يقف عند النوافذ خلف سيون و ريس و معه نيفاري يدها على كتفه العضلي.
بِكل تأكيد هربوا بعدما علموا بأننا مُدركون بِوجودهم. قال لايتا يفتح عينيه لكي ينظُر لنا.
ماذا عن ذلك الخادم؟ سأل فالين لا أحَد بالتحديد يقف مع فينار، مايكا و كانيلا المتوترة بِوجود تاليا و ريس و التي لا تجرؤ على النظَر لهما، عند رفوف كُتب زجاجية من الجهة الأخرى لِلغرفة.

منذُ أن دخلت المكان مع مايكا و باللحظة التي تقابلت عينيها بِعيون تاليا، تحول وجهها للأحمر و الأزرق ثم أنزلت مِن نظرها على الأرض و لم ترفعه ابداً.
انه مسجون في زنزانة مِن مستواه أسفل القصر و يتم التحقيق معه أكثر لكن لا فائدة. سيون مَن أجابه بِصوته العميق يعصر مقعد زوجته من الخلف الى أن تحولت مفاصله لِلبيضاء.

أدلار، بأمكانك المغادرة و أبقوا أعيُنكم مفتوحة حتى لو لم يكونوا في القصر فَلا نعلم ماذا تركوا هنا في الخفاء. ريس أمَر جنراله الأخضر ليومئ أدلار له و ينحني بِظهره لِلجميع قبل أن يغادر غرفة الاجتماع و الغُرَف كلها.
الوضع أصبح اسوأ و اسوأ الى أن وصل بنا الى هذا الحَد. تَمتَمت فينار تُشابك ذراعيها أمام صدرها و على وجهها غضب كالذي على وجوه الجميع.

كيف استطاعوا الدخول الى المملكة هو السؤال الأعظم. قالت تاليا بأحباط كالطِلاء على نبرتها.
ليس من الصعب أن يكون لهما صديق أو رفيق مِن هذه المملكة كي يساعدهم بالدخول، فَهذا أمر شائع. أجابها أليستار مستشار سيون يُحَرِك رمحه الذهبي متحجر الجسد و الوجه يقف مُقابلي عند المدفأة.
النيران تنعكِس على البلورة البنفسجية في أعلى رمحه و بِداخلها تتحرك، بِبطء فيها كأنها مياه برتقالية سحرية تتلألأ كالنجوم.

انا مُتأكدة انهم دخلوا المملكة تحت هويات مختلفة و يرتدون معاطف قد تغطي على أشكالهم الغريبة مِن أعيُن الجميع. أضافَت أوكتافيا ترجِع بِظهرها على مقعدها تنظُر لِلمُستشار ليومئ لها يوافق كلامها.
سيون، بدأ فالين مع ملك البحار الصامت
هل أرسلتَ رجالاً الى خارج المملكة، لعلَ الأتلانتيانز في طريقهم يهربون لِخارج المملكة و المحيط.
فعلتُ ذلك و أرسلتُ خبر أن لا يسمحوا لأية كائن بالمغادرة إلا بأمر مني.

لا أعتقهم انهم سيهربون الأن فَبتلكَ الطريقة سوف يجذبون الانتباه لهم أكثر و قد يتم الأمساك بهم. قلتُ لهم لأول مرة بعد سكوتي الطويل، أعيد و أكرر كلام ذلك الخادم لي عنهم مراراً و تكراراً.
لابُد و انهم أرسلوا ذلك الخادم و بِنفس الوقت رحلوا عن القصر كي لا يراهم أحد َو يشُك بِهم. قالت كانيلا و هي معقدة الحواجب يديها حول نفسها تحدق بِشيء ما على البساط الأزرق و الأبيض.

الموضوع لم يعُد مجرد خطر و إنما لعب كأنهم يحاولون جَر فالكين بِطريقة غير مباشرة لِقائدهم. قال فالين ينظُر لي.
لقد دخلوا نصف الممالك و ربما يوجد منهم في الباقي لكن بِخفاء و سِر كأنهم ينتظرون إشارة ما كي يتهجموا. أخبرتُ الجميع أبعِد عيناي عن النار لأضعهم عليهم.
هَزة ريس رأسه ثم بادر قائلاً.

لقد هاجموا الممالك القريبة من فالينيا، التي يعيش فيها فالكين و التي يكون قريب مِن ملوكها، لهذا لا أظُن انهم سوف يهجمون على غيرها و ربما قد يهددوا فحسب.
كيف تكون متأكد؟ سأله لايتا رافع حواجبه الكثيفة عينيه الشُهل فيها تعب لم ألاحظته من قبل، تعب يجعله يبدو أكبر من عمره.
أستدار ريس اليه مُجيبًا.

مهما كانَ عددهم فَلن يكونوا كِفاية لِكي يضعوا رجالهم في خطر فقط من أجل أخذ فالكين الى قائدهم فَهُم ليسوا حمقى كي يلقوا بِطعم كل مرة.
لكنهم أقوياء و لهم شجاعة قد أدخلتهم الى نفس السقف الذي يكونوا أسفله ستة ملوك و مجموعاتهم.
لايتا معه حق.

الأتلانتيانز أقوة من ما ظننا و لا يخافون شيئًا، لهم هدف واحد و هو الأنتقام و هذا ما يركزون عليه، يُلقون بالخوف و التردد بعيداً الى أن استطاعوا النهوض بعد قرون طويلة، حتى انهم تحولوا لِتهديد على هذا العالم يجعلنا نجتمع جميعنا في غرفة لكي نحاول إيقافهم.
لن يكون سهلاً، إيقافهم لن يكون هَيّن على الأطلاق.

لن نستطيع منعهم مِن اكمال تهديدهم إلا إذا عرفناهم جيداً من الداخل و الخارج. قلتُ لِلجميع أقف مستقيمًا أضع يداي في جيوب بنطالي بِضجر.
و كيف لنا فعل هذا إن كانوا يختبئون في جحر الله وحده يعرف أين يكون و الأتلانيانز نفسهم حذرين و دقيقين بِكل خطوة يتخذونها ضدنا. سألتني نيفاري شقيقة لايتا مُشابكة الذراعين أسفل صدرها البارز، فستانها أحمر و أسود ضَيّق على جسدها تبدو و كأنها شعلة نار متحركة.

واحد من أجمل الفساتين التي رأيتها في حياتي و التي ترتديه لديها نيران مماثلة له في عينيها الحادة.
و كُلما حاولنا مسك واحد منهم إما يَقتُل نفسه أو يختفي و لا يترك خلفه أثر. أكملت عنها فينار مُتنهدة.
أين يختبئون، هذا أول ما يجب علينا معرفته. أخبرنا ريس يضع يده على كتف تاليا لتضع هي يدها اليُمنى فوق خاصته تفرُكها بِرقة.
إذاً علينا الأمساك بِواحد منهم، مُستعد لأعطائنا المعلومات. تَمتَم فالين.

مَن و كيف؟ تساءلت كانيلا، بِطرف عينها و مِن أسفل رموشها الطويلة و الكثيفة، نظرت لي.
تقابلت عيناي بِخاصتها، أرى سؤالاً آخَراً يتعلق بيننا في الهواء بِصمت، لا تجرؤ على اللفظ به لأنني رمقتها كي تُبقي فمها مغلقًا.
لماذا؟
حسنًا لأنَّ و في هذه اللحظة التي عَم فيها الهدوء بيننا، ظهرت خطة في رأسي قد تكون سيئة و غبية، لكني متأكد انها ذات مفعول قد يساعدنا للإجابة على هذا السؤال.

توَسعت عيون كانيلا كأنها قرأت أفكاري ثم فتحت فمها لكي تعارض لكني هززتُ بِرأسي لها أنظُر على النوافذ و المحيط الذي خلفها. ضوء القمر قوي اليوم، يُنير جزء من الغرفة و كامل المملكة.
سوف نبحث عن هذان الأثنان اللذان يتجولان في المملكة و عن طريقهما سوف نكتشف. كَسر سيون الهدوء بِصوته العميق لتومئ زوجته توافقه الرأيّ.

و غير ذلك، لكي نُسَهِل علينا العمل، يجدر بنا جميعنا أرسال و لو مجموعة قليلة من رجالنا الى كل مملكة لكي يسألوا، يتحروا بِسر فقد يساعدنا هذا كثيراً حتى نعلم أين هم. أضاف سيون عندما لم يتفوه أحدنا بِكلمة، جميعنا نفكِر و نحدق بِلا شيء.

سأعمل على ذلك جلالتك. أليستار أخبر ملكه ليومئ له سيون قبل أن يغادر الغرفة و انا حدقتُ بالمكان الذي كانَ يقف فيه مستشاره أضيع في خطتي و أحاول توقع ما سيحدث لاحقًا إن نجحت أو فشلت.
لا!
لن أفشل، فأول طريق نحوى الفشل هو عندما يفكر فيه الشخص قبل خوض التجربة أو أية شيء يُخَطط له.

تنهد ريس يجذُب انتباه الجميع اليه ثم تحرك مِن مطرحه الى صندوق صغير لم انتبه لِوجوده فوق رف المدفأة، قريب من صدري بِما أنَّ مستوى الرف له.

انه بني اللون يبدو قديمًا و عتيق لكنه قوي البنية مُستطيل الشكل من الخشب الداكن و عليه منحوت علامة أسليرا (قمر أبيض و حوله غيوم) ليأخذه ملك أسليرا بارد الوجه و يفتحه لكي يخرج منه لفافة على شكل أنبوب، ورقية في زجاجة من نفس الشكل تحميها مِن الغبار مع انها تبدو أقدم من الصندوق نفسه.

لونها أصفر لكون عمرها قديم و تبدو و كأنها على وشك التجزؤ الى قطع أو تتحول الى رماد بِنفخة هواء. أغلق ريس الصندوق ثم أخرج اللفافة مِن حاويتها ثم فردها بيديه بعدها وضعها على وسط الطاولة الدائرية ليتقدم الجميع كي يروا ما هي.
تقدمتُ انا أقِف بين كانيلا على يساري و أوكاتفيا على يميني، أرى انها ليست مجرد لفافة ورقية و إنما خريطة.

خريطة قديمة كاملة بِتفاصيل عن هذا العالم، فيها جميع الممالك السبعة و أراضي فارغة لم أرى مثلها مِن قبل في أية خريطة و هنالك جبال كذلك لم أتعرف عليها بعد في دراساتي الجغرافية لِهذا العالم.
سيول، غابات و بحار ليس لها وجود بأيّ خريطة قد درستها عندما كنتُ صغيراً.

(ملاحظة الكاتبة: انا التي رسمت الخريطة و صممتها كلها، تبدو سخيفة لكن هذا أقرب ما أتخيل شكلها)
مِن أين لكَ بِهذا ريس؟ سأله فالين منصدم كأنه يرى شيء عجيب أمام عينيه.
ارتفعت زاوية من شفتين ريس للأعلى بِبسمة نادرة ثم أجابه صادقًا.

انها خريطة لِوالدي قد أحتفظَ بها في مخزنه الخاص بين براميل النبيذ المُفضَّل لديه بِما أنَّ لا أحد غير خدمي الخاصين يدخلون المخزن و انا عثرتُ عليها بالصدفة قبل سنين، فَهي كنز عائلي قديم لِلغاية، كانت لأجدادي من ألاف السنين.
بالفعل تبدو قديمة، لها بقع سوداء على أطرافها كأنها كانت قريبة من النار لكن أحدهم أنقذها و على ما أعتقد انه والد ريس أوجده.

لهذا تفاجئ الجميع لِرؤيتها لأنَّ هنالك أماكِن عليها غير موجودة في أية خريطة يستعملها كل كائن في هذه الممالك.
كنز بِحق.
هل هذا وادي؟ سألت كانيلا تُشير بأصبع جميل على منطقة بين جبلين لم أكُن أعلم عن وجودهم.
انه بالفعل، وادي إيلوي، المُسَمى على اسم آلِهة الماء و الزلازل و هي السبب بِتشكيله بعدما ضربت بِزلزال على الأرض عندما كانت غاضبة في حرب أقدم من هذا العالم كله.

وضع أصبع نحيل على الجبال التي تبدو و كأنها مُغطاة بِطبقة من الثلج مكملاً شرحه
ويُعرَف ايضًا على انه الكابوس، لأنه يمتِد ما بين باقي هذه الجبال فالصيادين في الماضي كانوا يذهبون اليه و لا يرجعون إلا مُصابين أو لا يرجعون على الأطلاق.

لماذا؟ سألته أوكتافيا بِفضول ليُحرك طرف أصبعه من الجبال الى المنطقة الزرقاء المُتصلة بِبحر ما أو بحيرة فأنها صغيرة مقارنةً بالبحر الخاص بِهذه المملكة و التي تبدو في هذه الخريطة أكبر.

الوادي كان فيه نهر تقول الأسطورة أسود اللون، لأنَّ الشمس لا تصل اليه ابداً و فيه كائنات قاتلة شرسة لا تعرف ما هو النهار فكانوا الصيادين عندما يذهبون لِلصيد و الاكتشاف في الوادي، كانوا إما يقعوا ضحية لِلمخلوقات أو في النهر ليجرهم الى هنا،
نَقَرَ بِأصبعه مرتين على المنطقة الزرقاء على يَمين و أسفل الخريطة.
ما نوع المخلوقات بالضبط؟ تساءل نيفاري مُعقدة الحواجب.

حرك ريس عينيه الفضية اليها قليلاً ثم أجاب يُعيد نظره لِلخريطة أمامنا
مخلوقات يُقال انها من الظلام نفسه، لها أنياب مُدببة و حادة كالسيف و عِدة عيون على رأسها بِلا لسان أو ملامح لِحيوانات و أجسادها لزجة و لها أرجل طويلة و كثيرة بِطول شجرة و أكبر.

أقشعر جسدي على نبرته الهامِسة كما لو انه رأها بِنفسه و ليس مجرد أسطورة و أخمن أنَّ الجميع يشعرون مثلي لكونهم تحركوا بِتوتر في أماكنهم حول الطاولة لا أحد منهم جالس عدا أوكتافيا و تاليا.
هنالك المزيد، لكني لا أوَد أن أجعل نومكم مستحيل الليلة. قال ريس لنا.
ماذا عن هذه البحيرة؟ أشارت أوكتافيا تسأل ما في عقلي.

لم يُجبها ريس على الفور بل ظللنا ننتظره في ضوضاء فرقعة النار في المدفأة و أصوات بعيدة قادمة من مخلوقات المحيط.
انها بحيرة المرآة، انها تُشبه البحيرة السوداء في الغابة القريبة من مملكتي لكن تقول الأسطورة انها أكثر عمقًا و شراً و انها ساحرة. أخبرنا ريس و أخيراً يديه في جيوب بنطاله.

ما الذي تعينه بِساحرة؟ هذه المرة تاليا التي سألته تنظُر له باستغراب لكني لاحظت وجهها المنكمشة و الخائف تعود بالماضي الى ذكرة زيارتها لِلبُحيرة السوداء مع تيلار قبل تسعة عشر سنة، قبل تعرفها على ريس.
لقد أخبرتني مرةً عن مغامرتها و كيف انها كادت أن تقع ضحية لِتلك البحيرة و تجعلها متوحشة و كيف انها سمعت صوتً يُناديها منها. كنتُ في الخامسة عشر عندما أخبرتني عنها و أذكُر انني لم أنام لأسبوع بِسببها.

ما أعنيه، انها تمتلك مخلوقات مائية بِداخلها، حوريات، نظَر ريس لِأوكتافيا و هي فتحت فمها على ما يبدو كيف تسأله شيء ما لكنه تابع مبرراً
حوريات بِبشرة بيضاء كالثلج و شعر أسود كالليل، لهم جسد و شكل كالبشر، و جميلات تُسحِر مَن يراها و قد قرأتُ أنها تُغري الضحية بِجمال صوتها و غنائها الى البحيرة لكي تلهوا معها الى أن تأكلها بِبطء ثم تحتفظ بِالعظام كذِكرة.

توسعت عيون تاليا يدها التي تمسح على بطنها الكبير تتوقف متجمدة بينما أوكتافيا تحول لونها الى الأصفر ليَضع سيون يداً كبيرة على كتفها العاري يعصِره بِلطف.
أخرج فالين صوتً من حلقه بدى كالضحكة الساخِرة قائلاً
أوَد رؤية هذا.

شقلبت فينار مُقلتيها عليه و انا أردتُ فعل ذلك لكني لاحظتُ تعابير وجه كانيلا بِجانبي، تحدق بالخريطة بِتركيز، عينيها التي تبدو داكنة أكثر مِن أية مرة، كأنها مخلوقة مِن الليل نفسه تتحرك في كل مكان على الخريطة ترى شيئًا لا أحد يراه.
لكنها حطت على زاوية مِن زواية الخريطة، زاوية في أعلاها على اليسار مكان تواجُد رسمة تفصيلية لِورود كبيرة و بينها ساعة.

هل انا الوحيد الذي لاحظ هذا، قال لايتا أذكُر انه معنا لكونه بقية ساكِتًا طوال بداية حديثنا عن الخريطة يتقدم خطوة نحوى الطاولة ينقُر بأصبع كبير على مملكة شادونايت في أسفل الخريطة
شادونايت قبل ألاف السنين، كانت أكبر من الأن؟
أومئ ريس ثم شرح بِوجه خاليٍ من التعابير كما هو حاله دومًا.

مملكة الظلام كانت عظيمة في حينها، لها أراضي أكثر من أية مملكة و فيها كل شيء مِن طبيعة حتى الأسطورة تقول أنَّ وادي إيلوي كان له جزء فيها، بين تلالها.
و مملكتي كانت صغيرة. أضاف سيون يَميل رأسه على جنب أول مرة أراه يُظهِر تعبيراً مثله، فضول يملئ وجهه الوسيم و شعره الأزرق الامِع يطفوا من حوله بِبطء كأنَّ هنالك نسمة خفيفة تحركه مع انه الماء.

نعم، لكن بعد موت بوسايدن إلَه البحار، حدثت كارثة على الأرض أدَت الى أتساع البحر أكثر. أخبره ريس يُحرك طرف أصبعه من أسفل الخريطة مكان تواجُد بحيرة المرآة الى أعلى مملكة البحار.
إذا كانت مملكة البحار قد كبرت، فَهَل ظل الوادي و البحيرة الى يومنا هذا؟ سألته أوكتافيا و لِرُعبنا أومئ ريس رأسه مرة واحدة بِبطء لِلغاية جعل قلبي يخفق نبضة.

كل شيء ما يزال كما هو لكن خرائطنا لا تُظهِر ذلك ابداً و إن حاولتم البحث في كل خريطة في هذا العالم، لن تعثروا على تفاصيل هذه التي أمامنا لأنها الوحيدة. ريس قال بِنبرة كالحجر، ثابتة و واثقة ليحدق الجميع بِه مندهشين حتى مايكا ذو الوجه الثلجي.
لماذا؟ وجدتُ لساني يلفظ بالسؤال البسيط مِن دون تفكير.

لأنَّ الذينَ أحرقوا الخرائط التي مثلها لا يريدون أحداً معرفة الوادي و المملكة التي كانت بين جبال العسل و كل الأسرار التي كانت تحيطها.
لم يلفظ أسم المملكة لأنَّ الجميع عرف عنها.
مملكة سوليس، و مملكة الأتلانتيانز التي تدمرت بِسبب الحرب بين الملكين البشري و الجني و تلاشَت الى أن أصبحت رماداً ليُصبح هدف شعبها الذي عاش منها، الانتقام من الممالك كلها.

لماذا أريتنا هذه الخريطة، ريس؟ و لماذا أحضرتها الى هنا؟ سأله فالين مُشابك ذراعيه العَضلية مُضَيّق عيونه الملونة بِتساؤل.
رفع ريس رأسه عن الخريطة ثم رد عليه و ظلام يمُر على وجهه الشاحب
انا أبقيها في مكانٍ أمن معي و نادراً ما أستعملها، لكن على ما يبدو أنَّ القدر جعلني أجلبها اليوم مِن أجل هذا الغرض المفاجئ.
ليس جوابًا كاملاً لهذا فتحتُ انا فمي و سألته نفس السؤال
لماذا أريتنا إياها؟

هنا أشاح بِمُقلتيه الحادة عليّ ثم حدق بي بِصمت جعلني غير مرتاح و متوتر الى أن لمست تاليا ذراع زوجها حتى تُعيده من عالمه الذي ضاع فيه كي يُجيبني.
رمش ريس ثلاثة مرات ثم أخبرني يرجع بصره على الخريطة
لأنني أشُك، بأنَّ الأتلانتيانز يختبئون في هذه المنطقة، وضع أصبعه السبابة فوق جبال العسل المغطاة بالثلج و مكان وادي إيلوي بينها.

توَسعت عيناي بعض الشيء على ذلك لأتبادل النظرات مع فالين قبل أن يقول لايتا ملك مملكة النور بِتعجُب يكسوا وجهه الجميل و القاسي
في أراضي مملكتهم؟ لكنها بعيدة فَكيف لهم أنَّ يكونوا في جميع الممالك بِتلكَ السهولة؟
هذا لأنَ قسم منهم هنا و الأغلبية مع قائدهم في أراضي سوليس القديمة. ريس أجابه.

لكنهم، لكن عندما تهجموا عَليّ انا و مايكا و كاغوا عندما كُنا في غابات فالينيا، أرادوا أخذنا الى قائدهم على الأقل انا و غير ذلك رأيتُ انهم يمتلكون عربات فقط. أخبرتُ ريس بِحيرة لتُهَمهِم أوكتافيا تنقُر بِظفر مرتب على ذقنها بِتفكير.
لكن تاليا التي قالت
مِنَ الممكن أنَّ لديهم وسيلة ما تأخذهم بِشكل أسرع الى الجبال.
عربات طائرة مثلاً؟ سألت نيفاري رافعة حاجب واحد.

لم أسمع بِعربات طائرة في حياتي كلها، هذا مستحيل. تَمتَم لايتا.
هنالك احتمال واحد، أقترح ريس تركيزه على مدفأة الحريق التي خلفي، نيرانها تنعكس على وجهه الشاحِب تجعله برتقالي كَقُبلة الشمس و عينيه الفضية بدت حمراء مندمجة معها.
شعره الأسود المائل للأزرق الكحلي يتحرك بِنفس طريقة شعر سيون الطويل لكن خصلات ريس هي التي تهتز بِبطء على جبينه و جانب رأسه.
ما هو؟ سألته تاليا تنظُر لِجانب وجهه.
التنقُل السحري.

رمش الجميع عليه بِصدمة كأنه لفظ كلمة بِلغة لا يعرفها أحد.
هذا غير ممكن، فأنها قوة قد اختفت و لم يعُد لها وجود بعد الحرب بين الملكين، فقد قتل الملك البشري كل مَن كان يحملها. قالت فينار فمها يُفتَح و يُغلق عدة مرات كالتي فقدت القدرة على التفوه بالمزيد من الكلام من شدة الصدمة.
صحيح، وافقها ريس يتوقف لِلحظة كي يبلع ريقه، تفاحة أدم الخاصة به تنبُع قبل أن يتابع.

لكن، لكون الأتلانتيانز جنس مختلط بين جنسين سحريين بعضهم أمتلكها حتى ملكتهم و ملكهم كذلك و أولادهم الذينَ قُتلوا على أيادي الملكين.
انتَ تقول الأن، انهم يحملون هذه القوة و يستعملونها لِلتنقل بين الممالك و الجبال؟ سأله فالين ليومئ ريس له.
رجاءً تذكروا انني قلتُ بأنه مجرد شَك لا أكثر لكن إن وضعنا كل الاحتمالات التي لدينا، فَشَكي منطقيًا أكثر من غيره.

هذا، هذا، هَززتُ رأسي لا أقدر على أخراج ما في عقلي و ما يُغطي لساني كأنه رماد عالق مهما حاولتُ بلعه أو مسحه لا يجدي أحدهما نفعًا.
هذا الكلام العقل لا يستوعبه ابداً.
لطالما قلت أنَّ ريس لديه تبرير لكل شيء يحدث و انه يحمل معلومات غيرنا مستحيل أن يفكر بها أو تخطُر على البال مهما حاول و أتضح أنَّ لديه هذا السِر الكبير و الذي شاركه اليوم معنا.
أردتُ قلب الطاولة و كسرها لِقطع.

أردتُ أخذ الخريطة و حرقها الى أن تختفي، أريد الصراخ على الجميع و العالم كي يعرفوا الخطر الذي نحاول أخفائه عنهم لكي نحميهم لأنَ هذا الحمل أثقل على القلب و العقل.
لا أعلم الى متى بأمكاني حمله قبل أن يحطمني.

أحسستُ بِجسد صغير و دافئ يقترب مني قليلاً. ذراع عارية تلمس ذراعي بِخِفة لأحرك رأسي على يساري أجِد كانيلا. عينيها على الخريطة إلا انها معي انا، لاحظت غضبي الذي لا صوت له و كم أنَّ عقلي مشوش لا هرب منه.
هي.
الوحيدة التي شعرت بي و التي تحاول من دون أن ينتبه أحد، مساعدتي و لو عن طريق تخفيف ما يقلقني و يشعلني غضبًا.

لمستُ انا يدها من أسفل الطاولة، أصابعي تتحرك على خاصتها بِلمسات كالريشة و هي ردت عَليّ تمسك بأصبعي الخنصر. أحسستُ بِقلبي يهدء، يرتخي مع عضلاتي المشدودة و بِسَكينة قد أشتاحت داخلي كأنها تنهيدة تلقي بِالأعصار الذي فيني إلى النوم.
هذا كل ما لديّ. أخبرنا ريس يرجع الى الوراء لكي يقف عند النوافذ رأسه مرفوع قليلاً يُشاهد القمر في الأعلى، ينير و ملامح المُرتخية و الساكنة.

حسنًا، بعد أن وضعنا الشَك و الأحتمال الوحيد المنطقي على الطاولة أمامنا، ما العمل الأن؟ سألت أوكتافيا تنظُر لِزوجها الذي يقف خلف مقعدها.
هَزة رأسه من دون إجابة، كل شيء يحتاج الأن الكثير مِن التفكير و التخطيط و الوقت لهذا لم يجبها أحدهم على الفور ليَعُم صمت في الأرجاء يبقى صوت الساعة القديم عند الجدار خلف فالين و شقيقته و النيران التي تموت بِبطء في المدفأة.

أول ما علينا فعله، هو حماية الممالك و أساورها حتى غاباتها التي تُحيطها، أقترح فالين و هو يزفر الهواء من فمه و يجلس على كرسي كما لو أنَّ ساقيه لم تعُد تقدر حمله.
و بعدها؟ سأله لايتا يجلس على كرسي هو ايضًا.
بعدها، نستجوِب الأتلانيانز الذين سنمسكهم--
إذا أمسكناهم. صَحَحَت فينار كلام شقيقها ليرمقها بِنظرة تقول العكس و بِثقة عمياء.

ثم نرسل جنود الى الجبال و ننتظِر خبراً منهم عن أراضي سوليس أو إن ما كانَ يوجد أية شيء يضع شكنا على الطريق الصحيح و المؤكد لكي نتحرك ضدهم بسرعة.
قد يأخُذ منهم شهراً الى أن يصلوا و شهر آخَر كي يرسلوا خبراً و في أثناء الوقت قد يتحركوا الأتلانتيانز الذينَ يخبئون هنا و يعرقلوا خططنا كلها. قالت نيفاري بِأنزعاج تجلس بِجانب شقيقها الذي يبدو و كأنه سينفجر بأية ثانية.

مِن الأفضل فعل ذلك على الجلوس و الانتظار. تَمتَمت تاليا تضع عينيها الخضراء المائلة لِلبني على صديقتها القديمة التي تحاول قدر الأمكان عدم النظَر لها أو لِريس منذُ بداية دخولها الغرفة مع مايكا و مجموعتنا.
أومئوا الأغلبية يوافقوا كلام ملكة أسليرا.

لكن ريس ما يزال يقف عند النوافذ يحدق بالقمر يغرق نفسه بِأفكاره السرية التي لا يشاركها مع أحد، حتى تاليا، ظل صامتًا. مهما كانت ثقته بها و بمَن يحبهم كبيرة إلا انه يُفَضّل بعض الأحيان البقاء في ظلامه لوحده و عدم سحبهم اليه معه.
انه غامض، كَهذه الخريطة التي أمامنا مَفرودة تساعد و لا تساعد بِنفس الوقت.
لقد أوضحت لنا الكثير لكنها أوقعتنا في حفرة عميقة من كل ما حاولنا الهرب منه أو عدم ذكره.

تنهدتُ أبتعد مِن دفئ و لمسات كانيلا أعود الى موقعي عند المدفأة أتكئ بِكوعي على رفها أرى أنَّ النيران أصبحت أخَف تغمز بين حين و آخَر بِنيرانها التي في الخشب المتحول لِلأسود و القريب من الانهيار الى رماد.
ريس، ما رأيك؟ نادى فالين صديقه المُقرب الذي يعيش اللحظة في فقاعته ليُحرك الملك الغامض رأسه نحوه.

ما أقترحته جيد، فالين. أفعلوا تمامًا ما قاله على الأقل سيُبقينا في أمان الى أن يصلنا خبر مِن الذين سنرسلهم الى الجبال و ربما قد يحالفنا الحظ و نعرف مكان جُحر الأتلانتيانز الذينَ يعيشون هنا ايضًا.
مَن الذي سوف يُرسل جنوده الى الجبال؟ سألت نيفاري بِفضول لينظُر كل ملك للآخَر.
ابتسمت تاليا مع نفسها تحني رأسها تعلم أنَّ حرب بينهم قادمة عن مَن سوف يتجرأ بِأرسال جنود أقوياء الى خطر الجبال في رحلة طويلة.

شاركتها أوكتافيا الابتسامة السرية تعلم ما تُفكر به ملكة أسليرا حتى نيفاري رأت ذلك و أصبحت مثلهم تنكُز شقيقها قاسي الملامح الذي يجلس بِجانبها ينظُر من ملك لِلثاني بِتحدي.
انتم تمزحون صحيح؟ سألهم فالين عندما نظَر الجميع عليه لكونه كان يحدق بالخريطة يُحاول تفادي نظراتهم.
وجدتُ نفسي على حافة الضحك لكني عضتُ على شفتي السُفلية أكبت نفسي ليَفرُد فالين ذراعيه في الهواء و يقول مُضَيذق العينين.

ايها السافلين، مملكتي أصغر من خاصتكم و جنودي أقل.
لكنهم أقوياء و واجهوا خطر الحروب من قبل. قال لايتا باستفزاز ليرسل فالين نظرات حارقة لِملك كاداري.
جنودك لديهم قوة أكبر و أقوى.
هَزة لايتا كتفيه ليُرد عليه بِحزن قد أرتسم على ملامحه فجأة
لكن انتَ تعلم المشكلة التي واجهتها في مملكتي و أرسالي لِجنود الأن الى خطر أكبر سيُغضب شعبي و يُشَتِت الأمور أكثر من ما هي عليه.
صمت فالين يتفهم كلامه لأنه محق.

مملكة كاداري لها مشاكل لم تُحَل كليًا و شعبها ما يزالوا في غضب و لو نائم للأن لكن بأية لحظة قد ينفجروا مجدداً على ملكهم، ثقتهم به لم تعُد كالسابق مع انه ملك محبوب لكن المتمردين كسروها.
و إعادتها سيأخُذ وقتًا الى أن نحل موضوع كاداري و مملكة شادونايت قريبًا جداً.
شادونايت، لقد نسيتُ أمرها بِفضل المشاكل التي تحيطني هذه الأيام.

سوف نزورها بعد أيام قليلة من أجل وضع الوريث الوحيد على عرشها و هذه مشكلة أخرى يجب علينا حلها بأسرع وقت كي نستمر في عملنا و لكي نتأكد من أنَّ شادونايت ليس لها دخل مع الأتلانتيانز.
انا و فالين سوف نُرسِل جنوداً مِن عندنا. قال ريس و هو يعود الى الطاولة يقف خلف مقعد زوجته التي أعطته بسمة دافئة جعلت من ريس لا إراديًا يبتسم بالمُقابل.

أومئ فالين موافقًا ليُضيف ملك البحار يمسك يَد زوجته الضئيلة مقارنةً بِخاصته على كتفها المليء بالوشوم، و هي قبلتَها بِخفة
و انا سوف أرسل جنودي معهم من أجل الاحتياط و المزيد من الحماية و الحذر.
أومئوا باقي الملوك بِتفهم و شُكر صامت بينهم.

ممتاز! لنبدأ بِهذه العملية بعد عودتنا الى ممالكنا كي لا نضيع المزيد من الوقت. قال فالين يُصَفِق بيديه ليأخذ ريس الخريطة و يبدأ بِلفها و وضعها في حاويتها الزجاجية و الصندوق.
تقدُم، انه تقدُم و لو بسيط لكن الليلة سوف أحَدد مصير خططنا التي قد تنجح.
الليلة، سأغادر القصر و أعرف بِنفسي ما وراء كل هذا و مَن هو قائد و سيد الخطر نفسه.
إن حالفني الحظ.

بدأتُ بِدُعاء الله لكي يُساعدني و يسهل عليّ الطريق و يُريني ما هو الصواب كي لا أوقع نفسي في مشاكل أكثر، لأن لا ينقُصني مشاكل حتى أزيد منها على القائمة.
شعرتُ بأحدهم يحدق بي مطولاً لأحرك رأسي على يَميني أجِد كانيلا، تنظُر لي و هنالك الف سؤال يصرُخ بِوجهها مِن دون فتحها لِفمها لأني أعلم ما هي كلها إلا انني لم أبادر بِحرف أعيدتُ بصري على المدفأة ذات النيران الميتة.

أخذتُ انا طريقي في الردهات عائداً الى غرفتي. بعد الاجتماع الطويل و المُرهق عاد الجميع الى غُرفهم و معهم حراسهم. حارسي الشخصي توك معي، يمشي أمامي عينيه في كل مكان و يده على مقدمة سيفه المعلق على خصره.

بلايز نائم في جيب سترتي فَهو ظل نائمًا منذُ أن أحضرتُه كانيلا معها من الحفلة إليّ و بطريقةٍ ما نام بيديها الى الأن و لم يستيقظ بينما إكسانا عرفتُ انها عادت الى غرفة كانيلا منذُ إيقاف الحفلة بأمِر من سيدتها، لهذا لم تتواجد معنا في الاجتماع.

و ريزار صديقي كذلك بقية في غرفته عندما أرسلتُ توك اليه كي يخبره بالمشكلة بِشكل مبسط مع انني مُدركًا انه باللحظة التي سيراني فيها مجدداً، سوف يبدأ بِالأمطار عَليّ بأسئلة لا نهاية لها عن ما يحدث و انا بِكل تأكيد سأحاول أخباره بِكل ما خضته من حديث في الاجتماع.
لكن لكل هذا، انتظار فَلدي عمل مهم آخَر يجب عليّ الاستعداد له قريبًا.
سموك! فجأة سمعتُ صوت أنثوي يُناديني من خلفي، أعرف جيداً من صاحبته.

لأتوقف عن المشي بينما توك التَفَت الى الوراء بِتحذير يظنه خطر وجهه منكمش الى أن لاحظ انها السفيرة لا أكثر.
كانيلا؟ هل مِن خطب؟ سألتها بِقلق و هي تمشي بِخطوات سريعة نحوي، فستانها الخاطِف للأنفاس يتحرك خلفها بِرقة الى أن توقفت مواجهةً لي تأخُذ أنفاسًا كي تُنظِم فيها نبضات قلبها المُتسارعة التي أسمعها بِفضل سمعي القوي الخاص بالجنيات.
بلعت ريقها تفتح و تغلق فمها عدة مرات بِتردد تنظُر مني ثم لِتوك.

سموك يجب علينا الأكمال الى غرفتك فَبقائك هنا خَطر. أخبرني توك بِنبرة صارمة لأتنهد أنظُر له.
أعطني لحظة.
لكن سموك--
توك! قلت أعطتني لحظة.
عقد حواجبه الفاتِحة، بصره يحوم مني ثم على السفيرة قبل أن يومئ بِتفهم و يأخُذ طريقه الى النوافذ الكبيرة في أخِر الردهة لكي يحرسها يتركني مع كانيلا.

ما لأمر؟ سألتها مجدداً أرى أنَّ إكسانا تطير بِجانب رأس سيدتها و يديها أسفل ذقنها تبدو قلقة لِلغاية تبحث عن أحدٍ ما، لأشير بأصبع على جيب سترتي أخبرها بِصمت انه بِخير و نائم.
أخرجَت زفيراً مرتاحًا لكن تعابير وجهها ما تزالت منكمشة و قلقة كأنَّ هنالك شيء ثاني يجعلها بِهذه الحالة.
انتَ تعلم جيداً ما الأمر. قالت كانيلا بِقسوة تجذُب انتباهي بِسرعة تضعني في دهشة من نبرتها.

وضعتُ يداي في جيوب بنطالي ثم أخبرتها أتظاهر الجهل مع أنني الأن أعلم عن ماذا تتحدث
لا كانيلا، انا لا أعلم ما الأمر.
ضَيّقت عينيها عليّ ثم قالت
لماذا لم تخبرهم عن حانة بوسايدن في المدينة التي سوف يتقابلون الأتلانتيانز مع الخادم فيها؟
تبًا! يبدو انها لن تترك الموضوع ابداً لكونها لم تنساه أصلاً و ظلت تنظُر لي طوال الأجتماع حتى انتهائه لأني لم أذكُر الأمر لِأحد.
لقد نسيت. أجبتها بِكذب أهُز كتفاي.

شابكت ذراعيها النحيلة عند صدرها الممتلئ لا تصدقني
آوه حقًا؟
نعم حقًا.
فالكين، كفاكَ تظاهُراً لأنني أعلم جيداً انكَ تفاديتَ أخبارهم لأنكَ سوف تذهب لوحدك و تقابل الأتلانتيانز في الحانة.
توسعت عيناي قليلاً على كلامها الدقيق إلا انني هَززتُ كتفاي مجدداً أُنفي ذلك.
لن يحدث لهذا لا تتعبِ نفسك بالتفكير كثيراً و عُمتِ مساءً.

أستدرتُ لكي أكمل طريقي الى توك لكنها أمسكت بِذراعي العُلية توقفني في مطرحي تجعلني ألتَفت اليها مرة أخرى.
خذني معك.
تجمدتُ في مكاني أحدق بِها و دمائي جَف في عروقي.
لا لن أخذك ابداً.
إذاً سوف أذهب حالاً الى تاليا و ريس و أخبرهم تمامًا بِخطتك.

وقع قلبي في معدتي و ربما على الأرض فأنا لستُ متأكد لكنه لم يعُد ينبض لأتقدم خطوة كبيرة نحوها أغلق المسافة بيننا، يصبح وجهي قريب من وجهها كفاية لِتلمس أنفاسها بِرائحة الفراولة، شفتاي.
لن تجرؤي على فعل ذلك.
شابكت ذراعيها تتكئ على ساق أكثر من الأخرى و رأسها مرفوع بِشماخة لترد
جربني، سمو الأمير.
أبعدتُ رأسي عنها ثم قلت و يدي على خصر
لا يمكنني وضعك في خطرهم.
رفعت هي حاجبًا واحد.

و انتَ ستذهب الى الخطر بِنفسه مع انكَ أمير؟
على الأقل انا لدي قوة أستطيع حماية نفسي منهم.
لكني أعرف كيف أقاتل، لديّ مهارات قادرة على أبقائي على قيد الحياة.
حان دوري لأرفع حواجبي بِأستغراب و هي قرأت ما في رأسي من شَك لتخبرني مجيبة
لقد تعلمت فنون القتال يدويًا و بالأسلحة و خاصةً السيوف لهذا لا تقلق.
دعيني أخمن، مايكا من علمكِ؟

لم تُجبني بل ظلت تحدق بي لأخذ الجواب لوحدي منها و شعور الغيرة و الغضب من ذلك الرجل نما فيني لأنظُر على كل مكان عدا عينيها الجذابة.
لا يهُم إن كنتِ تعرفي القتال أم لا فأنا لن أخذك معي لانَّ لا شأن لكِ بالأمر. أخبرتها التَفِت حتى أذهب فَالوقوف معها لوحده كافي بِتدميري بِبطء أذكُر لمساتها لي في غرفة الاجتماع و كيف انها كادت أنَ تجعلني أذوب في مكاني بين الجميع.
هذه المرأة و تأثيرها اللعين.

فالكين! هَمست هي من بين أسنانها توقفني بأمساكها بِذراعي مرة أخرى.
انتَ تعلم انهم لن يسمحوا لكَ بالذهاب لو عرفوا بِخطتك و لن يسامحوك ابداً إن ذهبتَ لوحدك لهذا خذني معك على الأقل و انا أعدك بأنني سأبقى بعيدة عن المشاكل و لن أعرقلك.
هُم لن يسامحوني إن وضعتكِ في خطر، كانيلا.

بيدها الأخرى أمسكت بِيدي ترسل شرارات لِكامل ذراعي و جسدي و في عينيها المسحوبة رجاء لكي أنصت لها، أنفاسي اختطفت بِسببها و لم أعُد أعلم كيف أفكر أو أتصرف بِلحظتها.
أرجوك فالكين، خذني معك.
حاولتُ بلع ريقي لكنه جاف لِلغاية كأنني لم أشرب مياه منذُ أيام و أشهر، إكسانا من الجهة الأخرى أومأت بِرأسها لي كأنها تخبرني بأن أثق بِطلب سيدتها.

حدقتُ بِكانيلا لفترة طويلة أضيع بِتلكَ النظرات قبل أن أسحب ذراعي منها بِلطف و أرجع خطوة بعيداً عنها و عن حرارة جسدها و رائحتها من الياسمين.
تنهدتُ أمَرِر أصابعي في شعري قبل أن أقول لها مُستسلمًا
قابليني في بهو القصر بعد منتصف الليل و تأكدي أنَّ لا أحد ِسيراكِ عند مغادرتك لِغرفك.
أومأت هي تبتسم بِرضى لكن بسمتها اختفت بسرعة لِتتحول ملامحها الناعمة الى المشكوكة
عدني انكَ لن تخدعني و ترحل من دوني.

شقلبتُ مُقلتاي عليها و هي ظلت تنظُر لي بِشَك. زفرتُ هواءً بِقوة من فمي ثم وعدتها قائلاً
حسنًا، انا أعدك انني لن أذهب من دونك الى المدينة.
جيد.
كدتُ أن ألتَفِت و أرحل لأتذكر أنَّ أخبرها عن أمر مهم
لا تنسي أن تحضري معكِ أسلحة، أملئي نفسك بها و أبقيها مخبئة.
لا تقلق عليّ سأحضر كل ما لديّ.

لم أتحكم بِالبسمة التي ظهرت على شفتاي أتخيلها تحمل سيفًا بيد و خنجر مثبت على صدرها و آخَر على فخذها أسفل ملابسها و في أماكن يصعب رؤية المزيد منها.
أحسستُ بِدفئ ينتشر على وجنتاي لأقرُص نفسي قبل أن تأخذني أفكاري الى مكان لا خروج منه عنها.

هل انتَ على ما يرام؟ فَوجهك أحمر. سألتني هي تَميل رأسها على جنب بِفضول لأومئ لها بأنني بخير، لا أثق بِصوتي بعدها تمنيتُ لها التوفيق ثم مشيتُ مسرعًا أبتعد عنها بِقدر الأمكان.
أشتت نفسي بِالتفكير في الخطة و ليس جسدها و المَناطق التي ستخبئ فيها أسلحتها فاللعنة عَليّ ألف مرة و أفكاري المُقرفة.
نعم! حانة بوسايدن و مقابلة الأتلانتيانز للأمساك بهم و أخذ منهم ما يجب أخذه منذُ بداية الأمر قبل أشهر.

لن أفشل، مهما حدث لن أفشل و أعود خالي اليدين.

الفصل التالي
بعد 19 ساعة و 09 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب