رواية في هويد الليل للكاتبة لولا نور الفصل الثالث عشر

رواية في هويد الليل للكاتبة لولا نور الفصل الثالث عشر

رواية في هويد الليل للكاتبة لولا نور الفصل الثالث عشر

بعد مرور 15 سنه...
في احدي احياء القاهره الشعبيه البسيطه، وفي احدي بيوتها البسيطه، تعالي صوت تلك السيده الاربعينيه الجميله التي لازالت تحتفظ بجمالها الهاديء بالرغم من الحرن الساكن ملامحها، تنادي على ابنتها الوحيده وهي تعد لها شطائر الفطار!
مسك، يامسك، يا دكتوره مسك!
يالا هتتاخري على محاضراتك!

ومن داخل غرفتها الصغيره البسيطه، كانت ذات العيون الفيروزية البراقه تقف امام مرأتها تصفف خصلاتها السوداء الحريريه الطويله وهتف بصوت عالي حتى يصل إلى مسامع والدتها: ايوه يا ماما، جايه اهو...

انتهت من تصفيف خصلاتها وهندمت من ملابسها، ثم وضعت يدها على السلسال الذهبي المزين عنقها الجميل منذ خمسه عشر عاماً ولم تخلعه من وقتها: صباح الخير يا ليل، يا تري لسه فاكرني زي ما انا فكراك ولا نسيتني بعد ما بقيت من اشهر رجال الاعمال في البلد كلها...
طبعت قبله على السلسال واخفته داخل صدرها وحملت اشياؤها وتوجهت إلى الخارج حيث والدتها...

وقفت على باب غرفتها ولمعت عينيها بشجن وهي تنظر إلى والدتها كعادتها كل يوم التي لم تنفطع عنها ابداً، وهي تقف امام صوره والدها الراحل، فارسها وحبها الاول والاخير تتحدث معه وكانه حي امامها يسمعها ويحادثها!

اقتربت مسك من ليلي وحضنتها من الخلف وهتفت بنبره مرحه حتى تخرج والدتها من حاله الحزن التي لازالت تسيطر عليها: مش كفايه رومانسيه بقي ونروح نشوف شغلنا هتتاخري على المدرسه يا حضره المدرسه النشيطه...
استدارت لها ليلي وهتفت بابتسامه مشرقه وهي تتطلع في وجه وحيدتها الصبوح وعينيها الجميله التي ورثتها عن فارسها: ومين يعني اللي بيأخرني كل يوم مش حضرتك يا دكتوره،.

ثم تحركت ليلي نحو الطاوله وتناولت كيس الشطائر التي اعدتها وناولتها اياه: اتفضلي السندوتشات وياربت تاكليهم مش ترجعي بيهم زي كل يوم!
هتف مسك متذمره: يا ماما يا حبيبتي انا كبرت وبقي عندي 21 سنه وفي تالته طب، مش العيله الصغيره اللي كنتي بتوصليها المدرسه...

ابتسمت ليلي بحنو وهي تربط على وجنت ابنتها: حتى لما تبقي اكبر دكتوره في البلد كلها ان شاء الله، هتفضلي في عيني بنتي الصغيره اللي طلعت بيها من الدنيا، وبرضه هعمل لك السندوتشات يا لمضه...
ويالا بقي علشان كده هنتاخر بجد...

علي الجانب الاخر وفي احدي القصور الفارهه. يجلس في غرفه المكتب الملوكيه متحدثاً في الهاتف بغطرسه: اسمع اللي بقولك عليه المناقصه دي بتاعتنا وكده كده هترسي علينا، شركات مهران مش بتدخل اي مشروع او مناقصه الا لما تكون متاكده مليون في الميه انها بتاعتها!
المهم جهز انت كل حاجه وبلغني بالنتيجه اول لما تخلص وانا في خلال ساعه هكون في المجموعه...

تعالي طرق على باب المكتب تزاماً مع اغلاقه للخط، ودلف اليه سائقه الخاص وذراعه الايمن وكاتم اسراره!
هتف متحدثاً بنبره غليظه: كله تمام يا كبير البضاعه اتسلمت زي ما سعادتك آمرت وده اشعار البنك اللي اتحولت عليه الفلوس في حسابك الخاص اللي جزر البهاماز...
قالها وهو يقدم اليه الاوراق ويضعها امامه على المكتب...

تناول الورقه يراجع بيناتها بتدقيق ثم لاحت على شفتيه ابتسامه رضا: عفارم عليك يا ضرغام طول عمرك سداد...
ابتسم ضرغام بحبور واخذ يربط بكف يده الغليظه على صدره في حركه امتنان: عيشت يا كبير، احنا طول عمرنا تلاميذك وبنتعلم منك يا جودت باشا!

قام جودت من جلسته ووقف ينظر من شرفه المكتب إلى الخارج ووجه سؤاله إلى ضرغام الواقف خلفه: مفيش جديد لسه، معرفتش توصل لحاجه؟
اجابه ضرغام وقد فهم عليه: ابداً يا باشا ملهمش آثر، بس انا مكلف رجالتي يدورا عليهم في كل مكان وان شاء الله هنوصل لهم في اقرب وقت...

رفع جودت يده واشار اليه كي يغادر، وشرد بذهنه إلى ذلك اليوم قبل خمسه عشر عاماً عندما وجدها اختفت من البلده كلها تاركه خلفها كل شيء، وتسربت من بين يديه كالماء بعدما ظن انها اصبحت ملك يديه...
يومها كسر كل شيء امامه واصبح فاقداً للسيطره على نفسه واخذ يبحث عنها كالمجنون في كل مكان واستمر به هذا الحال لاكثر من ثلاثه شهور ولكنه لم ييأس وظل يبحث عنها حتى الان دون كلل اوملل!

في الاعلي...
كان يقف ذلك الشاب الوسيم صاحب البشره السمراء اللامعه والعيون بلون القهوه ذو طول مهيب وجسد رياضي قوي، يصفف خصلاته السوداء الناعمه وينثر عطره الرجولي المميز بكثره!

انتهي من ارتداء ملابسه وقبل ان ينزل لاسفل، توجه نحو غرفه ملابسه وفتح خرنته الخاصه واخرج منها اغلي واثمن شيء يملكه في حياته، تلك العروسه الصغيره، عروسه صغيرته وعشقه الاول والاخير!
اخذ العروسه ونظر اليها هاتفاً بحنين: صباح الخير يا مسكي، وحشتيني اوي، ياتري انا كمان واحشك زي ما انتي وحشاني ولا البعد نساكي ليلك يا مسكي؟
يا تري انتي فين وبعدك عني ده بأرادتك ولا غصب عنك!

ياتري حاسه بيا وعارفه قد ايه مشتاق لك وقد ايه بدور عليكي في كل حته وكل مكان!
ياتري لسه مآنش الاوان علشان نتقابل من تاني؟
انهي كلامه وطبع قبله على رأس العروسه وكأنه يقبل فيها حبيته الغائبه، ثم وضعها في الخزنه واغلق عليها جيداً، ثم ارتدي قناع الجمود والقوه الذي يليق برجل الاعمال القوي ليل مهران!

بخطوات ثابته وقويه دلف ليل إلى غرفه الطعام ثم توجه نحو جدته وقبل يدها وراسها باحترام: صباح الخير ماتي.
ثم تحرك وجلس على راس الطاوله!
ابتسمت المرأه الايطاليه الجميله ذات العقد السادس بحب إلى حفيدها الغالي اغلي ما تملك في هذه الدينا: صباح الخير قلب وعين ماتي.
صباح الخير، قالها جودت وهو يجلس على يسار ليل...
صباح النور يا عمي، هتف بها ليل وهو يشرب فنجان قهوته الصابحيه،.

ثم نظر اليه وساله: مالك يا عمي شكلك مضايق في حاجه حصلت؟
اجابه جودت هاتفاً بحنق: المناقصه مرسيتش علينا مع اننا مقدمين اقل سعر ازاي تترفض...
استندت ليل على ظهر كرسيه وهتف بثقه: علشان انا قدمت ورق بسعر اعلي من اللي انت مقدمه، نظر له جودت بغضب هاتفاً بانفعال: انت ازاي تعمل حاجه زي كده، انت اتجننت!

انت عارف كنا هنكسب قد ايه من ورا المناقصه دي، ده غير انها مع الحكومه، تحدث ليل بنفس الهدوء والثقه: والله دي شركتي وانا حر فيها، ومش ليل مهران اللي يلعب من تحت الترابيزه وبقدم رشاوي وعمولات علشان المناقصه ترسي عليه، مش انت برضه دفعت رشوه خمسه مليون علشان المناقصه ترسي علينا ولا انا غلطان...
تابع جودت منفعلاً اكثر: ده عُرف السوق، والسوق كله ماشي كده...

هتف ليل بنبره بارده: بس في عرف ليل مهران كله يمشي بالاصول، انا مش محتاج اقدم رشاوي وعمولات لحد، اسم مجموعه ليل مهران اكبر بكتير من كده والسوق كله عارف كده ويتمني يشتغل معايا. ثم تابع بلهجه تحذيريه: واللي حصل ده ياريت ما يتكررش تاني علشان ساعتها رد فعلي مش هتتوقعه...

كز جودت على ضروسه يطحنها بغل، فقد اضاع عليه ليل عموله كبيره كان سيحصل عليها بعد اتمام المناقصه، نظر له بغيظ شديد فبالرغم من تربيته لليل الا انه لا يشبهه في شيء بل كل خصال جواد وفارس متأصله فيه بقوه وكانهم احياء امامه متجسدين في شخصيه ليل!
هتف جودت متسائلاً من بين دروسه كاظماً غيظه وحنقه منه: هتعمل ايه في البيت اللي في البلد، انا جاي لي مشتري وهيدفع فيه رقم كبير جداً...

نظر له ليل وقد التمعت عينيه ببريق غاضب وهتف بنبزه قاطعه: سبق وقلت لك البيت ده مش ملكي علشان ابيعه، حتى لو البلد نصها بتاعنا والبيت ده على ارضنا الا انه مش هيتباع الا لما اصحابه يظهروا ويستلموه مني انا شخصياً...

ثم نظر إلى جودت بعيون تومض بوميض شرس جعلته يهابه بشده وتابع: وبعدين انت ليه لغايه دلوقتي محددتش نصيبهم في ارباح ال15 سنه إلى فاتوا دول، هو انا مش قلت لك انا عاوز تحدد لي نصيبهم ونحطهم على جنب لحد ما نوصل لهم علشان ياخدوا حقهم!

تهرب جودت بنظراته منه وتابع كاذباً: ما انا قلت لك ان الشركه في وقتها خسرت كتير وسمعتها اتهزت في السوق بعد اللي حصل ومحدش كان عاوز يشتغل معانا بعد الحادثه، لولا تعبي ومجهودي وفلوسي اللي حطيتهم ووقفت الشركه على رجلها من تاني وكبرت اسم مهران في السوق،.

تغضنت ملامح ليل بألم كلما جاءت سيره الحادثه فهو يرفض ذكرها او الحديث عنها مع اي شخص، تابع بنبره قويه متحديه: مش لوحدك، انت اشتغلت وكبرت الشركات بفلوسي وورثي، ده غير ان انا بشتغل معاك من وانا عيل عندي 16 سنه واخدتها من تحت لحد ما وصلت لمكاني على القمه.
ثم نهض مغلقاً رز جاكيته منهياً الحوار: عموماً ما تشغلش نفسك بموضوع فلوس مسك وماما ليلي انا هخلص الموضوع ده بنفسي.

ثم تحرك مغادراً دون ان يعطي الفرصه لجودت يالتفوه بحرف واحد، تاركه خلفه يغلي كالبركان الثائر...

الرواية مسجلة حصري باسمي وممنوع منعاً باتاً النقل او الاقتباس او النشر على اي موقع او مدونه او جروب من دون اذن ومن يفعل يعرض نفسه للمسألة القانونية.

في المساء، عادت مسك من جامعتها تسير في الحي بانهاك وهي تحمل كتبها والبلطو الابيض على ذراعها...
ظهر فجأه امامها زينهم ابن المعلم عكوه جزار الحي هاتفاً بوله وهو يأكلها بعينيه: مساء الجمال على عيونك يا دكتوره...
قلبت مسك عينيها هاتفه بملل فهو لا ينفك يعترض طريقها باستمرار: مساء النور يا معلم، خير!
كل خير ان شاء الله يا ست البنات، عاوزين ننول الرضا...

هتفت مسك ببعض العصبيه: وبعدين معاك يا معلم زينهم، احنا مش قفلنا الكلام في الموضوع ده، لزميتها ايه بقي تعترض طريقي في الرايحه والجايه مش اخلاق ولاد البلد دي يا معلم...
تابع حديثه بوله وهو يغرق في زرقه عينيها الساحره: اعمل ايه طيب، قلبي عليل وانتي بايدك تداويه يا دكتوره بس انتي اللي مش راضيه تحني عليا وتوافقي...

ثم تابع حديثه مترجياً: وافقي انتي بس ومش هتندمي، والله انا طيب وابن حلال واتحب، ولو خايفه ان جوازك مني هيمنعك تكملي علامك، وعد مني وكلام رجاله هسيبك تكملي علامك وهديه تخرجك هتكون عياده باسمك في البرج بتاعي اللي على اول الناصيه...
ابتسمت له بسماحه وهتفت بتسويف حتى تتخلص منه: لا انت كده عملت اللي عليك، ان شاء الله هفكر في طلبك وهبقي ارد عليك، عن اذنك...

قالتها واطلقت الريح لساقيها تهرب منه قبل ان يتابع حديثه الممل،.

دلفت مسك من باب الشقه وهي تنفخ بغيظ ثم اخذت تنادي على والدتها بعدما لم تجدها في الصاله: ماما.
يا لولو انتي فين؟
جاءها صوت والدتها من الداخل: انا هنا يا مسك في اوضتي تعالي...

دلفت مسك إلى غرفه والدتها ثم اقتربت منها وقبلتها على وجنتها وجلست بجانبها هاتفه بحنق: بجد انا زهقت وتعبت من اللي اسمه زينهم ده، كل شويه ينط في وشي زي عفريت العلبه ومفيش على لسانه غير عاوز اتجوزك هاوز اتجوزك، امتي بقي ربنا يتوب علينا من العيشه هنا، نفسي اغمض عين وافتحها والاقي نفسنا مشينا من هنا...

ربطت ليلي على يد ابنتها وهتفت بحنان: ان شاء الله يا حبيبتي بكره ربنا يكرمك وتتخرجي وتتجوزي وتمشي من الحته دي على خير...
آمنت ليلي على حديث والدتها ثم انتبهت لما تفعله والدتها وهتفت تسالها مستفهمه: ايه الفلوس دي يا لولو بتاعه ايه دي...
اجابتها ليلي وهي تعتدل وتتابع تقسيم الفلوس وعدها: بصراحه يا مسك الميزانيه خرفت خالص ومش عارفه هنكمل الشهر ازاي!

هتفت مسك تحدث والدتها بلوم: ولحد امتي يا ماما هنفضل على الحال ده، كل شهر نكمله بالعافيه واحنا بنقول يارب يكمل من غير ما نتحوج لحد، واحنا لينا حق وانتي مش راضيه اننا نطالب بيه...
لحد امتي هنسيب حقنا وفلوسنا لغيرنا يعيش ويتمتع بيها واحنا لا.

ليه رافضه نروح لليل ونكلمه ونطلب حقنا، بلاش ليل، ليه رافضه نروح نبيع بيت البلد وناخد فلوسه نعيش بيها ونسكن في مكان احسن من ده وبيت احسن من ده، ليه رافضه بالشكل ده...
انتفضت ليلي من جلستها وهتفت برفض قاطع: لا. قلت لك مليون مره لا والف لا...
انا مش عاوزه فلوس ولا بيت ولا حق، انا مش هخاطر بيكي وبنفسي من تاني...

انا هربت بيكي واستخبيت في اخر الدنيا علشان خايفه عليكي ومش عاوزه يطولك اي اذي، ولو على الفلوس والحقوق مش هتكون اغلي عندي من اللي راح او اللي ممكن يروح مني لو قربت منهم تاني...
ثم جلست بانهزام وتابعت بشجن: وبعدين ليل اللي بتتكلمي عنه مش يمكن يكون نسينا والبعد والزمن نساه خصوصاً وانه عايش مع عمه...
عارفه مين عمه، جودت يبقي عمه، جودت!

جلست مسك على عقبيها امام والدتها وتابعت بنبره مترجيه: وممكن يكون منساش وفاكر زي ما احنا فاكرينه وشايل لنا حقنا، وبعدين انا نفسي افهم ايه السر في جودت ده وايه اللي مخاليكي مء طيقاه كده وعاوزانا نبعد عنه بالمشوار كل العمر ده...
واكيد يعني مش علشان كان عاوز يتجوزك زمان بعد موت بابا، اكيد في سبب تاني وانتي مش عاوزه تقوليه...

هتفت ليلي بنبره قاطعه مغله النقاش في موضوع شائك كهذا: هو ده السبب ومفيش سبب غيره وقفلي على الكلام في الموضوع ده ومش عاوزه اسمع كلام تاني فيه، ويالا على اوضتك علشان انا تعبانه وعاوزه انام ورايا مدرسه بكره بدري...

مضي اسبوع ومسك لم تنفك ان تفكر في طريقه تصل بها إلى ليل...
فكرت كثيراً ان تذهب إلى مقر شركاته ولكنها تراجعت خوفاً من ان يكون لا يتذكرها وهذا الشيء الذي لن تستطع تحمله ابدا. : فبعد تفكير طويل عزمت امرها واتخذت قرارها وقررت البدء من حيث انتهت قصتهم، ستسافر إلى البلده اولاً...
لذلك في اليوم التالي وبعد انتهاء محاضرتها ذهبت إلى البلده من دون ان تخبر والدتها...

رحلت الشمس وحل المغيب عندما وصلت إلى البلده ترجلت من العربه الصغيره التي استقلتها من محطه القطار بعدما سألت عن سرايا آل مهران، فهي تعرف من حكايا والدتها ان بيتهم يبعد عن سرايا آل مهران بشارعين...
وقفت امام السرايا العتيقه المهيبه تتطلع اليها بانبهار فعلي الرغم من قدم بناءها الا ان من يراها قد يطن انها حديثه البناء، فيبدو ان ليل يهتم بها كثيراً...

ابتسمت بحنين عندما لاح في ذاكرتها بعضاً من ذكرياتهم معاً هنا في هذه الحديقه ولكنها صور مشوشه بسبب صغر سنها وقتذاك...
سارت على قدميها الصغيره وهي تتلفت حول السرايا لربما يحالفها حظها وتري ليل هنا، لربما قد غالبه شوقه وجاء إلى هنا مثلها...
سارت حتى وصلت امام منزلهم، منزل والدها، نعم هو منزلهم فصورته محفوره داخل ذاكرتها...

دفعت البوابه الحديديه بيدها ودلفت إلى الداخل والغريب ان البوابه مفتوحه غير موصده، صعدت الدرج المؤدي إلى شقتهم واخرجت مفتاح المنزل الذي اخذته من وراء والدتها والتي تخفيه في صندوق ذكرياتها مع والدها...
حبست انفاسها وهي تدلف إلى داخل منزلهم الحبيب، مدت يدها تنير الضوء، فظهر المنزل امامها وكان الزمن لم يمر!

كل شيء في مكانه، كل شيء نظيف وكان هناك من يهتم به ولكنها لم تعير ذلك ادني اهتمام وهي غارقه في ذكرياتها هنا مع والدها الحبيب ووالدتها عندما كانوا اسره سعيده عن حق قبل ان يذوقوا مرار الفقد!

قبل قليل...
وصل ليل إلى بيت حبيبته كعادته منذ عشره اعوام، يأتي مره كل شهر، او كلما ضاق صدره واستبد به الشوق لصغيرته، ياتي إلى هنا يتلمس اشياؤها مستشعراً وجودها حوله في المكان...
وقد آمر الخدم في سرايا جده ان يقوموا بتنظيف المنزل باستمرار مع الحفاظ على كل شيء فيه حتى رجوع مسكه اليه...

كان يجلس في غرفتها وعلى فراشها الصغير الذي الذي بالكاد يستوعب ربع جسده الضخم مقارنه بحجم الفراش الصغير، ادار المسجل الموضوع بجانب الفراش والذي يعود إلى عمه فارس الذي قد اهداه لمسكه في احدي المرات.
صدحت موسيقي تلك الاغنيه التي سمعها منذ نعومه اظافره وتربي عليها بسبب عشق عمه فارس لها والتي كان يري بها حوريته...

ولكنه تنبه لصوت وقع اقدام تتقدم نحو الغرفه، يبدو انه حرامي، لان الخدم ممنوع عليهم التواجد هنا وقت تواجده...
قام ووقف خلف الباب متوارياً من ذلك الذي تجرأ وخطي نحو ممتلكات ليل مهران، سيلقنه درساً لن ينساه ويجعله عبره لم يعتبر!

في الخارج...
اخذت مسك تتطلع إلى كل شيء حولها ودموعها تجري انهاراً على وجنتيها البيضاء الناعمه، لامت نفسها على تفكيرها في بيع ذلك المنزل فوالدتها محقه، هنا تكمن حياتهم كيف لها ان تتخلي عنها...
قررت الرحيل من حيث ما جاءت ولكن الاول ستلقي نظره على غرفتها وبعدها سترحل من هنا...
اقتربت من غرفتها ولكن هناك صوت موسيقي ينبعث من داخل غرفتها اصابها بالرعب، من يمكن ان يكون هنا في منزلهم، ام انها تتوهم!

اقتربت ومع اقترابها يتضح صوت الموسيقي اكثر، وهنا ايقنت ان هناك من يسكن هذا البيت، لذلك استجمعت شجاعتها وقوت نفسها واخرجت من حقيبتها محلول طبي قد اعدته في معمل الكليه تستخدمه للدفاع عن نفسها وقت اللزوم...
فتحت باب الغرفه وخطت خطوتين للداخل بحذر مدت يدها تضيء النور، وفي ثواني وجدت نفسها مقيده بقيد من فولاذ يحيط بخصرها النحيل، ويد من حديد تكمم فمها وهي تقبع بكامل جسدها داخل جسد قوي صلب...

ادار جسدها اليه ونظروا بغضب محدقين في بعضهم البعض بغضب...
ولكنهم تخشبوا موضعهم وسكن الكون من حولهم واختفت الاصوات من حولهم الا من صوت دقات
قلوبهم الهادره...
وتعانقت القلوب في عناق مشتاق قوي، وتعلقت الامواج الزرقاء الفيروزيه داخل مقلتيها مع الشوكولاته الذائبه داخل مقلتيه وهدر القلب قبل اللسان باسم الحبيب...
ومن خلفهم صوت التعويذه التي القت بسحرها عليهم فرقعوا صرعي في هواها...

ًفي هويد الليل ولقيتك...
ما اعرف چيتني ولا چيتك...
ما اعرف غير اني لقيت روحي...
ونچيت من همي ونچيتك...
واداري ولا ما اداري...
ده هواها داري ومداري.

الفصل التالي
بعد 18 ساعة و 43 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب