رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث

حلقنا في سماء فالينيا بأجنحتنا العملاقة و الحراس ما يُقارب منهم العشرون يًحيطون بنا لحمايتنا و يحملون معهم كذلك الأغراض على ظهورهم و بين أياديهم من صناديق و ما هو مهم من طعام و شراب و طبعاً ثلاثة خيام، واحدة لي، لِفينار و واحدة مشتركة للأخوة إن ما ساءت حالة الطقس في طريق السفر.
الطريق من فالينيا لِمملكة كاداري ليس بعيداً جداً، فالمملكتين قريبتين من بعضها، أيّ انه سيأخذ منا اليوم فقط لِلوصول.

انا فينار، توك لينوا، لينور و معنا بلايز طرنا بِجانب بعضنا البعض و على خصرنا سيوف مُعلقة حادة الأطراف و دروع ذهبية من المعدن الأقوة على الجزء العلوي من أجسادنا، فَفي الأخر نحنُ هدفاً سهلاً لِلعَلن من دون عربات فوق رؤوسنا و أرضة صُلبة تحت أقدامنا.

الهواء في الأعلى و خصيصاً في المساء، بارد مختلف عن ما هو في الأسفل يُحرك من شعري على جبيني، يُدغدغ أنفي و يدخُل في ملابسي ليُلامس جلدي و لكنه ليس لدرجة التجمد فأنا معتاد على البرد.

كنتُ أطير بأجنحتي الكبيرة و السوداء (عائلة لوماريل الملكية شهيرة بِأجنحتها السوداء)، بِريش ناعم و قاسي من حول القصر في جميع الفصول بما أن مملكة أسليرا فيها الفصول الأربعة ليس مثل فالينيا، التي تظل على نفس فصل الربيع كل سنة و على كتفي يجلس بلايز مع انني أخبرته عدة مرات أن لا يجلس هنا و طبعاً يتجاهل كلامي لأدعه كما يشاء.

لقد ابتعدنا عن فالينيا قبل ساعة تقريباً بما أنَ رحلتنا بدأت بعد غروب الشمس و أصبح أسفلنا طريق تُرابي بين أراضي واسعة من الطبيعة الخضراء و الملونة على كلا الجهتين و هدوء لا مَثيل له، لا لضجيج المدينة المرتفع و لا لِأصوات عربات و صهيل الأحصنة من الأسطبل كل يوم أسمعه من غرفتي.

هذا الهدوء و تلكَ السكينة خفيفة على القلب و الروح أحتاجها بعض الأحيان و اليوم من حُسن حظي، أجَرِب سكينة و الحياة ما بين مملكتين مختلفتين و لكن قريبتين من بعضها.

هل تظن انه بأمكاننا عبور بوابة القصر عند وصولنا؟ فجأة سألتني فينار تقطع حبل أفكاري لأحرك رأسي نحوها أراها تنظُر لأمامها و الهواء يجعل ضفرتها الذهبية تتطاير من خلفها، انها ترتدي فستاناً بني اللون عليه زخرفة على شكل عروق زيتية اللون و تبدو قلقة.
تنهدتُ انا أعيد نظري ايضاً لِلأفُق البعيد.

بالطبع بأمكاننا، اننا من العوائل الملكية قادمون في سلام و إذا تجرؤ على منعنا أو محاولة أذيتنا سيُعاقبون و بتلكَ الطريقة سيتم أعلان حرب ضدهم و اعتقد أنَ هذا أمر لا يريدونه الكادريون.
و مع ذلك سمعنا أنَ المتمردين يُحاولن دخول القصر و قد بنوا خيَم أمام البوابة كي يدخلوا في الفرصة التي تسنح لهم لهذا إن فتحوا البوابة من أجلنا سيقتحمون القصر.
معها حق.

و ربما تتساءلون لما ليس بأمكاننا التحليق فوق القصر؟ هكذا يكون أسهل صحيح؟..
خطئ.
يوجد من حول كل قصر ملكي في أية مملكة تعويذة سحرية تمنع الجنيات و كل المخلوقات التي في هذا العالم من التحليق فوق جدار القصر.
و إذا حاول أحدهم، سيتأذى بِشدة و قد يفقد يداً، قدماً أو حتى رأساً لهذا لا يجرؤ جني أو جنية بفعل ذلك مِما يجعل الأن مهمتنا بِدخول القصر أصعب من ما تصورنا.

دعينا لا نفكر بالأمر كثيراً فينار، فور وصولنا سنرى ما سيحدث و كيف هو الوضع بعدها سنتصرف بما هو مناسب. أخبرتها انا أحاول طمأنتها بِكلامي فَفينار تُعرَف على انها كثيرة القلق و التفكير بأتفه الأشياء الى حَد الهوس.
اتعلم، أشعر بالأسف الشديد على نيفاري أكثر من أخاها الأحمق.
نظرتُ باتجاهها عندما لفظت كلمة أحمق تنعت الملك لأرى بِطرف عيني الحراس يشيحون بِأعينهم لِثانية سريعة عليها بِصدمة.

نَعت أحد افراد عائلة ملكية بالأسماء المُهينة، شيء يُعاقب عليه بِقسوة ولكن فينار أميرة و باستطاعتها فعل ذلك كما انها قريبة من لايتا و خاصةً أخته نيفاري.
و انا ايضاً في الحقيقة لا ألومها على نعته بالأحمق، لأنه أحمق كبير لاتخاذه قراراً بنفسه من دون التفكير بِرأي شعبه و ما يُرضيهم طبعاً.
ابتسمت مع نفسي لأعيد انتباهي عليها أفكر كيف يجب عَليّ المبادرة بالحديث.

انا لا اعلم الكثير عن نيفاري و لم اقابلها إلا مرتين في سن صغير لكنني متأكد انها امرأة ذكية تعرف كيف تتصرف و فعلت الصواب عندما أرسلت رسالة الاستنجاد اليكم بدلاً من الانتظار أو طلب مساعدة مملكة أخرى قد تستخدم ضعفهم لِمصلحتهم.
اومأت فينار توافقني الرأي لتقول بِنبرة منخفضة بالكاد سمعتها في الهواء العاصِف و صوت تحرك أجنحتها البيضاء لو لم أكن قريباً منها.

انها كذلك، امرأة فريدة، ذكية، مجتهدة في عملها في القصر و تعرف كيف تحل المشاكل و تفاديها عدا طبعاً هذه المشكلة الأكبر التي وجدت حَلها بأيادي غيرها.
انتما أصدقاء مقربين جداً؟
ارتفعت زاوية من شفتيها للأعلى لِتجيب
كنا في أيام الطفولة قبل تحمل مسؤوليات مملكة على عاتقنا و نسيان ما معنى الحياة لِغَرقنا في العمل و كوننا نعيش في ممالك مختلفة أكبر سبب لابتعادنا عن بعض.
ألا تتراسلون؟

بلى، لكن مرة كل شهر و بعض الأحيان مرة في السنة، و الأن أحس انني صديقة مُزيفة لِذكري للأمر.
أخرجتُ ضحكة صغيرة من حلقي غير مسموعة جيداً أضع يدي اليُسرى على مقبض سيفي أرَكِ ذراعي.
كما قلتِ من قبل، المسؤوليات هي التي أبعدتكم عن بعضكم فَلا تلومي نفسك و غداً مساءً سوف تريها من جديد.
ابتسمت هي ابتسامة لا تَصل لعينيها الحزينة لتخبرني
سوف أراها لأنها في مشكلة و ليس لأنني صديقة قادمة لِلزيارة، هذا حقاً سيء.

يبدو انني بدلاً من جعلها تشعُر بِفرح و تلطيف الأجواء بالإيجابية، أجعلها حزينة كلما تفوهتُ بِكلمة لهذا اغلقتُ فمي ليَعُم الصمت بيننا.
سمو الأمير الذي يستحم أكثر من مرة في اليوم، انظُر هناك. فجأة قال بلايز لأذكُر انه موجود معنا فَطوال الوقت ظَل صامتاً.
من بعيد رأيتُ ما لم نتوقعه، رأيتُ غيوم سوداء و عندما ضَيّقتُ عيناي أكثر انتبهت انها تُمطر.

سمو الأمير، سمو الأميرة يبدو اننا سنواجه بعض الأمطار فَماذا يجب علينا فعله؟ سألنا أحَد الحراس الذي يَطير بِجانبي.
سنتوقف الى أن تنتهي الأمطار كي لا تتأثر أجنحتنا بها. أخبرتهم انا ليومئوا مُنصتين.

طرنا لِوقت قصير في السماء الى أن وصلنا لأسفل الغيوم لنهبط على الأرض كلنا معاً في غابة كبيرة بين شُجيراتها الخضراء ليبدوأ الحراس بِبناء الخيمات و تثبيتها بالعصيان الخشبية. حركت فينار يديها في الهواء لتتحرك أوراق الأشجار تجعلها تنحني اليهم حتى تُشَكِل أغطية لِلحُراس كي يحتموا أسفلها بما انه لا خِيَم لهم كي يبقوا متيقظين.

وضعوا لنا كراسي خشبية و أسِرَ في خيماتنا فَيبدو اننا سوف نقضي وقتاً طويلاً في الخيمات لأنَ المطر يهطِل بِقوة و الغيوم كبيرة جداً تمتد لأميال.
دخلت فينار معي و بلايز الى خيمتي لتجلس على طرف سريري المُلتصق بِجدار الخيمة تتنهد.
سوف نتأخر عليهم بِهذه الحالة و قد لا نصل إلا في مساء يوم غد.

ذهبتُ انا ثم جلستُ بِجانبها أتحقق من أنَ السرير مُناسب لِلنوم من دون أن يكسر الظهر و يجعل الشخص يُعاني ألماً أثناء النوم و بعده، بينما بلايز طارَ الى أحد الكراسي في زاوية الخيمة ليجلس على مَسند الذراع.
لا تتشاءمي، سوف ننتظِر لِساعات قليلة و إذا لم تتوقف الأمطار فَسوف نُضطر أن نكمل مشياً الى المملكة. قلتُ لها أضع يداً على كتفها.

انتَ محق، لكني حقاً اقلق عليهم لقد وعدنا شعب لايتا اننا سوف نقدم بأقرب وقت لكي نحل الأمر.
لعل تأخيرنا خيراً لهذا لنأخُذ قِسطاً من الراحة لِساعات و بعدها لنتناقش ما سيحدث الى حين.
اومأت هي تَفُك حمالة سيفها من على خصرها لتضعها فوق الطاولة بِجانب السرير.
هل تعلم أنَ نِصف المتمردين ضِد قرار لايتا هُم من البشر؟
كان ذلك عشوائياً لكني نظرتُ إليها متفاجئ من ذلك لأسألها
حقاً؟، لكن لماذا؟

كما تعلم أنَ البشر في هذا العالم أقل قوة و منهم غير قادر حتى على الاعتناء بِنفسه جيداً بين الجنيات و المخلوقات الأخرى لهذا دخول الشادونايتس الى مملكة كاداري قد يُحدِث فوضى.
معهم حق، يجب على الملك الاهتمام و الاعتناء بِكِلا الجنسين و تدخُلنا قد يُنقذ لايتا منهم، فَصحيح أنَ البشر ضعفاء البنية مُقارنةً بالجنيات إلا انهم أذكياء لِلغاية.
أوافقك الكلام لهذا أخاف على مَن هُم في القصر.

على ذِكر البشر، لطالما تساءلت عن سبب وجود كمية كبيرة من البشر في مملكتكم فالينيا و ليس كَباقي الممالك، فَهل من سبب عدا انها مملكة جميلة؟
أخذت فينار تَفُك ايضاً الدرع حول الجزء العلوي من جسدها و هي تُجيبني.

هذا لأنَ في حكم والدنا، جلب الملك العبيد من عالم البشر بِكميات كبيرة لكي يخدموه بعد الحرب ضدهم، لكن خسر عدداً منهم إثر الأمراض و التعذيب ليُصبح عددهم أصغر و عندما حكم فالين بعد موت والدنا أحضر المزيد.
كَعبيد؟
لم تجبني على الفور تتجمد أصابعها على الدرع كأنها تُفكر إن ما يجب أن ترد أم لا لكنها في الأخرِ فتحت فمها و قالت.

بالنسبة لكل شخص يراه، فالين يكون رجلاً مثالياً ذو قلب صافي مضحك و لطيف، لم يخطئ بِحق أحد في حياته و انه حاكم عادل منذُ أوائل حكمه لكن كل كائن له ذنب و هو أصَلح منه و لم يَعد كَسابقه.
لم افهم حرفاً من الذي قالته أو ما تعنيه لأن خلف كلامها البسيط، قصة كبيرة و أسرار مَخفية لكني لم أضغط عليها لكي تتكلم و تخبرني كل شيء و هي لم تتحدث أكثر تغلق على الموضوع.

في هذا العالم أو أية عالم أخر، لكل شخص أسرار و قصص يَحكِها عن ماضيه، و انا منهم.
أزعجني السيف المُعلق على خصري لهذا نهضت و ذهبت الى الطاولة بِمنتصف الخيمة لأجلس على أحد كراسيها أضع سيفي و حمالته فوقها ثم مَمدَتُ ساقاي عليها أعود بِظهري على الكرسي.
ستنامين هنا؟ سألتها انا بعد أن رأيتها تستلقي فوق سريري.
ابتسمت ابتسامة لا تَصل لِلعينين لتومئ قائلة
أتمنى انكَ لا تمانع.
بالطبع لا أمانع. عُمتِ مساءً إذاً.

عمتَ مساءً فالكين.
لقد سمعتُ مرةً أنَ فينار لا تحب المطر و انها لا تنام في مكان مفتوح كالغابات في خيمة لوحدها حتى و هي مُحاوطة بالحراس الأقوياء. لستُ أدري لماذا و لم اسأل يوماً لأنه يبدو أمراً حساساً بالنسبة إليها و هو أصلاً ليس من شأني إن لم تتحدث عنه.

و لستُ فضولياً جداً لِلمعرفة لهذا صمت، نهضت من على الكرسي و ذهبت الى كنبة من القماش قريبة من أحد جدران الخيمة لأستلقي فوقها أضع يداً تحت رأسي و احدق بالسقف.
حركتُ عيناي على الكرسي في الزاوية أجد بلايز قد غَط في نومه بسرعة لأعيد الى التحديق بالسقف.

أصوات تساقط المطر مُريحة تهدئة من العقل و القلب مع انه باستطاعتي سماع بعضاً من أحاديث الحراس في الخارج إلا انني ركزتُ أكثر على المطر لأغَط بِنومٍ عميق ايضاً.

استيقظتُ لأجد نفسي في غرفة ملكية واسعة بِأثاث سُكري و ذهبي على يساري يوجد شُرفة كبيرة تُطِل
علي مدينة مألوفة لأعرف من شكل المدينة انها مدينة
الشمس.

فجأة رأيتُ بِطرف عيني تَحَرُك جسد ما لأدير رأسي أرى فالين يمشي أمامي ذهاباً و أياباً.
هذا غير مقبول فالين! صحتُ انا عليه، لكن صوتي
ليس صوتي، اعني انه ليس رجولي و عميق بل أنثوي و ناعِم و اعرفه جيداً.
القرار ليس قرارك لأنني انا الملك فينار! ردَ عَليّ--عليها.
لقد أذيتهم كِفاية، انهم ضعفاء و يحتاجون
المساعدة فأرجوك لا تعيد ما فعله والدنا قبل قرون. قلتُ انا--هي.

توقف فالين أمامنا يحدق بنا بِوجه خالي من التعابير و
بارد لِلغاية يجعلنا نقشعر بكامل جسدنا.
لم أرى فالين بهذه الحالة في حياتي الخمسة و
العشرون فَهو يبدو أصغر سناً و مختلفاً كأنني أقف مع
شخص أخر.
انه الأصح و انتِ لن تُدركِ هذا بعد. قال فالين يضع يديه في جيوب بنطاله الكحلي المائل للأسود
ليُدير ظهره علينا ينظُر على الإطلالة.
تقدمتُ/نا خطوة نحوه لأرفع يداي في الهواء بأحباط
قبل أن اقول.

لا تُعذب البشر الأبرياء فالين، لقد قتلت ما يكفي منهم فأنا أرجوك أن تدعهم و شأنهم نحنُ ايضاً نحتاج لهم كما يحتاجون إلينا.
لقد سبق و أخبرتكِ انه ليس من شأن أحد، انهم يستحقون.
هززتُ رأسي من اليمين لِليسار لا أوافقه أشعر بِشيء ما دافئ يسيل على وجنتي لأنشُق من أنفي و أمسح دموعي بِكف يدي.
لم يؤذوا أحداً منا فال، أعطيهم فرصة و لا تكن مثل والدنا الظالم.

أستدار إليّ معقد الحواجب و نظراته مُخيفة جداً جعلتني أرجع خطوة الى الخلف لكني وقفتُ مستقيم/ة شامخ/ة أكمل كلامي
لا تكُن نسخة اسوأ من والدنا فالين، أحكم هذه
المملكة بِعدل و تساوي بيننا و بين البشر الضعفاء. دعنا نتغير و نغير عالمنا للأفضل.
لن يحدث و مهما حاولتِ منعي من ذلك لن يحدث ما تريدينه فينار.
لكن--
لم أكمل الجملة ليُعطيني ظهرها مجدداً و يقول بِهدوء
لكن بِصرامة
النقاش أنتهى و غادري غرفتي حالاً!

فتحتُ فمي لكي أعراضه و إذ بِحارسين يمسكونني من ذراعاي يسحبونني معهم الى الخارج.
لا، توقفوا! فالين انا أترجاك لا تفعل لا تكُن مثله! صرختُ و صرخت من دون أن يرد ليخرجوني خارج غرفته و يغلقوا الباب وجهي.

استيقظتُ من نومي على صوت برق قوي و انا أتنفس بِشدة من فَمي، أركيتُ ظهري على ذراع الكنبة لأمسح جبيني و أجِد يدي تسبح بِعرقي.

حركتُ عيناي الى مكان نوم بلايز أراه لا يزال نائماً يُخرج شخيراً من فمه ثم أشحتُ عيناي على نفسي، أرى عروق سوداء أسفل جلدي بارزة تنمو من عند صدري لترتفع الى رقبتي و وجدتُ الكنبة مُبتلة بِسببي و يوجد لحاف صوفي يُغطِني لأبعده عني و انظُر على السرير، أراه فارغاً فَلا وجود لِفينار.

حاولتُ بلع ريقي لكني لم أقدر لأنه جاف لهذا تحركت من على الكنبة و ذهبت بِسيقان مُرتجفة كالهُلام نحوى الطاولة لأسكُب لنفسي كأساً كاملاً من المياه لأشرب بِمرة واحدة من دون توقف.
وضعتُ الكأس من يدي أتكئ على الطاولة بِيداي أخُذ أنفاساً عميقة لكي أنَظِم نبضات قلبي التي ستجعله يُحَلِق خارج صدري.
و الأن، الحمدلله أنَ فينار ليست موجودة لِتراني فأنا بنفسي لا اريد رؤيتي هكذا.

غيرتُ كَنزتي المُبتلة، جففتُ جسدي بِقطعة مَنشفة بعدها ارتديتُ قميص أسود جديد لأغادر الخيمة أجد الحراس في أماكنهم و فينار تجلس أسفل ورقة كبيرة عند قدميها نيران تُدفئها، تتمعن بالمطر من حولها.

قررتُ الانضمام إليها مع انني أشعُر بالتعب الشديد و ما رأيته أعتقد انه ماضي فينار قبل سنين و سنين في بداية حكم فالين لمملكته، مازلتُ متفاجئ من شخصية فالين الغريبة فَلم أكُن اعلم انه كانَ بارداً، غير مبالي و لا يعرف الرحمة.
و انه قتل البشر مع انه الأن يُعرَف على لطفه معهم و أكرامه لهم، فَقصره مُمتلئ بالبشر، خدماً أو غيرهم و مملكته أكثر مملكة فيها يعيشوا البشر كما تعيش الجنيات بِكرامة و سعادة.

جلستُ بِجانبها على جِزع خشب شجرة صغيرة لتنظُر لي مبتسمة و لم تكتمل بسمتها لتختفي بِبطء اعلم انها لاحظت أرهاقي مِن وجهي.
ماذا بك؟ هل مرضت بِسبب البرد؟ مَدت يدها لكي تضعها على جبيني تتحسَس حرارتي و طبعاً هي مرتفعة جداً لهذا أعادتها تَشهق بِقوة تَضع يديها على فمها.
انتَ تحترق!
أظهرتُ بسمة صغيرة على طرف شفتاي لأهُز رأسي انظُر لِلنيران عند قدمينا.
انا بخير لا تقلقي، فقط، رأيتُ كابوساً.

يبدو انه بذلك السوء هاه؟
اومأت لها أُبعِد خُصلات من شعري عن جبيني لأنها ملتصقة به بفضل عرقي.
هل تريد التكلم عن الأمر؟
لا، انه لا شيء مهم. لم أحُب الكذب عليها و خاصةً لم اقدر أن أخبرها انني رأيتُ جزءً من ماضيها و تَعديتُ على خصوصيتها.
لم يكُن عن قصد لهذا فَضّلتُ أبقاء فمي مغلقاً و عدم ذِكر الموضوع لها و لا اعتقد انني سأذكره أبداً.

لم تستطيعي النوم؟ سألتها انا أجد أنَ الحَطب أحترق كثيراً كأنها كانت هُنا أثناء فترة نومي.
ربما سمعت انني لا أحب النوم خارجاً و أصوات المطر بالنسبة لي غير مُريحة و مطمئنة لهذا لم أنَم.
نعم سمعت، هل تريدين انتِ التكلم عن الأمر؟

لم تجبني على الفور بل أخذت وقتها تحدق بالغيوم الرمادية الكبيرة تغطي كل السماء كلها، تهطل قطرات أمطار كبيرة جداً، فَعندما مَدت فينار يدها الى خارج حدود الورقة التي فوقنا، وقعت قطرة مطر بللتها لِمعصمها.
هذا النوع من المطر خطير علينا نحنُ الجنيات و خاصةً لِمَن لديهم أجنحتهم ظاهرة أو على اية كائن بِأجنحة.
المياه العدو رقم واحِد لِمَن يمتلكون أجنحة (هذا يعني جميع الجنيات).

انا لطالما أحببتُ كل ما تعطينا إياه الطبيعة و لم يكن لدي كره لِلمطر لكن حصل معي فَصل منذُ زمن جعلني أكرهه. قالت هي تُجيب على سؤالي تحدق بِالأفق البعيد ضائعة بِأفكارها.
إن لم ترغبِ بالتكلم حقاً، فَلا تفعلي فينار انا متفهم.
هَزت هي رأسها تُعطيني بسمة لطيفة لِتقترب مني و تضع رأسها على كتفي الأيسر.

كنتُ صغيرة، بِعمر الرابعة عشر، عندما كُنا في حرب ضِد البشر. كنتُ وحدي في خيمة حربية أُعِد العشاء لنفسي بما أنَ فالين و والدي كانوا سوياً في خيمة أخرى لِلتخطيط ضد الهجوم الأخير و امي في خيمة ثانية تعالج جندي لكونها كانت طبيبة خبيرة، توقفت هي تتنهد لأمسك بِيدها و اضغط عليها بِلُطف قبل أن تكمل.

أحد الجواسيس البشريين دخل بِسرية الى مكان تواجدنا و استطاع دخول خيمتي عن طريق قتل الحُراس الذينَ يحرسوني و وصل إليّ كان ذلك في يوم ماطِر و عاصف في غابات مملكة أسليرا بما انها الأقرب لعالم البشر، أخذتُ انا اتخيل موقفها و أعلم ما سيحدث لاحقاً لأتفهم أنَ خوفها لم يأتي معها منذُ أن وَلدت بل بِسبب صدمة قد عاشتها.

حاول الجاسوس أن يختطفني و أستطاع أخذي الى الحدود أو الجدار ما بين عالمنا و عالم البشر و إثر ذلك تأذيتُ كثيراً و مِن كثرة الصراخ فقدتُ صوتي و لم يأتي أحداً لأنقاذي.
كيف هربتِ إذاً؟
أخرجت هي ضحكة صامِتة من حلقها تهتز أكتافها لتُجيب.

بنفسي، كان يريد وضعي في عربته لكي يأخذني الى عالمه كَرهينة لكني قدرتُ على عضه من رقبته بما انه كانَ يحملني ليدعني و أهرب منه. هربتُ منه لكني لم أعثر على طريق العودة ليأخُذ مني أيام حتى استطعتُ الوصول الى القصر و ليس الخيم مكان تواجد أبي و فالين.
انتِ تمزحين، كيف لم تخبرني أحداً عن مَن تكوني كي يأخذوكِ بأنفسهم الى القصر؟

الَم يُعَلِموك تاليا و ريس أنَ اية شخص من العائلة الملكية لا يجب عليها أخبار العامة بِهوايَتهم من أجل حماية انفسهم؟ قد يخدعك مَن سَتطلب منهم المساعدة و أخذك اليهم من أجل مصالحهم و انتَ تعلم الباقي لهذا لم أخبر أو اتكلم مع كائن حتى عثرتُ على طريق العودة لِوحدي.

هَمهَمتُ انا أذكُر ذلك فَلقد علمني ريس عندما كنتُ صغيراً و أخبرني تماماً كيف يجب أن اتصرف إن ما ضِعت أو حدث معي أية شيء يُبعدني عن القصر الملكي.
انتِ شجاعة فينار، اعلم انه صعب نسيان ما حصل و لكن لا تدعيه يُضعفك فَهذا مجرد مَطر فَهو لا يلعب دوراً بِالذي وضع ندبة في قلبك.

جلست هي مستقيمة الظهر لأدع يدها من يدي أجِد النار قد انطفأت و البرد قارس و هذا القميص الذي ارتديته ليس مُناسب لِطقس كَهذا مع انني أحضرته من أجل أجواء مملكة كاداري.
فَطقسها حار دوماً و لا يمكنني ارتداء ما هو ثقيل و دافئ هناك كي لا يتم شوائي تحت حرارة الشمس و سخونة الهواء.
اعتقد أنَ المطر لن يتوقف. قالت فينار بعد أن عَم صمت قصير بيننا.
لننتظِر ساعة أخرى بعدها سنتحرك مشياً إن اضطررنا.

اومأت هي بتفهم لينهض كلانا و ندخُل الخيمة حتى نتمكن من التخطيط لِلطريقة التي سَننتقل بها الى المملكة و متى بالضبط.

مرت الساعة تماماً و من حُسن حظنا خَفت الأمطار لكن لم تتوقف كما أردنا و مع ذلك انه أفضل من لا شيء.
استطعنا الطيران بدلاً من المشي أسفل زخات المياه البسيطة التي تُبللنا لكن لا تُعَرقِل الطيران ابداً.

الشمس بدأت بالشروق تُلَوِن الغيوم الرمادية لتجعلها وردية، برتقالية و بنفسجية، ساحرة المنظر و ناعِمة تمنيتُ لو أطير للأعلى أكثر و ألمسها عدا انه لا يمكن ذلك لأنَ الغيوم لا تُلمَس بل تختفي لِقطع و أجزاء صغيرة كالدُخان.
طرنا جميعنا لِمُدة ساعات أخرى الى أن أصبحت الغيوم و الأمطار خلفنا و نحنُ أمام منظر مملكة عظيمة.
مملكة كاداري أو التي تُعرَف ايضاً بِمملكة الضوء.

انها مملكة حارة، تحيطها صحراء و في منتصفها تقع المدينة المُحاطة بِجدران ضخمة كالسور تحميها من المتدخلين و غير المرغوب بهم كأي مملكة.
يا اللهي لم اتخيل أن تكون كاداري كما سمعت. قال بلايز يقف على كتفي الأيسر.
لم تدخُلها يوماً؟ انه سؤال غبي بعض الشيء بما انه تقنياً قال انه لم يتخيلها كما سمع لكن بلايز هَزة رأسه على اية حال ثم أجاب.

لقد قالوا انها صحراوية لكن انظُر، أشار بأصبعه الصغير على شيء ما لأنظُر الى ما يُشير قبل أن يكمل
تلكَ القُباب، هل هي لِلقصر الملكي؟
لا تلكَ القُباب لِلمباني الحضارية في مدينة النور انها ذات تصاميم فريدة من نوعها و الوحيدة في مملكة كاداري أما بالنسبة للِقصر فأنه في الأعلى. ردت فينار تُشير على القُبة الأكبر في المدينة بما انه بأمكاننا رؤيتها حتى مِن على بُعد.

سمعتُ بلايز يَشهق بِشدة لأشقلب مُقلتاي على تصرفه الدرامي قبل أن نُقرر الهبوط على الأرض عند حدود المملكة.
رأونا مجموعة جنيات تَجُر العربات وراء ظهرها، لتتوسع عيونهم و ينحنون احتراماً لنا، فَلقد عرفوا مَن نحنُ من دروع الحُراس الذهبية و الريش الحمراء على خوذاتهم فَكُل مملكة تُعرَف بِلون ريشة، مثلاً أسليرا لديها ريش ملكي باللون الأزرق.

أما مملكة كاداري كما أرى الأن ما يُقارب العشرون حارس يركضون نحونا بِدروعهم الذهبية و الزرقاء على الخوَذ توجَد ريَش سوداء و معهم جمالاً.

لقد أتوا مِن أجلنا. قالت فينار ليتوقفوا الحراس أمامنا معهم الجمال أظُن انهم من أجلنا.
سمو الأمير فالكين و سمو الأميرة فينار و حضراتكم، أهلاً بكم في مملكتنا العظيمة، كاداري. تقدم قائِد الحرس شاب ذو بشرة سمراء و لحية كثيفة مُرتبة و شعر أسود طول لأسفل أذنيه مُموج و بِعينين حادة شُهل (عسلية و خضراء) يحمل قبعته بين أبطنه و ذراعه و يرتدي ملابس داكِنة مختلفة.

انحنى هو لنا لنومئ كلانا رداً على احترامه.
انا قائد و جنرال الحرس الملكي راجي لقد أرسلتني سموها الأميرة نيفاري لكي أخذكُم الى القصر فَكما تعلمون وضع المملكة لا يسمح لكم بِالتجول لوحدكم.
نحنُ متفهمين ايها الجنرال و نشكركم على القدوم لِمرافقتنا. ردت فينار بِبسمة لطيفة لينحني لها أمتناناً كما انحنوا باقي حراسه من خلفه.
لا شكر على واجب، انه لشرفٌ لنا سموكما.

تقدم حرسين و معهم الجِمال ليَشدو حبلهم حتى يهبطوا على أقدامهم الأربعة يصبحوا من مستوانا. ذهبت فينار لأول جمل ثم صعدت فوقه تمسك بِحباله و انا أخذتُ الثاني لأجلس فوقه اتمسك بِحدبته بعدها التقطتُ حبله من الحارس لأمسك به بِأحكام.
التوأم فعلوا المثل لكن ليس مثلنا بل بِطريقة أكثر احترافية بما انهم كبروا يركبون الجمال و الأحصنة.

نهضوا الجملان أرى انهم أعلى من الأحصنة فَهذا واضح بما انهم ذو سيقان طويلة. ربتُ على رقبة الجمل خاصتي ليُخرج صوتً من حلقه يُحرك رأسه كأنه يرُد التحية.
هذه الجِمال لديها شيء مميز بها و هي انها تحمل ضِعف وزنها بِكثير و شيء أخر انها تمتلك قرنين باللون البني فيها عروق ذهبية تتوَهج بين حين و أخر و على ذيولها أشواك قد تقتل مَن يتم ضربه بها من المرة الأولى.

مشى الجنرال راجي أمامنا على جمله لنبدأ رحلتنا القصيرة في الوصول الى القصر الملكي. عبرنا البوابة الحجرية لِلمدينة لندخُلها نَجِد انفسنا مُحاطون بِالجنيات الفضولية التي يرتدون ملابسهم التقليدية و التي يتميزون بها. انها ملابس رقيقة بما أنَ المملكة حارَ لِلغاية حتى انني بدأتُ أتعرق أسفل ملابسي التي لا تُعَد ثقيلة.

لباس النساء منهم تنانير تَصل لِلكاحل و حمالات صدر مع قطع من الشيفون الشفاف بألوانه تُغطي الجزء السُفلي من وجوههم و صنادِل، مُعاصمهم ممتلئة بالإكسسوارات و الذَهب.

أما بعض النساء يرتدون نفس شيء مع لحاف رقيق من نوع قماش ممتاز يُغطون فيه قسم من الجزء العُلوي لجسده و يتركون بطونهم مكشوفة بالنسبة لِلرجال فأنهم إما يرتدون بنطال فَضفاض و صنادِل من دون اية قطعة تُغطي جسده العلوي، على أنوفهم أقراط و الكحل بِعيونهم.
منهم طبعاً يرتدي رداء طويل لِلكاحل و على رؤوسهم نوع من الأغطية التقليدية و عليها في المقدمة جواهِر.

أزيائهم لا نهاية لها و جميلة جداً.
انها مملكة غنية بالذهب و المجوهرات و لديهم ثقافة مُختلفة عن جميع الممالك، دوماً ما أعجبني القدوم اليها في سن صغير.
أكملنا طريقنا بين العيون الناظِرة لنا في مدينة النور، ذات أسواق مفتوحة، روائح التوابل قوية و منعشة، أحصنة، جِمال كبيرة، عربات و الكثير من الماعز يجولون مع مالكيهم.

موسيقى تقليدية اعتقد انها مِن أداة العود أو شيء من هذا القبيل تخرج من حانات و متاجر.
الشمس في أعالي السماء تُنير المدينة في كل مكان و طبعاً حرارتها لا يمكن تجاهلها فيجب عَليّ أخذ حماماً فور وصولي لأنني أتصَبَب عرقاً كأنني شلالاً.
و بعد أن تنتهي الأزمة، سوف اتأكد من التجول في هذه المدينة الرائعة و الغنية لِساعات.

أرى انها دخلت قلبك. قالت فجأة لينور مِن جانبي فوق جَملها تقطع حبل أفكاري لأنظُر اليها حائراً أجعلها تبتسم.
اعني المدينة، لقد أحببتها مع انكَ لم تراها كاملاً بعد.
آوه، نعم هذا لأنها رائعة و ساحرة توقِعكِ بِجمالها بسرعة.

أحمرت وجنتيها كأنني كنتُ أجاملها هي لتدير رأسها لأمامها تغلق المحادثة و انا فعلتُ المِثل ركزتُ على الطريق و التَمعن بما يوجد من حولي لكن الحماس و السعادة لم تدوم طويلاً عندما وصلنا الى الجسر الذي يوصلنا لِلقصر الملكي.

الجسر مرتفع جداً بطريقةٍ ما أصبحنا فوق المدينة على كِلا الجهتين من الجسر توجد نيران في أوعية فولاذي، و الطريق عليه بساط أحمر و ذهبي، أشجار نخيل بين كل أوعية نيران و مواجهاً لنا تماماً توجد البوابات الحديدية لِلقصر و هنالك يوجد ما يُقارب الخمسون شخصاً يجلسون و معهم سيوفهم و أسلحتهم بأنواعها.

المتمردين و سبب الورطة التي فيها لايتا.
هذا سيء جداً. قال توك لأنظُر انا و بلايز عليه من دون التفوه بِحرف لأننا نوافقه الكلام.
من المستحيل أن نعبر الى القصر.
كيف غادرتم القصر الملكي ايها الجنرال و هُم يقطعون الطريق. فينار سألته ليُدير رأسه لِلخلف عليها بما انه في المقدمة.
هذا سؤال لا يمكنني الإجابة عليه سموكِ، فأعذريني انه سِر.

اومأت هي ليَعُم الصمت بيننا لكن بلايز أقترب من أذُني أمسك بها ثم همس بالذي افَكر فيه
اظن انه يوجد مدخل و مخرج سري في القصر قد أستعملوه في الخروج.
و هذا ما اظنه ايضاً. حتى في القصر الملكي بأسليرا توجد مداخل و مخارج سرية كثيرة لم نقدر على اكتشافها كلها بعد لكون القصر قديم جداً، مَن بناهُ في حُكم أول ملك قد جعل معرفة أماكنها كلها صعب.

توقفنا فجأة لأننا وصلنا لينزل الجنرال راجي من على جمله و يتقدم الى رجلٍ ما بِشعر داكِن يرتدي لحاف حول رأسه و أقراط تملئ أذنيه يحمل سيفاً بيده وخلفه نصف رجاله لكن ما جعلني مندهش هو انه لا يمتلك أذان مُدببة كالجنيات بل مُدورة و عادية.

بشري.
ما الذي تريده؟ الرجل سأل الجنرال بِصوته الضخم فَهو ايضاً ضخم البنية.
دعنا نعبر الى الداخل، فَمعي أُمراء من مملكة فالينيا.
نظر الرجل البشري الى خلف الجنرال، علينا يتفحصنا بِعينيه السوداء قبل أنَ يُعيد انتباهه لِلجنرال.
عودوا أدراجكم فَلا دخول قبل أن نرى الملك لايتا.
لا تجعل الوضع أكثر تعقيداً و دعنا ندخل فَهُم ضيوف و يجب علينا أكارمَهُم و عدم تركهم يقفون هكذا لوقتٍ طويل.

لقد سبق و قلت لكم، عودوا أدراجكم فَلا مزاج لنا معكم و إلا سَتسوء الأمور أكثر من ما هي عليه.
لم يتحرك الجنرال من مكانه و لم يُنصت له ليتقدم الرجل البشري نحوه يقف بوجهه لأنتبه أن لديه ندبة كبيرة تبدأ من فَكه الأيسر و تنتهي عند جبينه.
يبدو انكَ لم تسمع ايها الجنرال، عودوا كي لا تسوء الأمور. لوَح بيده كي يرحل و طبعاً راجي لم يتحرك ساكناً كأنه تمثال.

يبدو انكَ لا تملك أذُنين لتسمع هاه. قال البشري يقترب منه مجدداً يرفع سيفه لأنزل انا بسرعة مِن على الجَمل و معي توك لنتوجه نحوهم فإنَ رجال البشري أتوا و معهم أسلحتهم و الحراس سحبوا خاصتهم كذلك.
توقفوا! صرختُ لهم لينظُر الجميع باتجاهي.
و مَن تكون انت؟ سألني البشري، توقفتُ بِجانب راجي مستقيماً رافع الرأس.

انا أدعى فالكين لوماريل، الأمير من مملكة أسليرا و جئتُ الى هنا من أجل أن نحل المشكلة و كما تعلمون اننا معكم و ليس ضدكم لهذا أرجوك دعنا ندخل كي لا تُطيل الامور أكثر.
حدق بي البشري بعينين ضَيّقة ثم تقدم اليّ الى أن أصبح وجهه قريباً من وجهي ينظُر لي بتلكَ العيون الغاضبة.
و هل تعتقد ايها الشاب الأمير انكَ سوف تُقنع الملك لايتا؟ هل تظُن انكَ تعرفه أكثر مِن شعبه؟

نعم اعرفه ايها الأحمق لأننا أصدقاء و نعرفهم شخصياً
ليس مثلكم تعرفوه بِوجهه المبتسم و كلماته اللطيفة.
هذا ما كنتُ سأخبره به لكني قررت انها فكرة فظيعة لهذا لم أُزَحزِح من عيناي عنه ابقى ثابتاً شامِخاً لأرد
نحنُ هنا نحاول أن نحل مشكلة قبل أن تكبُر و إذا تريدون السلام لمملكتكُم فعليكم تركنا نتصرف كأمراء و من عائلات ملكية، فَرجاءً يا سيد دعنا ندخل كي لا نُضيع الوقت بالشجار.

نظراته أصبحت نيران مُشتعلة منها حزرتُ انه يتخيل رأسي أسفل ذلك السيف الذي يحمله بِعزم في يده و ظللنا على حالنا لِمُدة اعتقدتُ انه سوف يرفض و يجعلنا نعود أدراجنا لكن لِلمفاجئ ابتعد عني يُعطينا ظهره بعدها رفع ذراعيه في الهواء يُشير لِرجاله بالتحرك عن البوابة.
أفسحوا المجال لهم بالدخول و لا تلحقوا بهم.

تبادلتُ النظرات مع راجي ليومئ لي بِشُكر قبل أن يُخبر حراسه بالتحرك. فُتِحت البوابة العملاقة و بدأنا بالدخول أرى بِعيون رجال البشري بُغضاً و غضباً علينا لكنهم لم يفعلوا شيئاً و لم يوقِفونا.
حركتُ رأسي لأمامي امشي بِجانب جَملي الذي يبدُ ضجراً لأرى الذهب في كل مكان. ساحة القصر الواسِعة لامعة كالمرايا.

عندما نظرتُ على أرضها رأيتُ انعكاس شكلي. بالنسبة لِلقصر فأنا رأيته قبل سنوات كثيرة لكن من المستحيل عدم الانبهار بِشكله العظيم و هندسته النادرة فأنه ايضاً مصنوع من الذهب ذو قبة كبيرة و نقش فني.
قد يكون أجمل قصر رأيته في حياتي.

الحُراس يملئون الساحة و على كلا الجانبين من باب القصر معهم الرماح الطويلة و سيوفهم على خصورهم ينظرون الينا بِعيون متحجرة و باردة.
هل الملك و الأميرة يعيشان هنا؟ تساءل بلايز بِفَم مفتوح على مصراعيه لأبتسم على شكله.
انتَ لم ترى شيئاً بعد، فأنتظِر لِترى ما بداخله.
توَسعت عينيه ليطير أمام وجهي تعابير الفضول واضِحة على وجهه الصغير.
هل كل شيء فيه مصنوع من الذهب ايضاً؟

ليس كل شيء، انضَم لينوا الى المحادثة يجذُب انتباهنا كلانا مُكملاً
مثلاً توجد غرف مختلفة في القصر مصنوعة من أجوَد انواع الخشب، الحجر و الى أخره عدا غُرَف الملك و الأميرة فأنهم من الذهب الخالص.
تحول فَم بلايز على شكل 0 مُشابكاً الأصابع بِبعضها يحدق بِالقصر.
لا أتوق معرفة كيف شكل غرفتكَ سموك. همس توك في أذُني لِأفكر بالأمر الأن بما انه ذكره.

أخر مرة أتيتُ فيها الى مملكة كاداري كان عمري الخامسة عشر أو أصغر و لم يكُن لدي غرفة خاصة بي بِل شاركتها مع تاليا لأنني انا من أدردتُ ذلك لتَعلُقي بها و كانت الغرفة في الحقيقة جميلة من الحجر الأبيض.
سمعتُ أنَ غُرَف النساء أفضل مِن غُرَف الرجال. قال توك ليرفع بلايز حواجبه للأعلى كما انا فعلت.
انها كذلك. قالت فينار بإغاظة لأضَيّق عيناي عليها أجعلها تبتسم و على وَشك الضحك.

هذا لأنَ جلالته يُحِب أن يُدَلِل النساء في القصر و مَن صمم الغرف في الحقيقة امرأة في حُكم ملكنا لايتا. أضاف الجنرال راجي ليشهق كُلاً من توك و بلايز معاً بِدهشة أما انا ظننتُ انه أمراً رائعاً جداً و احترم لايتا لاحترامه لِلمرأة.

صعدنا درج القصر القصير لتُفتح الأبواب بِبطء تسمح لنا بِالدخول و رؤية ما بداخله. توك و بلايز لم يعودوا قادرين على أخراج صوتً من انبهارهم فأفواهِهِم مفتوحة على وشك الارتطام بالأرض و لا أحكم على شكلهم لأنهم محقون، هذا كانَ شكلي عندما دخلتُ القصر أول مرة في حياتي.

كلمة تُحفة لا تُناسب وَصف شكله حتى لا يكفي فأنه ساحر، الجدران مُرصعة بالألماس، الثُريات التي تنير المكان زجاجية كأنها نجوم و كل شيء خيالي من عالم أخر.

رحبوا بنا حراس القصر مع بعض الخدم نساءً و رجالاً بابتسامات بشوشة و لطيفة لنُكمل مشينا خلف راجي.
لم نصل الى منتصف البهو الكبير لتظهر امرأة تنزل من على الدرج أمامنا الذي يقود لِلطابق الثاني، ذات بشرة سمراء، شعر أسود حريري مُنسدل طويلة القامة ترتدي فستاناً بِكلا اللونين، ذهبي و الأسود طويل توجَد فتحات يظهروا فخديها و في قدميها ترتدي بما يسمونه الكعب العالي ايضاً ذهبي، يُطَقطِق كلما مشت.

عرفتها على الفور، انها نيفاري أخت الملك لايتا و التي تكون أجمل امرأة مملكة كاداري فَلا أحد يُضاهيها جمالاً و ما يميزها هي عيونها المسحوبة ذهبية اللون كأنها قِطع من القصر.
و حُبي مِن طفولتي.

نعم مضحك لكني في اللحظة الأولى التي رأيتها فيها كانت في زيارتي الأولى لِلمملكة في عمر العاشرة و عندما حَطت عيناي عليها أعجبتُ بها على الفور مع انها أكبر مني بِمئات السنين و كنتُ أجِد عذراً لكي أقضي معها الوقت و وصل الحَد بِجلوسي على حضنها و سماع قصصاً لم أهتم لها عن تاريخ كاداري عدا انني استمتعتُ بِصوتها الرقيق و لماستها على وجنتاي لاعتقادها انني طفل جميل.
كنتُ ماكِراً، اعترف بهذا.

و الأن مرت السنوات، و أصبحت أجمل؟
انا اعرف أنَ الكائنات عندما تكبر لِتُفقد جمالها أما نيفاري تكبر لتُصبح أجمل؟
هذا عجيب.
لقد جئتم! قالت هي تذهب الى نيفار صديقتها لتَفرد ذراعيها في الهواء و تُعانق الشقراء.
عانقتها فينار بالمُقابل تخبرها انها أشتاقت لها و انها أسفة لتأخرها لكن نيفاري هَزت رأسها تُقبِّلها على كلتا الوجنتين تخبرها انها تتفهم و لا تهتم لذلك بَل تهتم لِمجيئنا و تحقيق طلبها.

التفتت اليّ لتُحرك رأسها على جنب كالعصفور المحتار كأنها لم تعرفني.
ريس؟، آوه لا انتظِر لحظة، اقتربت مني أكثر تبدو حقاً طويلة و أجمل عن قُرب لترفع حواجبها الداكِنة ترتسم بسمة عريضة على شفتيها الوردية.
آوه يا اللهي انتَ لستَ ريس، عانقتني بِقوة لأعيد لها ذلك أُخرِج ضحكة خفيفة من حلقي أشتم رائحة عطرها الثمين من الياسمين.
مع الأسف لستُ من تظنينه. قلتُ مازحاً.
ابتعدت عني مُمسكة بِكتفاي تحدق بِعيناي.

بالطبع، انتَ فالكين، فالشيء الوحيد الذي يُميزك عنه هي عينيك البنفسجية. امسكت وَجهي بين يديها لتكمل
لقد كبرت بسرعة، أخِر مرة رأيتك بها كنتَ في الحادية عشر؟ الثالثة عشر؟
الخامسة عشر.
توَسعت عينيها لتكبر بسمتها تُظهر أسنانها الؤلؤية
لقد أصحبت، رجلاً.
انها لا تُجامل لكني شعرتُ بالأطراء من كلماتها البسيطة، امسكتُ يديها معاً ثم وضعتُ قُبلة على مَفاصلها.
لقد سُررتُ بِرؤيتك نيفاري.

مسحت بِأصابعها الأخرى مِن الخلف على وَجنتي اليُمنى لتبادر
و انا ايضاً فالكين.
قالتها بِنبرة مُغيظة جعلت مِن قلبي يَخفِق نبضة.
تباً انها امرأة جذابة.
و أهلاً بِلينوا و لينور و مَن هُم مُرافقون الأمراء. التَفتت هي قائلة ليَنحني الجميع لها بامتنان على ترحيبها القصير.
هل لايتا موجود؟ سألتها فينار لتنقلب ملامح وجهها من السعيدة الى الجدية في لحظة سريعة.
نعم سوف أخذكم اليه حالاً.

الن تجعلونا ننتظر قدومه كما يجب؟ سألتها انا بِتعجب لتَهُز رأسها مشابكة الذراعين أمام صدرها تبدو بِخيبة أمل.
انه يرفض مغادرة غرفته منذُ بداية المشكلة لهذا أخذكم اليه هو الحَل الوحيد.
كما ترينه مُناسب عزيزتي. قالت فينار لتومئ الجميلة و تُشير بيدها الى الدرج.
دعونا نصعد كي يأخذوا الخدم أصدقائنا الى غُرفهِم و انا سأخذكم الى الملك الكسول.

و بذلك صعدنا كلنا الدرج لِلطابق الثاني، توك، بلايز و الحراس تم أرشادهم الى غرفهم، التوأم ذهبوا الى مكانٍ ما بينما انا و فينار بقينا مع نيفاري نمشي في ردهات طويلة و واسِعة الى غرفة لايتا.

في ردهة نوافذها على يَسارنا مطلة على حديقة القصر الجانبية وقفنا عند باب ذهبي على الجدار الأيمن و قبل أن تطرق نيفاري الباب سمعنا أصوات قَهقَهات هامسة عائدة لِنساء لينضم اليهم صوت رجولي و المزيد مِن الهمسات المنخفضة.
نظرت نيفاري الينا بأحراج بما اننا نعلم ما يجري في الداخل لتطرق مرتين تجعل الأصوات تتوقف في الداخل.
لايتا! سوف ادخل لهذا أترك أصدقائك يخرجوا. قالت هي بِنبرة مرتفعة.

لم يجبها أحد لتعود الأصوات و القهقات مجدداً كما لو انها لم تتحدث ابداً.
تنهدت نيفاري لتطرق مرة أخرى تُحَذِرُه و لكنه تجاهلها و لم يفتح الباب أو يسمح لها بالدخول لهذا لم تدع الصبر يفوز لتُمسك المقبض و تفتح الباب بِقوة تقتحم غرفته.
أول ما رأيته و انا اقِف مع فينار عند المَدخل هو سريره الكبير بِأغطية حريرية برونزية لامعة و عليها مُستلقي لايتا عاري، الغطاء يُغطي الجزء السُفلي من جسده و معه امرأتين.

أشحتُ بِنظري على فينار لنتبادل النظرات هي بوجه أحمر بينما خاصتي مُنكمش كأنني أكلتُ شيئاً حامِضاً لِلغاية.
هذا ما توقعته عندما أتيتُ القصر لكن ليس مِن اليوم الأول في الحقيقة.
يا للهول نيفاري! على الأقل حذريني قبل أقتحامك غرفتي و أزعاجي. تذمر لايتا يجلس، يسند ظهره و رأسه على لوح سريره يُبعد خُصلاته الطويلة عن وجهه.

الامرأتين أخذو ملابسهم و لفوها حول انفسهم ليغادروا من دون التوقف عن القَهقه يتركونا مع الملك.
اللعنة لايتا لقد أخبرتك اننا سوف نستقبل الأمراء اليوم. أخبرته غاضبة تذهب الى الستائر الذهبية لتَفتحها تجعل الغرفة العتمة، مُضاءة بِنور الشمس.
لعن لايتا بِصوت مرتفع ليُحرك رأسه باتجاهنا.

آوه أهلاً أهلاً بِسمو الأميرة فينار، هل تريدين الانضمام اليّ؟ طَبطَب بيده على الجانب الفارغ من سريره لتُشقلب فينار مُقلتيها لا تشعُر بالإهانة على طلبه في الأخِر انه يمزح.
ربما.
لا شكراً لستُ في المزاج.
لا بأس، أزاح عينيه الصفراء كَلون عيون أخته عَليّ ليرفع حواجبه الكثيفة المُرتبة للأعلى قبل أن يكمل
لم أكن اعلم أنَ ريس هو القادم مِن أسليرا.

يبدو انكَ مازلتَ ثملاً لايتا، لأنه ليس ريساند بل ابن عمه فالكين ابن الراحِلة أغاثا. صَحَحَت نيفاري من كلامه لِيندهش و يبتسم بنفس الوقت.
لقد كبرت جداً سمو الأمير كَم سنة مَرت؟،
عشرة. أجبته بِبساطة.

هَمهَم هو قبل أن يأخُذ نفساً عميقاً ينفُخ فيه صدره و يزفره أثناء ذلك نهض من على سريره عاري الجسد بالكامل لتُدير فينار نفسها على باب الغرفة و أخته ألقَت عليه كلمات قذرة لم أكن اعلم بِوجودها ثم ألقت ردائه لكي يغطي نفسه مع انه قد فاتَ الأوان و رأينا كل شيء.
حرفياً، كل شيء.
غطي نفسكَ ايها المنحرف. أخبرته نيفاري هي تعود لتقف بِجانبي.

لبِسة ردائه يبقى فقط صدره ظاهِر لأرَبت على كتف فينار كي تستدير نحوه تَهُز رأسها بِخيبة ظن وجهها كالطماطم.
انتم مَن دخلتم الى غرفتي و انا في هذه الحالة فَلا يمكن لومي، اليسَ كذلك فالكين؟
اعتذر، فلم أكُن في حالتك يوماً لكي أجيب.
رمش عَليّ ثلاثة مرات قبل أن يضحك يجلس على كرسي من القماش بِجانب نوافِذه العملاقة التي تأخُذ مساحة كبيرة من الجدار المُقابل لِسريره.
ملئ كاساً من المياه ثم شربه بِبطء.

اعتذر منكم لم أرحب بكم بِطريقة ملكية لكن اعتقد أنَ أختي العزيزة أخبرتكم عن وضعي.
نعم فعلت و لا بأس نحنُ نتفهم موقفك لايتا. انا أخبرته اتكئ على الجدار.
أود سؤالكم عن سبب قدومكم لكني اعرف، فالخبر انتشر بسرعة و الفضل يعود لنيفاري التي لم تُنصِت اليّ و ارسلت لكم طلباً سخيفاً.

هذا الطلب السخيف سوف يُنقذ مؤخرتك من الوقوع في مشكلة لا حل لها إلا بِطردك من العرش. اندفعت نيفاري قائلة ليُكمل هو شرب مياهه غير مُبالي لها بِضجر.
امسكتُ بِذراعها العُلية لأسحبها بِلُطف الى جانبي أخبرها بِصمت أن لا ترد عليه و لمفاجأتي انها سمعتني و سكَتَت تُرسل فقط نظرات قاتلة نحوى أخاها.
لن يقدر كائن على أخذ العرش مني، غيركِ طبعاً أختي العزيزة. قال لايتا يضع الكأس مِن يده على الطاولة بِجانبه.

لايتا اسمعنا رجاءً، نعلم جيداً انكَ قادر بِحركة يَد على أحراق و انهاء المتمردين بالإضافة نحنُ لم نأتي لكي نُعاندك أو نمنعك من تغير رأيك لكننا هنا لكي نفتح عيناك على الذي لا تراه لا أكثر أو أقل و في الأخِر القرار قرارك.
و ما الذي لا أراه فالكين؟
الخطورة على شعبك و خصيصاً البشر منهم. أجابته فينار بدلاً عني.

كيف لهم أن يعرفوا ما هو الأحسن لهم و انا الذي جلعتُ المملكة أفضل من اية وقتٍ في حُكم الملوك قَبلي؟
اومأتُ انا اتفهم كلامه لأتقدم خطوة للأمام و أجيبه
انتَ محق هُم لا يعرفوا مصلحتهم أكثر مِن ملكهم لكنهم في الأخِر ايضاً لهم الحَق بِأعطاء رأيهم بِقرار قَد يضرهم أو يَنفعهم و انتَ كَملك يجب عليكَ الاستماع لهم.

نهض لايتا من على كرسيه ليتجه الى ستائر ما قريبة من خزانته و يَختفي خلفها، انه الحمام الخاص به لأنني سمعتُ صوت مياه جارية. سمعتُ ايضاً نيفاري تتنهد من جانبي لأنظُر لها مُعقد الحواجب.
حاولتُ أقناعه بِشته الطُرق و هو لا يُنصت لي و يُعاند أكثر.
ما الذي يجعله مُصِراً على ذلك القرار؟ فينار سألتها بِفضول كبير.
أخذت نيفاري وقتها تُحدق بالستائر التي تقود لِلحمام الملكي قبل أن تُجيب تنظُر لنا.

لديه خطة يعتقد انها ستجعل مملكته أكبر و أقوى.
ما هي؟ فينار سألت.
بدَت لِوَهلة مترددة بالإجابة لكنها فتحت فمها و قالت
كما تعلمون مِن بعد الحرب بين أسليرا و مملكة شادونايت، ظلت مملكتهم لخسارتها ملكها من دون أحد يجلس على العرش لهذا لايتا يريدها لنفسه، ليس بِطريقة مُتسلطة بل عادلة بنفس الوقت يشعُر بالأسف على شعبها المسكين فَهُم يعانون منذُ خسارتهم الحرب.

ماذا؟ هذا غير متوقع بتاتاً و أخِر ما سأفكر فيه على الأطلاق لكني لن أكذب و سأقول انه تفكير ذكي و تَكتيكِ.
انتظري لحظة، لمملكة شادونايت وزراء قد لا يكونوا على العرش لكنهم يضعون المملكة تحت أشرافهم و مسؤوليتهم. ذكرت فينار الواقع لتومئ صديقتها.

اعلم و مع ذلك هُم ليسوا بِقوة الملك و سيأخذون اية فرصة تأتي إذا ما تعلق الأمر بِأعطاء أحَد الملوك الستة يَد العون. قال لايتا يخرج من حمامه مُرتدياً و الحمدلله ملابس مختلفة تُعَبِر عنه كَملك.

لكنكَ لا ترى ما هو أكبر لايتا، مملكتك سَتتضرر إثر ذلك و اعلم انكَ سوف تندم لاحقاً. ردت نيفاري ترمي ذراعيها في الهواء مُحبطة.
هذا نقاش قد خضناه من قبل لهذا أرجوكِ دعينا لا نفعلها مجدداً.
انا مع أختك، لايتا و أرى أنَ قرارك سَيضُر بِمملكتك أكثر من إفادتها. دافعت فينار عن كلام صديقتها ليزفر الملك الهواء من فمه و ينظُر اليّ كأنه ينتظِر شيئاً مني.
آوه لا.
أممممم انا،.

انتَ معهم ايضاً؟ سألني هو يرفع حاجباً واحِداً لأحُك رأسي من الخلف بِتوتر.
مع الأسف لن اقف معكَ في هذا لايتا، فَكما تعلم انا هنا لكي انصحك فَلقد وعدنا شعبك الذي يقضي أياماً أمام بوابة قصرك انتظاراً لِرد قد يُسعدهم.
مع الأسف، هذا لن يحدث.
تخطانا هو يفتح باب غرفته لنلحقه نحنُ في الردهة، أشعُر أنَ بقائي هنا سيأخُذ وقتاً أطول مِن ما خَططنا له في فالينيا.

نظرتُ في الأرجاء أحاول العثور على طائر صغير مزعج لكني لم أجده، ربما ذهب لكي يتجول في القصر بما انه كانَ مُنبهراً به طوال الوقت.
لايتا اسمعني هذا ليس موضوعاً يتم النقاش فيه مطولاً فَيجب عليكَ أخذ قراراً أخيراً و يجب أن يكون الأصَح. قالت فينار مُصِرة لندخل ردهة أخرى فيها حارسين يحرسان بابين طويلين لأذكر انهم لِقاعة عرشه.

فتحوا الحارسان لنا البابين معاً لندخل الى أكبر قاعة في القصر إن لم تَخُني ذاكرتي.
يوجد بساط أخضر مُمَدَد على طول الطريق و أمامنا تماماً يوجد درج صغير بعدها كرسي عرشه مُرَصَع الذهب و الألماس كما هنالك حُراس كثيرون في كل زاوية و عند الدرج.

توجهنا كلنا الى طاولة مُستطيلة قريبة من شُرفة القاعة المُطِلة على ساحة القصر ليجلس لايتا في المُقدمة، جنبه أخته المستاءة منه، فينار جنبها و انا على يمين لايتا.
لا تتصرف كالحمقى لايتا فَهذا القرار يتعلق بِمستقبل كاداري و ليست لعبة تلعبها كما تشاء و وقتما تشاء. أخبرته نيفاري قبل أن يبدأو الخدم بِوضع الطعام فوق الطاولة مع المشروبات الكحولية و منها المُنعش من الفواكه.

كان يجب على والدانا اعطائك العرش بدلاً مني. قال هو مُبتسماً يُغيظها أكثر.

ألا تفكر بِالبشر على الأقل؟ انهم ضعفاء لا يُضاهون قوةً مع الجنيات و خاصةً الشادونايتس و قبولك أدخالهم الى كاداري يضعهم في وضع حَرِج و صعب جداً فَلا يُمكن لأية كائن حي التعايش مع الشادونايتس و انتَ أدرى بِذلك. حاولتُ تذكيره بِعداوة كاداري مع الشادونايت التي تَعَدَت القرون بطريقة غير مُباشرة ليَنظُر لي بِوجه بارد تنعَكِس النيران في عينيه المُضيئة.

لم يقل ريساند هذا عندما فتح ذراعيه لِشادونايتس قبل عشرة سنين بعد الحرب.
صحيح لكنه لم يُعطيهم الحق بالعيش في المملكة كَشعبها و التخالُط و إنما فقط لِلتجارة و العمل بِشكل عام. رددتُ بِنبرة هادئة لا أدع من كلماته تؤثر عَليّ فَهو يُحاول أحراجي بِوضع الحقائق على الطاولة إلا انني اعلم انه لا يقصد ذلك و انه فقط يريد توضيح وجهة نظهره.

لا يختلف كثيراً فَهُم سيعيشون في كاداري كما يعيشون في شادونايت لكن تحت قوانيني و إذا تعدوها فَهنالك عقاباً لهم.
هذه هي النقطة الأساسية لايتا! نهضت نيفاري من على كرسيها بِغضب تجعله يقع على الأرض ورائها ليرمقها لايتا بِنظرات صارمة قبل أن تنهض فينار ايضاً و تدور حول الطاولة اليها كي تُهدئها قبل أن يصبح النقاش حاداً.

ما رأيكِ لو ندعهم يتكلمون فيما بينهم و نحنُ نذهب لكي نتمشى في الحديقة فأنني أشتاق للأوقات معاً. هَمست هي لها بِصوت مسموع.
لم تُعِرها نيفاري انتباهاً لا تزال تحدق بِأخاها بِتعصُب و هو لم يُتعِب نفسه بِمُجادلتها أو أخذ نظرة عليها بل فَضَّل البدأ بِسكب الطعام في طبقه.

سحبتها فينار مِن ذراعها بعيداً عن الطاولة لأومئ انا لها شاكِراً على ذلك قبل أن يغادروا القاعة. أخذتُ نفساً عميقاً أُصَفي فيه ذهني لأبدأ انا ايضاً بِسكب الطعام في طبقي مِن أرز أصفر، بعض لحم العِجل و الخُضار المسلوقة على جنب مع القليل مِن نبيذ العنب.

مع أنَ الطاولة مُمَدَد بِأفضل انواع الطعام المُميزين به في هذه المملكة الرائعة مِن لحم أحمر، دجاج، رز بألوانه، خضار، فواكه، حلويات سُكرية جداً و المزيد.
انكَ تحزنها لِلغاية بِعنادك مع انكَ تعلم جيداً انكَ مُخطئ. فتحتُ الحديث العَق شفتاي مُمسِكاً بِمعلقة أضع فيها رز و قطعة لحمة حارة.
كَملك يجب عَليّ التغاضي على الأحاسيس و التفكير بِمملكتي أولاً.

نيفاري لا تتصرف بِحساسية لايتا، بل بِعقل واعي و تريد حمايتك لأنها تعرف ما سيحصل إن استمريت.
بلع هو اللقمة في فمه لينظُر لي مُضَيّق العينين يسند رأسه على قبضة يده يلعب بِالشوكة بين أصابعه اليُمنى
يقول الذي يُحبها منذُ طفولته.
تبحلقت عيناي على ما دخل أذُناي لتقع الملعقة من يدي على الطبق. كيف عرف هذا اللعين؟ هل كانَ واضِحاً الى ذاك الحَد!
انت، كيف اعني ما الذي تتكلم عنه؟

ابتسم هو بِمُكر ليعود يتناول طعامه.
الجميع يعرف عداها هي و بما انكَ كنتَ طفلاً فَلم تنتبه لمشاعرك الطفولية.
شقلبتُ مُقلتاي أحمل المعلقة من دون أن أكل، فَلقد فقدتُ شهيتي.
هذا كان في طفولتي و-و لا يتعلق بما نتحدث عنه.
و مع ذلك مازلتَ تنظُر اليها كأنها قطعة حلوة نادرة، فَخُذ، حمل طبعاً كبيراً فيه حلوة بالجُبنة عليه سُكر سائل ليضع قطعة في طبقي بعدها أكمل.

إذا اردتَ التحلية فَكل الطعام الحقيقي و مع ذلك انا لا امانع تذوقك لأختي لو أرادت فأنتَ رجلاً الأن.
يا اللهي خلصني من هذه الورطة التي اوقعتُ نفسي بها.
تنهدتُ انا اغلق عيناي لِلحظة أهدئ من روعي قبل أن أتحول لِشخص ثاني و اقتله بِيداي كما تَمنت نيفاري، لأفَكِر انه في الأخِر يوجد مَن هو اسوأ من فالين.

لم الحَظ في طفولتي كم انه مزعجاً مثل الأن، مَن ينظُر على لايتا من الخارج، يراه رجلاً وسيماً أسمر البشرة بِشعر يَصل لِكتفيه، جسد عضلي و عيون جذابة، لطيف، عطوف و الى أخر لكنه في الواقع يُحِب لعب دور الأحمق، أناني و مُغيظ.

شخصيته ليست كريهة بل على العكس تماماً لايتا الملك الثاني من بعد فالين الذي يُعتبر صديقاً قريباً من ريساند و كانَ داعماً كبيراً في الحرب ضد شادونايت قبل تسعة عشر سنة لهذا انا هنا اليوم، لكي أساعده لأني أهتَم له كما يهتم له فالين.
بما انني الأن، جزءً من مملكة فالينيا أتيتُ لأوَرط نفسي مع هذا العنيد ذو الرأس المُتحجر حتى لا يُصبح ملكاً بِحبل موته حول رقبته من دون أن يدري به.

انتَ لن تقتنع مهما حاولنا لا؟ سألته من بأختصار ليأكل لقمة من طعامه يَمضغه قليلاً ثم يومئ بِنعم.
انتَ لا تُصَدَق.
لو كنتَ مكاني لفعلت المِثل انتَ صدقني فالكين، مع انكَ اميراً صغيراً إلا انني لاحظتُ ذكائك و طريقة تفكيرك لكنك لستَ تحت ضغط مملكة لهذا تُسَهِل الأمر و تظُن انه هيناً.

هذا ليس صحيحاً لأنني لستُ الوحيد ضِد قرارك، بل فالين كذلك فَهو لم يقدر على القدوم كي لا يترك مملكته لوحدها لأنه متصل معك و لديكم شراكة في البنوك.
هَمهَم هو يأخُذ لقمة أخرى يجعلني أعَض بأسناني على بعضهما بِنفاذ صبر، لأعلم انه لا حَل أوسط معه في هذه اللحظة لأترك النقاش و اركز على شربي لِلنبيذ كي أرَخي اعصابي المَشدودة.

تصرف بعقل سليم فَلو أتى لكان قضى وقته فقط بِشرب الكحول و مع النساء. أضافة هو ضاحِكاً لأبقي فمي مُغلقاً أشعُر انه محق.

ماذا ستفعل سموك؟ سألني بلايز يَطير حول مزهرية ورود سوداء ليجلس فوق واحِدة منهم يضع ساقاً فوق الأخرى.
تنهدتُ لا أدري كيف أجيب لأستلقي فوق سريري في غرفتي المتواضعة و المريحة. لقد أحببتها لأنها مفتوحة، الجدار على يساري يُطِل على الحديقة الجانبية لا تملك نوافذ و إنما ستائر شفافة بيضاء تتراقص في الهواء بِسبب النسمة الحارة.

بعد تناولي الغداء مع لايتا قررتُ أخذ قسطاً من الراحة فالسفر أتعبني جداً و خصيصاً الطيران لساعات. أخذتُ حماماً منعشاً بعدها ارتديتُ ملابس جديدة.
يبدو اننا سوف نعود فارغين الأيادي، قال بلايز يَطير ليجلس فوق بطني.
رمقته بِنظرات منزعجة لكونه يجلس فوقي من دون إذن ليتجاهلني و يُكمل قائلاً
ماذا سنقول لِفالين؟ اننا أتينا لِلزيارة، تناول الطعام و النوم فَحسب؟

كفاكَ سُخرية بلايز و هذا ما يزال اليوم الأول حتى انه لم يَمُر بعد.
اليسَت الحقيقة؟
رفعتُ رأسي قليلاً عن السرير لأمسك به من جناحيه و القي به بعيداً، طبعاً لم يقع على الأرض أو يصطدم بِالباب كما تمنيت لأنه استعمل جناحيه بالتحليق و العودة لكي يطير فوق وجهي.
انا أظُن أنَ فالين كانَ سيلعب دوراً أكبر بأقناع لايتا. أخبرني هو يدَّعي الذكاء.

لا، لأنَ لايتا قال العكس و بالمناسبة، لماذا تُنادي فالين و لايتا بأسمائهم، اليسَ عليكَ استخدام جلالتهم أو ملوك؟
لا يهم بما انهم غير موجودين.
لديه وِجهة نظَر مِما جعلني أصمت. بنفس اللحظة طُرِق باب غرفتي لأنهض لكي افتحه أجِد فينار و نيفاري يقفون. فينار مبتسمة بينما الأخرى عابسة.
علي الأقل أحدهم أفضَل.
أسفون على التطفُل لكن هل تسمح لنا؟ فينار سألت بِلُطف لأبتعد عن وجههم و أدعم يدخلون لأغلق الباب خلفنا.

جلست فينار على حافة الشُرفة بينما نيفاري جلست على طرف سريري.
نظرتُ في الأرجاء أبحث عن كائن صغير قليل الأدب لأجده يتخبئ بين الورود السوداء يُراقب نيفاري بِعيون متأملة.
إذاً؟، مَن الذي فاز بالحديث؟ سألتني نيفاري تبدأ أولاً.
خمني و إذا أصبتِ سوف اعطيكِ مكافئة.
هَمهَمت هي بِتفكير تَحُك ذقنها مع انها تعلم الإجابة حتى فينار أخرجت ضحكة من حلقها تُغَطي فمها بيدها كي لا تُصدِر صوتً.

لايتا؟ أجابت هي تتظاهر الجهل لأبتسم أُصَفِق مرة بيداي.
أحسنتِ.
لن نستسلم بعد يا رفاق فَمازلنا في البداية. شاركت فينار تأتي لتجلس بِجانب صديقتها.
هذا ما افَكِر به لكني أعجَز عن إيجاد طريقة لأدخُل الى رأسه المُتصلب. قلتُ انا مُحبطاً أتكئ بيدي اليسُرى على الطاولة الدائرية الصغيرة التي عليها مزهرية الورود السوداء أختلس نظرة خاطفة على بلايز المتمعن بِجمال صاحبت البشرة السمراء التي تبدو ناعمة المَلمَس.

هل أكون مُنحرفاً إن قلت انني اريد لمسها؟
نعم بكل تأكيد، أعتذر.
لكُل مشكلة حلها فَلا تقلقوا لأنني ارسلتُ طلباً الى مملكة فالينيا قد يكون قادر على المُساعدة.
حدق كلانا بِفينار لتبتسم تُظهِر أسنانها البيضاء المثالية قبل أن تشرح لنا ما تَعنيه
ارسلتُ بِطلب حضور السفيرة الخاصة بالبشر الى هنا.
رمشنا عليها بِدهشة كأننا نراها مَخلوقاً يتكلم لأول مرة في حياته لتَكبُر بسمتها أكثر تُبَرِر.

كما تعلمون فالينيا غنية بالبشر و مِن الصعب فَهمهُم جيداً أو التواصل معهم كما نتواصل مع الجنيات كما إنَ لكِلا الجنسين طريقة خاصة بالعيش و الحياة لهذا احتجنا سفيراً لكي يُساعدنا على فهمهم منذُ سنين و مع الأسف السفير البشري القديم لمملكتنا قد توفى قبل بضعة سنوات لهذا وَجدنا شخصاً أخراً عبقرياً بدلاً عنه.

لقد ذكرتِ أنَ الشخص، سفيرة، أيّ أُنثى. لم يكُن سؤالاً من قِبَل نيفاري لكن الشقراء اومأت بِرأسها قائلة
انها مِن البشر طبعاً و قد ساعدتنا كثيراً منذُ أن أتَت الى مملكتنا.
لم يكُن لدي خبراً عن تواجُد سفيرة بشرية، قلتُ انا مُتفاجئ.
هذا لأنها لا تظهر كثيراً في القصر بل تظل في الجناح الأخَر و تأتي عند الحاجة.
تعتقدين انها سَتستطيع أقناع أخي السافل؟ سألتها نيفاري رافعة الحواجب.

سافل، الاسم مُطابق له حقاً و مضحك و لسببٍ واضِح، ظهرت صورة فالين في دماغي.
أممممم نعم؟ أتمنى ذلك فأنها حقاً ماهِرة بالتحدث و أقناع اية شخص، لديها أسلوب راقي، ذكي، لهذا عَيَّنها فالين السفيرة على البشر.
هَمهَم كِلانا بِتفهم لأشعُر انا بِحماس على التعرُف على هذه المرأة البشرية التي تَمدح فيها فينار و لسببٍ ما لدي أمَل انها مُحقة و انها ستكون الحل الوحيد.

وقفتُ جيداً أضَع يداي في بنطالي الأسود لأسألها بِفضول
متى ستأتي؟
على حسب توقعي فإنَ الرسالة سَتصلها غداً صباحاً بِما انني ارسلتها قبل ساعتين تقريباً فَوصولها سيكون بعد يومين إن حسبتها صحيح.
فكرتُ انا بِذلك لأوافقها الكلام، سيأخُذ منها ما يُقارب اليومين و النِصف حتى تَصِل الى المملكة.

حسناً، هيا فينار دعينا نترك الأمير لكي يرتاح و انتِ يجب عليكِ أخذ بعضاً من الراحة فَلقد سافرتما تَحليقاً لا بُد و من انه مُرهِقاً. نهضت نيفاري و معها الأخرى يتجهوا نحوى الباب.
لحقتُ بهما مُمسِكاً به من أجلهم لتتمنى لي فينار نوماً هنيئاً و تُكمل طريقها لا تنتظِر التي وقفت عند المَخرج يبدو انها تريد قول شيء ما لي.

هل مِن خطب؟ انا سألتها لتتقدم اليّ و تُعانقني فجأة تجعلني أتجمد في مطرحي أنسى المبادرة به.
شكراً لكَ على القدوم فالكين فأنا حقاً مُمتنة لكليكما لِلرد على طلبي. لقد شكرتُ فينار قبل مجيئنا و ظننتُ انه الوقت المناسب لأخبارك انت بالذي أشعُر به.
ابتعدت هي عن العناق لتضع يداً على وَجنتي و تقترب تُقَبِّل الثانية تبقى مطولاً قبل أن تبتعد لتنظُر في عيناي. لِلحظة نسيتُ كيف أتنفس و كيف أرُد.

انا متأكدة اننا سوف نستمتع في بقائكم هنا في القصر. قالت هي لأفتح فمي كي اوافقها و إذ بها تقترب مجدداً هذه المرة مِن أذُني تكمل هامِسة تُرسِل القشعريرة بأرجاء جسدي
و انا لم أنسى مكافأتي،
غمزت لي بِعينها بعدها التَفَتَت و غادرت تتركني أحدق بِظهرها الى أن اختفت تأخُذ ردهة أخرى.
ماذا كان هذا بِحق السماء؟
لم أمنع نفسي من الابتسام كالأحمق لأدخُل الغرفة و اغلق الباب أخرج زفيراً طويلاً مِن فمي.

ما الذي همسته في أذُنك؟ انتفضتُ بِمكاني على الصوت لأستدير نحوه أرى بلايز يجلس فوق إحدى وِسادات سريري.
و ما شأنكَ انت؟ تتجسس عَليّ، عديم الأخلاق. تَمتَمتُ أخِر كلمتين أتوَجه الى صندوق ملابسي حتى أُخرِج ملابس نومي.
مجرد سؤال سموك.
حملتُ في الأخِر مجرد بنطال أبيض فَضفاض لأن الغرفة حارة حتى ولو جدرانها تحَوِل الهواء الذي يدخُل الى بارد إلا انني أتَصَبَب عرقاً و بعد تفكير العرق لِسبب ثاني كلياً.

بدأتُ بِخلع ملابسي و ارتداء البنطال بينما بلايز أكمل أزعاجي
اليسَ مِن الغريب أنَ سموها غير متزوجة أو في علاقة مع أحدهم و هي بتلكَ الجمال و الرُقي؟
ليسَ لنا دخل بِحياتها العاطفية بلايز و انتَ أولهم و لماذا تُناديها هي بِسموها فجأة؟
هَزة هو أكتافه مُجيباً
انها موضوع مختلف.
شقلبتُ مُقلتاي عليه أضع ملابسي على الطرف الثاني من السرير ثم توَجهتُ الى طرفي أستلقي على ظهري لأرى بلايز يَطير مجدداً في وَجهي.

ألا تشعُر بالفضول مثلي؟
بلايز، أرحل و العَب مع مَن هُم مِن حجمك فَلا مَزاج لي معك.
ضَيّق هو عينيه مُشابك الذراعين ليقلب شفته مُتظاهراً الغضب يبتعد عن وجهي ليذهب و يستلقي على حافة الشرفة.
ظهر َسؤالاً فضولي في عقلي لا يتعلق بِنيفاري بل بِشخصٍ أخِر تماماً لأدير رأسي نحوه أراه يحدق بالستائر المُتراقصة فوقه.
فتحتُ فمي ثم سألته
هل تعلم عن أمر السفيرة البشرية القادمة؟
سمعتُ عنها لكني لم أراها ابداً.
ماذا سمعت؟

هَمهَم هو قليلاً يُغطي عينيه بِذراعه كي لا يَعميه ضوء النهار.
انها تعيش في عالمنا منذُ عشرون سنة تقريباً سمعتُ انها أتَت قبل الحرب بِعام و كانت تعيش بِأسليرا قبل أنتقالها الى فالينيا، وحيدة ليس لديها أحدٌ هُنا تعرفه عدا مَن في القصر، لديها حارس شخصي و هي جميلة جداً، ذكية جداً و رقيقة بتعاملها مع الجميع و غامضة جداً.
واو كل هذا جعلني أشعُر بِرغبة برؤيتها بشكل أكبر الأن.
هل هذا كل شيء؟

أممممم آوه نعم يوجد،
رفعتُ رأسي عن الوسادة أنتظره ليُبعِد ذراعه عن عينيه يُكمل
أنَ نِصف رجال القصر حاولوا أغوائها الى أسِرَتِهِم.
رمشتُ عليه بسرعة خارقة أشعُر بأنني سخيف و سمعتُ ما لا يجب سماعه لأعيد وضع رأسي على الوسادة و العنه على تلكَ المعلومة ألف مرة قبل أن أغُط في النوم على ألحان العود من بعيد.

قضيتُ يومين في كاداري أحاول انا والباقي أقناع لايتا بِطُرق مختلفة و ابداعية لكنه كَشفنا و رفض كُل ما يُغادر أفواهنا و كل شيء يدخُل في أذُن يخرج من الأذُن الثانية.
بالمُختصر المُفيد، لقد فشلنا فَشلاً ذريعاً.

في ظُهر اليوم الثاني أخذنا انا و بلايز نتمشى لوحدنا في القصر و خاصةً في ردهة في الطابق الأول مُطِلة على الحديقة مُباشرة، انها حديقة كبيرة زاهية الألوان لكن أشجارها ايضاً ذهبية و برتقالية اللون لا وجود للأخضر فيها و لديها عروق بارزة من لون أوراقها على جُذعها تبرُق كل لحظة قصيرة كأنها حية.

ورود بجميع الألوان تُزينها، في منتصفها نافورة مياه على شكل جنية بِجناحين كبيرين تَحمل ميزاناً و بيدها الأخرى قلباً تُخرِج المياه من فمها.
مع أنَ الهواء حار و الشمس حارقة إلا أنَ بِطريقةٍ ما الطبيعة جميلة و على قيد الحياة. قال بلايز و هو جلس كالعادة التي لا تُعجبني على كتفي الأيمَن يتمعن بِروعة الحديقة و عجائبها.

هذا لأنَ أشجارها و نباتاتها تُخَزِن المياه و لا تحتاجه كثيراً في هذا الفَصل و هي تنمو في بيئة جافة، انها أحَد الأشياء الطبيعية الفريدة في كاداري.
رائع لِلغاية.
اومأتُ انا انظُر معه أتمشى بِخطوات بطيئة واضِعاً يداي خلف ظهري.

يوجد خدم يهتمون بها و مِنهم مَن فقط يستمتعون مثلي بالتمعن بِجمالها. مَررتُ من جانب حائِط يُغطي على المنظر لِلحظة لأعود و أرى الحديقة لكن ما جعلني اقِف بِمكاني مُتحجراً هو امرأة ظهرها لي، بِشعر مُموج أسود كَسواد الليل طوله لنصف ظهرها، نحيلة الجسد ترتدي فستاناً بنفسجي فاتِح أو ما يُسمى بلون اللافِندر.

يُبرِز جلد ظهرها و القليل من كتفها الأيمن و الأيسر الذي يُغطيه شعرها الامِع. تقف بعيداً بين الورود رافِعة اليَد تطير من حولها فَراشة حمراء اللون ذات أجنحة تومِض.
جميلة. قال بلايز يرجِع تركيزي للأصوات من دون ابعاد عيناي عنها.
انها مألوفة جداً كأنني رأيتُها في مكانٍ ما لكني لا اذكُر...
مَن تكون؟ تساءل بلايز.
انا بكل تأكيد رأيتها في مكانٍ ما، مكانٍ ما...
صحيح! لقد تذكرت.

رأيتها في يوم الاحتفال بِقدومي في فالينيا. لقد رأيتها في الحديثة الخاصة بالقصر الملكي لفالين عندما كنتُ أَحضِر المشروب لِفينار و هي كانت تجلس عند النافورة تلعب بالمياه.
كيف لها أن تكون هُنا؟ لقد ظننتُ انني أتَوَهَم وجودها أو انني رأيتها إثر ثمالتي مِن كثرة شُربي للأوكسارا لكني الأن مستيقظ و لم أُدخِل اية مادة تجعلني أتخيل أشياءً أو تجعل رأسي يدور و يسبح بِمُخيلتي فَلماذا أراها في قصر لايتا؟

هيييي! أحدٌ ما ناداها من جهة أخرى لم أعِر انا الانتباه له اُبقي نظري عليها هي لتُدير رأسها بِبطء جواباً على الصوت، تجعلنا نرى جُزءً منا وَجهها الصغير.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 04 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب