رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثامن عشر

عدد المرات التي ظللتُ أقول كلمة انا متحمسة لِإكسانا لا تُعَد على الأصابع، حرفياً.
في أول أربعة أيام من مغادرتنا لِمملكة فالينيا، كانت المناظر الطبيعية ساحرة بِحق. و كل شيء فيها ملون بألوان الربيع الجميلة و الدافئة. توقفنا قليلاً فيها لكي نشاهدها أو نأخذ استراحة قصيرة.
بعد أربعة ايام تماماً، اختلفت الأجواء من الدافئة و الملونة الى المُمطرة و الداكنة.

الأراضي و الغابات أصبحت خضراء بعُشب قصير و هنالك نهر يجري بِنفس الاتجاه لكنه بعيد عن طرقات الغابة التي نحنُ فيها.
الأمطار ليست غزيرة لكنها موجودة تمنعنا من فتح النافذة بِحُرية من دون ملئ داخل العربة المياه. الأشجار التي تحيطنا عملاقة أو كما تُسميها إكسانا أشجار مَطرية ذات أوراق عملاقة و جذوع ثخينة بِلون بني غامق مائل للأسود و خصيصاً اننا في فترة المساء أراها بِتلك الطريقة.

و كل شيء هادئ عدا أصوات قطرات المطر تتصادم بِسقف العربة و أرواق الأشجار تجعله في الحقيقة مُرخي للأعصاب و مريح لِلغاية فأنا أعشق الصوت و الرائحة.
سيكون من الصعب المشي في الطريق من دون وضع حجاب مَرئي على أجنحتي. سمعتُ إكسانا تقول من جانبي لأبقي عيناي على الغابة أتمعن بِروعتها و عظمتها.

لا يزال لدينا أيام حتى الوصول، ربما قد تتوقف الأمطار قليلاً لكي نخرج. رددتُ عليها بِإيجابية لأنَ جزءً صغيراً بِداخلي يخبرني أنَ المطر لن يتوقف.
مملكة أريزو تُعرَف بِأمطارها التي قليلاً ما تتوقف و لكن لا خطئ بالبقاء إيجابياً في وضع سلبي صحيح؟
من منظوري، المطر ليس سلبي بل العكس تماماً فأنا شخصياً حقاً أحبه و أستمتع بِه كثيراً و مع ذلك زيادته قد تكون مُزعجة.

هل تفكرين بِزيارة عائلة مايكا؟ جعلني سؤال إكسانا العشوائي أحرك رأسي نحوها بِسرعة أرمش عليها باستغراب، لماذا خطر على بالها سؤالي عنهم؟
هل يجب عليّ؟
ابتسمت هي كأنني أخبرتها شيئاً مُضحكاً لتهُز كتفيها لا تَدري.
انتِ أدرى.
رخيتُ كتفاي أعيد ظهري على المقعد بِشكل أفضل ثم أخرجتُ زفيراً عميقاً من فمي أحدق بالمقعد المقابل لي التي تجلس عليه خادمتي التي تُشَخِر منذُ ساعات في نومها.

لا أعتقد انها فكرة سيئة بِرؤيتهم. أكملت إكسانا رأيها لأنظُر على يداي فوق حضني.
انهم ليسوا على تواصل معنا بِسبب ما حصل في الماضي و حتى لو كانوا قادرين على ذلك فَلا أعتقد انهم سوف يرسلون الرسائل له أو يقبلون بي.
هل يعرفونكِ؟
هَززتُ رأسي أنفي ذلك من دون النظر لها.
الأمر أكثر تعقيداً مما ظننت. قالت هي.
ارتفعت زاوية من شفتاي للأعلى على كلامها لكني لم أضيف شيئاً بعدها لأنني لستُ أدري ماذا أقول.

انا لم أراهم في حياتي ولكني كنتُ أسمع عنهم من الملك فالين أو مايكا نفسه الذي نادراً ما يتكلم عنهم فَكيف لي رؤيتهم من دون سابق أنذار فقط لأنهم عائلة خاطبي؟
و مع ذلك أوَد رؤيتهم و التعرف عليهم، هل هُم يريدون المثل؟
لا تفكري بِجهد سيدتي أو ليسَ الأن على الأقل و خذي النوم فهو وسيلة لِتضيع الوقت كي لا يخطُر على بالك. أخبرتني مرافقتي الصغيرة لأرفع رأسي لها و ابتسم.

انها حقاً لطيفة و تعرف كي تجعل همومي مُجرد أفكار ضئيلة في زاوية من دماغي.
انا مِن الأساس ذاهبة الى أريزو لكي أرى سيري و أبنها ليس إلا لهذا لماذا سأفكر بِزيارة أشخاص لا أعرفهم؟
ركيتُ رأسي على جدار العربة ثم حاولتُ أغماض عيناي لأستسلام لِلنوم و الحلم بِأشياء جميلة لعَل الوقت حقاً يمضي و يُصبح وصولنا الى المملكة أسرع.

تصبحين على خير سيدتي. تمتمت إكسانا في أذُني لأبتسم لا إرادياً على نعومة صوتها و أغُط في نوم عميق.

سمعتُ أصواتً هامسة من مكانٍ ما، بعيدة بعض الشيء و غير واضحة جداً حتى شعرت بِعجلات العربة لا تتحرك و لا حوافر الأحصنة على الأرض.
جفون عيوني ثقيلة تُصَعِب عليّ فتحها جيداً لكن كِفاية لأرى ضباباً منها و رؤوس عبر النافذة. رأسي ما يزال على جدار العربة كما تركته عندما غَفوت على ما أظُن لم أقدر على تحريكه لأنني مُتعبة.

هنالك أثر لِلنعاس يَمنعني من الاستيقاظ للأخِر لهذا تركتُ نفسي أستمع للأصوات الهامسة و المطر المنعش.
المكان بارد بعض الشيء.
هنا؟، هل انتَ متأكد؟ هذه النبرة الرجولية الأجشَ أعرفها.
انها نبرة الأمير فالكين. هل هو خارج عربته؟
عثرنا على الأولى في هذا المكان بينما الثانية هناك. أجابه صوت رجل أخَر فيه بحة لا أعرفها لِمَن.
ماذا عن الثالثة؟ هذا صوت ثالث أذكُره على انه يعود لِصديق الأمير، ريزار.

أمممم خلف تلكَ الأشجار القريبة من النهر ولكن كان الطين يُغطيها لهذا أخَذ منا يومين لِلعثور عليها بالصدفة. رد عليه الرجل ذو البحة في صوته.
عَم صمت بينهم جميعاً و انا حاولتُ أبقاء أذُناي معهم أستمع لهذه المُحادثة الغريبة التي لم أفهم منها شيئاً.
علي من عثروا؟ و عن ماذا يشيرون بِكلامهم بالضبط؟ شيء ما؟، أم شخص ما؟
هذا مُحير لِلغاية.

مَن أول شخص رأى أول واحدة أو الاثنتين معاً؟ تساءل فالكين يكسر الصمت بين قطرات المطر التي تملئ الأجواء.
هَمهَم الذي لا أعرف مَن يكون قبل أن يجيبه
تاجِر كان مع رجاله ينقُل بضاعة من أريزو الى أسليرا و عثر عليها.
هل هو موجود في أريزو؟
لم يجبه على الفور لأظُن انه لن يفعل لكنه قال بِصدق في كلماته
انه في أسليرا و سوف يعود بعد ثلاثة أيام الى المدينة.
جيد جداً، أعطنا اسمه الكامل.

و قبل ذلك هل رأيتم اية شيء مُثير لِلشُبهات أثناء بحثكم؟ سأله ريزار.
لا، لا شيء و إن كان يوجد فَعلى ما يبدو أنَ المطر مسح الأثار لهذا الصيد في غابات أريزو شبه مستحيل لكونه صعب جداً.
و لا يعلم بالأمر غيركم صحيح؟
عَم صمت أخَر بينهم كأنَ الرجل الغريب يُفكر قبل إجابته لِريزار
لا، نحنُ فقط.
جيد جيد.

سمعتُ أصوات أقدام على الطين تتحرك باتجاه العربات لأرفع الغطاء عليّ أكثر أغطي نفسي و أتظاهر بالنوم. أحسستُ بأحدهم يقف عند نافذتي لا أعلم مَن يكون لكن كما تعرفون هنالك ذلك الشعور في قلبك و عقلك يُخبرك أنَ عيون تحدق بك.
هذا ما أشعر به الأن. عيون تحدق بي ليس بِطريقة تُخيفني ولكن، غريبة، لم أتزحَزح من مكاني أو أفتح عيناي لكي أرى الشخص و في النهاية تحرك و غادر ليُصدِر صوت فتح باب عربة و أغلاقها.

بعد لحظات مِن التوقف، بدأت العربات تتحرك من جديد تمشي في الغابة الكبيرة الى وجهتنا بينما انا بقيتُ أدير المحادثة العجيبة بين الأمير، صديقه و الرجل المجهول في عقلي لكي أفهم ما يعنوه.
طبعاً لم أفهم فَلا شيء منطقي بِكلامهم لهذا أغلقتُ باب الفضول و تركتُ مِن النوم يتملكني فَهنالك المزيد من الأيام على حسب ما أعرف حتى وصولنا الى المملكة.

الحمدلله أنَ الطريق لم يكُن مزعجاً أو قاتلاً كما ظننت، بل مُضجراً بعض الشيء لكنه ليس سيئاً لذلك الحد.
مُرافقتي و الخادمة ساعدوا بأبقاء الجلوس في عربة لِساعات طويلة ممتعاً، فَليس لي أصدقاء أخذهم معي في رحلات أو أختلط معهم في المجتمع لأسباب كثيرة لن أذكرها الأن.
لا رغبة لدي لدخول موضوع طريقه مُعقد و نهايته أسوأ.

علي أية حال، و صلنا و أخيراً الى مملكة الغابات العظيمة و التي تشتهر بِلونها الأخضر و بأشياء تُميزها عن باقي الممالك الأخرى.
كيف عرفت اننا وصلنا و نحنُ لا نرى شيئاً بعد؟
حسناً بكل بساطة لأنَ كل شيء يُحيطنا بِعشب أخضر جميل، الأرض، على الأشجار و في كل مكان، الخضار يتلبسها كَطبقة أخرى و لمُفاجأتي المطر لم يتوقف لطنه خفيف جداً، لأفتح انا النافذة و أخرج رأسي قليلاً أرى نهراً أمامنا.

ناعِم الشكل و هادئ كَهدوء الرياح. الشمس ساطعة تُلامس بشرة وجهي تدفئه بِلُطف وعلى الأشجار في الأعلى توجد بيوت ذات أحجام متوسطة و هنالك مَن ينظُر الينا عبر النوافذ بِفضول.
توجد جسور من الخشب مُعلقة على الجذوع و طرق صغيرة تصل بين كل بيت و بيت يبدو كأنها تَطفوا في الهواء.
لم أرى أحَد الأريزويين خارج منازلهم لكني مِن هذا كله عرفت اننا وصلنا.

شخصياً و بالنسبة لي، أريزو أجمل مملكة في عيناي. قالت إكسانا تطير لِتقف على حافة النافذة و عينيها مُتوسعة يديها على وجنتيها مُنبهرة.
هذا لا شيء بعد. أخبرتها بِثقة أرجع لكي أجلس باستقامة على المقعد أبتسم لِلخادمة. انها من الجنيات بِشعرها مِن لون الرِمال و بشرتها البيضاء.
في أذُنيها المُدَبَبة أقراط ذهبية تتحرك مع تحرك العربة، أعرف انها هدية من زوجها عندما تزوجا قبل سنة تقريباً.

انها جميلة و لديها وَجه طفولي، لا تمتلك أطفال بعد على حسب ما أخبرتني به لكني متأكدة انها سوف تكون أماً رائعة ذات يوم.
مشت العربات لِعمق أراضي المملكة أكثر مِن قبل حتى بدأت أشعة الشمس القوية تتلاشى بين أوراق الأشجار، لا تزال موجودة تُنير الغابة ولكنها كالمُختبئة تنبُع أشعتها بين حين و أخر.
سيدتي! فجأة ناداني راث حارسي الشخصي من مكانه على بِجانب السائق خارج العربة.

ما الأمر راث؟ سألته أخرج رأسي مجدداً من النافذة أرى جزمته و طرف من درعه فقط الذهبي.
بِحسب أمر الأمير سوف نأخُذ فترة استراحة في هذه القرية.
رفعتُ حواجبي بِتساؤل لكني لم أناقِش الأمر معه فَهو فقط ينقل الخبر و الأمير بعيد لن أصل له من هنا لهذا قلتُ لِراث
حسناً كما يشاء.
أعدتُ رأسي الى الداخل أجد إكسانا تحدق بي. أغلقتُ النافذة أدع مِن الستائر في محلها لا أحجُب بها المنظر الجميل.

هذه فرصة رائعة لاكتشاف هذه المملكة قبل دخولنا الى مدينتها، لقد سمعت أنَ القُرى متمركزة في قلب غابة أبيرو الشهيرة و الكبيرة و يحميها سحر الملك تيريان نفسه. أخبرتهما كلاهُما عندما لم يتفوه أحدهم بِكلمة.
لم تري قرية من قبل؟ سألتني الخادمة التي تُدعى دافني.
هَززتُ بِرأسي مجيبة
لقد عشتُ في المدينة لِمدة قصيرة ثم انتقلتُ الى فالينيا مع مايكا.
إذاً انها مغامرة اكتشاف لكِ انتِ ايضاً سيدتي.

أومأتُ أؤيدها الكلام.
على ما أعتقد أنَ قرار سمو الأمير بالتوقف في إحدى القُرى قراراً ممتازاً لنا جميعنا. أضافَت إكسانا أرى سعادتها مرسومة على وجهها الصغير أشعُر بِهالتها السعيدة تصل لي.
بعد مرور المزيد من الوقت بدأت العربات بالصعود على طريق مرتفع بعض الشيء يميلنا في عرباتنا الى الخلف لأنظُر عبر النافذة و أخرِج شهقة من فمي لم أتحكم بها.

انها قرية صحيح، لكنها ليست على الأرض بل على الأشجار و نحنُ فوق الأرض تماماً على ارتفاع جعل من نبضات قلبي تزيد أحس بها في معدتي.
مِن حولها و أسفلنا شلالات خيالية تبدو مياهها بِسبب جريانها السريع، كالغيوم أتمنى لمسها لِنعومتها و لونها الأبيض كَبياض الثلج.
المنازل على الشجر مصنوعة من الخشب الصُلب و من حولها فوانيس سحرية باللون الأصفر المائِل للأبيض و البرتقالي الخافِت.

و أضواء ايضاً أراها تُضيء المنازل مِن الداخل بما أنَ نور الشمس ليس قوياً و هُم في غابة تملئها الأشجار العملاقة. كما في بداية دخولنا لِلمملكة، جسور تصل بين طرقات و منازل مُتصلة بالجذوع تهتز كلما مشى عليها أحدٌ ما و نحنُ مِن ضمنهم.

العربات تمشي على جسر مُهتز تخيلتُ لِلحظة اننا سوف نسقط و نُلقي حتفنا لكن السحر هنا قوي لن يسمح لِحوادث كهذه بالحدوث، أظن.

كلما صعدنا للأعلى كلما ظهروا القرويين، أراهُم يطيرون من مكان لأخر بأجنحتهم الصغيرة مُقارنةً بالجنيات الكبيرة، يرتدون ملابس خضراء من أوراق و عروق نباتات تبدو أنيقة و مناسبة أو فقط فساتين على طريقتهم لهم حتى الأحذية خضراء أو ملونة نهايتها ملتوية للأعلى بشكل نصف دائرة أما النساء و الفتيات منهم صنادلهم بِشرائط تلتف حول ساقهم.

لقد سمعت أنَ مخلوقات البيلادو خُلقت على هذه الأرض و تعيش بين الشعب أو لوحدها تخدُم نفسها و إذا أرادت، تخدم غيرها كما تفعل إكسانا و مرافق فالكين، بلايز.
يا للهول! صاحت إكسانا تجعلني أنتفِض بِتفاجئ من صوتها لأنظُر لها تشير على شيء ما عبر النافذة.
حركتُ نظري باتجاه أصبعها لا أفهم على ماذا تشير ولكن بعد ثوانيٍ سريعة رأيتُ ما تعنيه.

مخلوقات البيلادو في كل مكان ترافق القرويين و تطير في الأرجاء تحمل بيديها الصغيرة أغراض ما تُساعد غيرها بِنقلها.
يا اللهي حقاً.
كل شيء يصرُخ سحر هنا يقشعر جسدي بأكمله منه.
لستُ معتادة على كمية هائلة منه في أنٍ واحد مع أنَ هذا العالم كله سحري و مع ذلك هذه القرية في كل ذرة من هوائها سحر، ثقيل على بشرية مثلي لديها القليل من سحرهم في عروقها.

في غمضة عين طارت إكسانا الى النافذة بِسرعة خارقة لأتحرك انا بِنفس السرعة أغلق النافذة، ارتطمَت هي بِقوة بالزجاج تُخرِج من فمها كلمة أوتششش طويلة، ثم وقعت فوق حضني تتأوه ألماً.
لماذا فعلتِ هذا؟ سألتني هي تضع يداً على جبينها.
الى اين كنتِ تظنين نفسكِ ذاهبة؟ سألتها بِحاجِب مرفوع.
نهضت هي جالسة فوق فخدي مُتربعة الساقين أسفلها و متكتفة الأذرع.
اللأكتشاف، فهنالك مَن هُم من أمثالي في كل مكان.

و هل نسيتِ واجبك يا أنسة عندما غلبكِ الحماس و الفضول؟
حدقت هي بي بتلكَ العيون الكبيرة من دون التفوه بِحرف كأنها تذكرت الواجب الذي أعنيه. تنهدت هي تُمَرِر أناملها بين خصلات شعرها الطويل بعدها وقفت على ساقيها التي عليها مُلتفة شرائط صندلها البني.

حلقت في الهواء تجلس على حافة النافذة المغلقة تراقب الخارج. شعرتُ بالأسف على ما فعلته بها انا لم أكُن أقصد بِحبسها معي ولكن يجب عليها الانتظار الى أن نتوقف كي لا تضيع أو تتأذى لا أثق بِكونها وحيدة بعد.
لقد تربت في القصر و لا تعرف جيداً حياة كَهذه بعد.
سوف أعتذر لها على طريقتي حين نصل، فَهذا وعد سري لها.

توقفت العربات عن التحرك ثم بدأت الأبواب تفتح من قِبَل الحرس الملكي الذي يرافقنا. نزلنا جميعنا منها و أصبحت رؤية القرية أكثر وضوحاً بِوساعتها و روعتها الهندسية البسيطة لكن الذكية.
مَن يطير في الأعلى توقف لِلحظة كي ينظروا لنا و منهم مخلوقات البيلادو لِدهشتي ابتسموا لنا بِرقة ثم أكملوا طريقهم و عملهم يعلمون مَن نحن و لكن لا يهتمون حقاً.
جميل، إذاً هنا حرية التجوال أفضل من أية مكان.

واو هذا عجيب بِشكل جيد. سمعتُ ريزار يقول من جانبي لأحرك رأسي نحوه أراه مع فالكين و حارسه توك.
تقابلت عيناي بِعيون الأمير الأرجوانية الفريدة و المسحوبة ليبتسم لي ابتسامة جانبية قبل أن يُعيد تركيزه لأمامه على القرية بأكملها من هذا الارتفاع الذي نحنُ به.

بِتلكَ البسمة شَبّهتُه بِريس كثيراً، كلاهما وسيمان و لديهما ما يتميزان به عن الثاني لكن فالكين لديه وسامة الشُبان اليافعين بِملامح لا يُمكن وصفها و هذا منطقي لأنَ الجنيات بشكل عام لديها جمال يَصعُب عدم التحديق به، ليسوا كالبشر فَهُم جميعهم لديهم مظاهر رائعة.
ماذا الأن؟ سأل ريزار لا أحد بالتحديد يديه على خصره.

الأن هو قدومكم معنا الى المنازل المُجهزة لكم يا سادة و سيدات. مِن مكانٍ ما أتى الينا رجلاً يطير بِجناحيه الشفافة فيها عروق خضراء نحونا مع رجل أخر أو شاباً و امرأة من سِن الرجل أو هذا ما حسبته.
وقفوا ثلاثتهم أمامنا كبيرهم يرتدي رداء أخضر طويل و صندل بني
(بالصندل هنا ما أعنيه أنه الحذاء الذي يكشف الأقدام و من لا يعرف ما هو أبحثوا بالأنترنت).

يديه خلف ظهره، يمتلك شعر رمادي طويل يصل لِظهره و لحية كثيفة بِعيون زرقاء، الشاب الذي معه يشبهه لِلغاية.
انه بشعر بني كستنائي قصير لديه نفس العيون يبدو في سن الثامنة عشر أو أكبر يرتدي ملابس خضراء كلها بينما المرأة التي معهم بِشعر رمادي مُنسدل على ظهرها و لديها عيون وردية ترتدي فستاناً أبيض عليه عروق خضراء بسيطة.

عائلة ربما؟ الشاب يُشبهما كثيراً، لديه وجه الامرأة و عيون الرجل.
انتَ لودفيك؟ تقدم فالكين يترأسنا يواجِه الرجل كبير السن لينحني الرجل و معه مَن يرافقه باحترام.
نعم سمو الأمير، أجابه يستقيم ليرفع يداً و يُشير على المرأة يتابع
هذه زوجتي العزيزة هِند، أومأت لنا جميعنا بِرأسها بِخفة ثم أكمل لودفيك التعريف عن أخرهم.

و هذا ولدنا الوحيد لوديان. و انا قائد هذه القرية المُتواضعة التي ستكون في خدمتكم حتى مُغادرتكم إياها.
مِن الجميل التعرف عليكم، انتم عائلة جميلة و لديكم قرية ساحرة. أخبرهم فالكين ليومئ له لودفيك بِشُكر.

عندما سمعنا بِقدومكم أخبرنا جلالة الملك بالاهتمام بكم على انكُم ضيوفه و نحنُ لِفرحتنا أعددنا لكم منازل خاصة بكم لكي تقيموا بها حتى حين. قالت هِند تُشير على القرية تُحيطنا من كل جهة تضع بسمة دافئة على شفتيها النحيلة.
هذا لشرفٌ لنا أن نكون ضيوف الملك تيريان و شكراً جزيلاً على الاستقبال. قال فالكين بِلطف.

أجده مُختلف عندما يستعمل نبرته الملكية و طريقة تحدثه تُبهرني فَهو لا يتكلم بتلكَ الطريقة معنا أو مع مَن هُم في قصر فالين و مع ذلك أعجبتني هذه الشخصية عدا انها تُذَكِرني بِريس مجدداً.
أخرجتُ زفيراً مِن فمي صامتاً لا يسمعه أحَد غيري.
حسناً ما الذي ننتظره؟ هيا دعونا نأخذكم الى المنازل. قال لودفيك لتظهر مجموعة مِن القرويين بِوجوههم البشوشة من السماء و تهبط عندنا.

خذو الأغراض و أنقلوها الى أماكنها. أمرهم الابن لوديان ليومئوا هُم و يبدأ بِحمل الصناديق و كل الأغراض المهمة.
تبادلتُ انا و إكسانا النظرات بِصمت ثم أعدناهم على الباقي نراقبهم يحملون كل شيء و يطيرون في الهواء بعيداً عنا.
سمو الأمير الرجاء القدوم معي انا و زوجتي فَمكان سكنك قريب منا و مشترك مع أخرين إن لم تكُن تمانع. أخبره لودفيك يجذُب انتباه الأمير.
أخرين؟ تساءل فالكين رافع الحواجب.

أعني مع مَن يرافقوك سموك و ليس أحَد غريب.
أومئ فالكين بِتفهم من دون اعتراض لِتقترب مني انا و الخادمة السيدة هِند خطواتها خفيفة كالريشة لم أسمع بهم إلّا عندما سألتني قائلة
إن لم أكُن مخطئة، انتِ السفيرة البشرية الأنسة هاندسين؟
نعم انا هي، ولكن كيف عرفتِ؟
أخرجت قَهقهة صغيرة راقية من حلقها مجيبة
الملك تيريان أخبرنا كما اننا نعلم عن عيشكِ هنا قبل سنين طويلة.
أرى انه أخبركم الكثير، لا؟

قَهَقَهت مجدداً تضع يدها المكورة على فمها
ليس الكثير، فقط ما هو مهم، توقفت لِلحظة تنتبه على إكسانا لتكمل
لديكِ بيلادو كَمرافقة.
نظرتُ لإكسانا بِردة فعل قائلة
نعم، انها تدعى إكسانا إحدى مرافقي قصر الملك فالين.
انتِ جميلة. مَدت هِند يدها نحوى إكسانا لِتنظُر لي مرافقتي بِتردُد كأنها تأخُذ مني الأذن.

أومأتُ لها مبتسمة أسمح لها بِفعل ما، لستُ أدري ما هو لِتطير إكسانا الى أصبع هِند و تحُط عليه بِرقة. قربت هِند أصبعها من وجنتها ثم لامست رأس إكسانا بِه تغمض عينيها الوردية لِتُشِع إكسانا باللون الأبيض تجعل عيناي تتبحلق بِصدمة.
لم تظل على هذا الحال إلا لِثواني مَعدودة لِتُبعِد هِند إكسانا عنها و تدعها تطير إليّ.

لدينا تواصل روحي بين شعب أريزو و مخلوقات البيلادو فَكما ترون هذه المملكة مليئة بهم. بررت لنا هِند موقفها لِأهمهِم بِدهشة مع انني أعلم بالأمر ولكن نسيته.
أذكُر أنَ قصر تيريان كانَ مليئاً بالبيلادو بل أكثر من قصر فالين، مخلوقات البيلادو من الغابات و الجبال لهذا من المنطقي أن يكون لديهم صِلة بينهم و بين شعب أريزو بالذات و مع ذلك الأمر يدهشني كل مرة.

سمو الأمير و الأنسة هاندسين و خادمتها انتم تعالوا معنا، أما الباقي فأذهبوا مع لوديان، وَلدنا سوف يأخذ أصدقائكم الى منازلهم القريبة. أعادنا صوت لودفيك إليه أرى أنَ ريزار و بعض الحراس ذهبوا مع لوديان يمشون فوق جسر مِن الجهة الأخرى.
انتظروا لحظة، ما الذي يعنيه بِ انا و الأمير معهم؟
و كما لو قرأت هِند أفكاري أو ربما كانت مشاعري المُتعجبة واضحة على ملامح وَجهي، أخبرتني هي تضع يداً على كتفي الأيمن.

منزلين بِجانب بعضهما بينهما جسراً صغيراً و حديقة مُشتركة سيدتي.
استدرتُ اليها بِوجه مُسترخي أشكُرها على شرحها، فأنا امرأة متزوج، أعني مخطوبة لا يجب عليّ مشاركة منزل مع رجل أخَر.
متزوجة، يا لِلسخرية.
ولكن لدينا مشكلة صغيرة. قالت هِند توجه كلامها لنا انا و الأمير.
ما هي؟ سألهم فالكين يديه في جيوب بنطاله، حركة تَدُل على فضوله أو عدم اكتراثه ولكن في هذه الحالة، أعتقد انه فضولي.

إنَ الجسر الذي يقودنا الى منازلكم، فيه خلل قيد الأصلاح لأنَ منذُ أيام هجموا علينا مجموعة من عشيرة البيلافي لهذا اضطُررنا بِقطع السحر عن الجسر لكي نتخلص منهم. أجابه لودفيك مُعقد الحواجب يذكُر ما حدث و الأمر الى الأن يغضبه.

(عشيرة البيلافي تم ذكرها عِدة مرات في الرواية الأولى و في هذه حتى، و هم مخلوقات ذات بشرة زرقاء جداً و شعر أسود يعيشون في المياه و البراري معاً، لديهم أسنان حادة جداً و عيون سوداء، عاريين الجسد و بعضهم يرتدون ما يُغطي الأماكِن المكشوفة و لديهم حراشف، منهم شرير و منهم أخيار يأكلون البشر إن شاءوا أو أية شيء و غير محبوبين من أية مملكة).

أتمنى أنَ الجميع بِخير ولكني مازلتُ لا أرى المشكلة. قال فالكين ما يزال لا يفهم المشكلة على ما يبدو لكني انا خمنت ما هي.
الحمدلله لم يُقتل أحد لكن أصيب البعض و اننا نهتم بهم جيداَ حتى يستعيدوا صحتهم، و بالنسبة لِلمشكلة هي مشكلة الأنسة هاندسين. رد عليه لودفيك ينظُر نحوي.
نظَر الجميع عليّ بِتوحُد يجعلوني متوترة لأضع يداً على رقبتي، كلما توترت أفعل هذه الحركة لا تلقائياً.

بأمكاننا الوصول الى المنازل عبر الطيران ولكنها لا تملك أجنحة أو سحر يجعلها تطير لهذا إن وافقتِ على جعل أحَد أصدقائنا بِحملك فالمشكلة حُلت. أخبرتنا هِند لأميل رأسي على جنب كالعصفور المُحتار.
حملي الى المنازل؟ سألتهم انا ليومئوا بِنعم على ذلك.
إن اعترضتِ فَلا بأس سوف نجد حلاً أخ--
انا سأفعلها. قاطعه فالكين قائلاً لأشيح بِنظري عليه أرمش كالتي تم صفعها على وجهها.

أستمحيكَ عذراً سموك؟ قال لودفيك بدلاً عني.
بِعينيه الأرجوانية الناعِسة نظَر لي فالكين ثم على لودفيك ليُجيبه
أعني انا الذي سوف أحملها الى المنازل فَلا أعتقد أنَ أحداً منكم سوف يقدر على ثقلها.
قال أخر كلمة يغمز لي بِعينه ليضحك مَن معنا بينما انا أعلم أنَ وجهي يحمر خجلاً و أحراجاً أعَض على شفتي و أرمقه بِنظرات لكني لم أستطع منع نفسي مِن مشاركتهم الضحك.

و مع ذلك، فقع سؤالاً في دماغي جعل مِن الضحكة تختفي بِبطء.
هل انا سمينة؟ لم انتبه على أكلي في أخِر شهر فَهل كسبتُ الوزن؟
تباً لِجسدي الذي يزيد وزنه بسرعة إن تنفست و يَصعُب فقدانه، انها مُعاناة حقيقية مؤلمة.
هل توافقين سيدة هاندسين؟ أرجعني سؤال هِند لِلواقع ليعُم الهدوء من حولنا.
أخذتُ نظرة خاطفة على فالكين الذي لا ينظُر لي بل على الأرض يركُل حجرة لتتدحرج و تسقُط من على الحافة و الى الأسفل.

أمممم، نعم، أوافق. ردتُ أحُك رقبتي بأطراف أصابعي لتبتسم هِند تومئ قبل أن تبدأ أجنحتها و أجنحة زوجها بالتحرك لكي يطيروا.
خادمتي دافني أخرجت هي ايضاً أجنحتها بِريشها الأبيض و فيه بعض الرمادي لتَطير مع الزوجين و إكسانا تبعتهم تنتظرني.

تقدم فالكين إليّ بِخطوات بطيئة يديه لا تزال في جيوبه. استدرتُ له كاملاً أرفع رأسي حتى أنظُر على وجهه ألاحظ انه أطول قامة من مايكا مع انني رقصتُ معه عِدة مرات إلا اني لم ألحَظ ابداً، ثم سمعتُ صوت تمزُق بسيط من خلفه لتظهر بِنفس اللحظة أجنحته الكبيرة السوداء.
تُرَفرِف بِعظمة و تخلق هواءً يُحرك شعري الى الخلف و بعض الغبار من حولنا، لديه أجنحة جميلة، أجنحة عائلة لوماريل الملكية التي لا مثيل لها.

أردتُ التقدم و لمسها لكونها تبدو ناعمة الريش فَهو ايضاً كبير بِحجم كَف يدي لكني لم أفعل لأنَ أجنحة الجنيات خَط أحمر.
لا يجب على أية كائن لمسها من دون أذنهم و هي حساسة جداً أو إن أصَح التعبير أكثر شي حساس لديهم، إن تأذت، تأذوا هُم بِشكل كبير و عندما يفقدونها، يصبحون مختلفين، يمرضون، يكتئبون أو أسوأ، بعضهم ينتحِر.

انها رقم واحد بالنسبة لهم، فَهذا ما أخبرني به طبيب القصر الملكي في فالينيا و كل شخص سألته عنهم.
لمس جناح أمير أو ملك يُعَد جنوناً و لكن لا ضَرر بالتَمني لا؟
كيف لنا أن نفعل هذا؟ انا سألته بِتوتر لأنني لم أطير في حياتي كلها و لم أدَع مِن أحد أن يحملني و يُحلق بي.
الفكرة مُرعبة بعدما أدرتُها في رأسي، يداي بدأت تتعرق و حلقي جاف يؤلمني كلما بلعت كأنما أشواك تنغزني من الداخل.

فقط أثبتِ و لا تتحركي. أجابني يتقدم مني أكثر حتى أصبحت حرارة جسده تُغطي على البرودة البسيطة التي كنتُ أشعُر بها.
فتحتُ فمي لكي اسأل كيف لي أن لا أتحرك و أظل ثابتة لينحني يضع يداً أسفل ركبتاي و الأخرى خلف ظهري. رفعني بِقوته و بردة فعل لفَفَتُ أذرُعي حول رقبته مُغمضة العينين لأنه أنطلق بِسرعة مِن دون أية سابق أنذار.

الهواء يضرب وجهي بِقسوة إثر الضغط، أخرجتُ صرخة مِن فمي قصيرة ليتوقف الهواء عَن ضربي و تكسونا السكينة.
بأمكانك فتح عينيكِ كانيلا. هَمس فالكين لأفتح عيوني بِبطء شديد الخوف مَزروع بِقلبي و عندما فعلت، لم أندم ابداً.
مِن هذا العلو، منظر القرية كاملة رائع جداً لا مثيل له على الأطلاق. بدت ضئيلة و فوانيسها كَشُعلة الشمع، المنظر خاطف للأنفاس، قلبي نسيَ كيف ينبض و أنفاسي علقت بِحلقي.

يا روعة المنظر. تمتمتُ بِلسان مُخدر.
هل هذا ما تراه كلما حلقت فوق مدينة الشمس أو القصر؟ سألته أنظُر له لأتفاجئ، لأنَ وجهُه قريب من وجهي أنفه يكاد يصطدم بِأنفي و عينيه الجميلة تحدق بي، أرى تفاصيلها التي لم ألحظها يوماً. بين اللون الأرجواني الفاقِع، توجد خطوط صفراء و برتقالية مائلة للأحمر كالعروق أو هي عروق، ليفقز قلبي من مطرحه بِصُعق.
يالا روعة الخالق.

نعم، أجاب هو عن سؤالي يُبعِد وجهه عني ليبدأ بالتحليق خلف مَن نادوا بنا لأنَ الشمس بدأت بالغروب ولا يريدون التأخُر.
حركتُ رأسي لأمامنا عيناي تحوم حول القرية أسفلنا أحاول عدم الظهور مُحرجة أو متوترة أما شكل عينيه بتفاصيلها علق في رأسي.
كيف يمكن لِشخص امتلاك شيء مثلها؟
الَم تُجربي الطيران من قبل؟ كَسر فالكين الصمت الذي تغلبه نسمة الهواء الخفيفة تحرك من ملابسنا و شعرنا بِرقة.
لا، لم أفكر بالأمر يوماً.

ماذا عن مايكا، ، لم يقترح عليكِ؟
هنا اختلستُ نظرة عليه وجهُه ثابت لا تعابير عليه.
لا، و انا لم أرد ذلك فأنا لستُ صديقة لِلمرتفعات.
لم يبدو عليكِ هذا عندما فتحتِ عينيكِ.
ضحكتُ بِخفة أّخمن كيف كانَ شكلي لأهُز رأسي أشعر كأني حمقاء.
شكل القرية أنساني الخوف.
و ليست يداك الدافئة تُشعرني بالأمان فأنها ساعدتي كثيراً.
كدتُ أن أتفوه بِذلك مِن حُسن نية لكني غيرتُ رأي و ركزتُ على ما يوجد أسفلنا.

هَمهَم فالكين بِفم مغلق ليغلق الموضوع و يُكمل تحليقه خلف الأخرين أرى إكسانا تبتسم بِشدة على شيء ما قالته هِند خمن بعيد.
بعد تحليق دامَ قليلاً هبطنا جميعنا على جذع شجرة عليها منزلين و بينهما جسر صغير كما ذكرت هِند يفصلهما عن بعضهما.
و مِن حولهما فوانيس و حشرات الليل المُضيئة تُصدر صريرها لِبعضها.

المنزل الذي على اليسار بِنفس حجم الأخر، مِن الخشب ذو طابقين و على جانبه الجسر الذي يأخُذنا الى المنزل على اليمين.
(ملاحظة الأشجار ضخمة جداً هذا يعني انها أكبر من حجم الأنسان بِألاف الأضعاف).
أنزلني فالكين من يديه لأقف على ساقاي يُبقي هو يداً على ظهري لكي لا أقع لِفقداني توازني.
شكراً لك. قلتُ له ليومئ هو مع ظهور شبح بسمة على شفتيه الوردية.

المنزل على اليسار لِسمو الأمير بينما الثاني لكِ يا أنسة. أخبرتنا هِند.
واو انه حقاً رائع! قالت إكسانا مع بلايز سوياً أذكُر الأن أنَ بلايز موجود معنا.
هل لنا بالبقاء هنا قليلاً؟ سألتني إكسانا تَقلِب شفتيها و يديها على شكل قبضة أمام جسدها بِترَجي.
تريدون التجوال لوحدكم؟ سألهم فالكين مُضَيّق العينين.

نعم نعم! قالاً سوياً من جديد يجعلوني أقَهقِه مِن خلف يدي على لطفهم، انهم كالأطفال إن شاءوا يعرفون كيف يرضونا.
ألا تريدون رؤية المنازل؟ انا سألتهما.
سوف نلحق بكم فأنه لن يتحرك. أجابني بلايز ينُظر على المنازل كأنه يتأكد من انهم حقاً لن يتحركوا.
تنهد فالكين مُفكراً قبل أن يقول
حسناً أفعلا ما يحلوا لكما لكن كونا حذرين و لا تضيعان.

لن يضيعان سموك، المكان مليء بالبيلادو و بمَن هُم على استعداد لِلمساعدة فَلا تقلقوا عليهم انهم في أمان. أخبرنا لودفيك بِثقة نفس لأبادل فالكين النظرات لِثانية ثم نسمح لِلمُرافقين بالذهاب.
إذاً هل نذهب الى منزل الأنسة أولاً؟ اقترحَت هِند علينا.
لنذهب. قلتُ انا متحمسة لرؤيته عن قُرب، يبدو لطيفاً من الخارج لكن لستُ أعلم كيف هو من الداخل.

أخذنا طريقنا الى المنزل الأيمن نَعبر جسر مختلف عن الذي يصل بين المنزلين ثم وقفنا أمام الباب الخشبي لتضع يدها المُجعدة على المقبض ليضيء باللون الأخضر بعد ذلك فُتح الباب تلقائياً بِمفرده.
لا تحتاجون المفاتيح، بِلمسة يد منكم انتم فقط تقدرون على فتحه، أغلاقه و أقفاله و لا أحَد غيركم من بعدنا قادر على الدخول.
تَكَور فمي على شكل 0 فكما قلت من قبل، كل شيء يعجه السحر الثقيل أحس به في عظامي.

تفضلوا. تركتنا ندخل أولاً لأقابل شبه ما توقعته.
كل شيء من الخشب، حرفياً، الأرضية، الجدران، السقف العالي و الأثاث. غرفة الجلوس هي أول ما يظهر لنا و تأخذ كل المساحة، الكنبة من القماش طبعاً لكنه بني اللون في منتصف الغرفة و بينها منضدة خشبية عتيقة فوقها مزهرية ورود و أبريق مياه.
قريبة مِن مدفئة حطب بِطريقةٍ ما لا تحرق المنزل بأكمله.

سحر طبعاً فَماذا توقعتم؟
علي يساري شُرفة تُطِل على المنزل الذي سيكون خاص بِفالكين و على الجسر الذي يفصلنا. و عند الأبواب طاولة كبيرة لِلطعام و حولها كراسي عليها وسادات حمراء تبدو طرية جداً.
هنالك تماثيل منحوتة من الخشب على شكل حيوانات و مخلوقات سحرية و بعض اللوحات الفنية التي لم أفهم منها شيئاً.

أما أمامنا تماماً، درج يصل الى الطابق الثاني الذي أعتقد فيه غرفة النوم و الحمام و خلف الدرج يكون المطبخ، مفتوح على الغرفة الجلوس و له نافذة تُزينها ورود باللونين الوردي و الأصفر و بعض عروق النباتات الخضراء المُلتصقة بالجدران و حول الكثير من الأشياء.
ليس فاخِراً لكنه بكل تأكيد مريح لِلنفس و رقيق على الروح و القلب.
أعجبني جداً جداً و يناسبني.

فيه كل ما تحتاجينه مِن مستلزمات و لكن إن نقصكِ شيء، لا تتردي بأخبار أية أحد. أخبرتني هِند ترجِع بأدراجها مع زوجها نحوى الباب.
سوف نترك لكِ اكتشاف المنزل. أضاف لودفيك مُمسكاً بِمقبض الباب.
شكراً لكما على كل شيء. قلتُ لهما ممتنة ليبتسموا لي و يغادرنا ينتظران فالكين الذي لا أراه في أية م--
كنتُ أمزح. فجأة همس فالكين في أذُني لأنتفض التَفِت اليه.
ماذا؟

استقامة بِظهره و بسمة جانبية على شفتيه ليُبرر ما يعنيه
انتِ لستِ ثقيلة الوزن، بل خفيفة، ثقي بِنفسك و بِشكلك كانيلا.
أردتُ قول العكس لكنه أستدار و غادر مع الباقي يدعوني لوحدي.
حدقتُ بالباب الذي أغلقوه ورائهم أرمش عليه كالتي نسيت اين هي و تذكرت فوراً.

وضعتُ يدي على بطني أتحسَسُه أجده نحيل مع أنَ الفستان الذي أرتديه ليس ضَيّقاً لِلغاية إلا انني لم أحس به نابع أو كبير كما ظننت مع انني أعلم أنَ وزني زاد عن أخِر شهر.
و كانت إكسانا تسخر مني أحياناً عندما أغضبها تقول انني زدتُ وزناً و عندما سألتُ مايكا مرةً، هَزة بِكتفيه و لم يتفوه بِتعليق.
سيدتي؟ أعادني صوت خادمتي دافني من عالم أفكاري لألتفت لها أرجع يدي الى جانبي.
هل أبدو سمينة؟

رمشت عليّ عِدة مرات كأنها لم تسمعني لأكرر السؤال أذهب الى مرآة متكئة على جدار قريبة من مدفئة الحطب المشتعلة لكي أنظُر على نفسي من كل جانب و انحناء أمتلكه و خاصةً ما تتميز به المرأة.
الثديين. حسناً خاصتي أمممم، مُمتلئين لهذا هُم في أمان.
علي ما أعتقد.
هل كسبتُ وزناً واضحاً؟
أتت هي إليّ تنظُر على جسدي في المرآة لبعض الوقت بِتمعُن
لا أرى ذلك سيدتي بل على العكس جسدك متناسق و جميل.

عضتُ على شفتي السُفلية لا زلتُ أشك في نفسي لأسمع جملة الأمير مجدداً كالصدى بِداخلي.
ثقي بِنفسك و بشكلك.
لديكِ جسد يَحسُدك الغير عليه، سيدتي لا تشكِ بنفسك. أكملت دافني بِتشجيع لأبتسم لها أبعد عيناي عن جسدي فَكثرة النظر له تجعلني أفكر بِشوائبه حتى ابدأ بِكرهها بدلاً من تقبلها و حُبها لأنها جزء مني خُلقت بِها.

نعم يجب علينا جميعنا الاعتناء بِصحتنا و الاهتمام بأجسادنا لكن اكتساب الوزن القليل لا يعني اننا قبيحين فَكما كسبناه باستطاعتنا فقدانه أو فقط تقبله فَهذه طبيعة الشخص التي خُلق بها.
و لا أحد مثالي منا مهما حاول أن يكون فالجمال لا يَدوم عدا جمال الروح صحيح؟
انت محقة دافني، التفكير بالأمر سخيف. قلتُ لها أذهب الى الأريكة لكي أجلس عليها أمام المدفئة.

ما رأيكِ لو أعد بعض الشاي اللذيذ سيدتي قبل أن نتجول في المنزل؟
أومأتُ بالموافقة على الفِكرة لتبتسم هي بِحماس و تذهب الى المطبخ بينما انا حدقتُ بالنيران المُشتعلة في المدفئة، تتراقص من جميع الجهات الخشب يُصدر صوتً عند احتراقه و الدفء يصلني يلامس بشرتي المكشوفة.

لأتساءل ما الذي يفعله مايكا الأن في القصر...
هل يعمل؟ أم انه نائم؟
هل يشتاق لي و يُفكر مثلما انا أفكر به؟
و ماذا عن نفسه؟ هل يعتني بها لأنه يُهملها كثيراً مؤخراً حتى انا بِنفسي أعتني فيها و أذَكِرُه انه هو ايضاً كائن حي يجب عليه الاهتمام بِنفسه و ليس فقط بالملك.
تنهدتُ أمَرر أصابعي بين شعري الأسود ثم أعدتُ رأسي الى الخلف على الأريكة أحدق بالسقف أتخيله يعمل طوال الوقت يرافق فالين.

انه بخير، لا يحتاجني لطالما ظل قوياً بِمفرده ولكن السؤال الأكبر.
هل يشتاق الى هذه المملكة و مكان نضوجه و نِصف حياته التي أسَسها فيها؟
شعرتُ بالحزن على كونه بعيداً عنها و لا يقدر على دخولها بينما انا هنا بدلاً عنه. و بما انني ذكرته، أعدتُ وضع سؤال زيارتي لعائلته بالاعتبار.
لعَلي أخبرهم عن مايكا و أعَرّفهُم عن نفسي في الأخِر هُم عائلة خاطبي، أو ربما لا...

تفضلي سيدتي. وضعت دافني صينية شاي فوق المنضدة لأجلس جيداً ألقي بكل الهموم بعيداً لِليوم و أرَكِز على نفسي، على الأقل في هذه اللحظة الدافئة.
شكرتُ دافني على الشاي ثم بدأنا نشربه معاً نتمتع بِصوت المدفئة و حرارتها مع الشاي اللذيذ، نضحك على كلام بعضنا أو فقط نتشاور و نفتح أحاديث لطيفة في الليل.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 01 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب