رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل التاسع عشر

رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل التاسع عشر

رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل التاسع عشر

اصعب شعور يمر على الانسان هو شعوره بالضياع والتوهان...
ان لا يكون لك براً ترسو عليه وترتاح بعد عناء...
هذا هو ما كان يشعر به ذلك القلب العاصي بعد معرفته الحقيقه كامله، وكيف اُحيكت من حولهم الشباك بطريقه قذره وهو بكل غباء سقط فيها منكفأً على وجه دون ان يحسب حسابها جيداً!

كان يقود سيارته بسرعه عاليه تنهب الارض تحت عجلاتها من شده سرعتها تشق سكون الليل من حولها...
عروق يده بارزه بشده من قوه صغطه على المقود، ملامحه مظلمه، عينيه حمراء بشده ينظر إلى الطريق امامه وصورتها وهي تبكي بانهيار ترجوه ان يصدقها تذبحه بنصل سكين بارد...
كيف كذبها ولم يصدقها وهي تصدقه قبل ان يتحدث حتى وان كان كاذب؟

كيف استطاع فعلها ونطقها بلسانه واعطاها حريتها وهي التي اسرته وقيدته بقيود عشقها وسلبت حريه قلبه منه؟
كيف استطاع ان يطردها من حياته وهو من دونها كالمشرد الهائم على وجهه في الطرقات الذي لا ملجأ ولا مأوي له؟
اوقف السياره في مكان بعيد امام الشاطيء وترجل من السياره وسار حتى وصل إلى شط البحر...
وقف ينظر إلى البحر الهائج المظلم وموجه الهارد كهدير قلبه الصارخ آلماً وحزناً وجرحاً...

لم يعد يتحمل اكثر من ذلك، فخر راكعاً على ركبتيه وبكي!
اخيراً سمح لعبراته المحتجزه داخل مقلتيه ان تتحرر من محبسها وبكي!
بكي كما لم يبكي من قبل، حتى يوم وفاه ابيه وشقيقه لم يبكي. بل حبس آلمه وحزنه داخله وارتدي قناع الجمود وخبيء حزنه بداخله حتى لا ينهار جده ووالدته...
ولكن معها لم يستطع ان لا يبكيها وهو السبب والمسؤل الاول والوحيد عن ما وصولوا اليه؟

هو الذي لم يحميها ويحمي بيتهم من غدر الحقير مازن، مازن الذي استطاع في غفله منه ان ياخذها من بين يديه وهو الذي ساعده على ذلك عندما صدق افتراءه عليها وطلقها...
لم يستطع حمايتها وحمايه طفله...
اخذ يجلد نفسه بالسوط حتى ادمي قلبه...
كلما تذكر ما حدث وما قصته عليه تلك الساقطه نادين شريكه مازن في ذلك الفخ...

Flash back...
هدر عاصي بغضب وهو يضغط على عنقها بقبضتيه الفولاذيه بغيظ شديد بعدما حكت له كل شيء وان مازن هو من خطط ودبر لكل شيء وزوجته بريئه مجني عليها، لم تخونه ولم يمسها رجلاً غيره...
يا ولاد الكلب يا انجاس، والله العظيم ما هرحمكم، هموتكم بايديه، هخاليكم تتمنوا الموت ومش هاتطولوه...
انا تعملوا فيه كده وفي مراتي يا ولاد الكلب. يا ولاد الكلب...

اقتحم جسار المخزن ودلف إلى الداخل بعدما استمع إلى صوت عاصي العالي وصوت صرخات نادين التي بدأت في التلاشي بسبب قوه صغظه على عنقها حتى بدأت تصدر صوتاً كالخوار من حنجرتها واستحال وجهها إلى اللون الازرق بسبب انعدام وصول الهواء إلى جنحرتها...

حمل جسار عاصي من خصره ودفعه إلى خارج المخزن رغم مقاومته الشرسه له، بعدما استطاع فك قيده من حول عنقها فاخذت نادين تشهق بقوه تاخد اكبر قدر من الهواء تدخله إلى رئتيها حتى تستطيع التنفس مره اخري...
هدر عاصي بغضب في جسار ودفعه في صدره بقوه بعدما افلته بمجرد جروجهم من المخزن...
سيبني يا جسار عليها، هموتها بنت الكلب، لازم اشفي غليلي منها...

وقف جسار في مواجهته هاتفاً بصوت عالي: ولما تموتها هتستفيد ايه، انت هتتسجن وبضيع مستقبلك ومستقبل عيلتك ومراتك وابنك...
صرخ بانفاس متقطعه من شده الضغط الذي يسحق قلبه وروحه هاتفاً بألم: مراتي وابني!
مراتي وابني انا ضيعتهم بغيائي لما صدقت لعبتهم الوسخه اللي لعبوها عليا...

ثم اضاف بنبره مظلمه وعينيه تلمع بوميض شرس: بس ورحمه ابويا ما هرحمهم، هسففهم التراب على اللي عملوه، وحق مراتي وابني هاخده منهم تالت ومتلت...
عاجله جسار هاتفاً يدعمه باخوه: وانا معاك وكتفي في كتفك بس بالعقل من غير ما تضيع نفسك علشان شويه اوساخ تدوس عليهم بجزمتك...
والبت اللي جوه مش هي اللي هتشفي غليلك، اننا نوصل لمازن وننهيه هو ده اللي هيشفي غليلك بحق ويرجع لك حقك وكرامتك وكرامه مراتك...

End of flashback...
عاد عاصي من شروده على سقوط دمعه اخيره انسدلت على وجنته واختفت بين شعيرات ذقنه الطويله الناعمة...
وقف على قدميه ومسح وجهه فارداً ظهره بقوه وشموخ وكأن تلبسه شخص اخر غير الذي كان يبكي بانهيار منذ ثواني...

التمعت في مقلتيه بنظره مليئه بالتصميم والقوه على الاخذ بثأره من اعداؤه واعاده زوجته إلى احضانه مره اخري عاقداً العزم على السعي إلى نيل غفرانها من جديد حتى لو افني المتبقي من عمره طلباً لغفرانها...

بعد شهر...
كان عاصي في مكتبه في مجموعه الجارحي يدور حول نفسه كالمجنون وجسده ينتفض من شده العصبيه والغضب!
صرخ هادراً في جسار الماثل امامه مطأطأ الرأس شاعراً بالحرج من رب عمله الذي يوبخه بحده على تقصيره في البحث عن زوجته المختفيه، ولكن يشهد الله انه لم يقصر في عمله قط، فهو يواصل الليل بالنهار ويعمل تحت يده الاف من الرجال للبحث عنها ولكنهم لم يستطيعوا التوصل إلى اي اثر لها وكانها تبخرت في الهواء!

صرخ عاصي بعنف وهي يضرب بقبضه يديه على سطح المكتب: يعني ايه مش لاقيها، ايييييييه انشقت الارض وبلعتها!
مش كفايه ان الوسخ اللي اسمه مازن فلت من رجالتك وسافر باره،
انت شكلك مش عارف تشوف شغلك كويس يا جسار.
هتف جسار مبرراً: يا باشا والله ما قصرت في حاجه لانا ولا الرجاله، احنا تقريباً مش بنام مواصلين الليل بالنهار...

هدر عاصي بجنون: مش لازم تناموا، محدش فيكم يغمض له جفن لحد ما تلاقوها، وزود الرجاله اللي معاك ومعاك ميزانيه مفتوحه تصرف منها زي ما انت عاوز، بس مش عاوز اشوف وشك غير لما تقولي انك عرفت مكانها. ، مفهوم!
اومأ جسار براسه هاتفاً بطاعه قبل ان يغادر ويتركه: اوامرك يا باشا...
زمجر بجنون وهو يلقي بالمنفضه الكريستالية الموضوعه امامه على المكتب ارضاً مخرحاً فيها غضبه!

وقف ينظر من شرفه مكتبه إلى زرقه البحر امامه هاتفاً بيأس: انتي فين يا غفران!

بعد ساعه، كان يصف سيارته امام القصر، ودلف إلى الداخل كالاعصار قاصداً جناح جده.
ولج إلى جناح جده دون استئذان ينهب الارض بخطوات غاضبه حتى وقف امامه هاتفاً بنبره غاضبه لم يتمكن من السيطره عليها: انا عاوز اعرف انت مخبي غفران فين؟

اغلق الجد المصحف بعدما انتهي من قراءه ما تيسر من القرآن الكريم ووضعه على الكومود بجانبه، ثم رفع نظراته إلى حفيده الغاضب واخذ يتفرس في ملامح وجهه لكي يتبين حقيقه معرفته بانه يعلم بمكان غفران!
هتف الجد مراوغاً: وانا لو اعرف مكانها هخبي عليك ليه...
اجابه عاصي مسرعاً: لانك اخر واحد شوفتها قبل ما تختفي لما دخلت لك الرعايه، انا عاوز اعرف انت قلت لها ايه...

ثم تابع يضيف بشك: ما هو مش معقول الهدوء اللي انت فيه ده وانت مش عارف مكانها، وكلنا عارفين غفران بالنسبه لك ايه!
اخذ الجد يسبح على مسبحته العاجيه وهو يطالعه بنظراته الثاقبه وصمت لفتره احترقت فيها اعصاب حفيده ثم اجابه نافياً: اول حاجه انا معرفش مكانها فين، وحتى لو اعرف ومش عاوز اقولك فانا مش هقولك لاني مش هخاف منك...
توحشت نظرات عاصي بجنون وهو يستمع إلى حديث جده الذي يتلذذ بتعذيبه...

اضاف الجد موضحاً: وبعدين لما جت لي المستشفي انا قلت لها تستناني في القصر لحد ما اخرج من المستشفي وماتروحش في اي حته...
ثم تابع مضيفاً بكلمات تشعره بتانيب الضمير: شوف بقي قابلت مين او اتكلمت مع مين بعد ما مشيت من عندي وقالها ايه خالاها تصمم انها تختفي كده...

شرد عاصي بنظراته يتذكر حديثه معها بعدما خرجت من عند جدها ونظرات عينها الحزينه تكاد تذبحه...
اشفق الجد على حال حفيده واراد طمئنه قلبه الملتاع عليها قائلاً: بس انا متفائل خير ان شاء الله، انت عارف ان جدك طول عمره قلبه دليله وانا قلبي مطمن وبيقولي ان غفران بخير، هي بس تلاقيها حبت تبعد علشان اكيد مجروحه من اللي حصل وخصوصاً منك انت علشان ما صدقتهاش...

جلس عاصي على طرف الفراش بجانب جده باكتاف محنيه هاتفاً بحشرجه: غصب عني يا جدي، ما استحملتش، الموقف كان اصعب من قدرتي على اني اتحمله...
استرسل في الكلام مخرجاً ما يجيش في صدره من آلام تجثو فوق قلبه منذ ما حدث متخلياً عن هيبته وجموده: مفيش رجل يقدر يتحمل يشوف مراته عريانه في سرير غير سريره ويسكت، وخصوصاً لو مراته دي غفران!
غفران البريئه، الرقيقه، اللي اتربت على ايديه.

مقدرتش استوعب، الصدمه كانت كبيره اوي على عقلي...
رد الجد معقباً يلومه على ما تفوه به: طب ما تقول لنفسك منين بتقول عليها انك مربيها على ايدك ومنين شكيت فيها وما صدقتهاش وقمت مطلقها من غير ما تسمعها!
صرخ عاصي بنبره متألمه: علشان بحبها مستحملتش اشوفها كده، علشان بعشقها غيرتي عليها عمتني...
لما لقيت رجل غيري بيناديها باسم دلعها انجننت...

ماكنتش شايف ولا سامع حاجه غير اني اتجرحت واتخانت من اكتر انسانه بحبها...
صمت لثواني يبتلع غصته وادار وجهه للجهه الاخري يمسح دمعه كادت ان تفر من عينيه: ولما اتكلمت وقالت انها كانت عند الحاجه مني، حسيت بأمل وانها اكيد مش خاينه لكن لما الست طلعت متوفيه من مده، اتدبحت اكتر...

واتدبحت اكتر واكتر لما عرفت الحقيقه وعرفت اني ضحيت بيها وبحياتي معاها بسبب واحد وسخ بيجري وراها زي الكلب. كل همه اننا نبعد عن بعض...
ربط الجد على كتفه حزيناً على حاله مقدراً لموقفه: انا مقدر حالتك وحاسس بيك، بس انت اتسرعت في موقفك وكان لازم تحكم عقلك وتفكر بهدوء...
بس خلاص اللي حصل حصل وكله مقدر ومكتوب مش هنقعد نقول يا ريت...
نظر له عاصي بضياع ومتسائلا: طب والعمل يا جدي؟

ثم اضاف بقلب حزين ملتاع قلقاً عليها مشتاقاً لها: انا هتجنن عليها، ترجع بس وانا هعمل لها اللي هي عاوزاه، انا خايف عليها خصوصاً وهي حامل.
غفران بريئه اوووي وسهل يضحك عليها.
ساله الجد مراوغاً بمكر: انت عايزها هي ولا عاوز اللي في بطنها؟
اجابه مسرعاً دون الحاجه للتفكير: اللي في بطنها ده انا معرفوش، لكن انا معرفش غيرها ومش عاوز غيرها، واذا كنت عاوز اللي في بطنها فانا عاوزه علشان منها هي مش اكتر...

ابتسم الجد برضا بعدما تاكد من عشق حفيده لزوجته واعترافه بخطأه وتسرعه فيما حدث...
فقرر انه لا بد وان يعيد الامور إلى نصابها الصحيح في اقرب وقت،.

بعد مرور شهر اخر...
في احدي مقاطعات الريف الاوروبي الساحره وتحديداً في مدينه سويسرا الرائعه وامام احدي البيوت الكبيره التي تقع في وسط الخضره الساحره وجداول المياه الزرقاء والمحاطه بالجبال من الخلف كدرع واقً يحميها في مشهد يسلب العقول والقلوب...

كان يترجل من سيارته يسير بخطوات حاول قد استطاعته ان يخفف من هرولتها حتى لا تظهر لهفته للقاؤها...
استقبلته مديره المنزل الشقراء ذات الاصول الانجليزيه بابتسامه مرحبه وهي تتناول منه معطفه الصوفي الثقيل: welcome sir
اجابها تحيتها بتحيه مماثله: welcome Ann
ثم تابع يساألها: where s madam
اجابته وهي تشير بيدها اعلي: upstairs، in her room.

رفع رأسه ينظر إلى اعلي الدرج، ثم سحب نفس عميق يهديء به من توتره وهتف يطلب من الخادمه ان تصعد لها وتخبرها بوجوده وانه ينتظرها في غرفه المعيشه...
وقف امام المدفئه الكبيره يضع بها مزيد من الحطب واخذ يقلبه حتى يشتعل لينشر مزيداً من الدفء، وشرد في حاله الذي اصبح غريب في الاونه الاخيره منذ ان التقي بها قبل شهرين...

ظن انه اعجابه بها عندما رأها اول مره كان مجرد اعجاب لحظي من رجل لامرأه وسينتهي بمجرد رحيلها...
ولكن الامر تغير وتطور بداخله بشكل اسرع واصبح ليس مجرد اعجاب بل شيء لذيذ يدغدغ داخله ولكنه يحاول السيطره عليه وتحجيمه لانه لا يجوز له ان يشعر به نحوها، لا يجوز على الاقل مؤقتاً في الوضع الحالي!

تجلس في داخل غرفتها على كرسي هزاز امام زجاج الشرفه والتي تطل على منظر الجبل المغطي بالثلوج امامها تتأمله بشغف...
فهذه هي جلستها منذ ان قدمت إلى هنا قبل شهرين...
لا تفعل شيء سوي جلوسها هنا منذ شروق الشمس وحتى غروبها حين تختفي وتتواري خلف ذلك الجبل الشاهق الذي يذكرها به...
شاهق، شامخ، قوي، صلب، جامد ولكنه قاسي!
قاسي القلب حتى ان القسوه هينه امام قسوته هو...

تنهيده عميقه مثقله بالهموم والاوجاع خرجت من صدرها، اخذت تضغط على جانبي رأسها الذي يؤلمها بقوه، تريد ان تنسي ما حدث، تريد ان تفقد ذاكرتها وتلغي ما حدث من حياتها وتطرده خارج قلبها وتنساه ولكن كيف تستطيع ان تفعل ذلك وهو يجري في اوردتها كمجري الدم في العروق...
كيف وهو بطل احلامها السابقه وكوابيسها الحاليه.
كيف السبيل لطرد عاصيها من قلبها؟ كيف؟

اجفلت عندما استمعت إلى صوت طرق على باب غرفتها...
مسحت دمعه خانتها وانحدرت على وجنتها وهي التي اقسمت الا تبكي مره اخري ولكن دايماً ما تخونها دموعها...
حممت تجلي حنجرتها وهتفت تجيب الطارق وهي تحكم لف الوشاح الصوفي حول جسدها: yes Ann، coming.
فتحت الخادمه الباب وتحدثت باحترام: sorry madam، the sir is coming now and he is waiting you in the living room...

اجابتها بهدوء: Ok Ann، I ll be there after 10 min...
اومأت الخادمه وانصرفت بهدوء كما دلفت بهدوء.
وقفت غفران لثواني تتطلع في اثرها ثم ذهبت بخطوات آليه تبدل ملابسها وهي تجبرنفسها على النزول لمقابلته فهو فعل الكثير من اجلها اكراماً لجدها، على الرغم من ان حدث الانثي بداخلها يخبرها ان هناك شيء يكنه لها...

فهي لم تراه منذ ان اخرجها من مصر وآتي بها إلى ييته هنا، الا انه لا ينفك ان يتصل بها يوماً للاطمئنان عليها وعلى احوالها!
فهو على الرغم من عدم تجاوزه الحدود معها في كل مره يتصل بها الا ان قرون استشعار الانثي بداخلها تخبرها ان هناك شيء يحدث معه متعلق بها...

بعد عشر دقائق كانت تقف في غرفه المعيشه، تنظر إلى ظهره العريض الموالي لوجهها...
هتفت بنبره رقيقه وصلت إلى مسامعه كنسمه صيف بارده اثلجت روحه المشتعله في حر اغسطس الشديد عندما تنبهت حواسه لقدومها ولم يقوي على الاستداره لها حتى لا تفضحه عيونه: حمد الله على السلامه...
ابتلع حلقه الذي جف فجأه واستدار اليها محاولا قدر الامكان الا يظهر اي من مشاعره المضطربه عليه هاتفاً بابتسامه محرجه: الله يسلمك...

صمت لثواني يتشرب جمال ملامحها الرقيقه رغم من ذبولها...
شتم عاصي في سره ونعته بافظع الصفات، كيف لرجل مثله ان يطلق امرأه مثلها؟
امرأه جميله رقيقه تجمع بين الانوثه والبراءه معاً...
هو لا يعرف السبب الذي جعله يطلقها، فقط علم منها ومن جدها انهم اختلفوا وحدث الطلاق وانها تريد ان تبتعد عن البلاد دون ان يعلم احد مكانها حتى تضع مولادها...

وعند هذه الخاطره شعر بخنجر يطعن قلبه الذي تمرد عليه وعشقها في غفله منه...
فهي حتى وان تطلقت من عاصي الجارحي سيظل هناك رابط يجمع بينهم إلى الابد غير صله الدم والقرابه التي بينهم...
فهي تحمل في احشاؤها قطعه منه ستربط بينهم إلى اخر العمر وهو من خلال معرفته بعاصي يدرك تمام الادراك انه لن يتخلي عنها بسهوله!

نفض تلك الافكار من راسه وهتف بنبره معتذره: انا اسف اني جيت من غير معاد، بس الحج منصور يلغني انه هيوصل هنا انهارده.
فانا كنت في باريس بخلص شغل وقلت لازم اكون في استقباله لما يوصل...
اجابته غفران برقه: مفيش داعي للاسف، ده بيتك واحنا ضيوف عندك...
ثم تابعت تضيف بامتنان حقيقي: كفايه اللي انت عملته معايا ووقفتك جنبي.

انا مش عارفه من غير مساعدتك ليا انا كنت هعمل ايه، انا بجد متشكره على كل حاجه عملتها لي يا آسر!
ارتسمت ابتسامه جذابه على شفتيه وهي يستعذب حلاوه اسمه من بين شفتيها...
تحدث ولازالت الابتسامه مرتسمه على شفتيه: مفيش شكر على واجب يا غفران!
انتي ما تعرفيش غلاوه الحج منصور عندي قد ايه.
ده لولا اللي عمله معايا زمان ووقوفه جنبي كان زمان كل حاجه راحت مني واسم عيله الراوي مكانش له وجود دلوقتي...

علشان كده انا مستعد اعمل اي حاجه ارد بيها ولو جزء بسيط من افضاله عليا...
ابتسمت بفخر على حديثه عن جدها وهتفت تعقب بحب: جدو ده رجل مفيش منه اتنين. انا من غيره اضيع. قالت كلمتها الاخيره بحزن ضرب الواقف امامها في منتصف قلبه.
فرد عليها بمشاعر حب حقيقه: ربنا يبارك في عمره احنا كلنا معاكي ورهن اشاره منك...
صمتت ولم ترد على حديثه الذي فهمت مقصده...

تنحنح آسر ونظر في ساعه يده وهتف مغايراً مجري الحوار: انا لازم اتحرك دلوقتي لان طياره الحج منصور قدامها ساعه وتوصل...
اشوف وشك بخير...
قالها وانصرف من امامها مجبراً قدميه على التحرك تاركاً قلبه معها...

بعد ساعتين كان آسر يقود سيارته عائداً إلى بيته الريفي حيث توجد غفران، ويجلس بجانبه الحج منصور وآدم في المقعد الخلفي...
هتف آسر مرحباً به بحفاوه حقيقه: نورت سويسرا كلها ياحج منصور...
اجابه الحج بامتنان حقيقي: الله يعزك يا آسر يا ابني.
ثم تابع بيعض اللوم: مكانش له لزوم تتعب نفسك وتيجي تستقبلني، انا كنت هاخد اي ليموزين من المطار...

رد آسر معاتباً اياه: وده معقول يا حج منصور، ده انا اسيب اللي ورايا واللي قدامي واجي لك من اخر الدنيا انت مقامك كبير اوي عندي وحضرتك عارف ده كويس...
ده انت لولا وقفتك جنبي وتسديدك لديون ابويا الله يرحمه اللي ضيع بيها شقي وتعب جدي اللي هو صاحب عمرك، على القمار والنسوان، كان زماني عيل صايع مالوش مستقبل...
انا لحد دلوقتي مش عارف ارد جميلك ده ازاي ياحج...

ربط الحج منصور على كتف آسر بمحبه هاتفاً بابوه: عيب ما تقولش كده يا آسر انت في غلاوه عاصي.
وجدك الله يرحمه كان صاحبي الوحيد وعشره عمري علشان كده مقدرتش اشوف شقي عمره بيضيع قدام عيني وانا عارف هو تعب فيه قد ايه واقف اتفرج...
وبعدين انا لما احتاجت لك ما اترددتش لحظه وطلبت منك انك تساعدني...
لانك الوحيد اللي هقدر آتمنه على حفيدتي وانا مطمن وكمان علشان عاصي ما يعرفش يوصل لها...

وانت بعلقاتك قدرت تطلع لها باسبور باسم تاني غير اسمها علشان تعرف تسافر.
وانت اخر واحد ممكن عاصي يفكر اني ممكن الجأ له لان هو مفتح عينيه عليا كويس ومتاكد اني عارف مكان غفران!
طحن آسر دروسه بغيظ عند ذكر اسم غريمه وهتف يساله بنبره خشنه: اومال حضرتك سافرت ازاي؟
اجابه الجد بنبره مكره: انا برضه منصور الجارحي ولف عاصي وعشره زيه على صوابع ايديه...

وبعدين انا مسافر اعمل الcheck up بتاعي اللي بعمله كل سنه في نفس المعاد هنا في سويسرا وآدم معايا علشان مابقاش لوحدي...
هتف آدم بنبره مرحه وهو يصفق بيديه بقوه: الله عليك يا جارحي يا كبير، ده انت دماغك دي الماظات على رأي حزلقوم!
ضحك آسر بصخب على حديث آدم المرح، بينما الجد هتف يمازحه بشقاوه: اومال يا بني الشيبه دي مش من شويه مش زيكم انتوا عيال لسه عودها اخضر...

هتف آسر وآدم معاً في نفس الوقت: ربنا يخاليك لينا ويديك الصحه...
اوصلهم آسر إلى بيته ثم تركهم ورحل عائداً مره اخري إلى باريس حتى يترك لهم مساحه من الخصوصيه...

بعد فتره كانت تجلس في غرفه المعيشه تتوسط جدها وآدم الذي لا يستطيع ان يكتم حزنه على حالها داخله اكثر من ذلك، وهتف يتحدث بنبره معاتبه: شوفتي اخره عنادك وعدم سمعانك الكلام يا غافي وصلك لفين...
انا حذرتك وقلت وانتي ما سمعتيش كلامي والواطي اللي اسمه مازن ده لعبها صح لولا اني كنت عارف انا وصاحبتك محدش عارف كان ممكن يحصل لك ايه!

نظرت له غفران بحزن وهتفت بنبره مجروحه: دلوقتي انا بس اللي غلطانه، كلكم جايين عليا ومغلطني!
ثم تابعت تضيف بألم وصوتها يزداد ارتفاعاً من شده غضبها: وهو؟ هو مغلطش لما رفض انه يصدقني وقام راميني تحت رجلين جدي كانه ما صدق يخلص مني؟
محدش فيكم حاسس بيا وهو بيدوس على قلبي وكرامتي تحت رجليه...

هتف ادم بنبره موجوعه وهو يقترب منها ويضم راسها داخل حضنه: مين قالك كده بس، احنا كلنا هنموت عليكي وزعلانين علشانك واولنا عاصي اللي هيتجنن عليكي من بعد ما عرف الحقيقه...
ده بيدور عليكي زي المجنون، ده انتي لو شوفتيه مش هتعرفيه...
آنخرطت في البكاء داخل صدره وقد آلمها قلبها على حاله...
هتف الجد بصوت هاديء قوي: اسمعيني كويس يا غفران...
خرجت من حضن آدم ونظرت إلى جدها تستمع إلى حديثه العام...

هتف الجد بعاطفه جياشه: انتي عارفه انتي غاليه عندي قد ايه انتي وعاصي...
انتوا الاتنين اللي فاضلين ليا في الدنيا بعد كل حبايبي ما راحوا...
وعارفه كمان اني مرضاش بالظلم لا ليكي ولا له...
واللي حصل ده انتوا الاتنن مسؤلين عنه.
واذا كنت ساعدتك علشان تبعدي الفتره دي فده علشان انا كنت بحميكي من اللي عمل فيكي كده، لاني معرفش هو مين ولا ممكن يعمل فيكي ايه...

مش كنت بحميكي من عاصي، علشان عاصي مهما حصل عمره ما هيأذيكي لانه بيحبك والرجل لما بيحب عمره ما بيأذي...

انتفضت واقفه بغضب بعد حديث جدها هاتفه باستنكار: بيحبني!
انت لسه بتقول انه بيحبني بعد اللي عمله فيا...
هتف الجد بنبره قويه قاطعه: عاصي مش غلطان لوحده، انتي كمان غلطانه زيه واكثر...
غلطتي لما اتصرفتي من دماغك وخبيتي على جوزك انك بتروحي للدكتوره علشان خايفه لا تكوني مش بتخلفي...
غلطي لما كنتي بتنامي جنبه على نفس المخده وانت مخبيه عليه سرك...

غلطي في كل مره خرجتي فيها من غير اذنه ومن غير ما يعرف انتي فين...
غلطتي لما كدبتي عليه في كل مره تقولي له انك في مكان وانتي عند الدكتوره...
غلطتي لما خبيتي خوفك وقلقك عنه وما شاركتيهوش في مشاكلك ومخاوفك...
الجواز مش لعبه ولا كلام حلو ورومانسيه وبس.

الجواز حياه وشركه بين اتنين، عقد بيمضوه على عمرهم هما الاتنين، ببتشاركوا فيه المر قبل الحلو، بيتشاركوا فيه كل حاجه واي حاجه حتى لو كانت تافه من وجه نظرك، بس لازم تتشاركوها سوا علشان حياتكم تنجح وحبكم يقوي ويعيش...

كانت تنحب بصمت وهي تستمع لكلام جدها ولحقيقه ما فعلته عندما اخفت الحقيقه عن زوجها، ولكنها فعلت مل فعلت بدافع عشقها له وخوفها عليه، : هتفت تعقب على كلام جدها بانتحاب: انا، انا، عملت كده علشان بحبه وخوفت عليه...
هتف الجد بهدوء: خوفتي عليه من ايه؟
اجابته وهي لازالت تنتحب: خوفت، خوفت اكون مش بخلف ومقدرش اسعده واخلف له طفل يشيل اسمه...
ما كنتش هقدر استحمل انه يعرف اني مش بخلف...

هدر الجد بغضب من غباؤها: وانتي ليه حكمتي انك مش بتخلفي مش جايز هو اللي يكون مش بيخلف!
نظرت له بغباء وهتفت بجهل خجل: از، ازاي بس يا جدو...
وهو، هو كويس جداً، يعني. اقصد...
ابتسم الجد على طيبتها وسذجاتها وربط بحنو على كتفها وهو يضمها برفق إلى صدره هاتفاً بحنو: يا حبيبتي موضوع الخلفه مالوش علاقه ان الرجل كويس مع مراته ولا لاء...
يعني هو كان ممكن ما يكونش بيخلف...

وعلشان انتي اتصرفتي لوحدك وعلشان بتحبيه وقعتي نفسك في مصيبه، لولا ستر ربنا وانك كنتي معرفه سوار صاحبتك وقلتي لادم لما وصلك رغم ان الاتنين حذروكي من انك تخبي على جوزك...
الله اعلم ساعتها كنتي هتطلعي من المصيبه دي ازاي...
هتفت بدموع حارقه وهي تتذكر ما عمله عاصي معها: ايوه يا جدو بس هو كمان طلقني على طول كانه ما صدق وما حاولش حتى يسمعني...

زفر الجد تنهيده حارقه مثقله بالهموم وهتف يجيبها بخبره رجل عجوز: شوفي يا حبيبتي، الرجل غير الست خصوصاً في مساله الغيره والشرف...
مش معني كده اني بقول ان الست لازم ترضي بخيانه جوزها ليها، لا الرجل لما بيفكر يخون مراته يبقي عمره ما حبها...

لكن اللي اقصده ان الست مشاعرها هي اللي بتتحكم فيها عكس الرجل، الرجل اللي بيتحكم فيه رجولته وكرامته خصوصاً احنا الرجاله الشرقيين دمنا حامي وبنغير على اهل بيتنا اوي...
هو اتسرع وطلقك لانه شاف ان هو ده الحل الوحيد الذي يحفظ بيه كرامته ورجولته اللي اتهانت في الارض...

صمت قليلاً يلتقط انفاسه ثم تابع يضيف مقراً بحقيقه: في رجاله في مواقف زي دي ما بيفكروش وممكن في لحظه يقتل مراته وعشيقها والعياذ بالله، والقانون بيبقي في صفه ومش هيتحبس فيها ساعه واحده لانها مساله شرف!
وعلي قد حبه ليكي على قد ما الجرح جواه كبير...
علشان كده بقولك ان انتوا الاتنين غلطوا وانتوا الاتنين لازم تدفعوا تمن غلطتكم في حق بعض علشان ما تكرروش الغلط ده تاني...

ردت عليه بنبره حاسمه: انا خلاص مش عاوزه عاصي!
زوي الجد ما بين حاجبيه وسالها بعدم فهم: يعني ايه؟
اجابته بنبره قاطعه: يعني مش عاوزاه هو طلقني وخلاص خلصت لحد كده.
هتف الجد مستنكراً بتساؤل: وابنه؟
اجابته بجمود وعناد: مالوش ابن عندي. ده ابني انا.
هتف الجد بنبره غاضبه: انتي اتجننتي!
ده ابنه زي ما هو ابنك بالظبط ومش من حقك تحرميه منه مهما حصل بينكم، حتى لو حياتكم انتهت مع بعض لحد هنا برضه هيفضل ابنه...

وانا مش هسمح لك تبعديه عنه طول ما انا عايش...
عاوزه تاخدي حقك من عاصي على اللي عمله فيكي براحتك ومش همنعك من ده لاني زي ما قلت هو كمان غلط، بس مش ابنه هو التمن...
انه يتحرم من ابنه يكون تمن انتقامك منه...
فهماني يا غفران!
هتفت غفران بكبرياء مجروح: يا جدي افهمني...

انا اه مش هنكر اني غلط زي ما حضرتك قلت وان انا حسبتها غلط لما خبيت عليه، وبرضه مش هنكر اني اقتنعت بوجهه نظرك عن طبيعه الرجل في مساله الخيانه والشرف دي...
بس انا مجروحه من عاصي اوي، فكره انه طلقني ورماني بسهوله دي جرحاني...
هتف الجد بمهادنه: يا بنتي ما انا فهمتك هو عمل كده ليه...

قالت بكرامه مجروحه: يا جدي انا فهمت، بس في حاجات بيني وبين عاصي محدش يعرفها، وكفايه اني اقولك ان لو حصل في يوم ورجعت لعاصي فانا هرجع له بعد ما يثبت لي ان هو راجع لي علشاني انا علشان عاوزني انا، مش علشان خاطر ان انا بنت عمه ومفروضه عليه، او ان انا ام ابنه...
انا هرجع له لما احس فعلاً انه عاوزني لشخصي انا وبكامل ارادته...

تحدث الجد بقله حيله، فهو يعطيها الحق في الجزء الخاص بكرامتها وحقها في احساسها بحبه لها لشخصها وليست مفروضه عليه كما قالت: طب وده هيحصل ازاي وانتي مختفيه وبعيده عنه ومش مدياله فرصه يصلح غلطته...
اجابته غفران بجمود: هيحصل لما الاقي نفسي عندي القدره على مواجهته، لكن دلوقتي انا معنديش القدره دي...
انا محتاجه اعيد حساباتي مع نفسي مره تانيه، محتاجه اكون غفران جديده غير غفران اللي مشيت مطروده من القصر...

ووقت ما يحصل ده هتلاقيني بكلمك واقولك اني هرجع...
وما تقلاقش يا جدي انا مش ناويه اطول كتير، ده غير ان انا مش ناويه احرم ابني من ابوه...
قالتها وهي تقطع وعد على نفسها ان تاخد حقها من كل من أذوها واولهم هو عاصي قلبها ستجعله يبكي ندماً على ما فعله بها، ستجعله يطلب غفرانها ويسعي اليه ولن يجده بسهوله...

الفصل التالي
بعد 21 ساعة و 32 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب