غاليليو غاليلي

غاليليو غاليلي( عالِم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي، ولد في بيزا بـإيطاليا، في 15 فبراير 1564 وتوفي في 8 يناير 1642. نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، فقام أولا بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة.

 

يقول ستيفن هوكنغ أن مولد العلم الحديث ربما يرجع إلى غاليليو عن أي شخص آخر. وقد سماه أينشتاين " أبا العلم الحديث "، نظرا لإنجازاته العلمية من جهة ومن جهة أخرى أنه تمسك باقتناعه العلمي ولم يحيد عن هذا الاقتناع ووقف صامدا أمام الاتهامات الموجهة إليه، حتى أن وصل به الاقتناع إلى مخاطر محاكمته أمام محكمة الفاتيكان. وقد قادت اكتشافات غاليليو الفلكية وفحصه لنظرية كوبرنيكوس إلى تخليده كإنسان حيث اكتشف أربعة أقمار المشتري وهم القمر إيو والقمر أوروبا والقمر جاناميد والقمر كاليستو وهذه الأربعة تسمي أقمار غاليليو.

 

كما تسمى بعض الأجهزة العلمية باسمه مثل مركبة غاليليو الفضائية وهي أول قمر صناعي يدور حول المشتري كما يوجد نظام أقمار صناعية "غاليليو " للملاحة ومعرفة التموضع على الأرض. كما أن التحويل الرياضي بين أنظمة القصور الذاتي المختلفة في الميكانيكا التقليدية تسمى تحويلات غاليليو. كما توجد وحدة Gal والتي تسمى بالكامل غاليليو لتعبر عن التسريع في الميكانيكا إلا أنها لا تنتمي إلى النظام الدولي للوحدات.

 

كان غاليليو ماهرا في الرياضيات والموسيقى، لكنه كان رقيق الحال، لذلك اعتزم ألا يعمل ابنه في أي عمل من الأعمال التي لا تكسب صاحبها مالا، ومن ثم أرسله إلى جامعة بيزا لدراسة الطب. ووصل غاليليو وهو ما يزال طالبا لتحقيق أول مكتشفاته عندما أثبت أنه لاعلاقة بين حركات الخطار (البندول) وبين المسافة التي يقطعها في تأرجحه، سواء طالت المسافة أو قصرت. واهتم بعد ذلك بدراسة الهندسة إلى جانب الطب، وبرع فيها حتى بدأ يلقي المحاضرات على الطلاب بعد ثلاث سنوات فقط.

وفي ذلك الوقت كان العلماء يظنون أنه لو ألقي من ارتفاع ما بجسمين مختلفي الوزن فإن الجسم الأثقل وزنا يصل إلى الأرض قبل الآخر. لكن غاليليو أثبت بالنظرية الرياضية خطأ هذا الاعتقاد، ثم اعتلى برج بيزا وألقى بجسمين مختلفي الوزن فاصطدما بالأرض معا في نفس اللحظة. وأوضح أيضا خطأ عدة نظريات رياضية أخرى. وانتقل غاليليو بعد ذلك إلى مدينة بادوفا بجمهورية البندقية وفي جامعتها بدأ يلقي محاضراته في الرياضيات، وكان في هذا الوقت قد نال نصيبه من الشهرة. وفي بادوا اخترع أول محرار (ترمومتر) هندسي.

 

كان ممن اتبع طرق التجريبية في البحوث العلمية. وبحث في الحركة النسبية، وقوانين سقوط الأجسام، وحركة الجسم على المستوى المائل والحركة عند رمي شيء في زاوية مع الأفق واستخدام البندول في قياس الزمن.

 

في سنة 1609 بدأ غاليليو يصنع منظاراً بوضع عدستين في طرفي أنبوبة من الرصاص، وكان أفضل بكثير من الذي صنعه ليبرشي. بعد ذلك انكب غاليليو على منظاره يحسن من صناعته، وراح يبيع ماينتج منه بيديه، وصنع المئات وأرسلها إلى مختلف بلاد أوروبا، وكان لنجاحه صداه في جمهورية البندقية، ففي تلك الأيام كان كل فرد يعتقد أن الأرض مركز الكون، وأن الشمس وغيرها من الكواكب تدور حولها، وكان الطريق اللبني يعتبر حزمة من الضوء في السماء، وأن القمر مسطح الشكل. ولكن عندما نظر غاليليو من خلال عدسات منظاره لم يجد شيئا من هذا كله صحيحا، فقد رأى أن في القمر مرتفعات، وأن الشمس تنتقل على محاورها، وأن كوكب المشتري له أقمار، مثلها مثل القمر الذي يدور حول الأرض، ورأى أن الطريق اللبني ليس مجرد سحابة من الضوء إنما هو يتكون من عدد هائل من النجوم المنفصلة والسديم.

 

وكتب كتابا تحدث فيه عن ملاحظاته ونظرياته، وقال أنها تثبت الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس مع غيره من الكواكب، وشكا بعض أعدائه إلى سلطات الكنيسة الكاثوليكية بأن بعض بيانات غاليليو تتعارض مع أفكار وتقارير الكتاب المقدس، وذهب غاليليو إلى روما للدفاع عن نفسه وتمكن بمهارته من الإفلات من العقاب لكنه انصاع لأمر الكنيسة بعدم العودة إلى كتابة هذه الأفكار مرة أخرى، وظل ملتزما بوعده إلى حين، لكنه كتب بعد ذلك في كتاب آخر بعد ست عشرة سنة نفس الأفكار، وأضاف أنها لا تتعارض مع شيء مما في الكتاب المقدس. وفي هذه المرة أرغمته الكنيسة على أن يقرر علانية أن الأرض لاتتحرك على الإطلاق وأنها ثابتة كما يقول علماء عصره. ولم يهتم غاليليو لهذا التقرير العلني.

 

حصل غاليليو على إجازة التدريس في جامعة بيزا عام 1589 لتدريس الرياضيات. ولم يكن دخله من هذه الوظيفة كبير إلا أنه كان يقوم ييناء أجهزة وبيعها. كما اخترع ترمومترب ولكنه لم يكن ترمومترا دقيقا، ودرس حركة البندول واتضح له أن دورة البندول لا تعتمد على وزنه ولا على مقدار إزاحته عن موقع الاستقرار وإنما تعتمد على طول البندول. وشغلته تلك المسألة طوال حياته وكان يقكر طويلا، كيف يستغل تلك الحركة البندولية لاختراع ساعة تقيس الزمن.

 

ثم بدأ في دراسة حركة السقوط الحر من عى برج بيزا المائل مع اعتبار استنتاجاته من حركة البندول. وقام بعدة تجارب على البرج المائل حيث يشكل له معملا مائلا وكان يختبر سرعة انزلاق كرات من مواد مختلفة. تلك التجارب والملاحظات أوصلته إلى تعيين سرعات تلك الكرات المنحدرة ببطء على منضدة، وتوصل بالتالي إلى دراسة التسريع وتبين له أن التسريع والسرعة شيئان مختلفان، وصاغ السرعة والعجلة صياغة رياضية لأول مرة. وتفتح عقل غاليليو غاليلي على الفيزياء وأن الطبيعة تجري طبقا لقوانين يمكن صياغتها رياضيا، وكتب في كتابه المسمى "ساجياتوري" عام 1623 :

 

" توجد الفلسفة في هذا الكتاب الكبير، كتاب الكون، وهو مفتوح لنا باستمرار. ولكن لا يمكننا فهم الكتاب إذا لم نعرف اللغة التي كتب بها ولم نحاول تعلم الحروف المستخدمة في كتابته. إنه مكتوب بلغة الرياضيات ولغتها هي الدوائر، والمثلثات وأشكال أخرى هندسية، وبدونها فلا يستطيع الإنسان فهم حتى كلمة واحدة من الطبيعة والكون، وبدونها يضل الإنسان في دهليز كبير مظلم."

 

أما ان تجارب قام بها جاييو بإسقاط أشياء من على برج بيزا إلى أسفل فقد ذكر ذلك تلميذه فينسينسو فيفياني. إلا أن مخطوطات غاليليو لم تذكر شيئا عنها، وربما يعود ذلك إلى عدم وجود ساعات في ذلك الوقت للقيام بقياسات دقيقة. ويذكر المؤرخون أن مناقشة تجربة البرج الشهيرة عن غاليليو الخاصة بسقوط الريشة والحجر من على البرج إنما تعد كتجربة عقلية تفكيرية، ذكرها غاليليو في كتابه الأساسي "ديالوجو " بالتفصيل.

 

قام غاليليو غاليلي بتسجيل نتائج اختباراته في كتاب بخط يده يسمى De motu antiquiora الذي طبع بعد ذلك عام 1890. وكان فيه هجوما حادا على أرسطو الشيئ الذي أزعج زملائه المتحفظين في هيئة التدريس بجامعة بيزا، الشيئ الذي أدى إلى إخلاء طرفه من الجامعة عام 1592، واشتدت حالته المالية سوءا وعلى الأخص إذ توفي والده قبل ذلك عام 1592.

 

حكمت عليه المحكمة عام 1633 بأنه يعترض على ما جاء في الإنجيل، على الرغم معارضة غاليليو لهذه التهمة معللًا أنّ نظريته لا تعارض ما ورد في الإنجيل، وينقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام:

- اتهام غاليليو بالاشتباه بالهرطقة.

- حكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه الثائرين. وفي اليوم التالي خف الحكم إلى الإقامة الجبرية.

- منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة.

 

منذ ذلك اعتكف غاليليو غاليلي في بيته وأمضى به بقية حياته وحافظ غاليليو على عدم نقاش نظام كوبرنيكوس علنا. واهتم في عمله بدراسة حركة أقمار المشتري واتخاذها كأداة لقياس الزمن من أجل حل مشكلة خطوط الطول، ولكنه لم ينجح في تفسيرها. ثم حول التلسكوب إلى الميكروسكوب، وكان يراقب الأشياء بالمجهر مجرد مراقبة ولكن من غير اهتمام حقيقي.

في تلك الأثناء كتب غاليليو كتابا بعنوان "علمان جديدان". وفيه كتب عن الكينماتيكا وهي علم حركة الغازات، و"صلابة المادة " الذي مدحه أينشتاين كثيرا. [13] وسمي غاليليو غاليلي "أبو العلم الحديث". وأصابه العمى 1638 وكان يعاني من فتق مؤلم وأرق، فكان يسمح له بالسفر إلى فلورنس للعلاج.

 

ملحق: اعتراف الكنيسة
أدت محاكمة غاليليو غاليلي أمام محكمة الفاتيكان إلى مناقشات طويلة عبر التاريخ. في عام 1741 صدر تصريح من البابا بنديكت الرابع عشر بطباعة كل كتب غاليليو. وفي عهد البابا بيوس السابع عام 1822 أصدر تصريح بطباعة كتاب عن النظام الشمسي لكوبرنيكوس وأنه يمثل الواقع الطبيعي.

 

في عام 1939 قام البابا بيوس الثاني عشر بعد أشهر قليلة من رسامته لمنصب البابوية بوصف غاليليو "أكثر أبطال البحوث شجاعة... لم يخش من العقبات والمخاطر ولا حتى من الموت"

وفي 15 أكتوبر، قام الكاردينال راتزنجر (والذي أصبح لاحقا البابا بندكتيوس السادس عشر) في خطاب لجامعة لا سابينزا بوصف غاليليو "بحالة عرضية التي سمحت لنا ان نرى مدى عمق الشك بالذات في علوم وتكنولوجيا العصر الحديث.

 

وفي 31 أكتوبر 1992 قدمت الهيئة العلمية بتقريرها إلى البابا يوحنا بولس الثاني، الذي قام على أساسه بإلقاء خطبة، وفيها يقدم اعتذار من الفاتيكان على ما جري لغاليليو غاليلي أثناء محاكمته أمام الفاتيكان عام 1623. وحاول البابا إزالة سوء التفاهم المتبادل بين العلم والكنيسة. وأعاد الفاتيكان في 2 نوفمبر 1992 لغاليليو كرامته براءته رسميًا، وتقرر عمل تمثال له فيها.

وفي مارس 2008 قام الفاتيكان باتمام تصحيح أخطائه تجاه غاليليو بوضع تمثال له داخل جدران الفاتيكان. وفي ديسمبر من العام نفسه اشاد البابا بندكتيوس السادس عشر بمساهماته في علم الفلك أثناء احتفالات الذكرى ال400 لأول تليسكوب لغاليليو.

 

في نوفمبر 2008 تراجع الفاتيكان من جديد عن الحكم الذي كان قد صدر ضده من محكمة البابا عام 1632. على الرغم من أن البابا أوربان الثامن لو يوقع على الحكم الصادر من محكمة التفتيش آنذاك ضد غاليليو، فلم يكن البابا والكاردينالات مؤيدين جميعا للحكم.