رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن والأربعون

أين هو؟ سألت كانيلا مُتعجبة مِن فراغ الغرفة لِتدخُلها أكثر تنظُر في الأرجاء.
عندما أخذت خطوة آخرى إلى الداخل أحست أنَّ هنالك شيء ليس طبيعي.
الهدوء...
فجأة رأت قبل أن تسمع تحرُك خلف الباب و بِذات اللحظة ظهرت عصا ذات مُقدمة مُدَببة حادة موَجَّه عليها لِتبتعد هي بِسرعة إلى الوراء تقع على الأرض بِتعثرها بِالسجادة.

كانيلا! صاحَ فالكين يدفع الباب بِقوة كي يوقِع مَن يقف خلفه لكن الشخص المُختبئ ظهر و هو يقفز في الهواء لِلجهة الآخرى مِن الغرفة يُلقي ما بيده على وجه فالكين.
لم تُصِب العصا الأمير لكنها جرحَت وجنته اليُسرى ثم أكملت طريقها نحوَ ريزار ليُمسك بِها هو مِن خلف فالكين و بِضغطة يَد كسرها إلى نصفين.

أمسك الشخص الشموع المُشتِعلة مِن على طاولة المكتب ثم ألقى بِها جميعها عليهم لكن فالكين كانَ أسرع منه، فَبِحركة يد أستعمل قوته، أبعد الشموع لتقع على جانب الغرفة نيرانها مُنطفئة كي لا تُحدِث حريقًا.
توقف! صرخَت عليه كانيلا تنهض على ساقيها تمسك بِذراع فالكين قبل أن يقتله مِن دون لمسه حتى.
الشخص أو الشاب الذي يتنفس بِقوى صدره يرتفع و يهبط بِشدة أنَصت لها يده تتجمد على الكتاب الذي كانَ سيُلقيه عليهم.

نحنُ هنا لكي نُساعدك. أكملت هي تبلع ريقها تُحاول أدخال الهواء إلى رئتيها و أستيعاب ما جرى في ثوانيٍ سريعة.
رمش الشاب بِعينيه الزرقاء عليها كأنه كانَ تحتَ تأثير الخوف و الأن أستيقظ.
تركَ الكتاب مِن يده ثم أشاح بِنظره على فالكين و ريزار الذي يطير جنب رأسه بلايز.

الشاب لِمُفاجأتهم جميعهم بدى وسيمًا لِلغاية و يافِع بِشعر رمادي يصل طوله لأسفل أذُنيه تقريبًا مُمَوج، لديه بشرة سمراء و عيونه صغيرة إلا أنها بِرموش كثيفة سوداء يرتدي ملابس مرتبة و نظيفة.

إيماريس؟
أنت، أنتَ إيماريس؟ أفلتَت كانيلا ذراع فالكين تسأله بِهدوء.
لم يُجبها على الفور لأنه يثق بهم أو بالتحدُث عن نفسه أمامهم لكن فالكين أخَذ خطوة إلى الغرفة يُشير على نفسه قائلاً
أنا أدعى فالكين لوماريل، أمير أسليرا و هذان، أشارَ بعدها على مَن معه ليُتابع
كانيلا، سفيرة مملكة فالينيا و صديقي ريزار ابن تاجر كبير.
توَسعت عيون الشاب بِدهشة يُحدق بِفالكين قبل أن يُخبره
أنتَ أبن عم الملك ريساند.

لم يكُن سؤالاً لكن فالكين أومئ بِرأسه مُجيبًا بِ نعم له يضع بسمة على طرف شفتيه لكي على الأقل يجعله يشعُر بالأمان والاطمئنان معهم.
لا يبدو عليكَ و كأنكَ تعيش في زنزانة. تَمتَم ريزار يتقدم يقف بِجانب كانيلا ليرفع الشاب حواجبه الرمادية عليه قائلاً
أن تعيش في غُرفة كَهذه مِن دون أن تكون لكَ الحرية بِمغادرتها متى شأت و رؤية العالم الذي تعيش فيه، تكون زنزانة لك حتى لو كانت جنة.

لم يتفوه بعدها أحدهم بِحرف في الصمت الذي حَل عليهم كالغيمة الرمادية و في النهاية، تنهد الشاب مُغمضًا لِعينيه قليلاً قبل أن يتحرك إليهم. وضعوا ريزار و فالكين أياديهم على مُقدمة سيوفهم بِردة فعله يعتقدون أنه سوف يهجم عليهم.
لم يعرهُم الشاب انتباهه بَل أكمل مشيه بينهم لكي يُغلق باب الغرفة و هو يقول
نعم، أنا إيماريس، كيف عثرتم عليّ و ماذا تريدون؟

التفتَ إليهم إيماريس ثم ذهب و جلس على طرف سريره في الجانب الأيمن من الغرفة، فَغرفته عادية جداً مِن دون نوافذ طبعًا لكونها تحت الأرض، لكنها مُرتبة و نظيفة حتى رائحة الفراولة قوية كأنَّ الغُرفة مَخزن لِلفاكهة.
أمام سريره، خزانة ملابسه و على يسار الغرفة خزائن زُجاجية فيها أوراق، كُتب و قوارير فيها أشياء و سوائل ما.

وضع فالكين يديه في جيوب بنطاله يقف في وسط الغرفة ليُجيبه بِكامل القصة، عن سبب تواجدهُم في مملكة شادونايت و عن ما أخبرتهم عنه كورالينا.
مِن الجِهة الآخرى، إيماريس لم يُبدي ردة فعل عندما بدأ بالتحدُث عن كورالينا و ما تعرفه هي ليفهموا جميعهم أنه مُدرِكًا بِأمر كوسفا و الأسياد بِشكل جيد.

بعدما انتهى فالكين مِن سَرد القصة عَم صمت ثاني بينهم في الغرفة إيماريس يحدق بالأرض مُنحني الظهر، أكواعه على ركبتيه، ريزار يجلس على كرسي المكتب مع بلايز على طرف الطاولة أما كانيلا تتكئ على الباب مشابكة لِذراعيها أمام صدرها.
ما فعلتموه خطير و أختفاء كِتاب كوسفا أخطَر. إن شئنا أم أبينا هو سيَكشِف كل شيء. كسر إيماريس الصمت يرفع رأسه.

هل تُفَضِل عيشك هُنا إلى الأبد و حُكم كوسفا لِلمملكة؟ فالكين سأله رافع لِحواجبه.
هزة إيماريس رأسه مِن دون أن يُجيبه، أكمل فالكين بإضافة سؤال آخَر له
ماذا تعرف بالضبط؟ أخبرنا بِكل شيء حتى نقدر على مساعدتكم و أخراجكم من هذه الورطة.

لن تستطيعوا فعل شيء، ألم تفهموا بعد؟ أنه أقوة ساحر في العالم و في اللحظة التي سوف يستعيد قوته بالكامل سوف يُدمركم بِفقرعة أصابع و يقتل كل مَن يتجرأ على الوقوف بِوجهه و ضِده، توقف هو لِلحظة يُكَوِر يديه على شكل قبضات ثم أكمل بِنبرة مُنخفضة ضعيفة
فأنظُر ماذا فعلوا بي، باللحظة التي رأوا أنَّ العرش سيَؤخَذ منهم، ألقوا بي في هذا السجن المؤبد.

غوانلوا و كينازي سيُبقونَ معه حتى بعد عودة قوته؟ ريزار مَن سأل بِحيرة.
ابتسم إيماريس بِحُزن ثم رد عليه
هُم مُجرد كلابه الوفية بإمكانه التخلُص منهم متى شاء لكنه يحتاجهم إلى أن يصل إلى هدفه و بعدها مَن يعلم،
إذاً دعنا نتخلص منه قبل أن يستعيد قوته. أخبره الأمير مندفعًا.
كيف؟ إيماريس سأل.

لم يتفوه أحدهم بِرد على السؤال لأنَّ ليسَ لديهم خُطة متمكِنة قادرة على أنهاء الساحر بعد أو بالأحرى كيفية فعل ذلك. زفرت كانيلا نفسًا مِن أنفها ثم أبتعدت عن الباب متوجهة إلى السرير بعدها جلست جنب الشاب تمسك بِيديه تجعله يستدير لها.

أكبر خطأ يفعله الأخرين هو القلق مِن المجهول و وضع أحتمالات سلبية عن ماذا لو و ماذا إذا و ما يحمله لنا جميعنا. واجبنا نحن الآن هو إخراجك مِن هذه الزنزانة ثم أخذك إلى العرش بعدها مواجهة كوسفا ستكون تحدي أنا متأكدة أننا قادرين على تخطيه.
كيف تعرفين؟ أنتِ لم تُقابلي وجه كوسفا الحقيقي؟
و أنتَ قابلته؟ فالكين من سأل بِحدة صوت.

فعلت! كانَ ذلك قبل فقدانه لِوقته و ضعفه. أجابه إيماريس بِنفس الطريقة يحدقان بِبعضهما البعض كأنهم يلعبون لعبة مَن يرمِش أولاً يخسر.
شقلبت كانيلا مُقلتيها عليهما ثم ضغطت بِخِفة على يدين أيماريس كي تجذُب انتباهه بعيداً عن الأمير لِتخبره
لا تستخف بِقوتنا أو قوة كوسفا هذا صحيح، لكن، إن لم نُحاول فَكيف لنا أن نعيش؟ الأمل و الإيمان كل ما نملك.

أنتِ، أنتِ مُحقة. لديكِ أسلوب جميل في التحدث. لم اقابل بشرية في حياتي و ظننت أنَّ جميعهم جاهلين و ضُعفاء. أحنى إيماريس رأسه ينظُر على يديها المُمسكة بِخاصته قبل أن يُصَفي فالكين حلقه بِصوت مرتفع لترمقه السفيرة بِنظرات تجعله يَهُز كتفيه.
هُنالِكَ أول مرة لِكل شيء، لا؟ هي أخبرت الشاب تُعطيه بسمة رقيقة.

أومئ لها يوافقها رأيّها يضع بسمة بالمُقابل مِن أجلها لكنها أختفت بسرعة كما ظهرت ليَسألهم و هو يُحَرِك بصره عليهم كُلهم
كورالينا، انها تفعل المستحيل لكي تنقذني و تنقِذ المملكة، تعتقدون أنها نجحت بإحضار الكتاب مع الملك؟
لسنا متأكدين لكننا واثقين أنهم سوف ينجحون. رد فالكين بِجفاف.

إيماريس، ماذا تعرف عن هذا المكان؟ أعني هذا المَخبئ السري. كانيلا سألت الشاب تُغَيِّر الموضوع لتُصبح الأجواء بينهم جدية جداً و ثقيلة.
نعم، و نحنُ في طريقنا إليك، صادفنا نقوش و أشياء مُتعلقة بِلُغة قديمة و بعض اللوحات في المَمَر الذي أحضرنا إلى هنا. قال ريزار يُعَدِل من القماشة التي تغطي على عينه.

اللغة و الرموز كُلها عمرها يفوق المليون سنة، في وقت حُكم الآلِهة لِلأرض فَكانت الأرض مُجَزئة لِجزئين، هذا العالم و العالم السُفلي و في العالم السُفلي حكموا آلِهة التي لن أقول عليها أنها شريرة لكنها لم تكُن كالباقي بَل كانت تحكم على طريقتها و تحت قوانينها و مملكة شادونايت أو بالذات القصر، كانَ موقع عالمهم الرئيسي.

تعني أنَّ هذا المكان السري لم يتم بنائه على يَد الجنيات و إنما الآلِهة؟ فالكين سأله بِتفاجئ.
أومئ إيماريس رأسه مرتين ثم أكمل كلامه
لكن أكتشفوه صِدفة عندما حكمت الملكة تينا المملكة لوحدها و مِن بعدها أصبح سراً يعرفه الحُكام و خدمهم المخلصين فقط.
أخَمِن الأسياد يعرفون به منذُ ذلك الوقت كذلك. قال ريزار يلعب بِقلم وجده على المكتب.
نظَرَ له إيماريس ثم على القلم لِفترة قبل أن يُجيبه.

بَل هُم أساس تجديده و وضعهم لِتلكَ اللوحات التي رأيتموها.
ما الذي تقصده؟ سألته كانيلا بِفضول مُعقدة لِحواجبها ليلتفِت إليها يضع عينيه على الأرض يَشرُد بِها كأنه يقرأ من كتاب مفتوح أمامه.
أنهم لا يضعون لوحات حُكام القصر و أبنائهم أحترامًا لهم و إنما سُخرية بهم و تَذكار لِلجميع بأنهم هُم سبب موتهم.
لماذا بِحق الجحيم تتحول كل قصة لِلأسوأ عن الأسياد؟ تساءل ريزار يُلقي بالقلم بالأرض غضبًا.

راقب الجميع القلم يتدحرج على الأرض بِسرعة إلى أن ارتطم بِطرَف جزمة إيماريس. لاحظت كانيلا أنه في الواقع قلم جميل و يبدو غالي الثمن لكنه الآن و بفضل ريزار، أصبح مشعور و فيه خدوش.

كانَ هذا قلم جَد جدي الأكبر و إرث عائلي. تَمتَم إيماريس يُحدق بالقلم ليبدأ ريزار بالسُعال بِشدة بينما وجدت كانيلا نفسها تبتسم و على حافة الضحك.
فالكين لم يُشاركهم المشاعر لأنه مشغول التفكير بِأمر إيماريس و ما أخبرهم عنه. وجهُه بارد لا يتزحزح مِن وضعيته لِتنتبه كانيلا على ذلك ترفع حاجبيها عليه بِسؤال صامت.

لكنه هزة رأسه بِخفة قبل أن يسأل الشاب الذي التقطَ القلم مِن على الارض ثم وضعه جنبه على سريره البني مِن الخشب بِأغطية بيضاء و سُكرية اللون
كانوا يقتلون الحكام؟
صحيح. كانوا كُلما جلس شخص جديد على العرش يقتلوه بِدم بارد و يضعون لوحات مَن قتلوه في المَمر كَذِكرة. أجابه الشاب.
لكن غادان تم قتله على يَد تاليا ملكة أسليرا. قالت كانيلا بِتعجُب ليومئ إيماريس بِتفهم قبل أن يشرح لهم.

لكنهم يلعبون دوراً كبيراً بِموته و موت شقيقه فَهمُ خططوا لكل شيء. ألم تتسائلوا يومًا لماذا فجأة أراد غادان خوض حرب ضِد أسليرا؟
لم يرُد عليه أحد منهم لأنهم لم يتسائلوا عن الأمر من قبل، ليُتابع إيماريس مُبَرِراً
لقد تلاعبوا بِعقله و جعلوه يفعل ما فعله ضدكم قبل عشرون سنة و قبل ذلك بِفترة تلاعبوا به لأول مرة عندما سنحت لهم الفرصة و جعلوه يغتال شقيقه أزول، فغادان كان همه الوحيد حكم شادونايت فحسب.

كل مَن يموت بِخُططهم يضعوا له لوحة في الممر. يا لهم من شياطين غدارة و قذرة. قال بلايز و هو ينهض على ساقيه لكي يَطير نحوَ فالكين و يقف على كتفه الأيسر.
أومئ إيماريس يوافق كلامه.
كيف تعرف كل هذا؟ الأمير سأله يستدير في مطرحه لكي يذهب إلى الخزائن الزجاجية.
فتح باب واحدة منها يأخُذ قارورة سوداء مِن الزجاج لكن بإمكانه رؤية ما في داخلها مِن سائل ما، لزج يلتصق بالأطراف كُلما حركه.

لم تفهم كانيلا سبب أسألته الغريبة لكنها لم تتفوه بِحرف و أنتظرت إجابة الشاب بِفضول كبير.
كانت تجلب كورالينا لي الأخبار كُلما زارتني في القرية التي عشتُ فيها و أحيانًا تُخبرني بِكُل ما يجري في القصر عندما يسمح لها ألترا بِزيارتي لِفترة قصيرة. رد عليه إيماريس يُمَرِر أصابعه بِشعره الرمادي لِتنتبه السفيرة على شيء مألوف جداً قد جعل الهواء يُخطَف مِن رئتيها.

عندما أبعَد شعره عن وجهه و أذُنيه المُدببة، بدى يُشبه أحدٌ قد رأته في إحدى اللوحات القديمة المُعلقة على جُدران المَمَر لتضع هي يدها على كتف الشاب تجذُب انتباهه عليها ترسم بسمة لطيفة قبل أن تسأله تتظاهر بِالفضول
أنتَ الطفل الصغير في اللوحة الموجودة في المَمر، صحيح؟

وضع فالكين القارورة الشفافة التي حملها الآن من يده، يرى فيها قِطع فراولة مُجففة ثم ألتفتَ لِلوراء على سؤال كانيلا كَما تجمد ريزار في مقعده متوسع العين.
رمش إيماريس بِجفونه عليها عِدة مرات كأنها سألته بِلُغة لم يفهمها بعدها فتح فمه و قال بِحيرة
عن أية طفل تتحدثين؟

ضَيّقت هي عينيها عليه تحدق بِعينيه الزرقاء الجاذبة لِلنظَر تشبه عيون الطفل الصغير بِشدة، تُحاول قرأته كالكتاب لكنها لم تستطع لانه لا يُظهِر مشاعر أخرى عدا الحيرة و الضياع و بدى بريئًا جداً...
زيادة عن اللزوم.
لكن قد يكون عيشه في هذه الغرفة لوحده لِقرون طويلة جعلت منه أبله فَهي ليست متأكدة ولا تريد الحُكم عليه مِن مُجرَد تصرُف واحد و هي لا تعرفه ابداً.

و من الممكن أن لا يكون الطفل لأنَّ هنالك الكثير مِن الجنيات التي تُشبه بعضها لِلغاية و قد يكون شكله مُجرد صدفة أو تشابُه كبير بينه و بين الطفل في اللوحة.
أنا لم أفهم أنسة كانيلا، عن أية طِف بدأ الشاب مجدداً لكنها هَزَت رأسها بِكِلتا الجهتين تخبره
لا يهُم كانَ سؤالاً لا لزوم لهُ.

ضَيّق فالكين عينيه على كانيلا يتساءل بِداخله عن سبب سؤالها و تَشبيهها بِشخص قد تم تعليق لوحته في مَمَر الأموات إلا أنه واثق مئة بالمئة بأنَّ هنالك شَك ما بِداخلها هي أيضًا و لا تثق تمامًا بِهذا الشاب.

حرك مُقلتيه متنهداً على يساره ليُلاحظ وجود سَلة لِفاكهة الفراولة موجودة على الأرض بالقُرب مِن الخزائن الزُجاجية و كيف أنَّ هناكَ مجموعة قوارير فيها قِطع منها مُجَففة و منها معفن أو لونها وردي فاتح جداً و بذروها بيضاء.
ميتة و قيد النمو.
لديّ سؤال آخَر لك، قال فالكين يُعيد بصره على الشاب يديه في جيوب بنطاله الأسود مِن جديد.
لم ينتظره فالكين حتى يرُد عليه أو يسمح له ليُكمل لأنه تابع متسائِل.

لماذا لم يقتلك ألترا أو كوسفا لكونك خطر على العرش كَباقي الحكام السابقين؟
ارتسمت بسمة صغيرة على شفتين إيماريس يُخرِج صوتً مِن حلقه بدى كالضحكة الساخِرة لِيُجيبه
لأن لديه سبب طبعًا و هو أنه يوَد وضعي على العرش لكي يتحكم بي.
لماذا سيفعل شيئًا كَهذا بينما لديه القُدرة على الجلوس فوق العرش؟
لأنه يُفَضِل التحكُم بِمَن يجلس عليه، أليسَ هذا أفضل و أكثر قوة لِمَن هُم من أمثاله؟

لديه وجهة نظر، التحكم بالآخرين أقوى مِن الجلوس على كرسي لن يقبل به أحد مِن تلقاء نفسه كما أنَّ شعب شادونايت لا يقبلونَ بِأسياد القصر أن يكونوا ملوك و أمراء لِهم لهذا وضع ملك بين قبضتهم أكثر قوة كما قال إيماريس و أسهل.
فالعب مِن أسفل الطاولة أذكى من اللعب عليها و أمام الجميع أو معهم.
يجدُر بنا الذهاب فوراً لقد تأخرنا. قالت كانيلا تنهض على ساقيها ليَنهض معها إيماريس بِردة فعل.

نعم هيا دعونا نرحَل قبل مجيء الحُراس لكن! أخبرهم ريزار يأتي إليهم يقف معهم.
لكن؟ سأل بلايز مُشابك ذراعيه يقف على كتف سيده.
الحُراس سوف يُلاحِظون أختفاء الحارسين و إيماريس بِتلكَ الطريقة سوف ننفضِح.

لا تخافوا، فَمَوعِد العشاء قد أنتهى و هُم لا يأتون إليّ إلاّ عندما يَحين موعد الطعام أو عند طلبي لِلذهاب إلى الحمام لهذا سيُلاحظوا غداً صباحًا في وقت الفطور. برَر لهم إيماريس ليُضيف فالكين من عنده يُطمئنهم
و نحنُ في ذلك الوقت سوف نكون في طريقنا إلى فالينيا لأنَّ اليوم فجراً موعد رحيلنا عن المملكة.

أومئوا جميعهم متفهمين بعدها فتح ريزار الباب، نظَر مِن اليمين لِليسار يتأكد من عدم وجود أحد لكي يُعرقِلهُم و عندما رأى أنَّ الطريق آمِن أشارَ للأخرين باللحاق به.

- فالكين -
الكثير مِن الأمور تحدُث.
الكثير مِن المشاكل تظهر لنا على أشكال عرقلات تجعلنا نؤجل شيء مِن أجل أنهاء الآخر.
كُنا سوف نعود إلى فالينيا في وقت الفجر لكن منذُ أن عرفنا بِقصة إيماريس و الساحر كوسفا الذي يتلبس جسد ألترا و يتحكم بِكامل القصر و مَن فيه، تغيرت كل خُططنا و أصبحت مختلفة تمامًا.

و الأن هنا نحنُ نصعد مُسرعين على درج القصر بعد انقاذنا لِإيماريس من زنزانته تحت الأرض السرية التي لم يكُن يومًا ليَتخيل أنه سوف يُغادرها بِهذه الطريقة.
في الحقيقة لسببٍ مجهول، لم أستطيع الوثوق بِهذا الشاب إيماريس.

بعضًا مِن كلامه طبيعي جداً و صادق و بعضًا منه، غريب، ليسَ مفهوم جيداً أو فيه ألغاز حتى بعد رحيلنا عن المكان السري لم أقدر استيعاب أو فهم سؤال كانيلا عن الطفل في اللوحة المُعلقة في مَمر لوحات المملوك و الأمراء السابقين لِشادونايت.

لقد اقتربنا! قال ريزار بِسعادة يقطع حبل أفكاري عندما رأينا نهاية الدرج من الأعلى، مكان البهو الذي فيه العرش، العرش الذي سوف يجلس عليه إيماريس أو إن أصح التعبير سوف يُسَفك دمائه عليه حتى يُصبح ملكه و سيده.
هذا هو المطلوب، دماء.
وصلنا إلى البهو و رأينا أمامنا مباشرةً العرش الأسود فارغ ينتظِر مَن سيَجلس عليه.
سوف أخذه إليه. أقترحتُ أنا على الأخرين أركُض بِجانب إيماريس ليومئ لي الشاب شاكراً.

لم نأخُذ أول خطوة بعيدة عن رفاقي و إذ بِمجموعة حُراس القصر يظهرون من جميع الزوايا و الجوانب يحملون سيوفهم و رِماحهم الكبيرة موَجَّهة علينا كُلنا.
ما هذا بِحق السماء؟ صحتُ عليهم أسحب سيفي كما فعلوا مَن معي.
أقترب أثنان مِن الحُراس الأقوياء مِن الخلف يُمسِكونَ بِأذرُع إيماريس يُبعِدونه عني لأذهب إليه لكي أخذه منهم لكن حارسين غيرهم أقتربوا مني و رماحهم على رقبتي، إن تحركتُ قليلاً سوف تَغرُز بِجلدي.

أصبحوا الحُراس يُحيطون بِنا مِن جميع الجهات يُشَكِلون دائرة و نحنُ بِداخلها. لم أفهم ما يجري أولاً فَلا أحدٌ منهم يتفوه بِحرف لأتبادل النظرات مع ريزار و كانيلا أجدهم أيضًا بِنفس وضعي.
محتارين و ضائعين.
فَكيف علموا بِأمرنا؟ مَن أخبرهم؟ و غير ذلك يبدو أنهم كانوا مُدرِكون بِعملنا منذُ فترة لكنهم انتظروا حتى الوقت المُناسب للأمساك بِنا.

دعوني أيها السحالي! صرخ إيماريس على الحارسان اللذان يُمسكان بِه بِقوة لأتقدم أنا نحوهم و على وجهي غضب مُشتعِل.
أين فالين و كورالينا؟ هَمستُ مع نفسي متسائلاً لا أجدهم في أية مكان أو قد يكون خبر كشفهم لنا لم يصلهم بعد.
أتى ريزار يقف على يميني بينما كانيلا على يساري ينظرون على كُل حارس يُحيط بنا و سيوفهم بأياديهم مُستعدة لِلهجوم.

ما هذا هناك؟ سألت كانيلا تُشير على شيء بعيد بين أقدام الحُراس لأنظُر و أجد أنَّ هنالكَ دخان أبيض يمشي بِبطء شديد باتجاهنا و ينتشِر في البهو كله.
دخان أو ضباب يُشبه الذي واجهناه في مدينة الأشواك البارحة.
ماذا تريدون؟ أشحتُ بِعيناي مِن على الضباب أوَجِّه سؤالي لِلحراس أجمعهم.

أنتم في ورطة كبيرة سمو الأمير. رد عليّ الحارس الذي أمامي لأفتح فمي كي أقول شيء ليسَ فيه ذرة أخلاق ليُقاطعني ذات الحارس بِهجومه علينا.
و بدأ الصُراخ مع تصادُم الحديد بِالحديد في البهو.
دافعتُ عن نفسي بِصَد رمح الحارس بِسيفي ليَدفعني هو يجعلني أرجع خطوتين إلى الوراء أتلقى ضربة ثانية فيها مُقدِمة الرمح موَجَّهة على صدري.

لكني صددتُها بِجانب سيفي التفِت إلى خلف الحارس و السيف مرفوع في الهواء بعدها مَرَرتُه على ظهره لكن درعه لم يتأثر لكونه مِن الفولاذ الصُلب أخلِق عليه خدشه فقط.
استدار الحارس إليّ يُخرِج صوتً مِن حلقه كما يفعل الكلب قبل هجومه. أدار الحارس رمحه في يده فوق رأسه ثم وَجَّهَهُ على وجهي مِن الأعلى للأسفل لكني حركتُ يدي التي تحمل السيف أخُذ خطوة كبيرة لِليسار.

شعرتُ بِكمية الثقل على ذراعي لكني قطعتُ الرمح لِنصفين مِن منتصفه ثم ركلتُ الحارس على بطنه إلى أن وقع على ظهره ثم بسرعة رفعتُ سيفي عليه بعدها غرزته بالفتحة الموجودة في خوذته المُخَصَصة لِلرؤية و مكان عينيه لينتشر دمائه الأسود خارج خوذته يَسيل على طرف سيفي.
تهجم عَليّ حارس ثاني بِسيفه لأصُد الضربة مِن دون النظَر عليه مِن خلف ظهري. التفتُ بعدها مرة أغرز سلاحي في ذات الفتحة في خوذته.

حُراس أقوياء في مؤخرتي. قلتُ أنا أسحب سيفي مِن الخوذة ليقع الحارس على ركبتيه ثم وجهُه، ميت.
فالكين خلفك! سمعتُ بلايز مُرافقي يَصيح لي مُشيراً لِورائي لأستدير بآخِر ثانية سيفي مرفوع في الهواء ليَتسلامس بِرمح طائِر نحوي يَجرح جزء مِن ذراعي السُفلية قبل أن يقع على الأرض.

التأمة الجُرح بِسرعة لكونه بسيط و ليسَ سحري قبل أن يَظهر لي صاحب الرمح، أحد الحُراس السود كما يتم وصفهم، كَرفاقه الذينَ لا أعرف مَن يكونوا أو شكلهم بِشكل عام، لكون دروعهم تُغطيهم مِن الرأس حتى القدمين و جميعهم ضخام البنية إلا انهم ضُعفاء مقارنةً بي.
أو لا، فَهذا لا يبدو على الذي يقف أمامي بِلا حراك.

تبًا. لعنتُ مِن بين أسناني أقف مُستعِداً لِهجومه ليُخرِج سيفه مِن الحمالة على خصره و يركض نحوي بِصرخة.
تلامست سيوفنا بِبعضها تَخلُق شرارة زرقاء قبل أن يُحَرِك قدمه و يركُلني على ساقاي يوقعني على الأرض لكن سيفي ظل في قبضتي.

حاول أن يَغرُز سلاحه في معدتي لكني تفاديتُ الضربة أتدحرج على الأرض بعيداً عنه حتى نهضت. و عندما أصبحتُ أقف على ساقاي وجدته أمامي يُمسِك بي مِن ياقة سترتي يرفعني قليلاً عن الأرض، لكني وضعتُ كَف يدي على جهه مكان فتحة الرؤية ثم أستعنتُ بِنيراني.
صرخ الحارس بأعلى صوته ثم أفلتني يَصرُخ بالمزيد يُحاول فَك خوذته فَلقد حرقته قليلاً لكن التأثير كانَ كبيراً.

وقعت الخوذة على الأرض بين قدميه يديه على وجهه ألاحظ دُخان يُغادر جلده المَحروق أو وجهُه المَحروق كامِلاً يغلي كَالقدر فوق النار، رائحة اللحم المشوي ملأت تنفُسي لأشعُر بِغثيان تتقلب معدتي بِشكل سيء، فَرائحة لحم الجنيات ليس لذيذاً كَرائحة الدجاج و لحم الحيوان.
و مع ذلك لم أضَيّع الوقت و إنما أستدرتُ على شكل نِصف دائرة رافعًا لِسيفي كي أمَرِرهُ على رقبته أقطع رأسه.

نظرتُ على يميني أرى كانيلا تُقاتل أثنان، الأول على الأرض و الثاني يوَجِّه ضربته على رأسها لكنها أنحنُ بِظهرها بِسرعة تضربه بِسيفها على ساقيه توقعه على الأرض قبل أن ترفع سلاحها و تغرزه في فتحة الرؤيا لأنَّ هذا المكان الوحيد الغير مَحمي بِالدرع.

نهض الحارس الآخَر لكي يهجُم عليها و هي مشغولة بِالأول لأتصرف أنا بِسرعة أركُل رأس الحارس الذي قتلته قبل لحظة كالكُرة و بِكامل قواي ليَطير الرأس بِسرعة الرياح يُصيب الحارس على رأسه يُرجِعَهُ على الأرض.

لاحظَت كانيلا ذلك بِذات الثانية التي نهض فيها الحارس مُجدداً لِترجع خطوة إلى الوراء، ساقها اليُمنى مرفوعة حتى تركله مِن الخلف على بطنه توقعه مرة ثالثة قبل أن تلتفت له و تغرز سيفها بِفتحة خوذته أسمع صوت أختراق السيف لِلحمه و عظامه.
رفعت هي رأسها نحوي ثم ابتسمت مُمتنة على المساعدة لأومئ لها انتبه على الضباب يُحيطنا الآن أكثر يُعمي رؤيانا عن البهو و ما فيه.

لقد أصبح كل شيء أبيض أو رمادي بالكاد أرى الحُراس و رفاقي الذينَ يقاتلوهم حتى لم أعُد أدري أين بلايز و إن ما كانَ إيماريس على ما يرام في هذه الفوضى.
بلايز! أينَ أنت؟ صحتُ لِمُرافقي لكن لا رَد وصلني، لأمشي عشوائيًا أبحث عنه.
و في بحثي قابلتُ حراس أخرين و أنا قاتلتهم بِسرور واحد تلوى الثاني إلى أن وجدتُ شخصين في الضباب.

كلاهُما قريبان مِن بعضهما لكن لأنني لا أراهُما جيداً و إنما فقط لون أسود أو ظلالهُما تجمدتُ في مكاني و أنتظرت.
جسد الأول على اليسار أطول مِن الذي معه و أكتافه عريضة بدى جسد رجل بينما الممسك به أو المُتشبث به أقصَر، له شعر طويل، نحيل البنية ينتمي لِجسد أنثى.
ضَيّقتُ عيناي عليهما كأنني بِتلكَ الطريقة سوف أراهُما بِشكل أفضل ثم أخذتُ خطوة إلى الأمام أعصِر مقبض سيفي بأحكام اتأكد انه لن يُفلِت مني.

أظهرا حالاً إن كُنتما تريدان أن تبقيان على قيد الحياة! أخبرتهم بِصوت صارم أسمع مِن حولي صُراخ و أنين المُقاتلين لكني لا أرى شيئًا بِفضل الضباب الثخين.
هكذا تستقبل والدتك، أميري الصغير؟ فجأة قالت الأنثى تقترب إليّ أكثر إلى أن توَضح شكلها ليَقع السيف مِن يدي أفقد الأحساس بها.

التي تقف أمامي، امرأة قد نسيتُ شكلها تمامًا لأنها تركتني و رحلت عندما كنتُ في سِن صغير بالكاد أستوعب العالم الذي أعيش فيه لكنني لم أنسى أنها دائمًا كانت تضع تعابير قاسية على وجهها و لم أنسى صوتها البارد القادِر على جعل القلوب ترتجف في صدور مَن يسمعُه.

شعرها الأسود الطويل نصفه مرفوع للأعلى له لمعة زرقاء كَلمعة شعري من شدة سواده، حنطية البشرة بِملامح وجه بارِزة و حادة و عيون صغيرة خضراء مَسحوبة كَعيون الثعلب. لها وقفة شامِخة راقية كَوقفة الملِكات، ترتدي فستان مِن لون عينيها طويل بأكمام موصولة بِأصبع الخاتم/الأوسط.

أمي؟ قلتُ بِحيرة أرمش بِسرعة البرق لا أصدق ما أراه.
مع مرور الزمن و مع كل يوم كبرتُ فيه إلى هذه اللحظة، كنتُ قد نسيتُ وجهها، شكلها و نظراتها مع أنَّ في قصر أسليرا، كانَ لها لوحات دقيقة لِشكلها إلا أنني لم أنظُر لأية منها لأني كنتُ أخاف من الأشتياق إليها أكثر و كانَ عليّ المضي في حياتي و عدم النظَر إلى الماضي.
فَمَن يعيش فيه، يعيش تعيس.

لكنها الآن، تقف أمامي و رأسها مرفوع، عينيها الناعِسة تحدق بِخاصتي المتوسعة.
ألن تقتربي مني لكي تُعانقني أم أنكَ سوف تقف هكذا؟ سألتني هي تضع بسمة صغيرة على شفتيها الحمراء تَفرُد ذراعيها في الهواء لكني لم أتحرك ساكنًا بل ظللت أحدق بها.
ماذا يحدُث؟ لماذا أرى أشياء منذُ أن أتيتُ إلى هذه المملكة المشؤومة؟
أعادت هي ذراعيها لِجانبها تَختفي بسمتها تجعل من قلبي يتوقف عن النبض.

مُحزن أن تري طفلك لا يَكِن لكِ و لو القليل مِن الأحترام و الحُب حتى بعد زمنٍ طويل. فجأة قال صاحِب الظل الرجولي مِن خلف أمي يقترب أكثر ليُصبح أوضَح الشكل يقف جنبها و على وجهه ابتسامة عريضة.
إنه كما وصفه لي ريس في طفولتي.

طويل القامة، بِأكتاف عريضة له شعر أشقر طويل لكنه مربوط بِخفة خلف ظهره و أجعد قليلاً، ليسَ لديه لحية بَل بشرة ناعِمة خالية مِن الشوائب، أنف مستقيم و فَك حاد عضلي يرتدي قميص أبيض بِأكمام فضفاضة طويلة و بنطال بني مع جزمة لِلركبتين سوداء لكن...

عينيه. أنها بنفسجية، أنها عيوني التي ورثتها منه كما ورثتُ منه الهالة التي أعدائه كانوا يَخافونه بِسببها و يهربون منه كُلما سمعوا بأسمعه.
كانَ أميراً و مُحارِبًا جباراً لا يَخاف شيئًا و له طموح يَعلوا السماء إلا أنَّ أنانيته و جشعه و خيانته دَمرت مِن عائلته للأبد.
كاستيل. همستُ بأسمه بِتقزُز ليَضحك هو بِصوت مرتفع يده على بطنه و رأسه لِلوراء كما لو أنني أخبرته بِشيء فكاهي.

أرتجف عيني أشعُر بِأحتقار و غضب معًا لِرؤيته حقيقي أمامي.
كيف؟ لستُ أدري.
هكذا تُرَحِب بِوالدك بعد سنين، فالكين؟ سألني هو بعدما أنتهى مِن الضحك المستهزأ بي لأسحب مِن فخذي سكينة و هو راقب ذلك بِعيون كعيون الصقر مع زاوية شفتيه مرفوعة.
هَمهَم كاستيل قليلاً و هو يحك ذقنه بِتفكير
مُثير للأعجاب، أنتَ تشبهني كثيراً.

أنا لا أشبهك ابداً، لا تُقارني بِنفسك السافِلة. رددتُ عليه أرمقه بِنظرات غيره كانوا سيَهربون فوراً منها لكنه بقية في مطرحه جنب والدتي التي بدت قلقة.
تعابيرها و شكلها كأنها حقيقية جداً و بِشكل مُرعب، جعل مِن قلبي يتقطع أربًا مِن أجل أن أتجرأ و أخُذ خطوتي إليها حتى أعانقها و أشتم رائحتها و أشعر بِدفأها الذي لطالما تمنيتُ الشعور به بعدما فقدتها.

أمي كانت قاسية لكنها أحبتني كثيراً و كنتُ لها كل شيء في حياتها فَكانت تضحك و تبتسم لي دائمًا قبل أن تموت، غدراً و يُصبح صمتها و اختفائها عذابًا تحملته لِزمن طويل.
عزيزتي، أنظري إلى طفلنا، خيبة أمل، بدلاً مِن الترحيب بِنا كَما يفعل الطفل الذي يشتاق إلى أهله، ها هو يقف أمامنا مُشمئز منا يرفع سكينة علينا. قال كاستيل يلُف ذراعه حول خصر والدتي لكنها لم تُبدي أية ردة فعل كما لو أنها تمثال.

أنا لم أعُد طفلاً و أنتَ رجل حقير خائن لا تستحق أن تكون والداً أو الحُب و الأحترام مني. أخبرته أرُصّ على أسناني بِشدة حتى الألم لِتَمُد والدتي يدها نحوي ترتسِم بسمتها مُجدداً على فمها بِرقة
تعال إليّ على الأقل، أنا أشتاق إليك، لقد كبرتَ بِشكلٍ رائع بني.

ذابَ الغضب مني كما يذوب الثلج تحت نور الشمس الدافئ و قلبي نبض بِقوة في صدري كأنها قبلتُه بِلُطف بِصوتها الناعم الجميل. أحسستُ نفسي كأنني تحت تأثير سحرها فَفي النهاية، هي والدتي التي ماتَت منذُ أن كنتُ طفلاً بالكاد يحمل لعبته.
ماتت...
تعال إليّ لكي أضمك إلى صدري و أرى أبني الصغير الذي كبر و أصبح رجلاً وسيمًا و قويًا و أميراً لِمملكة جبارة. كَرَرت هي بِصوتها المُنَوِم لأتجرأ و أخُذ خطوة نحوها.

ابتسم أبي يرفع حواجبه عليّ لكني تجاهلته كأنَّ لا وجود له، فقط أمي هي كل ما أراه، أنا و هي معها في هذا العالم.
أخذتُ خطوة ثانية باتجاهَها أنَزِل السكينة إلى جانبي، فَأذكُر كم كانت حساسة تجاه كل ما هو حاد و خطير عليّ و كيف أنها لم تقبل يومًا أن تدعني أحمل سكينة الزبدة الغير مؤذية لكي أقطع فيها طعامي لكونها حادة على أصابعي الصغيرة.
كانت هي أمي و أبي.
كانت كُل شيء، و الشادونايتس أخذوها مني.

فالكين! سمعتُ أحدهم يُناديني مِن مكانٍ ما لكني لم أكترث و أكملتُ طريقي بِبطء نحوها.
خطوة وراء الاخرى.
توقف! فالكين! عادَ الصوت، أنثوي مألوف يُناديني لأتوقف و أنظُر على يميني.
لا! أنظُر إلى هُنا طفلي الصغير. قالت أمي بِذُعر في صوتها لأحرك رأسي لها أجدها تُهدئ مِن نفسها بِتوتر قبل أن تبتسم مِن جديد و تَمُد يدها أكثر إليّ، أبي جنبها يُراقب فَحسب.

هيا، أنتَ قريب مني. أضافَت أمي بِرقة، بيننا المسافة ضئيلة يعني أربعة خطوات و أصبح بين ذراعيها.
حركتُ ساقي اليُسرى لكي أكمل لكن يداً ما أمسكت بِوجهي تعصره بِخفة تُديره نحوَ صاحبتها لأنظُر في عينين بنية مائلة لِلأحمر مِن لون الكرز في يوم صيف جميل.
عينين جميلة جداً و ساحِرة لكنها قلقة و خائفة كَحال وجهها المنكمش كله.

كانيلا؟ تمتمتُ أرمش عِدة مرات عليها لتومئ هي تبلع ريقها، أنفاسها قوية على وجهي كأنها كانت تركض لأميال كما أنَّ صوت نبضات قلبها مسموع لعندي و رائحة الياسمين تُغطي على روائح الماء في أنفي.
أنتَ تتوهم. ما تراهُ ليسَ حقيقي ابداً. أخبرتني هي تمسح على جبيني المُتعرق بِيدها الثانية أنتبه على تواجُد دماء أسود و أحمر مُلطخ على رقبتها و ملابسها.
القتال.
الضباب.

نعم، هذا ما كانَ يحدث. كُنا نُقاتل حراس القصر بعدما اكتشفوا عملنا بأخذ إيماريس لِلعرش و وضعه عليه كَملك جديد لِشادونايت.
لا أعلم ماذا ترى، لكنه مِن وَحي خيالك لا تصدقه لأنه غير موجود. أكملت هي قلقة تمسح على وجهي قبل أن تضع يديها على صدري.
لكني رأيتُ أم.

فجأة ظهر تَصفيق قوي مِن خلفي ليَبدأ الضباب بالأختفاء بِسرعة كبيرة مُشَكِلاً أمواج رمادية و بيضاء مِن حولنا و معه اختفوا والدايّ لأعود لِلواقع و لِعقلي الضائع المُنخدع.
أجد الأرض مِن حولنا مليئة باللون الأسود.

دماء أسوَد في كُل مكان و جُثَث حراس القصر، أجزاء منها هنا و هناك و أسلحتهم غارقة بِبركة الدماء الحالِكة. رأيتُ ريزار و معه بلايز قريبين منا يتنفسان بِصعوبة أرى عند أقدام صديقي جُثتين لِحُراس قد قتلهم قبل أختفاء الضباب على ما أظن.
أبعدت كانيلا يديها عن صدري تنظُر مِن فوق كتفي لأستدير أنا على صوت التصفيق أعثُر على كينازي أصغر أسياد القصر، معه غوانلوا العجوز و معهم ما جعل مِن قلبي يقع في معدتي.

سقطتُ في أكبر صدمة في حياتي لرؤيتي حُراس القصر يُمسكون ملوك فالينيا و كاداري و أميراتها مع جونيبِر و إكسانا المسكينة في قفص مِن حديد من حوله تطفوا هالة بنفسجية قد رأيتُ منها عدة مرات من قبل.
حول معاصم و أقدام الملوك و الأميرات، سلاسِل مِن ذات النوع، مِن حولها هالة بنفسجية تُعرَف بأنها قادرة على سحب قوة الجنيات التي تلمسها و قد تقتلهم إن أستمر الوضع بِلمسها لِجلودهم.

فالين! صرختُ باسم ملكي و الدماء تَجِف في عروقي على المنظَر.
كم انكم فاشلون. لقد ظننا أنكم قادرين على إنهاء الخُطة بِشكل أسرع لكن خيبتوا أملنا بِقُدراتكم العبقرية الفاشلة بِوضع إيماريس على العرش كما أردتم منذُ البداية. قال كينازي بِصوت حزين مُزيف ليَضحك غوانلوا يمسح على لحيته الطويلة.

ألم تكُن تلكَ خطتكم مِن قبل قدومكم إلى مملكتنا؟ مُحزن أن نراكُم بِهذا الشكل المسكين. أضاف كينازي بِنبرة جادة هذه المرة.
أيها السافلين! ماذا فعلتم؟ صحتُ بِغضب أحمل سيفي مِن على الأرض ليَضحكوا السيدان مجدداً كأنني أخبرتهم نكتة.
شكلك أكثر مِن مؤسِف بين الجميع و خاصةً أنكَ وقعت ضحية لِأوهامك البائسة مَرتين. قال غوانلوا لأعقد حواجبي لا أستوعب ما يعنيه.

هذا لأنه يمتلك قلبًا رقيقًا أبيض اللون، سيدي. فجأة ظهر رجل مِن ورائهم ذو شعر طويل أبيض و بشرة شاحبة لديه أظافر طويلة.
شفتيه مَطلية بالأسود و له عيون صفراء مُخيفة يرتدي حول رقبته عقد غريب ذهبي اللون و ملابس لم أرى مثلها مِن قبل، لونها أحمر غامق جداً مائل للأسود.

و أحمق كِفاية لِيقع بذات الخُدعة مرتين. ظهرت امرأة مع الرجل تُشبِهُه كثيراً كأنها توأمه، لها نفس الشعر و الشفتين المَطلية بالأسود ترتدي ملابس سوداء طويلة و حول عنقها و صدرها المَكشوف، عقد كبير بِحجر من حجم مقلة العين لكن عيونها، برتقالية كأنَّ النار تعيش فيها مع أنها باردة جداً و ناعسة.

قَهقَه الرجُل بِمرح، على ما أظن أنه شقيقها التوأم ينظُر لأصابعه بِملل
كانَ مُمتعًا رؤيته على حافة البُكاء عندما رأى والدته الميتة أمامه على قيد الحياة.
أحسستُ بِفراغ كبير بِداخلي و بيداي ترتجِفان. لديّ فكرة عن ما يتكلمان عنه لِتتابع شقيقته تبتسم بِحقارة
لكنك دمرت اللُعبة شقيقي العزيز عندما ظهرت على شكل والده، ألا تعلم كم انه يكرهُه؟

عن ماذا تتحدثان؟ تساءلت كانيلا مُتعجبة ليَنحني الرجُل بِظهره لها يُعَرِف على نفسه بِطريقة ساخِرة
أعتذر على عدم التعريف على أنفسنا لكننا نسينا بِسبب المُتعة الكبيرة التي خضناها قبل لحظات، توقف هو يُصَفي حلقه ثم أشار على نفسه أولاً
أنا أدعى راغنور و هذه توأمي جيزَبيل و نحنُ، أمسك راغنور بِيد شيقيقته يرفعها قليلاً للأعلى بينهما ثم أكمل هو بِتفاخُر
الشقيقان سالفاتوري.

سالفاتوري؟ هَمست كانيلا مُتفاجئة لكون عائلة سالفاتوري عائلة مَشهورة في مملكة شادونايت بِقوتها العجيبة النادرة.
قوتهم هي حقيقة و غير حقيقية إن كانَ ذلك منطقيًا.

هذا يعني أنهم قادرين على تنويم ضحيتهم بِقوتهم كما فعلوا معي مرتين عن طريق قِرأتهم لِمَشاعرك المُختبئة أو المَدفونة بِداخلك التي تُحاول نسيانها أو فقط البحث عن ماضيك حتى يتحولوا إليه كي يلعبوا بِعقلك و أحاسيسك إلى أن تصبح بِجعبتهم و تحت رحمتهم.
و يُعرَفون بِتعذيبهم لِضحاياهم بِشكل مأساوي.
يُحبون و يتمتعون بِتعذيبهم بِتلكَ الطريقة إلى أن يملوا منك و يقتلوك بأبشَع الطُرُق.

عائلة سالفاتوري، كابوس حي له أقدام تمشي على الأرض بين الجنيات و البشر تبحث كل مرة عن ضحيتها التالية. و أنا كالغبي وقعتُ في فخهم مرتين و كدتُ أن أفقد نفسي لولا تواجُد مَن يُساعدني و يُخرجني من تأثيرهم.

أرى أنَّ عقلك بدأ يعمل و يفهم ما جرى مع الأسف دائمًا ما دمروا أصدقائك فرصتني بِتذوق القليل منك سمو الأمير. أخبرتني جيزَبيل بِلا تعابير على وجهها المتحجر لألعنها بكُل شجاعة أجعل بسمة عريضة تَظهر على شفتيها بينما شقيقها ضحك مجدداً.

لمست كانيلا أصابع يدي التي بيننا بِخفة كأنها تُخبرني أنها معي و أنها حقيقية بِعكس ما رأيته في الضباب لأمسك أنا بأصابعها و يدها أشابكهم بِبعضهم من دون النظَر لها و بيدي الأخرى أعصر السيف بِشدة، متأكد أنَّ مفاصلي أصبحت بيضاء و ربما زرقاء.
كيف عرفتم بِخُطتنا؟ أنا سألتهم جميعًا ليَبصُق لايتا على الأرض يلعنهم لكن الحارس الذي يمسكه، لكمه بِقبضته على وجهِه ليَضحكوا الحراس الآخرين.

كنتم جميعكم تحت مراقبة الأشقاء سالفاتوري بأمر مني و هُم أعطوني جميع أخباركم منذُ اليوم الأول الذي دخلتم به إلى المملكة. أنا صبرت و صبرت إلى هذه اللحظة التي نفذ صبري بها. ظهر مِن بينهم الشخص المنتظَر الذي لم يتواجَد معهم.
ألترا.
وقف بين غوانلوا و كينازي يحمِل بيديه كتاب مُغلق قديم الشكل لكن صفحاته تلمع و تبرُق باللون الأزرق كأنه حي يعلم ماذا يجري و من يحمله.
كتاب التعاويذ!

سُحقًا لقد أمسك بِفالين إذاً قبل أن يمسك بنا بِفترة...
لكن هناكَ شيء مفقود...
أحدٌ مفقود.
أينَ كورالينا؟ سألتُ فالين الذي بدى و كأنه سوف ينفجِر بين أياديهم، تحول وجهُه للأحمر عندما ذكرتُ اسم المرأة. في عينيه المُلوَنة نار قادرة على حرق العالم بأسره.

كورالينا هنا. أجابتني كورالينا بِنفسها تظهَر أيضًا مِن بين الحُراس التي تقف على جنب تُمسِك إيماريس بينهم، لِتتبحلق عيوني بِصُعق لا أرى عليها أية نوع مِن السلاسِل أو أنها تحت أسر الحُراس بل لوحدها بِكامل حريتها.
خائنة عاهرة. تَمتَمت فينار لأشعُر بِبرودة جسد كانيلا مِن جنبي و بِتخطي قلبها نبضة و لعن ريزار صديقي و هو يأتي إلينا.

ماذا يعني هذا؟ أنا سألت بِلسان ثقيل لأنَّ فجأة كل شيء بدأ منطقيًا و مع ذلك عقلي لا يقدر على التصديق كأنني في حلم، أو كابوس بشع لِلغاية أوَد الأستيقاظ منه لكنني لا أستطيع.
كل شيء تغير و تحول لِلأسوأ و الأسوأ. كل شيء مُعقد و مُستَفِز بِشكل كبير لِلغاية، يؤلم مع كُل نفس و زفير مع كل مرة أفكر فيها أو أتصرف بِطريقة كي تنقِذنا مِن أية وضع خطير نجد أنفسنا واقعين فيه بِلا سابق إنذار.

مئات لا بَل ألاف الأسئلة تدور في عقلي، لماذا؟ كيف؟ متى؟ ما السبب؟ حتى أصبحت صُداع في عقلي يؤلم كثيراً.
آوه لقد نسيتُ أن أذكُر لكم، أنَّ كورالينا هي المُخبر الثاني عنكم. خطتكم كما هي بين يداي بِفضلها لأنها لن تَخون مملكتها و أسيادها من أجل حشرات الربيع. أضاف ألترا بِسُخرية كأنه يتحدث مع أطفال قد كشف لعبتهم السيئة.
التفَتُ أنا على كورالينا ثم قلتُ لها بِصوت عميق
لم أثق بِك ابداً.

لم تتفوه هي بِحرف و إنما بقيت واقفة مُشابكة لِذراعيها تحدق بي بِثبات بينما إيماريس بدى و كأنه تم صفعه عشرة مرات على وجهه.
كورالينا. همس إيماريس لها لكنها لم تعره انتباهها.
كل ما خططتم له فشل في لحظة. أليسَ لديكم ذرة أمتنِان على قبولنا لِطلب قدومكم إلى هنا و عقد سلام بيننا؟ هكذا تكُافئوننا بالمُقابل؟ بوضع شاب طائش غير متعلم و مبتدأ على العرش؟ تساءل كوسفا ينظُر لنا جميعنا.

أنتم تستحقون العيش في مستنقع و ليسَ قصر عظيم كَهذا، تتحكمون بِشعبكم على أنهم حيوانات و ألعاب تضحية لكي تصلوا لِمُرادكم المُقرف الشرير. أنا أجد أننا مُحقون بِما خطتنا له. أجابه فالين يُحاول الأفلات مِن قبضة الحُراس لكنهم ضربوه على بطنه و و جهه لِتصرخ فينار بأن يتوقفوا لكن لم يفعلوا و أكملوا ضربه حتى وقع على ركبتيه و الدماء يَسيل مِن فمه و جانب رأسه.

عينيه تحركت على كورالينا و فيها ليس حقد أو كراهية كما ظننت و إنما، حزن، خيبة آمل، لم أراه ينظُر لأحد بِتلك الطريقة من قبل، عينيه تتكلم بِدلاً مِن فمه. أستطيع رؤية صُراخه عليها و التوَسل لها بأن تُخبره أنها لم تخونهم، لم تكذِب عليهم لكي تخدعهم و توصلهم إلى هذه الحالة.
و أنَّ كل ما فعلته مُجرد مزحة سخيفة طفولية.
لكنها لم تتحرك من مطرحها و لا يبدو عليها الندم أطلاقًا.

فالين أعجب بها و هي لعبت بِأوتاره بِخباثة حتى أوقعته في شباكها و عندما حان الوقت، غدرت بِنا جميعنا و بالأخَص هو لأنها ُمدركة كم أنه تأثر بها.
و الأن لا أعتقد أنه سوف يثق بأمرأة أخرى بعدها.
كان يجدُر بي أخبار فالين بِشَكي، كانَ يجدُر بي عدم الوثوق بِها على بتاتًا و وضع خُطة مُختلفة لا تعرف بِها من أجل الحذر، لكن فاتَ الأوان و حدث ما حدث و الأن حانَ وقت النهاية.

نهاية كل ما عملنا عليه و غير ذلك، فالينيا.
ملكها موجود هُنا في خطر كبير و إن مات...
لا!
لن يحدث ابداً.
سوف تندمين على فعلتك. قال فالين لِكورالينا يبصُق الدماء على الأرض لأقسم أنني لاحظت وجهها يتغير لِلحزين بِثانية لكنه عادة بارداً مُتحجِراً كَحجر جُدران القصر.
لا توعد أحد بِشيء و أنتَ على وَشك الوقوع في أيادي الموت، جلالة الملك. أخبره غوانلوا بِغرور.

نظَر له فالين يُرسِل شرارات حارقة لِلسيد لكن غوانلوا ابتسم له بالمُقابل يدير بعدها رأسه علينا قبل أن يخبرنا كوسفا
لن أطيل عليكم و لن أتكلم كثيراً لاني أخمن أنكم مُدرِكون لِكُل شيء.
نعم بأنكَ مُشعوِذ شرير يجب عليه العودة إلى قبره و نومه الخالِد. رددتُ عليه أنا أظهِر أسناني كما يفعل الوحش قبل أن ينقض على ضحيته.
هَمهَم كوسفا قليلاً يومئ رأسه بِخِفة عِدة مرات قبل أن يقول.

كورالينا كشفت أكثر مِن اللزوم لكن لا بأس، كل هذا كانَ مِن أجل هذه اللحظة.
حرك كوسفا يده في الهواء ثم أمَر رجاله الذينَ يُمسكون بِإيماريس
أعيدوه إلى زنزانته و شددوا الحراسة و أحرموه مِن الطعام إلى أشعارٍ آخر.
أومئوا الحُراس لِسيدهم ثم بدأو بِسحب إيماريس بِصعوبة نحوَ الدرج.

و الأن، حانَ دوركم و بِما أنني أستعدتُ قواي بعد فترة أوَد رؤية ما بإمكاني فعله لِمَن يقف في وجهي. قال كوسفا يرفع يديه في الهواء ليَطير الكِتاب لِوحده أمامه في الهواء، صفحات منه تُفتَح بِسرعة كبيرة، صفحة وراء صفحة وراء صفحة و منها يخرُج شُعاع أزرق.

بدأ يُرَدِد كلمات ما لم أفهمها لكني متأكد أنها تعاويذ مِن الكتاب نفسه، عينيه هو أيضًا تُشِع بِلون أسود مائل لِلبنفسجي، لُيسرِع بِترديده التعاويذ بِصوت أعلى بينما الملوك و الأميرات فعلوا ما بِوسعهم لكي يُفلتوا مِن قبضات الحُراس لكنهم ضعفاء، قوتهم لا تفوق قوة الحراس حاليًا.
فَتلكَ السلاسِل تسحب مِن قوتهم و تُضعِف بِنيتهم الجسدية كذلك.

وضعتُ ذراعي الفارغة أمام كانيلا أخبرها أن تبقى ورائي و ريزار أن يكون مُستعِداً لِلهجوم ليومئ هو يقف جنبي و سيفه يُضيء بِهالة صفراء كَسيفي الذي بدأت تُحيطُه هالة بُرتقالية مِن النيران التي أستدعيتها حتى تُصبح ضربة سيفي موازية لِقوة هذا المُشعوذ أو على الأقل قريبة من قوته لكي أحمي مَن معي.

و الأن قوتي لن يكون لها مَثيل في العالم بأسره! قال كوسفا يوَجِّه كَف يده نحونا نحنُ الأربعة يَخرُج الضوء الازرق منها.
وداعًا أيها الأمير. تمتم كوسفا قبل أن تتدفق قوته مِن خارج يده و إلينا لكنها لم تُصيبنا لأنَّ قوة آخرى قادمة مِن خلفنا ضربت جسد كوسفا بِشدة جعلتهُ يرتطم بالطاولة في وسط البهو لِتنكسر لأجزاء و تتناثر في الأرجاء.

ما الذي-- قلتُ أنا لِنلتَفِت إلى الخلف في جِهة قدوم مَصدر القوة التي أوقعت بِكوسفا و الكتاب.
وجدنا شخص لم نتوقع قدومه بعد، يحمِل عصا يتكئ عليها مع أنه لا يحتاجها و إنما هي مجرد أكسسوار، يرتدي ملابس لِطالما أضحكتني، أشعُر أحيانًا أنها من السيرك، لها جيب ساعة و على رأسه قبعة لها عين مفتوحة تُضيء باللون الأخضر مِن لون عيونه الحقيقية.

كاغوا!
أخَذ هو يُسَرِح شاربيه المُلتوية من الأطراف و على شفتيه بسمة صغيرة.
غمز هو لي بِعينه ثم سأل
هل تأخرت على الحفلة؟

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 30 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب