رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الأربعون
-كانيلا-
مع أنني في البحر إلا إنَّ يداي و خاصًة التي تُمسك بِسيفي، مُمتلئة بِدماء حارسي راث.
قرمزي داكن لِلغاية بدى أسود في عتمة الأزقة التي نركض فيها أنا و فالكين باحثين عن توك و الأتلانتيانز الذينَ هربوا و لم يتركوا خلفهم إلا أثر أو أثنين على الطريق الفارغ و القمر فوقنا يُنير وِجهتنا.
كنتُ قد شعرت بِخوف لم أشعُر به منذُ زمن عندما رأيتُ أحَد الأتلانتيانز صاحب القرون و العيون الزرقاء، يُصيب راث في بطنه.
راث لم يصرُخ لكنه وقع و فقد وعيه لِلحظات قصيرة فيها أنا فقدتُ معه نفسي.
جرحه عميق لِدرجة أستطعتُ رؤية عظامه و أمعائه تتدلى على الأطراف.
رصيتُ بأسناني على بعضها أغمض عيناي لِثانية كي ألقي بِصورة راث و جرحه مع بركة الدماء مِن حوله، مِن ذاكرتي.
فتحتُ عيوني مجدداً أرى ظهر فالكين الذي يركُض أمامي. سيفه أيضًا بيده اليُمنى و أنفاسه مسموعة. لم يتوقف ابداً منذُ بداية تركنا لِراث مع الصغيران حتى يُشفوه على طريقتهم أو على الأقل يبقوه على قيد الحياة إلى حين وصول المساعدة.
و أنا حاولتُ مُجاراته قدر الأمكان بِسرعتي لأني و الحمدلله رياضية و لم أقطع يومًا تمارين القتال بِشكل عام لأني أحسستُ، أحسستُ كثيراً أنني بِيوم من الأيام سوف أواجِه خطراً كَهذا.
مع أني لم أكُن رياضية و لم أكُن أعرف شيئًا عن القتال بالسيوف أو القتال جسديًا لكني مرةً قبل سنين طلبتُ مِن مايكا تعليمي و من كابتن الحراس كذلك و كلاهما وافقا. حتى كريسيدا، الساحرة التي أنقذتني، علمتني و دربتني على طريقة الساحرات الخاصة بهم.
لأنَّ العدو لا يتوقع إلا القتال الهمجي و الشائع بين
الرجال، لهذا تدربكِ عندي سيَجعل حركاتك و تقنيتك كالمُفاجئة المُرَّ له.
هذا ما قالته لي قبل بدأها بِتدريبي لكوني سألتها بِفضول عن طريقة قتالهم و كيف و هي أجابتني بِتدريبي.
أسرعي! صياح فالكين لي أعادني إلى الواقع أجِد أننا دخلنا طريق عريض بعض الشيء لكنه مُظلم عدا نور القمر فوقنا الذي يُضيئه.
كيف تعرف انهم أخذوا هذا الطريق؟ سألته عندما توقف هو و أمامنا تمامًا نهايته، فَلم يعُد هنالك طُرقات أو مداخل و أزرقة بل، جَرف.
نحنُ فوق منطقة مرتفعة كأننا على جبل و أمامنا مباشرةً المحيط بِعمقه، و عظمته و لا شيء غير الظلام البعيد و أرض يَصعُب رؤيتها إلا إذا مشيت إلى حافة الجَرف، واثقة أنَّ الهاوية التي مِن بعده ستكون موت أكيد.
إن سقط كائن لا يعرف السباحة جيداً أو تم دفعه عشوائيًا.
اقشعر جسدي بأكمله على الفكرة أنظُر لِفالكين الذي مشى بضع خطوات نحوَ الجرف ينظُر في كل الاتجاهات مِن حولنا يبحث عن توك و الرجلين.
لكننا الوحيدون هنا مع أنَّ المكان كبير و واسع لكنه فارغ حتى الأسماك و مخلوقات البحر لم تجرؤ بالسباحة هنا.
إنهم هنا، تمتم فالكين لِنفسه أكثر يبتعد عني قليلاً يذهب نحوَ الجرف.
فالكين، أرجوك أبقى قريب.
لم يتوقف إلا عندما وصل لِحافة الجرف ينظُر إلى ما يوجد في الأسفل. فتحتُ أنا فمي بِقلق كي أخبره بالتراجُع و إذ بأذُنيه المُدببة تتحرك.
هو ألتفتَ إليّ و عيونه البنفسجية متوسعة.
كانيلا! صرخ هو بالثانية التي سمعتُ أنا أيضًا ذات الشيء.
من ورائي سمعت صوت عميق و ضخم لِرجل و أنا بِردة فعل استدرتُ اليه أجد الأتلانتي ذو العيون الداكِنة و الجلد الحجري، يقفز من على فوق بناء قديم و بيديه الأثنتين سيفه الكبير الحاد.
أعرف أنني لستُ بِنفس قوته و مهارته لكني لم أتوقف لكي أحدق به أو لِلترحيب بِالموت و إنما تدحرجتُ مُبتعدة عن الضربة القاضية لِيُقابل سيفه الأرض الحجرية يَخلِق فيها حفرة.
سافلة. هَسهَس الرجل مِن بين أسنانه عَليّ لأنهض على ساقاي أحمل سيفي جيداً و بأحكام.
أخبرني شيئًا لا أعرفه ايها المتوحش. قلتُ له ليَخرُج مِن بين بنائين على يساري، توك، وجهه قاسي و على جانب جبينه يَسيل دمائه يلمع أسفل نور القمر.
لكنه بدى بخير و عندما رآني و رأى الأمير تبحلقت عينيه بِرُعب واضح ثم فتح فمه لكي يقول شيء ما و إذ بِالأتلانتي الثاني ذو القرون المُلتوية يَظهر كذلك، أنفاسه هادئة كَتعابير وجهه الضَجِرة و على يديه دماء أعلم جيداً انها ليست له بل لِلحارس.
مفاجئة. قال الذي يقف على يميني يُخرِج سيفه مِن الحفرة التي تسبب بها ثم ركض إليّ مستعد لِقتلي.
كانيلا أهربي! صرخ فالكين عليّ لكني لم ألحق بالرَد و طبعًا لن أنصت له و أهرب.
لهذا رفعتُ سيفي بالمُقابل أصد الضربة، التَفِت على شكل دائرة حوله لأصبح خلفه. بسرعة ركلتُ ظهره بِكل القوة التي امتلكها أجعله يتخطى خطوات بعيداً عني قبل أن يستدير إليّ غاضب.
ممتاز.
و كنتَ تقول؟ أنا سألته ساخِرة ليُظهر أسنانه الحادة الكبيرة و صوتً عميق كَصوت الحيوان المفترس من حلقه.
توَجّه نحوي مُسرعًا و سيفه في الهواء لأفرُد أنا ساقاي باستعداد و دفاع ضده لكنه لم يُقابلني أنا لأنَّ فالكين وقف في وجهي يأخُذ الضربة عني بِسيفه يتصادم الحديد بالحديد، شرارة خاطفة تخرُج من بين أسلحتهم.
إن تجرأت على لمس شعرة منها، أعتبر نفسكَ ميتًا. فالكين أخبر الرجل يدفعه عنه ليرجع فالكين خطوتين إليّ، ظهره لي بِطريقة دفاعية.
تكون حبيبتك؟ قال الرجل يلُف سيفه بيده كالمُحترفين عينيه تحُط عليّ لِلحظة قبل أن يبتسم بِمُكر.
ليس مَن شأنك. فالكين أجابه.
ضحك الرجل و خلفه شريكه مع توك، يتقاتلان و على ما يبدو مِن الوضع، توك المهزوم، فَمِن حركاته و طريقة قتاله بدى متعبًا و متألمًا لكنه لم يستسلم و ظل يقاتل الأخَر بِقوة و ذكاء أما الأتلانتي ذو القرون، لم يرحمه و بقية يهجُم عليه من كل الجهات لا يتركه يأخذ نفسًا.
إذاً سنكتشف قريبًا. قال الرجل لِفالكين بعدها تهجم عليه يقفز في الهواء و سيفه موَجّه على رأس الأمير.
لكن فالكين حرك يده الفارغة في الهواء يتحكم بِمجموعة صناديق موجودة بين القُمامة لكي يُلقيها على الأتلانتي.
صاح الرجل بِغضب مُشتعل لكون الصناديق ضربته على وجهه تجعله يفقد قدرته على رؤية هدفه ليقع على الأرض سيفه ما يزال في يده.
هذا اللعين لن يتركه.
امسك فالكين بِمعصمي يُبعدني عن الرجل لكني لم أدعه يكمل فعل ذلك لألتفت من حوله أصبح عند جسد الرجل الذي بدأ بالنهوض. بِثانية سريعة حركتُ سيفي على الأرض ليُتقابل طرفه الحاد المُدبب ذراعه التي يمسك بها سيفه.
لم يكُن لديه وقت لِلصُراخ بألم عدا أنه ألحق بِحركتي المُسببة بِجرح عميق منه دمائه يَسيل، أحمر على ملابسه ثم أمسك سيفي بيده الفارغة يثبته بيننا، هو شبه مستلقي على الأرض، أنا أقف بعيدة منه لكن سيفي عالق بِيده التي تنزف بل توقف.
يمسكه من المنطقة الحادة كأنه لا يكترث للألم و الدماء التي تُغطي يده و السيف تسقط على الأرض بِثُقل حتى أسفل البحر.
أنتَ مجنون. همستُ له ليبتسم يجعل مِن قلبي يقع في معدتي قبل أن يسحب سيفي، اسمع اسمي بِذُعر من فالكين.
لم أدعه ينتصِر بِسهولة لأفلِت السيف مِن قبضتي و أقفز أتشقلب بِساقاي في الهواء مِن فوقه. هبطتُ على الطرف الأخَر أخرِج سكينة طويلة مُلتوية من طرفها مِن خلف فخذي الذي يُغطيه ردائي الطويل.
بِذات الوقت الذي نهض فيه على ساقيه يواجهني و ظهره للأمير الذي نسيَ وجوده أصلاً، وَجَّهتُ السكينة بِخِفة حركة على صدره ألقي ضربة تَشُق ملابسه لكن ليس جلده فَهو تحول لِلقاسي بِسرعة يحمي نفسه.
انها قدرته بِما أنه يمتلك جلد من حجر.
لعنتُ تحت أنفاسي أخُذ خطوة الى الخلف و هو رأى خوفي أو تذوقه في الهواء ليَحمل سيفه بيد و سيفي الذي ينزلق عليه دمائه، لكونه كان يحمله بِشكل خطأ كي يوقفني.
أصبح هو بِسيفين ضدي أنا التي معها سكينة طولها بِطول نصف ذراعي فقط.
أنتِ شجاعة بالنسبة لِبشرية لهذا سأعطيكِ نقطة على ذلك. أخبرني الرجل يقترب مني بِبطء و أنا رجعتُ خطوة مجدداً أنظُر من اليمين لِليسار أحاول رؤية مَخرج ما قبل تلقي حتفي.
لكن فالكين لم ينسى أو ينتظِر ليَتهجم على ظهر الرجل إلاًّ أنَّ الرجل استدار يسمعه لكي يَصُد ضربة فالكين بِسيفه و أنا تصرف على الفور أصَوِّب سكينتي الثانية التي أخرجتها من خلف ظهري.
سلاح آخَر ضد هذا العملاق الحجري.
ضربته عِدة مرات على ظهره بِالسكينتين أمزق ملابسه فقط ليس إلا.
و هو بيده الثانية حرك سيفي يُحاول قطع رأسي لكني انحنيت للأسفل اتفاداه أسمع صوت قطع مِن الأعلى أعلم انه قطع أطراف شعري.
ركل الرجل فالكين على معدته يُبعِده عنه ثم حاول غرز سيفه في رأسي. صَدِّيتُ ضربته بِالسكينتين أتدحرج مِن بين ساقيه المُتباعدة عن بعضها و لأني صغيرة الحجم مُقارنةً بِضخامته، أستطعتُ التدجرح بينهم أصبح خلفه.
فالكين! صحتُ للأمير شاحِب الوجه و أنا مادِدة ذراعي الفارغة له بِطلب معروف، ليَفهمني هو مِن دون أخباره أو النظَر به.
ركض نحوي يَجثوا على ركبة واحدة لأمسك يده أصعد عليها ثم على كتفيه لا أفقد توازني كما تعلمت من قبل و كما فعلت مع مايكا و الكابتن كثيراً.
بعدها و مِن دون سابق أنذار أصبحتُ أقف على أكتاف فالكين لكونها حركة شهيرة يتعلمها جميع حُراس مملكة فالينيا و شخصيًا تفاجأت عندما عرفها فالكين لكني لم أفكر بالأمر مُطولاً لأقفز من على كتفيه و الى الرجل الذي التَفَت إلينا.
لأول مرة أرى تعابير وجهه مندهشة بدلاً من الساخرة و الماكرة.
فتح هو فمه، أسنانه الكبيرة واضِحة ثم حاول تحريك السيوف لكي يتفادى ضربتي إلا أنني كنتُ أسرع و أذكى.
تشقلبتُ في الهواء سكاكيني مستعدة على شكل X و قبل أن يُحَوِل هذه المنطقة من جلده الى حجرية، تلامست أسلحتي بِجلد رقبته و دمائه خرجت منها كأنها نوافير تُلَطخ ملابسي و و تلطخ وجهي.
نزلتُ على ساقاي بِأستقامة ظَهر خلفه، أسمع صوت اختناقه كَأنه يُغَرغِر بالمياه لكنه لم يتوقف هذا الحقير و إنما تهجم على فالكين الذي رفع سيفه و غرزه في رقبته يُكمل على عملي، يُنهيه.
فجأة تجمد الرجل في مكانه، سيوفه وقعت على الأرض ثم جثَ على ركبتيه أمام الأمير الذي أخرج سيفه مِن رقبته يُحدق به و هو يرمش عدة مرات كأنه لم يكن يخطط لِقتله بعد.
صحيح.
خطته هي أبقاء أحدهم على الأقل حي، كي يأخُذ المعلومات منه.
فات الأوان الآن.
تقابلت عيون فالكين المُظلِمة و الباردة بِعيوني، صدري يرتفع و يهبط بِشدة كَخاصته إلا أنه لا يبدو متعبًا مثلي كأنه يقتال الأشرار كل يوم و معتاد على الأمر.
ربما هو كذلك لكون ظهره هدف كبير لِجميع الأتلانتيانز و أعداء اسليرا.
ركض بعدها فالكين نحوي مِن فوق الرجل حتى اصبح عندي مُمسكًا بِكتفاي يحرك مُقلتيه الجميلة عليّ كأنه يتأكد من أني غير مصابة و بخير.
هل أنتِ على ما يرام؟ سألني هو عاقد حواجبه الداكِنة، يرى الدماء المنتشر عليّ و على وجهي حتى القليل منه على شفتاي يجعلني أتذوق طعمه المقزز.
أومأت له مبتسمة أرى أيضًا أنه غير مُصاب و بحالة جيدة.
أنا على ما يرام، لا تخف.
كيف؟
أدركت عن ماذا يتساءل لكني هززتُ رأسي أجد أنه ليس الوقت المناسب لِأخباره كيف تعلمت القتال هكذا مع أني أبدو عكس ما فعلت، فتاة ضعيفة، خجولة تستخدم قوتها بِلسانها و ليس يديها.
بِتفهم عَصر كتفاي بِرقة فجأة لاحظتُ أنَّ وجهُه قريب مِن وجهي، بأمكاني مشاركة الأنفاس معه أرى بؤبؤ عينيه يتوسع و يصغُر لأرفع يدي لا إراديًا ألمس وجنته الدافئة.
ارتخت أكتافها المشدودة على اللمسة كأنه أحتاجها و لم يجرؤ على طلبها. أمالَ رأسه على يدي يُغلق عينيه لِلحظة أتخيل فيها نفسي لوحدي معه في هذا العالم و لا غيرنا يشاركه.
لم أكُن يومًا لأتخطى حدي و أحلم بِشيء كَهذا مع شخص آخَر، ابداً.
لماذا معه هو؟
هنالك الكثير مِن الأسباب و أولها أنني لا أهرب مِن نفسي معه، لا أحرم نفسي مِن سعادة قد أدرتُ وجهي عنها، و لأنه يجعلني سعيدة حتى بأبسط الأشياء.
هو.
بِنظراته، لمساته الصغيرة يحول من عالمي إلى خيال، أنوار و جمال قد أشتقتُ له منذُ سنين طويلة.
مع أني، مع أني أعلم انه لا مَجال بيننا، لا فرصة لكني تمسكتُ بالموجود و بالذي يُعطيني إياه حتى مِن دون أن ينتبه.
كانيلا. همس باسمي يفتح عينيه لأعطيه أنا بسمة رقيقة قلبي هائج بِصدري، بسمة واحدة حقيقية و غير مزيفة.
دائًما أقول مع نفسي أنَّ قلبي ينتمي لِشخص واحد و منذُ بداية هذه المغامرة و أنا أردد نفس الكلمات.
قلبي ينتمي لِشخص واحد.
له هو كما هي روحي.
خائنة!
قاتلة!
ناكرة للجميل!
مزيفة!
أبعدتُ يدي عنه بسرعة كأنه صَعقني أرجع خطوة بعيدة عنه و هو عقد حواجبه لا يفهم ما جرى ثم فتح فمه لكي يسأل لكن...
ويجان! ظهرت صرخة فجأة قد هزت مِن كياني و العالم، أقسم أنَّ الأرض أرتجفت معها، جعلتني أنا و فالكين نُشيح بِأعيُننا عن بعضنا نضعها على الأتلانتي الذي يُمسك بِياقة توك المُصاب في ذراعه و سيفه على رقبته.
لكن عينيه الزرقاء، مُتوسعة و لو كانَ ممكنًا لَخرج من مكانها و وقعت على الأرض لأنها على شريكه الميت، ويجان فَهذا اسمه.
ألقى الأتلانتي بِتوك على الأرض لا يكترث بِقتله ثم أتى الينا بِخطوات بطيئة عينيه لا تترك صديقه و السيف الذي يبده بدأ يُشِع باللون الأزرق، و أشياء بدت كالنيران زرقاء ظهرت مِن حوله سلاحه، تطفوا و تتراقص حول نفسها.
كيف لِلنار أن تعمل هنا؟ سألتُ فالكين الذي أمسك بِذراعي يُبقيني معه كأنني سأهرب أو أتجرؤ بِغباء على التهجم.
هذه ليست قوته الكاملة بَل ذرة منها لأنَّ القوات كالنار و الأشياء التي عادةً لا تعمل أسفل الماء، تكون أضعف هنا لهذا لم أستخدم قوتي. أجابني يقف مستعداً لِقدوم الرجل البطيء.
ليست قوته الكاملة.
هذا يعني لو كُنا على الأرض، كانَت ستكون نيران كاملة تحرق كل ما حولنا كَنيرانه؟
لا، تمتم فالكين يجعلني أحدق به بِتعجب قبل أن يُتابع كلامه كأنه قرأ أفكاري أو ربما أنا تفوهتُ بها بِصوت مرتفع.
قوة النار نادرة و مَن يمتلكها إما أهل مملكة كاداري و مَن لديه عرق ملكي.
إذاً ماذا تكون؟
لم يُجبني لأنَّ الأتلانتي وصل إلينا، يقف مواجِهًا لنا يترُك مسافة ثلاثة أمتار بيننا لا يتخذ أية خطوة ضِدنا.
الذوبان مِن دون نار، هي قوتي. هو مَن أجاب فضولي.
لم أفهم ما تعنيه هذه القوة لأني لم أسمع عن مثلها و عنها في حياتي التي قضيتها في هذا العالم و لم اسأل أكثر لأن فالكين قال باللحظة التي رأيتُ فيها مِن فوق كتف الرجل، توك يُحاول النهوض
لا أريد قتلك، تعاون معنا كي لا تكون نهايتك كَنهاية صديقك ويجان.
لم يتحرك الرجل ساكِنًا و لم يُظهِر أية تعابير على وجهه عدا الكره و الحقد و لم يُفكِر حتى بِكلام فالكين قائلاً
لا تلفظ اسمه بِلسانك ايها الجني القذر.
أنتَ تتصرف بِسخافة مع انك تعلم إلى أين سيوصلك طريقك معي و مع جميع الممالك لهذا كُن ذكيًا و ساعدنا.
حرك رأسه على جنب كالعصفور الفضول إلا انه لا يشعُر بالفضول يُلقي بِمُقلتيه الزرقاء كَلون البحر في يوم مشمس على وجه الأمير كما لو أنه يحاول قرأته.
فالكين لم يلفظ كلمة و ظل صامتًا ينتظِر رد الرجل و توك في الخلف نهض يحمل سيفه ألاحِظ أنَّ ليست ذراعه فقط المُصابة و إنما ساقه اليُسرى كذلك، بالكاد يحركها.
نظرتُ بِطرف عيني على فالكين أجده يحدق بِالرجل الذي يواجِهنا ولا شيء آخَر.
أنتَ مَن تتصرف بِسخافة أيها الأمير، أعمالك و قتالك اللانهائي ضدنا و حماية أشخاص سافلين و أنانيون قد دمروا مملكة صغيرة و لم يكُن لها دخل في الحروب، شيء مُقرف و جبان. قال الرجل يأخُذ خطوة صغيرة نحونا سيفه مايزال موَجّه على الأرض.
يجب أن نكون حذرين، حذرين جداً من خداعه.
فَهو الأن الهدوء ما قبل الأعصار.
رفع فالكين كِلا حاجبيه للأعلى
ما حدث في الماضي، يبقى في الماضي و التعلُق به سيُدمركم كثيراً لهذا لا تكمل بِذلك الطريق و تقتل عائلتك و شعبك.
مَن هُم مثلك، لن يفهموا.
و قائدكم يفهم؟ مَن هو على أية حال؟ لماذا يتحكم بكم كالدُمى؟
برقت عيون الرجل كأنَّ الرعد يعيش فيهم يُظهِر كذلك أسنانه بِغضب و سيفه لمع أكثر باللون الأزرق قبل أن يجيب.
قائدنا رجل عظيم، قوي قد ساعدنا لِقرون كي نقف على أقدامنا مجدداً و نقاتل من أجل حقنا الذي أخذتموه و حرمتونا منه. فماذا فعلتم أنتم لنا؟
بلعتُ ريقي أرى توك يمشي بِخطوات غير مُعتدلة و سيفه بيده مرفوع قليلاً عن الأرض، جبينه ينزف بِشكل سيء لكنه صافي البصر قبل أن يرُد فالكين.
لو أنكم أتيتم الينا مِن البداية، لكنا مَددنا لكم يد المساعدة فنحنُ لسنا ملوك البارحة و لسنا ملوك عصور قديمة، كل شيء تغير و أنتَ أدرى بِذلك.
أخرج الرجل صوتً بدى كالضحكة الهوائية من حلقه يقترب خطوة أخرى الينا. أنا أردتُ الابتعاد خطوة لكن فالكين شَد على ذراعي بِصمت يُجبرني على الثبات.
ما الذي يفعله هذا؟
لقد أصبح قريب مِنا مسافة أربع خطوات.
قائدنا لا يتعامل مع غدارين مثلكم. و هو أعطانا ما نحتاج و أكثر حتى. قال الرجل يأخُذ خطوة أخرى.
لتُصبح بيننا ثلاثة خطوات كبيرة.
جَف حلقي أحس بالخطوات الثلاثة، خطوات الموت إلى أيادي الموت، لكني لم أظهِر التوتر و القلق على ملامحي، ليس بعد.
توك أكمل مشيه بِصمت على ساقيه الهُلامية، عين شبه مغمضة و الثانية على ظهر العدو.
مَن. يكون. قائدكم؟ سأله فالكين بإصرار يعصِر ذراعي أكثر حتى الألم متأكدة انه لا ينتبه على ذلك و بأنَّ المنطقة سوف تتوَرم بعدما يستوعب انه يؤذيني.
لكني لم أبعد قبضته أو أتفوه بِحرف، فقط أراقب و أستمع.
أرتفعت زاويا شفاه الرجل الذي أخَذ خطوة مِن جديد لتُصبح بيننا خطوتين كبيرتين ثم فتح فمه لكي يُجيب لكنه علق ليغلقه ثم يعيد فتح مجدداً.
هكذا كَرَر المُحاولة عِدة مرات من دون أن يُخرِج صوت منه كما لو أنه سمكة غادرت البحر غير قادر على لفظ ما يريد قوله، الى أن قال كأنه غَيّر إجابته لكي يستطيع التكلم
إن كنتَ تُصِر على معرفة مَن يكون، لما لا تقابله بِنفسك؟
و كيف لي مقابلته و هو يختبئ في جُحره كالأرنب الخائف؟
ضحك الرجل يُعيد رأسه الى الخلف
آوه سوف تقابله لا تحزن، هو متحمس لِرؤيتك.
ماذا يريد مني؟
هَمهَم الرجل قليلاً يأخُذ خطوة ثانية يُصبح أقرب منا بِكثير، أستطيع شم رائحة دماء من على ملابسه و الشعور بِحرارة سيفه قريب منا.
أنت ستكون سلاحًا فتاكًا فالكين كاستيل أرويس جينا لوماريل الأصغر.
استدار فجأة الرجل بِسرعة قصوى لم ألحق بها أو بِرؤيتها حتى يصُد ضربة توك التي وَجهَها على ظهره، فَهذه كانت خطة فالكين منذُ البداية.
لقد ألهى الأتلانتي بالتحدث عن شيء يعرف أنه بِلا مغزى و معنى لكي يصل اليه توك بِسِر و هدوء لكن الأتلانتي ربما انتبه مثلي على ذلك و لم يُظهِر الأمر يُكمل حديثه إلى أن سمع تَحَرُك توك القريب.
فالكين رفع سيفه بِنفس الثانية التي ركل فيها الرجل توك على صدره يوقعه على الأرض و يعود إلينا لكي يَصُد سيف فالكين بِخاصته.
تحركتُ أنا مُسرعة بِسكاكيني لكن دفع الرجل فالكين عنه ثم التَفَت بِنصف دائرة مِن حولي ليدفعني أيضًا بِقدمه على ظهري يجعلني أقع بالقُرب من توك على الأرض.
بعدها ركض الرجل نحوَ الجُرف ليقف على حافته يرفع سيفه بِطريقة مُنعكِسة، هذا يعني المقبض باتجاهنا و سيفه المُدَبب على صدره.
سوف ينتحر!
لا! صرَخ فالكين يركُض بأسرع ما يمكنه لكي يوقف الأتلانتي مِن قتل نفسه.
لِتحيا مملكة سوليس و تبقى في أعالي الجبال مِن العسل و النور. قال الأتلانتي ليُصيح فالكين مجدداً عليه كي يتوقف لكن فات الأوان.
غرز الأتلانتي سيفه في صدره يُغادر من فمه دماء يُغطي على ذقنه و رقبته و عينيه فقدت ضوئها، لونها كأنَ الظلام أستيقظ فيها و عطى عليها بأكملها، ثم بِلحظة أمالَ جسده الى الوراء بعدها أوقع نفسه مع سيفه الذي كان يستعمل قوته الضعيفة عليه كي يُذيبه قليلاً حتى يجعل موته أسهل، مِن على الجرف و إلى الهاوية السوداء في الأسفل.
لم يكُن هو أو صديقه سيُقتلنا مِن البداية.
هذا كل ما استوعبه دماغي بعدها.
عثروا علينا حُراس المملكة بِطريقةٍ ما بعد ما جرى كل شيء. أخذوا راث أولاً معهم لكي يُعالجوه بِشكل أفضل بِما أنَّ جرحه لم يعُد ينزف و شبه مُغلق و الشُكر لِإكسانا و بلايز.
بعدها أتَت عربة كي تأخُذنا و توك الى القصر و بالنسبة لِجُثة الأتلانتي الذي يُدعى ويجان فَلقد سمعت انهم سوف يأخذونها لِلتشريح و الدراسة.
و جثة الأخَر و الذي لم أتوقف عن التفكير به و بِفعلته، ظلت مَجهولة المكان مع أنَّ بعضًا مِن الحُراس أخذو فرسانهم و قروشهم ثم سبحوا الى الهاوية لكي يبحثوا عنه.
ما يزالون قيد البحث حتى بعد أن وصلنا القصر ليَستقلبنا سيون و زوجته و معهم ريس الذي ألقى نظرة على أبن عمه ثم بِغضب شعرتُ به في عظامي، أشار بِيد له كي يتبعه إلى غرَفِه هو و تاليا.
و الأن في غرفة الملك و الملكة الرئيسية الخاصة بهم لِلنوم، وقفتُ بِجانب فالكين في وسطها، ريس عند الطاولة الدائرية الصغيرة التي عند النوافذ الكبيرة، يقف قريب من تاليا الجالسة على كرسي الطاولة يدها على بطنها المُدَور ترتدي رداء نوم سماوي اللون و خادمتها جيانا خلفها.
واثقة أنهم كانوا نائمين بِسلام قبل أن يوقِظهم أدلار و يُخبرهم عن ما جرى معنا في المدينة، ليسَ كَريس الذي يرتدي ملابسه نفسها، سوداء و أنيقة كأنه لم يشارك زوجته النوم.
أدلار، جنرال ريس عند الباب، وجهُه صارم لكنه هادئ و يده على مُقدمة سيفه المُعلق على خصره، خوذته بين ذراعه و أبطه.
في صمت ظللنا. وجهي على الأرض بِعكس وجه فالكين الذي أبقاهُ مرفوع يحدق بِملك أسليرا كما يحدق الآخر به.
بينهما نقاش ليس له كلمات قد أستمر لِمُدة طويلة الى أن تنهدت تاليا مِن مطرحها ملامحها الجميلة تَخِف
هل لكما أن تقولا شيئًا، أم ستبقيان تشنُقان بعضكما بِالعينين؟
لم يرُد عليها أحدهم لتحاول هي مجدداً بأسلوب مختلف
انقلعوا من غرفتي إن كنتم ستحدقون بِبعضكم مِن دون تكلم و حَل المشكلة، فأنا متعبة.
هنا كسر فالكين تحديقه أولاً لينظُر على تاليا بِتأسُف قبل أن يقول يديه في جيوب بنطاله المتسخ و الملطخ بالدماء الجاف
لا توجد مشكلة، تاليا، لقد حللتُ كل شيء.
آوه حقًا؟ هل قلت هذا لِراث الذي وصل و أمعائه تتدلى منه؟ أم لِحارسك الذي ينزف في جمجمته المكسورة؟ صرخ ريس بأخِر سؤال يُحرِك ذراعه بِأحباط في الهواء.
أحسستُ بِالدماء يجف في عروقي و بِفقدان القُدرة على الشعور بِأصابع يداي و بِطريقةٍ ما، شعرَت تاليا بِخطب ما لكوني بشرية و مشاعري تصلهم بِسهولة، لتُشيح بِعينيها نحوي لكني لم أقابلهم بل حدقتُ بِجزمتي، أتجاهلها.
عَم صمت بينهما مِن جديد في الغرفة الواسعة ليسأل ريس جنراله بِنبرة باردة
كيف هي حالة الحراسين؟
كلاهما عند الطبيب الملكي و على حسب ما سمعته، فأنهم بخير و تم شفائهم لكنهم يحتاجون الراحة و خاصةً راث، جلالتك.
هل أنتَ فخور بالذي فعلته، فالكين؟ وَجَّه الملك سؤاله لِلساكِن ليرفع فالكين رأسه اليه و يُجيبه
بالطبع لا، لكن لم يكُن لدينا خيار.
عدم أخبارنا بالحقيقة و بالأخص سيون بِما انها مملكته و الهرب من القصر لكي تقابل أعدائنا الخطيرين مع حارسين فقط و هذه، أشار بِيده عليّ لِينكمش وجهي قبل أن يُتابع.
و مواجهتهُم مع انكم تعرفون انهم خطر كبير عليكم و على الجميع و العودة بِهذه الحالة، فعل يجب مُعاقبتكَ أنتَ وحدك عليه! و ليس مني أنا بَل من سيون و زوجته.
هل ظننت أنني لو أخبرتكم كنتم ستُمسكون بهم و تستجوبونهم و انهم سوف يعطونكم ما تريدونه عن مكانهم و قائدهم؟ سأله فالكين مندفعًا يديه مضمومة بِشدة على جانبيه.
لا لكننا على الأقل كُنا قادرين بالإمساك بهم على أنهم رهائن.
ضحك فالكين، يجعلني أنتفض مِن جنبه أما ريس وقف مُتفاجئ مِن فعلته لا يصدق ما يراه
إنهم يُفضلون الانتحار على أعطائكم و لو معلومة صغيرة تتعلق بهم، فَحظًا موفقًا، ريس.
فَقَد ريس صوابه و هذه المرة الثانية في حياتي أراهُ فيها يتحول لِشخص مختلف في ثواني. أمسك الملك بِرقبة فالكين يدفعه إلى الجدار عند أدلار و تاليا نهضت بِسرعة تَصيح على زوجها
توقف حالاً!
لم يتوقف. عَصر رقبة فالكين إلى أن تحول وجهه لِلون عينيه المتوسعة، لا يواجه صعوبة استيعاب ما يحدث معه و أدلار مع انه أخضر البشرة إلا أنها أصبحت بيضاء على المنظر بين الملك و الأمير.
أنا تحركت مِن دون تفكير أريد أبعاد ريس عنه لكن أدلار التقط بي من خصري ثم أبعدني عنها.
ركلته و حاولتُ لكمه لكي يدعني لكنه أقوى، يُثبتني عليه وهو يُشاهد قتل ريس لأبن عمه، بِبطء.
كيف هو شعورك و أنت تعرف أنك تدمر كل شيء نحاول الوصول اليه، بِغبائك؟ هل يُعجبك التصرُف كالأبطال لكي تثبت انكَ لا تحتاج المساعدة و العون؟ سأل ريس مَن يختنق بِصمت بين يديه.
أردته أن يُقتاله، أن يُدافع عن نفسه لكن فالكين ظَل غير مُتحرك يديه فوق يدين ريس لكنه لا يُبعدهم عنه و يحدق بِوجه الملك بِبرودة.
أنا قلت لكَ أن تتوقف، ريساند! عادت تاليا تصيح له.
أنتَ لا تستحق أن تكون أميراً و لا تستحق أن تكون مِن العائلة الملكية لأنك تُعَرِض الأبرياء لِلخطر كُلما فَضَّلت عدم أخبارنا بكل ما تعرفه و تحب إحراجي أمام الجميع. أكمل ريس و الحمدلله يُفلِت رقبة فالكين، يأخُذ خطوة إلى الوراء ليبدأ فالكين بالسُعال يديه حول رقبته الزرقاء أرى أثَر يدين ريس عليها.
أنا لم أرد يومًا أن أكون أمير! صرخ فالكين في وجهه.
أن تكون مِن العائلة الملكية، فَخر و شرف أيها الجُرَذ.
لا أريده إذاً، لا أريد الفخر و الشرف، لا أريد ايًا منهما إن كنتُ سأتقيد باسمك و بالمملكة و باسم والدي اللعين الخائن!
حدق الجميع به.
مرت دقيقة، أثنتين و عشرة من دون أن يتفوه أحدهم بِحرف. فالكين وقف مستقيم الظهر لا يُبعِد عينيه عن ريس غير متأسف أو يشعر بالندم على ما قاله له، لِلجميع، على الأعتراف.
هَزة ريس رأسه عليه بِخيبة ظن و أمل، ثم ألقى نظرة مِن فوق كتفه على تاليا الواقفة لتجلس هي و تومئ له بِشيء ما لم أفهمه.
كلاهما لديهما طريقة بالتواصل مِن دون لفظ كلمات و لطالما جعلتني محتارة كيف يفعلونها.
شيء خاص بالأزواج، لا شأن لي به.
أفتح الباب، أدلار و أنت، أشار ريس بِيد على فالكين قبل أن يتحرك إلى الباب المفتوح
ألحق بي الأن.
و بِذلك غادر ريس الغرفة و ورائه أدلار و فالكين الذي خطفَ نظرة سريعة عليّ كما لو انه يقول انه سيَعود ثم تركني لوحدي و أغلق الباب خلفه.
استدرتُ أنا باتجاه تاليا و خادمتها جيانا التي تبدو قلقة لِلغاية بيضاء أكثر من عادتها، ثم سألت الملكة من دون أن أفكر
إلى أين أخذه؟
تنهدت هي تُدَلِك جانب رأسها بأرهاق مُغلقة العينين ثم أجابت خادمتها بدلاً عنها.
إلى غرفة أجتماع الملك سيون لكي يتحدثوا عن ما حصل معكم في المدينة.
ماذا سيحدث له هناك؟ لم أعُد قادرة على تفادي رجفة صوتي و كلماتي لِترفع تاليا رأسها نحوي أرى عليه حزن كبير يملء ملامحها الرقيقة جعل من قلبي يتوقف عن النبض.
لستُ أدري بالضبط، لكنه قد يتلقى عقابًا من سيون و أوكتافيا.
أندفعتُ أنا بِذُعر أنسى مَن تكون التي تجلس على الكرسي
لكنه بريء! لم يؤذي أحد مِن المدينة و لم يُلفِت انتباه أحد.
هَزة تاليا رأسها قائلة
لقد سمعكم الكثير، كانيلا لهذا عرفوا عنكم حُراس القصر و غير ذلك، فالكين أخفى خطر كبير عن سيون مع أنَ مِن واجبه أخباره عنه هو قبل الجميع.
لكن نيته كانت صافية، أراد حَل المشكلة قبل أن تكبُر و تؤذي الباقي.
أعلم، صدقيني أعلم، لكن القانون السحري لا يُمكن تغيره إلا إذا قرروا مسامحته مع تقبل الوزراء ذلك.
عَم صمت في الغرفة لأتحرك انا بِمطرحي أبعِد بعضًا مِن خصلات شعري عن وجهي، يداً على خصري، بينما تاليا طلبت من خادمتها أحضار لها الشاي لأنَّ لديها مَغص حاد. أومأت جيانا لها ثم غادرت الغرفة تدعنا كلانا.
لا تقلقي عليه، فالكين شجاع و لا يمكن كسره بِسهولة. تاليا قالت تكسِر الصمت بِصوتها الناعم الغير مهتز.
نظرتُ لها قليلاً ثم على الأرض أذكُر أنني لوحدي معها و ذكريات قديمة سيئة بيننا، عادت كلها كالصفعة على الوجه.
بدأتُ بِعض شفتي السُفلية و اللعب بِأكمام ردائي الطويل.
ريس لم يقصد أذيته، لكنه في هذه الفترة أعصابه مُهترئة كَهذا الكرسي، أشارت بِمُقلتيها باستهزاء على الكرسي الذي تجلس عليه و أنا لا إراديًا ابتسمت مع نفسي قبل أن تكمل.
منذُ أن أصبحت حامل بِطفله و هو قلق، عصبي و متوتر في كل لحظة حتى أثناء نومه، و فالكين ليُسامحه الله، استفزه لهذا كلاهما مُخطئ.
لم أبادر بالتحدُث أختلس نظرة على الباب كأنَّ فالكين سوف يفتحه ضاحكًا يخبرني أننا عائدون الى فالينيا و ليسَ هنالك أية عقاب، لأني أشتقتُ لِغرفتي و لِلقصر كثيراً.
لكن الباب لم يُفتَح و لم يأتي فالكين.
كانيلا. حركتُ رأسي إليها عندما سمعتُ اسمي بِنبرتها الحزينة، حزن مألوف و لا يتعلق بِالمُشكلة التي نحنُ فيها الأن.
ماذا تعرفين؟ هي سألت تعرِف جيداً بأنَّ لديّ ما أقوله عن الموضوع.
هي دائمًا هكذا.
دائمًا ما كانت تسمع صُراخي الذي بِداخلي، تسمع كلمات لا تلفظها شفتاي و تشعُر بِالذي أشعُر به و بِألمي كأنه ألمها.
ما تزال نفسها، و أنا، أنا لا أستحقها ابداً.
لم أستحقها يومًا.
أشحتُ بِعيوني على بطنها الكبير كأنني سأرى الطفل الذي بِداخله، صحي و بأتم العافية، بعدها هَززتُ رأسي مع نفسي أجيب على سؤالها بِهدوء
انه والده.
رفعت حواجبها عَليّ باللحظة التي دخلت فيها جيانا و هي تحمل صينية شاي لتَضعها على الطاولة تُعطي سيدتها فنجان ثم أتت إليّ تعطيني الأخر مع أني لا اريد شرب شيء فَلا رغبة لدي على الإطلاق إلا أنني قبلته على أية حال أدفئ يداي الباردة به.
ماذا تعنين بِوالده؟ والد من؟ تسائلت تاليا لكوني لم أكمل كلامي.
قائد الأتلانتيانز، اشُك انه والد فالكين.
فُتِحَ فم جيانا على مصراعيه تضع يديها عليه، أما تاليا فَيبدو انها تمتلك نفس الشَك لهذا لم تبدو مُنصدمة مثل خادمتها.
هذا ما قلته لِريس لكنه لم يصدق.
لماذا؟
وضعت هي فنجانها على الطاولة لِتُريح يديها على بطنها.
لأنه مات. لقد قُتِل على يد أيكسا والد ريس، فقد لا يكون والد فالكين لكن صديق ما أو شخص تدرب على يدين كاستيل.
أومأت لها لكون كلامها أكثر منطقيًا و هي أكملت بِفضول
ما الذي جعلكِ تشُكين؟
لستُ متأكد لكن كون الأتلانتيانز يُخبرون فالكين على أنَّ قائدهم يعرفه جيداً و ينتظره، يدُل على ذلك و لدي نظرية أخرى،
أشارت تاليا بِرأسها كي أتابع كلامي.
السبب لِعدم أخبارهم لنا عن هوية قائدهم هي تعويذة ما تمنعهم مِن لفظ اسمه أو أية شيء عنه.
كيف بالضبط؟
ذهبتُ أنا إلى التسريحة القريبة مِن الباب مواجهة السرير أضع عليها فنجاني قبل أن التفِت إلى تاليا و خادمتها مجيبة
لماذا سيَهُم لو عرفنا هويته؟ هل سنعرف مكانه بشكل أسرع مثلاً؟ لهذا ما الفائدة من إخفائها؟
لم تُجبني بل ظلت تحدق بي منتظرة لكي أشرح لها ما أقصده و أنا فعلت. أخطوا خطوتين اليها أدع مسافة كبيرة بيننا أقِف في وسط الغرفة مجدداً كما كنت بِجانب فالكين
لن نصل إليهم حتى لو أكتشفنا هويته و في كل مرة الأتلانتيانز لا يتفوهون بِحرف ليسَ لأنهم لا يريدون أخبارنا، بل لأنَ هنالك شيء ما يمنعهم من التحدث.
تعويذة عقد لسان. تَمتَمت جيانا مع نفسها لأومئ لها.
تعويذة عقد اللسان، هي تعويذة شهيرة و ليس الجميع مَن يقدر على خلقها إلا باستعانة ساحرة أو مشعوذ ماهر.
وهذا إثبات على انهم يستعينون بِسحرة و مشعوذين.
لديهم حُلفاء و هذا سيء لِلغاية.
لقد لاحظتُ اليوم عندما كُنا مع الأتلانتيانز أنَ واحداً منهم حاول أخبارنا عن هوية قائده لكنه لم يستطع فعل ذلك و بدى و كأنه يتم التحكُم به، شيء ما يُعرقله بالتكلم.
هذا، هذا ممكن و منطقي جداً و السبب الوحيد حتى. قالت تاليا تُمَرِر أناملها في شعرها العسلي.
و هل تعرفين شيء آخَر؟ هي سألتني لأهُز مِن رأسي مُجيبة بِلا أمشي إلى السرير لكي أتكئ بِظهري على واحِد مِن أعمدته الذهبية التي تكون جزء منه.
سوف أخبر ريس بالأمر فَكُل معلومة مهمة مهما كانت، و بالنسبة لأمر التعويذة، هنالك بكل تأكيد سحرة بينهم مِما يجعل الوضع أخطر و أخطر. أخبرتني تاليا.
يا للهول، ما العمل؟ تساءلت جيانا بِتوتر لتُرَبِت تاليا على ذراعها تهدئها بِبسمة لطيفة لا تصل لِلعينين.
كيف حالك أنتِ، كانيلا؟ فجأة سألت الملكة تُغَيّر الموضوع و معه مزاجي لِلقلق مِن سؤالها الغير متوقع.
أ-أنا بخير.
كيف وشمكِ؟
أحسستُ بِجميع الدماء الموجود في رأسي يهبط الى قدماي لألقي بِعيوني عليها أجدها حقًا خائفة مِن أجلي حتى بعد سنين مِن البُعد الذي بيننا.
بسرعة أشحتُ بهم على الأرض
كما هو.
هل بإمكاني رؤيته؟
لا.
شهقت جيانا على الإجابة الجريئة لتُعطيها تاليا نظرة جانبية تجعلها تسكُت.
عَم صمت لِلحظة قبل أن تسألني بِاستغراب
لماذا؟ هل هناك خطب به؟
أنا يجب عليّ المغادرة، عمتم مساءً.
كدتُ أن أصل الى الباب، يدي على المقبض و إذ بها تقول تجعلني أتجمد في مكاني
أخبرتني كريسيدا عنه قبل مُدة و قالت انه يكتمل.
عضتُ على شفتي السُفلية بِقوة الى أن تذوقتُ الدماء لا أتجرأ على التفات لها لتتابع هي.
نعم هذا صحيح، كانيلا، أنا أزورها بين حين و آخَر من دون أن يعلم ريس و أحيانًا أرسل أحدهم اليها، لكي أطمئن عنكِ بِما انكِ لم تعودي تُرسلين أو تردي على رسائلي.
هنا استدرتُ لها أواجِهُها ثم تقدمتُ خطوة ضئيلة في الغرفة يدي اليُمنى على مقبض السيف، أعصره بِقسوة، مفاصلي تتحول لِلبيضاء
توقفي عن فعلها و التفتِ الى حياتك الخاصة، جلالتكِ.
لا تتكلمي معي بِتلكَ الطريقة الوقحة، فأنا لستُ بِملكة لكِ بَل صديقتك التي أشتاقت لكِ و توَد التكلم معكِ من دون تواجد عرقلات و أعذار و ما يمنعنا.
لا تفعلي، لأنَّ زوجكِ لن يكون سعيداً بِهذا.
أدارت هي مُقلتيها على ذلك ثم عارضتني قائلة
لا يهمني رأيه و بأمكانه الذهاب الى الجحيم إن تمنى، لكنكِ صديقتي و هذا لن يتغير.
الَم تريه كيف يُعاملني؟ كيف ينظُر لي؟ هو أصلاً لا ينظُر لي و بالكاد يتركني معكِ خوفًا عليكِ مني و تفاجأت عندما ذهب و تركَكِ بِنفس الغرفة و ربما لم يمانع للأن بِما أنَّ جيانا هنا.
عندما ألقيتُ نظرة على الخادمة، أحنت هي رأسها للأرض يديها ممسكة بِبعضها عند معدتها و وجنتيها محمرة، مُحرجة.
لأتأكد مِن أنَّ تواجُد جيانا يكون حقًا لكي تحميها مني.
هُراء! هذا ليس سبب تواجُدها هنا و لماذا يهمكِ ريس من الأساس؟ رمقت تاليا خادمتها و الأخرى أحمرت أكثر تُدرِك ما أدركه، لكنها أبقت فمها مغلقًا.
لا أريد الدخول في هذا النقاش، تاليا. قلتُ لها ابدأ بالتحرُك مِن مكاني لترفع يدها توقفني مرة أخرى بِحِدة.
أنا أقسم لكِ أنني لم أعُد أفكر بالماضي، لم يعُد يهمني حتى أنني سامحتك منذُ زمن و أنتِ فَضَّلتِ عدم مسامحة نفسك و العيش على الألم طوال حياتك، لماذا؟
أنا سعيدة كما أنا.
كاذبة!
رفعتُ رأسي لها مندهشة لتومئ هي و تقول
نعم، أنتِ كاذبة و فاشلة بالكذبة أيضًا. أخبريني لماذا تفعلين هذا بِنفسك؟ أنظري لي، أشارت هي على نفسها ثم أكملت
أنا بخير، بِصحة و حامل بِطفل آخَر و أنتِ، عادت تُشير عليّ
أيضًا بخير، صحيح انكِ تُعانين مِن الوشم لكنِك على قيد الحياة و ستكونين للأبد و--.
إلا إذا فاتَ الأوان و ماتت أو تم قتلها بعد انتهاء الوقت. قاطعتها انا أشابك ذراعاي أمام صدري، أقابل عينيها التي أصبح فيها خوف، تذكُر شيئًا قد نسته تمامًا.
لكني أنا لم أنسى، ولن أنسى طالما أنا حية.
لن يحدث. همست تاليا مُنحنية الرأس، عينيها تلمع بِدموع تُهَدِدُها بالسقوط على وجنتيها.
يومًا ما سيَحدُث حتى لو حاولتِ أقناع نفسك بالعكس فَهذه ضريبة ما حصل،.
سوف نعثُر على طريقة لكي نساعدك بها و نلغي ما يبقيكِ هكذا، سوف نجد ما نبحث عنه.
هَززتُ رأسي بِرفض ابتعد عن السرير مُتجهة الى الباب لأضع يدي على المقبض و أفتحه لكن قبل أن أفتحه جيداً و قبل مُغادرتي نظرتُ لها مِن فوق كتفي ثم أخبرتها لكوني أثق بها و أعلم أنه أية سر ستعرفه، سيبقى في بئر عميق معها و حتى مع خادمتها الوفية و لأني أريد أخراج ما بداخلي و لو لمرة مع أحدهم أحبه و أثق به.
لدي شَك آخَر يتعلق بي و بِهذه المسألة.
مسحت هي دموعها ثم قابلت عيناي بِخاصتها الباكية و الحمراء كَطرف أنفها الصغير، لأخبرها بِتردُد و دموع تتجمع في مُقلتاي تُشَكل ضبابًا
لم يعُد لِلبحث مهم، تاليا، فَلقد عثرتُ عليه، نصفي الآخر الذي أخبرتني عنه كريسيدا ذلك اليوم، لكني لن أقدر على أن أكون معه، اليسَ مضحكًا؟
توَسعت عيونها بِصدمة و لم تضحك فَلا توجد ذرة ضحك في صوتها أو شكلها إلا وجهها الشاحب، لا تصدق ما قلته لها، لأنَنا و بالذات أنا بحثتُ عن الإجابة التي سوف توقِف كل عذابي لِسنين و سنين.
سألتني هي تنهض بِبطء على ساقيها، كادت لِلحظة أن تفقد توازنها و تقع لولا إمساك خادمتها لها و جعلها تتكئ عليها
متى عرفتِ؟
منذُ شهرين تقريبًا و لم أكُن متأكدة إلا اليوم.
لقد شككتُ بالأمر و سألتُ نفسي مراراً و تكراراً حتى في بعض الأوقات رفضتُ تصديق نفسي و ما أشعُر به أو ما بِداخلي و الذي يكون أصدق شيء في حياتي، لكن اليوم، في الحفلة...
مَن هو؟ أرجوكِ أخبريني مَن يكون؟ سألتني تاليا و الدموع تنهمِر من عينيها كالشلال الصامت.
لم أجبها على الفور لتنهمر دمعة سمينة مني أنا، تنزلق على خدي و الى شفتاي التي ترتجف، لأتذوق طعمها المالح و خيبة الأمل التي فيها.
شخص لم أتوقع يومًا أن يكون قريب مني لكنه بعيد بِذات الوقت، و هو اليوم في غرفة الأجتماع و ربما سيَتلقى عِقابه قريبًا.
مستحيل. همست جيانا بِصدمة تحدق بِملكتها التي فتحت فمها لكي تقول شيء ما لكني لم أسمعها لأني فتحتُ الباب و غادرت.
- فالكين -
وقفتُ أمام درج عرش سيون الذهبي و أوكتافيا تجلس على خاصتها على يمينه، و بالقُرب مني ثلاثة حراس كما في كل زاوية في القاعة التي تم نقلي إليها لكوننا كُنا في غرفة الاجتماع قبل لحظات.
ريس يقف على يساري و على يميني أدلار الذي يبدو متوتراً أكثر مني كأنه هو الذي سيواجه عقابه اليوم و ليس أنا.
بعد الشجار الذي حدث بيني و بين ريس في غرفته أخذني إلى غرفة اجتماع سيون لكي نتكلم، كي يسألني عن ما يُشعِرُه بالفضول و ما يحتاج معرفته لكي يُقرِر مع زوجته ماذا يجب أن يكون العقاب المناسب لي.
ريس طوال الوقت ظل صامتًا، يُراقب و يومئ أو يَهُز رأسه إن تم سؤاله إما من قِبَل سيون أو أوكتافيا التي بدت جدية لِلغاية، وجهها قاسي لم أراه هكذا من قبل.
كأنها تحولت مِن المرأة الناعِمة، الرقيقة و اللطيفة المبتسمة الى ملكة بِحق. قادمة مِن عمق المحيط و مِن الظلام الذي يملأ أعماقه الغامضة.
أخبرتُ الملك و الملكة بِكل شيء، مِن البداية حتى النهاية. هذا يعني ماذا أخبرني إياه الخادم و الى عودتنا لِلقصر، سيون لم يُقاطعني إلا إذا كان لديه سؤال و بالنسبة لِأوكتافيا فَهي شاركت تسأل عن أصغر التفاصيل و تُهمهِم بين حين و آخر.
و ها أنا الأن، تم نقلي بأمر منهما الى القاعة بعدما تناقشوا الباقي مع وزرائهم و ريس الذي لا يبدو عليه الغضب بل شيء واحد جعلني أكره نفسي و لأول مرة، جعلني أشعُر بالعار و الخجل من الذي اقترفته.
أنا لم أرد يومًا أن أكون أمير!
لا أريده إذاً، لا أريد الفخر و الشرف، لا أريد ايًا منهما إن كنتُ سأتقيد باسمك و بالمملكة و باسم والدي اللعين الخائن!
هذا ما تفوهتُ به له، بِكل حقارة أمام الجميع لكني قلت ما في قلبي، ما كنتُ أكتمه لِسنين منذُ أن كبرت و أصبحت مسؤولية المملكة على كتفاي حتى مع وجود ولي العهد الأولة بالعرش و المملكة.
لم ينظُر ريس لي طوال طريقنا الى هنا و لم يتحدث معي إلا مرة أو أثنتين لكي يُخبرني أن أكون هادئًا و أن أجيب جميع اسئلتهم مهما كانت.
تمنيتُ في هذه اللحظة لو كانت كانيلا معي.
لا أعرف لماذا هكذا خطرت على بالي في المكان الذي سيتم مُحاكمتي فيه كأنها منقذتي البعيدة، التفكير بها يجعلني أفضل، أقوة مع أنني قلق جداً و ليس على نفسي بل عليها هي.
لم يسألوا عنها عدا مرة واحدة، عن سبب تواجُدها معي و أنا أخبرتهم بِصدق من دون كذب، انها رافقتني لكي تبقى معي و تتأكد من أنني بخير.
إن صدقوني أم لا فَهُم لم يتفوهوا بِحرف عن الموضوع و غيروه فوراً من دون أخباري إن ما كانت سوف تتلقى عقاب هي أيضًا. لِهذا سألت أدلار بِسرية و همس ونحنُ في طريقنا إلى هنا عن الأمر و هَزة رأسه مُجيبًا أنه لا يعتقد بأن كانيلا أو مَن كانوا معي سوف يُعاقبون بما انها فكرتي أنا.
ارتخت أعصابي فوراً على الإجابة لأنهم إن قرروا مُعاقبتها فأنا سوف أخذها و أهرب مِن المملكة بعيداً عنهم مع أني أعلم جيداً انهم سوف يُطاردوننا و يقتلوننا إن اضطروا، فَلا مهرب لكن مِن أجلها...
من أجل سلامتها سوف أفعل المستحيل.
فَيكفي حرماني مِن كل ما أحبه، مِن حريتي و ما أرغب به خارج إيطار كوني أمير.
بلايز مِن الجهة الأخرى و بعدما عاد مِن عند الطبيب، أخبرني أنَّ توك و راث على ما يرام و نائمين و باللحظة التي قلتُ له أنني في ورطة لم يترك جانبي و ظل معي.
يقف على كتفي بِصمت و يُشاهد ما أشاهده و لا يلقي تعليقًا ساخراً عليّ كَعادته مِما فاجأني لكني تفهمت سكوته و شكرته مع نفسي بِصمت.
بين همسات سيون، أوكتافيا والوزراء حتى المستشار أليستار قال لي بلايز
في نظري أنتَ لم تُخطئ.
حركتُ رأسي على كتفي الأيمن، اليه رافع حاجب بِحيرة من كلامه
لكني عرضتُ الجميع لِلخطر و خاصًة المدينة.
أعلم، لكن لم يتأذى أحد غير مَن هُم مِن فالينيا، صحيح؟
رمشتُ عليه عِدة مرات أدير ما قاله في رأسي قبل أن يُصَفي سيون حلقه بِصوت مرتفع يجذُب انتباه الجميع إليه ليَعُم الهدوء في القاعة حتى البحر سكت من أجل أن يسمعه.
بعد أن تم معرفة الحقيقة كاملاً و بعد أن تحققنا مِن كل شيء و بعد نقاش طويل بيني و بين ملكتي و الوزراء، أخذنا قراراً مهماً يتعلق بِعقابك.
رفعتُ رأسي أنظُر لهما بالعينين لأومئ متفهمًا قبل أن يُكمل سيون بِصوته الرجولي العميق، شعره الأزرق يطفوا مِن حوله بِخُصلات طويلة لامعة
بِحكم أفعالك اليوم، أمير أسليرا، فالكين لوماريل الأصغر، قررنا أن يكون عقابك عادلاً كما يجب،.
توقف هو لِتُضيف أوكتافيا يديها على كِلتا مسانِد عرشها الذهبي، ملكة على وشك إعطاء حُكم لا عودة منه
لن نظلُم كائن في هذه المملكة لأننا نحكُم بِعدل لكن بِصرامة حتى نُبقي الأمان و الطمأنينة فيها لأنَّ شعبها مسؤوليتنا الأبدية.
نظرت هي على زوجها بِطريقة كما لو انها تسأله بِعينيها و هو أومئ لها، ثم أعادتهم عليّ ليَتحرك أدلار بِمطرحه، يعلم أنَّ القادم سيء لكني لم أتزحزح أو أظهِر خوفًا و توتراً على وجهي فأنا لستُ الأثنان و لا أعيش معهما في مواقف كَهذه.
عقابك أيها الأمير عادل و هو و بعد تفكير طويل سيكون،.
لاشيء. أكمل سيون عنها بِبساطة ليَعُم سكون عميق في القاعة، فيه سمعتُ صوت نبضات قلبي و نبضات قلب أدلار التي فجأة توقفت بينما ريس أخرج يديه مِن جيوب بنطاله يحدق بالملك و ملكته.
ماذا؟ أنا سألتهما مَصعوق كالذي تلقى لكمة على الوجه.
أرتفعت زاوية مِن شفتين سيون قليلاً ثم أجاب
لن يتم معاقبتك، فالكين. صحيح انك أخفيتَ عنا سِر مكان تواجُد الأعداء في المدينة إلا انكَ تصرفت بِطريقة مسؤولة قد حَمَت شعبي من شرهم.
رمشتُ بِسرعة البرق عليهما لا أقدر على استيعاب ما أسمعه ابداً لأتقدم أنا خطوة نحوى الدرج و بِردة فعل الحراس حركوا أياديهم على سيوفهم إلا أنَّ أوكتافيا أوقفتهم بِيد في الهواء تبتسم لي.
أنا أوافقه كلامُه كما يوافقه الجميع هنا، نحنُ أدركنا أننا حتى لو أمسكنا بِهم فهم سيفعلون تمامًا ما فعله أحدهم عندما قَتل نفسه بدلاً من الأستسلام. هي أخبرتني.
لكني، أخفيتُ عنكم سِر الخطر على مملكتكم. قلتُ لها مع انه يجب عليّ أن أكون شاكرًا لكن قرارهم فاجأني فَهذا شيء لا يحدث.
رفعت أوكتافيا حواجبها الحمراء بِلون النبيذ كأني تكلمتُ معها بِلغة مختلفة ثم قالت
أتفهم تعجبك، فالكين لكنها الحقيقة مع أننا مُستاؤون من إخفائك السر و مع ذلك ما حدث، حدث و لن يتغير شيء و أنتَ لم تتصرف إلا بِحُسن نية و غير ذلك، لم يتأذى أحد من مملكتنا.
أومئ سيون يؤيد كلامها مُضيفًا بِمُزاح
إن لم تكُن راضيًا عن عدم معاقبتنا لك، فَيُسعدني نَفيِّك من المملكة، هل هذا ما تريده؟
توَسعت عيناي و ريس أخرج صوت مِن حلقه بدى كالسُعال قبل أن أهُز رأسي أجيب مُسرعًا بِ
لا لا هذا ليس ما عنيته، يُشرفني التواجُد و زيارة مملكتكم العظيمة، دائمًا.
نحنُ نعلم أنَّ قرارنا غريب لأنَّ القانون يَنُص على معاقبة أية شخص يُخفي أسرار خطيرة على المملكة، لكنه لا يقول أنَّ مَن يُخفيها و يُحاول التصرُف بِها بِدفاع عن المملكة يجب عليه تلقي العقاب. أخبرتني أوكتافيا تُشير بيد ناعمة على كتاب ضخم و كبير فيه الآلاف من الصفحات، بيد أليستار.
كِتاب القوانين السحرية الخاصة بِهذه المملكة.
أعطاني أليستار مُتحجر الوجه، إيماء بِرأسه كأنه يقول، أنَّ ما تفوهت به الملكة، صحيح مئة بالمئة بِما انه يحمل الكتاب وقرأه لهما بِنفسه قبل قليل.
إذاً صفحته بيضاء لديكم. لم يكُن سؤالاً مِن ريس لكن سيون أجابه على أية حال
نعم، بيضاء و ناضِرة فَهو تصرف بشهامة و لم يضع أصحاب الحانة التي كانوا فيها أو أية كائن مِن المدينة في خطر بل فَضَّل مواجهتهم بعيداً عنهم و لوحده مع مَن رافقوه.
كان بأمكانه مواجهتهم هناك بدلاً مِن الخارج لكنه فعل العكس. غمزت لي أوكتافيا بِعين لأنحني لهما بِظهري مُمتناً و شاكِراً ثم أخذتُ خطواتي الى الوراء ما زلتُ منحنيًا إلى أن أصبحتُ بين أدلار و أبن عمي الذي يَصعُب قرأت وجهه البارد و عينيه الناعسة.
مبارك لكَ النجاة. هَمس بلايز في أذُني لأرمقه بِنظرات قبل أن أقف مستقيمًا.
لا تفكروا بالذي حصل فَلم يعُد له أهمية الأن بالإضافة لدينا جثة أحدهم و هي تحت الدراسة، لهذا عودوا الى غرفكم و خذوا قسطًا مِن الراحة فَغذاً سيكون أفضل على الفطور. أخبرنا سيون ليُشير أليستار بِرمحه لِلحَرَس عند الأبواب العملاقة لِلقاعة كي يفتحوها لنا كَإشارة بِصَرفنا.
بالطبع. قال ريس لهم يومئ بِرأسه مرةً ثم التَفَت و تَوَجَّه نحوى الأبواب.
ألقيتُ نظرة سريعة على الملك و الملكة قبل أن ابتسم لهم أضَع يدي اليُمنى على صدري مكان تواجُد قلبي الذي ينبُض بإنتظام و هما ابتسما لي بالمُقابل، بعدها التَفُت ولحقتُ بِريس و أدلار ورائي.