رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع عشر

جلستُ على شرفة المنزل الذي انا فيه، تُطِل على القرية الخلابة في اليوم التالي. بعد أن وصلنا اليها قضينا الوقت كله في الاستراحة و لم أخرج مع دافني و إكسانا الى أية مكان.
الطريق من فالينيا الى أريزو أخذ منا كل طاقتنا و قوتنا لهذا كان النوم و تناول الطعام كل الذي احتجناه، أما في هذا الصباح التالي الجميل ذو الهواء المنعش أخذتُ فرصتي بالتمتع بالمنظَر.

انها قرية لا تنام، أغلبية مَن يسكُن بها يعملون أو يقضون وقتهم بالقُرب من الشلالات التي تُشبه القطن، يسبحون أو يستمتعون بالطبيعة من حولهم.
لو كان لدي الخيار لعشتُ هنا بينهم حتى قبل ساعة تقريباً، زاروني الجيران و معهم أطباق من الطعام اللذيذ لِلفطور و انا تناولته مع خادمتي و مُرافقتي بِسرور و سعادة.

منذُ حين و انا هنا على الشُرفة، أكواعي مُتكئة على حافتها الخشبية و جسدي مُنحني قليلاً أشاهد كل ما هو في الأعلى و الأسفل. عندما رفعتُ رأسي لِلسماء، لاحظتُ أنَ هنالك غيوم رمادية تتجمع فوق الأشجار ذات الأوراق العملاقة.
آوه لا، سوف تمطر مجدداً.
سيدتي؟ سمعتُ إكسانا من خلفي تناديني لأحرك رأسي الى ورائي أراها تقف مُحَلِقة بِجوار باب الشُرفة.
ما الأمر إكسانا؟
السيدة هِند هنا.

رفعتُ حواجبي بِتفاجئ لكون السيد هِند قد دخلت و معها امرأة أخرى لا أعرفها، تبدو أصغر منها سناً، ربما في الثلاثينيات ذات شعر بني فاتح مرفوع على شكل كعكة و عيون خضراء جميلة لِلغاية، نحيلة البنية، ترتدي ملابس من الأوراق و العروق البنية رقيقة اللمس، على ظهرها قوس مع سهامه.
ما الذي...

صباح الخير أنسة هاندسين، أتمنى اننا لم نزعجك بِقدومنا. قالت هِند لأبتسم لهما كلاهما و أهُز من رأسي أتقدم بضع خطوات نحوهم أدخل الى غرفة الجلوس.
صباح الخير سيدة هِند. لا لم تزعجونني، انا فقط كنتُ أتفرج و أشتم بعض الهواء المنعش.
أومأتُ هي بِتفهم لِترفع ذراعها بِخفة يغُطيها كم الفستان الطويل و الفضفاض تُشير على التي معها لِتقول
هذه سالاندي انها إحدى الصائدين المحترفين في قريتنا.

تشرفتُ بِحضورك الى قريتنا أنستي. قالت سالاندي بِترحيب لأومئ لها رداً على ذلك.
إن لم تُمانعي سؤالي، ما الذي يجري؟ انا سألتُ هِند بِحيرة من الأمر.
ابتسمت هي بسمة صغيرة مُجيبة
ظننت بِأخذك الى مكان جميل خارج قريتنا بما انكم سوف تقضون بعضة أيام معنا.
انا فقط؟
أومأت هي مرة واحدة لكن مَن شرحت لي أكثر هي سالاندي لديها صوت قوي مُقارنةً بِشكلها الناعم.

سمو الأمير و مَن معه ذهبوا مع قائدنا الى مكان أخر. كان سوف يأخذكِ انتِ ايضاً لكن سيدتي اقترحت فكرة أخرى من أجلك.
هذا رائع! طارت إكسانا بِتشوق إليّ تحُط فوق كتفي.
هل ستبقين واقفة أنسة هنادسين أم سوف تذهبين لارتداء شيء مناسب لِلرحلة؟ انها على حدود القرية و الغابة التي نحنُ فيها. سألتني هِند على وشك الضحك من شكلي شاردة الذُهن أفكر بِكلامهم عن الرحلة.

رمشتُ عليها أعود الى الواقع، أشعر بِوجنتاي متوَرِدة خجلاً قبل أن أخبرهم انني سوف أرجع اليهم بعد دقائق أنادي معي دافني حتى تساعدني بِأختيار الملابس المناسبة.
صعدتُ على الدرج الذي يقودني الى الغرفة في الأعلى فَلا وجود للأبواب، فقط الدرج و بعدها فوراً غرفة مفتوحة كاملاً مقابل الدرج السرير بأغطية ذات لون وردي فاتح جداً بدا من لون الدراق دافئ و على لوحه عروق خضراء و فيها بتلات زهور من نفس لون الأغطية.

علي يساري الحمام طبعاً مع باب، و على يميني، التسريحة و بِجانبها الخزانة.
سيدتي انتِ أخلعي ملابسك و انا سوف أخرج بعض الملابس. أخبرتني دافني تفتح الخزانة لأبدأ انا بِخلع فستان نومي الأبيض.
رأيتُ على السرير ثلاثة فساتين جميعها أنيقة و غالية الثمن لأرفع نظري على دافني التي تبدو متوترة تعلم أنَ أختيارها لا يتعلق بالتناسُب لِلرحلة بتاتاً.

هذا سيء. تمتمَت إكسانا تضحك لأخرج زفيراً من فمي و أذهب الى السرير أقرفص بِجانبه لكي أخرج من تحته صندوق فيه ملابس أعرف انها أفضل من الفساتين هذه المرة.
هذا أفضل بِشكل كبير. قلتُ أضع الملابس على السرير و يداي على خصري.
تحولت دافني مِن المتوترة الى الفرحة بِثواني وجهها يُشِع بِهجة.

و بِذلك وضعتُ هذه الملابس على جسدي لأذهب و أنظُر على نفسي في المرآة أجد أنَ القميص الأسود بِفتحة صدر بسيطة و فوقه معطف أحمر قرمزي طويل يصل لِلركبة و معهم بنطال أسود و جزمة سوداء طويلة، أفضل حقاً من مئة فستان.

لقد مرت فترة طويلة منذُ أخر مرة ارتديتُ فيها شيء كَهذا، لقد مرت العشرون سنة؟
شيء من هذا القبيل، الشعور بالحرية أثناء التحرك و الراحة لا مثيل له مع أنَ الفساتين في هذا العالم تختلف عن الفساتين في عالم البشر.
التي يصنعونها هنا أكثر مرونة و عصرية ليس لها أقفاص حديدية ترتديها أسفلها كلي تبدو كبيرة كما نفعل نحنُ البشر، إلا انني اشتقتُ لِلحرية بالحركة مهما كان ما ارتديته من فساتين.

تركتُ شعري المموج منسدل خلف ظهري لِتضع دافني عقد حول رقبتي قرمزي الجوهرة.
ألتفتُ اليها بِحاجب مرفوع لِتبتسم هي تلمس العقد.
لمسة لطيفة خفيفة على الزي سيدتي.
شكراً لكِ.
هيا بنا لِنذهب! صاحَت إكسانا تطير لأسفل الدرج لا تسطير على حماسها.
تحركتُ مع الخادمة الى الأسفل أجد هِند و سالاندي يقفون من على الأريكة عند رؤيتنا، تحوم عيونهم على ما ألبسهم قبل أن ينظروا لي في العينين.

أتمنى انني لم أرتدي شيئاً قد اعتقدتُ انه ما أرادوه من البداية.
تبدين فاتنة حتى بأبسط ما تضعيه عليكِ أنسة هاندسين. أخبرتني هِند تلمس خُصلة من شعري لترتسم بسمة لا إرادية على شفتاي أحس بِأكتافي ترتخي.
نعم انا أوافقها الكلام. أضافت سالاندي لأشكرهما سوياً على كلامهم اللطيف.

بعدها خرجنا من دون تضيع المزيد من الوقت الى الهواء الطلق أرى أنَ السحاب الرمادية تختفي رويداً رويداً مع انها كانت متجمعة توشك على نشر أمطارها الغزيرة.
هذا غريب، كيف لها أن تهرب قبل أن تملئ كل شيء بِمياهها؟

لدى كبيرنا القُدرة على التحكم في المطر و اليوم يوم مميز لهذا لن يكون المطر أزعاجاً لنا. أخبرتني سالاندي تقرأ أفكاري و نحنُ نمشي فوق جسر أخَر و ليس الذي تحت الأصلاح يأخُذنا الى مجموعة منازل صغيرة كالتي في كل مكان.
اننا في أعلى القرية في الأشجار الضخمة ننزل للأسفل بالمشي فوق جسور عديدة.

كبيركم؟ مَن يكون و لما اليوم مميز؟ انا سألتها بِفضول.
كبيرنا أو كما يُناديه البعض، الحكيم و هو رجل كبير السن يساعدنا بأبقاء القرية أمنة بِسحره و يعلم عن تاريخ العوالم كلها انه محترم من قِبَل الجميع و الجميع يحبونه جداً و يأخذون بِنصائحه.

همهمتُ متفهمة لأني أذكُر انني في قريتي في عالمي كنا نمتلك حكيماً كما وصفته سالاندي و كنا دائماً نذهاب اليه لكي نسمع قصصه عن الكثير من الأشياء و الأشخاص لكن كانوا عائلاتنا تعتقد انه مجنون و يجب نَفيه من القرية بعدما بدأ بِأخبار الأطفال عن وجود عالم ثاني غير عالم البشر.
لهذا توقف الكثير عن رؤيته حتى أختفى و لم يَعُد له أثر.

أتمنى انه بخير لأنني لم أصدق يوماً انه مجنون بل مَن هُم حوله كانوا، لأنَه محق، يوجد عالم ثاني غير عالمنا و انا أعيش فيه الأن.
و بالنسبة لِليوم المميز؟ تساءلت إكسانا تُعيدني الى الحديث الذي شردتُ عنه.
آوه في كل سنة، يوم واحد فيه نجلس معاً في وسط القرية في المساء حول نيران مُشعلة لكي نأكل سوياً و نستمع لِقصص كبيرنا. أجابتها سالاندي من نبرتها لاحظتُ تحمسها من هذه اللحظة تجعلني أتحمس معها.

ولكن هذا ليس ما يميز اليوم. قالت هِند تنظُر لي بِطرف عينها و نحنُ ننزل درج أمامنا أطفال يُلقون كرة مصنوعة من الخشب بين بعضهم و يوجد مخلوق بيلافي يطير لكي يمسك بها يحاول أخذها منهم.
ما هو إذاً؟ انا سألت أميل رأسي على جنب.
في هذا اليوم بالذات سوف تزورنا مخلوقات النور.
ما هي مخلوقات النور انا لم أسمع عنها من قبل.
توَسعت بسمة سالاندي تنظُر لأمامها لِتقول.

انها مخلوقات تشبه حشرات الليل التي تملك ضوءً في مؤخرتها في عالمكم البشري لكن ما يُميزها عن التي لديكم هو انها تُحقق الأماني و تأتي لِتزور قُرى كثيرة في مملكة أريزو و مِن حظكم انهم قادمون اليوم.
واااو. شهقت إكسانا تضع يدها على فمها بينما انا فقدتُ قدرة التعبير أرمش على جانب وجهها مندهشة.
حشرات ليل تُحقق الأمنيات.
أمنيات،؟

هل هذا ممكن حقاً أم انهم يمزحون؟ لأن المزاح غير ظاهر على وجوههم لهذا لم اسأل أو أتحقق من الأمر يبدو أنَ عليّ معرفة ذلك بِنفسي اليوم مساءً.
صباح الخير سيداتي. قال رجل ما يَحني رأسه مُمسكاً بِطرف قبعته الخضراء و يحمل صندوقاً يمشي بِعكس اتجاهنا.

صباح الخير جوني. ردت عليه هِند و أكمل كُلاً منا طريقه و بعد دقيقة سريعة فعل رجل أخَر نفس الشي و امرأة ايضاً و ظل ذلك يستمر أجِد انهم لطفاء يُرَحِبون بنا كلما رأونا و يسألون عن أحوالنا حتى انا مع انني لا أعرفهم و هم لا يعرفونني.
فعل لذلك بالنسبة لهم عادي و طبيعي جداً إلا انني شعرتُ بِسعادة كبيرة بِداخلي أبتسم لهم و أرُد التحية فَهذا لا يحدث في القصر إلا مع القريب مني.

أبسط الأشياء تُسعِد أكثر من غيرها فيها جمال مختلف تَحفُر ذكرياتها بِك يُصعِب عليكَ نسيانها.
مِن هذا الطريق. أخبرتني سالاندي حتى نسلُك جسراً على اليمين لكي نصل الى أسفل القرية أقدامي تَحُط بعدا فوق عشب أخضر مبتل من المطر الذي لم يتوقف البارحة.
أكملنا طريقنا على جانب القرية و ليس فيها تماماً، خلف الأشجار و المنازل لأتعجب من ذلك فأننا ندخل الى قلب الغابة الأن و نترك القرية ورائنا.

أمسكت سالاندي لِسببٍ ما قوسها بيدها اليُمنى ثم باليُسرى سهم لأتبادل النظرات مع دافني و إكسانا.
هل من خطب ما سالاندي؟ انا سألتها أقترب منها من أجل الأمان فَهي ظلت تحرك رأسها في الأرجاء و في عيونها الخضراء عزم و حذر.
لا تخافي يا أنسة، انه شيء تفعله من أجل سلامتنا جميعنا. فور خروجنا من القرية يعني اننا خرجنا عن إطارة السحر الذي يحميها من اية مخلوقات و دُخلاء. بررت هِند بِهدوء.
الى اين نحنُ ذاهبون؟

الى مكان سوف يخطف عقلك لِمُشاهدة مخلوقات الرينجا.
و ما هي هذه المخلوقات؟
طارت إكسانا من على كتفي الى كتف سالاندي ترُد على سؤالي بدلاً من الأخرين
انها شهيرة في مملكة أريزو أكثر من اية مملكة أخرى. انها ثعالب أليفة تتغذى على الأعشاب و الحشرات السحرية.
يبدون لطفاء جداً.
أومأت إكسانا توافقني الرأي لتجلس و تضع ساقاً صغيرة فوق الثانية ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف تعرف إكسانا عنهم؟

يبدو انها تدرس من وراء ظهري عندما أختفي أو أطلب منها بعض الوقت بِمُفردي، هذا ممكن.
انها نادرة و نحنُ نُحافظ عليها و نهتم بها حتى لو بِطُرق غير مباشرة لأنها حساسة و تخاف على نفسها مِن الغرباء. قالت هِند قبل أن نَمُر من جانب شلال صغير عنده أهل القرية يسبحون مع حيوانات أعتقد انها خاصة بهم.
مُبهِر...

هل هنالك ما يُميزها عن غيرها، عجباً؟ انا سألتهم ثلاثتهم معاً لأني الوحيدة التي لا تعرف عن مخلوقات هذا العالم كلها.
كان يجب أن اقرأ عن مملكة أريزو أكثر لكي أكتشف ما فيها من عجائب مثل باقي الممالك فَهذه المملكة تحديداً لقبها الطبيعة الأم و من المنطقي تسميتها به.

نعم، إن زودها اية جني بِقوته باستطاعتها التحول الى ثعالب أكبر حجماً تمتلك القوة ذاتها التي تم تزويدها بها و تُصبح مُخلصة لمن معها. أجابتني سالاندي القوس و السهم في يديها على جانبها.
فالينيا مملكة الربيع فيها طبيعة و ألوان ليست موجودة في أريزو لكن هذه المملكة خضارها يخطُف الأنفاس و فيها أشياء و مخلوقات خاصة بها فقط ربما ليس لديها مخلوقات الرينجا لكن لديها أيضاً ما تتميز به.

دخلنا منطقة فيها الهدوء أكثر من قبله. منطقة مفتوحة لِلسماء أعلانا لكن ما جعلني أحبس نفسي يَعلَق في حلقي و عيوني تتبحلق هو جمالها.
هنا الأشجار بِأوراق أصغر و قصيرة على أشجار لها أعشاب تنمو على جذوعها بِكلا اللونين، الأخضر بِأنواعه و الأحمر بأنواعه.
الجذوع منها المُنحني، منها المُلتَوي و أشكال لا تشبه التي كنتُ أنظُر اليها منذُ دقائق أو كالتي تُحيط القرية.

في طرف عيني رأيتُ نباتات طويلة تُضيء أحمر و منها أزرق فاتح و فاقع جداً تنمو بين الأشجار أو لوحدها في الخلاء و في بركات المياه الصغيرة، فوق سطحها تطفوا أوراق شجر و ضفادع ملونة عليها عروق بارزة صفراء، حية.

يا للهول، تمتمتُ بِصدمة أشعر انني في عالم غير الذي كنتُ به.
هل تعيش مخلوقات الرينجا هنا؟ لأنه يبدو خطير. انا سألت عيناي تنظُر على كل شيء بِتمعُن عقلي لا يستوعب ما أراه.
كل شيء خارج عن نطاق الخيال بِمُستويات.
نعم، انها تُفَضّل العيش في مناطق فيها كل ما تحتاجه من طبيعة و سحر. أجابتني هِند لأسمع من حولنا زقزقة عصافير و رياح خفيفة تحرك من أوراق الأشجار و النباتات الملونة قليلاً.

أتساءل ما الذي تُخبئه هذه الغابة خلف الكثير من الطبيعة الجاذبة و ما هي أسرارها لأنني متأكدة انها تمتلك الكثير منها.
لقد أقتربنا. أخبرتنا سالاندي سهمها قريب من قوسها لكنها تمشي بِاستقامة ظَهر و خطوات ثابتة لا صوت لها.
فجأة رأيت شيء ما صغير بِذيل طويل لِلغاية يقفز فوق جذع شجرة على الأرض ينمو عليه الفطر و عَفن الغابة.

توقفنا جميعنا بِردة فعل و انا دمائي تجمد في عروقي، ننظُر لبعضنا بِدهشة. ظهرت بسمة على طرف فَم سالاندي تُكمل مشيها.
نحنُ في المكان الصحيح. قالت هي تقودنا لِنتبعها، انا أقترب من هِند التي تبدو بِحالة غير خائِفة أو مكترثة.
أعني هي على حق، انها تعيش في غابة فَما الذي يجب عليها الخوف منه؟

أما انا فَلستُ معتادة على الأمر لهذا توَخي الحذر و البقاء بالقُرب منهم واجب كي أحافظ على سلامتي فَسالاندي لا تحمل أسلحتها من دون سبب.
انهم هنا. هَمست سالاندي تُقَرفِص لِكي تجثوا على ركبتيها القوس و السهم مُنخفضين لِمستوى جسدها.
ما الذي-- أردتُ سؤالها لِتضع أصبعاً على شفتيها تجعلني أغلق فمي.
أشارت بِيدها لِجانبها لكي نجثوا نحنُ ايضاً على الأرض مثلها نختلس النظر من فوق جذع الشجرة على شيء ما.

ما الذي ننظُر له بالضبط؟ سألت دافني مِن جانبي لكن لم يجبها أحد بل عَم صمت قصير بيننا نراقب بِسكون أمامنا نهر و من حوله مثلما هو مِن حولنا.
هناك! همست سالاندي تُشير بأصبعها السبابة على مخلوق حجمه من حجم كلب الأمير أيكس تقريباً يخرج من وراء صخرة.
رمادي و أسود الجلد له أذُنين طويلة و ذيل طويل بِطول شخص كامل، يجره ورائه و على ظهر الصغير نباتات خضراء تصل من بداية جسده حتى نهايته.

هل، هل هذا مخلوق الرينجا الذي أخبروني عنه؟ لأنه يبدو حقاً كالثعلب من عالم البشر عدا أنَ الذي لدينا، برتقالي و أسود اللون له ذيل ليس بطول ذاك و هو مُفترس أكِل لِلحوم.
هذا المخلوق، أكثر لطافة شكلاً و تصرفاً.
يا اللهي، انه أجمل ما رأيت. همست إكسانا بِصوتها الضئيل تطير لِتجلس على جذع الشجرة تتأمل الرينجا.
هل بأمكاننا لمسها؟ سألت دافني أراها تُمسك نفسها من الركض اليها و أخذها معها للاحتفاظ بها.

فتحت هِند فمها حتى ترُد عليها لكن قاطعها ظهور المزيد من الرينجا من وراء نفس الصخرة يقفون لكي يأكلوا النباتات المُضيئة و منها يلاحق فراشات تُرَفرِف بِجناحيها الرائعة.
كأجنحة سوداء ضخمة و ليس هنالك مثلها يملكها شخص وس--.

من المُمكن الاحتفاظ و الاهتمام بها لكنها لن تعيش طويلاً لأنها لن تكون في بيئتها التي تنتمي لها. قالت هِند تبتسم على شكل واحد منهم يتقاتل مع أخر ينقلبوا على ظهورهم فوق العشب تجذب انتباهي.
هذا مُحزن. إكسانا قالت بِحزن.
انظروا! أخبرتنا سالاندي لِلننظُر على واحدٌ منهم النباتات على ظهره تُشِع بالضوء الأخضر ليخرج بعدها صوتً من صدره كالتنهيدة الطويلة.

توقفت الرينجا إثر ذلك تحدق به ثم انضمت له، ظهورها تُضيء و نفس الصوت يُصدَر من صدورهم، يُغمضون عيونهم و يحنون رؤوسهم.
ما الذي يجري؟ انا سألت لا أحَد بالتحديد مُعقدة الحواجب.
انها تُرَحِب بِقائدتهم العظيمة. ردت سالاندي.
لِدهشتي خرجت قائدتهم من فوق الجبل الذي أمامنا بدت أكبر حجماً لديها نفس الشكل لكنها بيضاء اللون و عيونها ليست سوداء بل زرقاء.

توسعت عيناي على روعتها، بِنفس اللحظة توقفت أصوات الرينجا التي تُنادي فيها قائدتهم بعدها رفعوا رؤوسهم لها.
لقد أتت لكي تخبرهم أنَ عضو جديد سوف ينضم لهم. شرحت هِند ما يحدث لأرفع حاجباً للأعلى على ما تقصده.

مخلوقات الرينجا تُنجب الأطفال بالتزاوج كَأغلبية الحيوانات ولكن قائدتهم لا، انها نادراً ما تُنجذب طفلاً من السحر الذي تتلاقاه من هذه الغابة. أضافَت سالاندي تضع يداً أسفل ذقنها تتوقف لِلحظة قبل أن تُكمل قائلة
انها تنجب طفلاً كل عشرة سنوات.
كما أخبرتكِ من قبل، اليوم مميز و انتِ محظوظة بِتواجدك معنا لِرؤية نوادر الطبيعة. قالت هِند نبرتها سعيدة كأنها هي التي تشهَد كل شيء لأول مرة بدلاً عني.

ابتسمتُ على سعادتها ثم أعدتُ تركيزي على الرينجا.
لِسببٍ لم أعرفه بعد، ارتفعت أذان الرينجا للأعلى في حالة أنذار و رؤوسها بعد ذلك، لِتنظُر الى خلفها، علينا، عيونها الحالكة متوَسعة.
كيف عرفت بِوجودنا؟ دافني سألت الحيرة تملئ وجهها مثلي.
انها لا تنظُر لنا نحن، تمتمَت سالاندي تستدير الى الخلف تُمسك بِقوسها و السهم بِسرعة كبيرة.
لا تتحركوا! صاحت بِهمس مِن بين أسنانها تجعلنا مَذعورين.

ما الخطب سالاندي؟ سألتها هِند بِعزم.
قبل أن تجيبها، ركضت الرينجا مُسرعة من حيث أتَت و قائدتهم الجميلة حدقت بي انا، عينيها الزرقاء كلون البحار تحدق بي، كما لو انها ترى الذُعر مرسوم فيني.
سمعتُ فجأة صوت عميق جداً من خلفي، يعود لِحيوان ما، لستُ متأكدة ما نوعه ولكني متأكدة انه ليس حيواناً أليفاً كَالرينجا.
أستديري أنسة هاندسين لكن بِحذر و بُطء شديد. أخبرتني هِند تضع يداً على كتفي لأفعل ما أمرتني به.

و ندمت على الفور، لأنَ الذي يُخرِج ذلك الصوت العميق و المخيف ليس صغيراً أو لطيف الشكل بل سيء، سيء لِلغاية يجعل من نبضات قلبي تتسارع، أشعر بها تكسر قفصي الصدري.
و كل الدماء أختفى من وجهي أعلم انه شاحِب لا لون له.
أهدئوا أرجوكم و لا تتصرفوا بِتهور و ألحقوا بي و إن أمرتكم بالهرب، سَتُنصِتون لي على الفور. أخبرتنا سالاندي تضع سهمها في قوسها تستعِد.

مواجهاً لنا مباشرةً، حيوان ذو عضلات قاسية بأربع أرجُل، أخضر، لا لا، بل مُلَوَن بألوان عديدة لديه مَخالب حادة مثل أسنانه و أجنحة لِلغرابة ليست من حجمه.

هل تُمازحونني؟..
فتح الحيوان أو الوحش، فمه، صوته العميق أصبح أقوى و لعابه المُقَزِز يسيل منه، ظهره منحني أعلم جيداً انه يُفَكِر بالتهجُم في أية لحظة إن تحركنا.
سيدتي، وَجَّهت سالاندي كلامها لِهند فَنظرت لها المرأة تنتظِر ما ستقوله تالياً
عند إشارتي أستدعي جذور الشجر من أسفله ثم خُذي الباقي و أهربوا و لا تتوقفوا أبداً.
حسناً.
لكن ماذا عنكِ؟ سألتها دافني قَلقة.

انها مُتدربة و محترفة بِقتال وحوش مثله، سوف تتصرف معه كي تفتح لنا طريقاً. أخبرتنا هِند بِثقة من أمر سالاندي لنومئ متفهمين نتحضر لِلقادم.
هذا ليس ما توقعته في هذه الرحلة التي كان من المفترض أن تكون مُسالمة و جميلة.
لا أندم على رؤيتي لِلرينجا و مُمتنة لأخذهم لي حتى أراها ولكن هذا المقطع ليس ما تمنيته و لم يخطُر على بالي فَحسب.

نهضت سالاندي على ساقيها قوسها أمامها لتسحب السهم و تنتظِر. أخرج الوحش زئيراً قوياً، صوته رنين في حاسة سمعي التي سأفقدها إن أعاد نفس الزئير.
الأن! صرخت سالاندي بالثانية التي ركض فيها الوحش نحونا لِترفع هِند ذراعيها في الهواء تُخرِج من الأرض و أسفل الوحش جذور الشجر العملاقة لِتلتَف حول ساقيه تحمله عن الأرض.
هيا بنا يا أنسة! أمسكت هِند بيدي لأمسك انا بيد دافني و أخبر إكسانا باللحاق بنا.

ركضنا نحنُ بأسرع ما يمكننا أو إن أصح التعبير، انا مَن ركضتُ بأسرع ما لدي. لأنني لستُ مِن جنسهم و لا أملك قوة سرعتهم الخارقة لهذا اضطروا بالتباطؤ من أجلي.
ركضنا من جانب الوحش الذي يُحارب الجذور بأسنانه القاطعة، يُمزقها من على ساقيها بِسهولة يقطع معها الهواء مِن دخول صدري.

كان عليّ الركض من دون فعل أية شيء أخَر إلا انني لم أقدر على النظر لِلوراء أجد سالاندي تقفز في الهواء تُطلق سهماً على وجه الوحش لكنه تَحرر من الجذور و تفاداه ليَتهجم عليها يُلقي بها على الأرض و قوسها ايضاً.
شهقتُ انا أحاول أخبار هِند لكنها توقفت في مطرحها مُتجمدة لأرتَطِم بِظهرها أخرج أنيناً.
آوه لا هذا سيء، سيء جداً. قالت دافني تسحبني الى الوراء لأرفع رأسي أقابل توأماً لِذلك الوحش.

نفسه، صوتً عميقاً من صدره يُرسِل قشعريرة بأرجاء جسدي يَرُج من عظامي.
يقترب منا خطوة وراء الأخرى و نحنُ نعود أدراجنا بِبطء بعيداً عنه.
اللعنة. همست إكسانا تطير لأمام وَجهي لأمسك بها من أجنحتها.
لا تُفكري بالأمر حتى.
لما لا سيدتي؟
لأنكِ لن تقدري عليه لوحدك. أجابتها هِند تنظُر لنا بِطرف عينها.
اليكم الخطة، أكملت هي تُعيد عيناها على الوحش.

انا سوف ألهيه و عندما أخبركم، انتم أكملوا و أهربوا الى القرية من دون توقف مهما كان السبب.
لن ندعكِ بِمفردك.
هذا أمر أنسة هاندسين.
دعيني أساعدك إذاً. تقدمت دافني لها.
حدق الجميع بها مُتعجب.
و ما هي قوتك؟ سألتها هِند.
ابتسمت دافني كأنها سألتها أغبى سؤال في العالم لتُمسك المِشبَك الذي في شعرها الفاتح ثم سحبته منه كي ينسدل كله على ظهرها لأول مرة أراه ليس مُرتباً فوق رأسها.

لطالما أبقت شعرها مرتب و مربوط لم تفرده يوماً.
انه طويل لِلغاية، حريري كأنه مياه تجري على ظهرها، أطرافه تلامس الأرض عند قدميها لكني مازلتُ لم أفهم قوتها.
لدي شعر قوي. قالت دافني و كَما لو أنَ شعرها يسمعها، بدأ يتحرك في الهواء يتجزأ الى خُصلات كثيفة مُتفرقة عن بعضها.
تخيلتُ نسمة هواء تلعب به تجعله يطفوا من حول رأسها.
يا اللهي، ما الذي أراه اليوم من عجائب؟

جيد جداً. ابتسمت هِند تُعيد تركيزها على الوحش و لعابه يسيل على العشب المسكين.
سيدتي، أختبئي خلف شجرة. أخبرتني دافني لأومئ انا و أهرب الى وراء شجرة مع إكسانا.
ركض الوحش اليهما مُسرعاً عيناي لم تلحق به لِترفع هِند أذرُعها للأعلى تُخرِج من أسفل الوحش جذور كما فعلت سابقاً تُمسكه من أقدامه تجعله يُحلق في الهواء لتتقدم دافني و تدع من خُصلات شعرها الحريرية تتحرك نحوه كأنها حبال.

التَفَتْ حول جسده العضلي بِقسوة تخنقه، أخرج الوحش زئيره المرتفع يتألم و انا وضعتُ يداي على أذُناي أحميها من الصوت.
ولكن الأمر لم يدوم مُطولاً لأنه أستطاع بِجناحيه أن يُحلق الى الأعلى أكثر و أكثر حتى لم يَعُد شعر دافني قابل لِلمَط أكثر. مع الأسف اضطرت هي بأفلاته و إعادة شعرها اليها أما الجذور تَمزقت بأسنانه الحادة.
لا! صحتُ بِرعُب عندما تَحَرَر منها.

وقع هابطاً على أربعته ليركض مجدداً الى، الى، يركض إليّ انا؟
لماذا انا أصلاً؟ الم يعثر على شخص من حجمه غيري انا؟
اللعنة! قلتُ تحت أنفاسي أرجع بِخطواتي الى الخلف.
أركضي سيدتي! صرخت لي دافني لألتَفِت و أركض.
علي طريقي التقطتُ عصى بأشواك من على الأرض عندما رأيتها على الفور بما أنَ ليس لدي قوة خارقة مثلهم لِلدفاع عن نفسي فَهذا كل ما لدي.

قد لا ينقذني لكني لن أموت بِشكل تافه و سخيف لأنني لستُ ضعيفة ولكن، أممم الموقِف لا يسمح لي بالموت كالأبطال.
أحسستُ به يقترب أكثر و أكثر مني و رأيتُ أمامي جِداراً ما أو جدار جبل و هذا يعني انه طريق مَقطوع إن لم أسلُك غيره بسرعة، سوف أوَدع الحياة.
أردتُ فعل ذلك و لكن الوحش قفز من فوقي ليَهبُط مُقابلي تماماً يجعلني أتجمد في مطرحي يمنعني من الذهاب في أية طريق أخر.

سيدتي ما العمل؟ سألتني إكسانا لأنظُر لها أرمش ضائعة لا فكرة لدي فَعقلي لا يعمل و جسدي يرفض الاستماع لي.
دعيني أساعدك. أخبرتني إكسانا أعلم انها سوف تستخدم قوتها لكنها أضعف منه و لن تقدر على شيء أكبر من حجمها بأضعاف.
أنسة هاندسين! صُراخ خادمتي و هِند جعل أمَل صغير ينمو بداخلي لكنه ليس كافي فَهذا الوحش قريب و هُم بعيدون بينما سالاندي تقاتل الأخَر.
ما العمل؟
ما الذي يمكن فعله؟

لأول مرة في حياتي أتمنى انني لستُ بشرية، أو على الأقل لو أمتلك قوة تحمينا جميعنا، لما كنتُ أقف ضئيلة و حائِرة لا خيار لي عدا تقبُل مصيري.
لم أتخيل موتي بين طواحن وحش ابداً.
سيدتي؟ عادت إكسانا تسأل.
بلعتُ ريقي و مسحتُ عرقي من على جبيني لأفتح فمي كي أخبرها بما أفكر فيه.
لكن لم أستطع أخراج حرفاً لأنني رأيتُ مخلوق أبيض رأيته من قبل يقف على حافة الجبل و ينظُر الينا من فوق.

انتظروا لحظة، لديه عيون زرقاء تلكَ العيون الزرقاء التي حدقت بي. انها قائدة الرينجا.
فتحَت فمها الطويل تُخرِج نفس التنهيدة التي سمعتها مِن أتباعها لكنها ليست تنهيدة رقيقة و جميلة، بل خَشِنة كَصوت صافِرة.

توقف الوحش قليلاً لكي ينظُر الى الأعلى أذُنيه تتحرك كَردة فعل عل ما يسمعه بِنفس اللحظة ظهرت الرينجا من خلف أشجار و صخور عيونها السوداء تُضيء و النباتات على ظهرها تُشِع بِنفس اللون مع انها خضراء و ليست سوداء.
ما الذي يحدث بِحق السماء؟

أخذتُ خطواتي بِبطء الى الخلف لا أبعِد عيناي عن الوحش ليُرجع تركيزه عَليّ لا يهتم لِلمخلوقات الصغيرة التي تُحيطنا يعتقد انها لن تؤثر على خططته بِتناول فريسته التي تكون انا.
لم ألحق بِالرمش بِجفوني و إذ به يتهجم عَليّ رفعتُ يدي التي تحمل العصى بأشواكها المُتعددة لأجده يحلق بعيداً عني الى يساري، يقع على الأرض دماء خضراء تُغادر المنطقة التي ضُرِبة عليها.

تبحلقت عيناي بِصُعق ثم حركتُ رأسي أرى مجموعة من الرينجا تقف بِجانب بعضها ذيولها مُتوحِدة على شكل كُرة عملاقة ذات أشواك.
لقد، لقد دافعت عني.
نهض الوحش بِضُعف على قدميه زئيراً يَخرُج من فمه لتصبح هذه المخلوقات التي ظننت انها بريئة اهتمامه الأول بدلاً مني.
سيدتي دعينا نذهب. أخبرتني إكسانا تَسحبني من أصبعي لأومئ أعود الى هِند و دافني اللذان يُشاهدان بِصدمة مثلي.

ركض الوحش نحو الرينجا يترك أثراً من دمائه الأخضر خلفه لِترتفع ذيولهم على شكل الكُرة تبرُق باللون الأسود من حولها هالة بنفسجية كالدُخان.
قفز الوحش عليهم أسنانه مستعدة للالتِهام لكن لا فائدة فَهم معاً أقوى ليُصيبوه في الوجه و لأنَ الكُرة كبيرة و أشواكها من حجمه قُطِعَ رأسه عن جسده يقع على الأرض و يتدحرج الينا.
راقبتُ تدرجه الى أن وصل لأمام أقدامنا، عينيه مُنفتحة مثل فمه و دمائه يَخلُق بركة من حوله.

سمعنا صوت زئير من خلفنا قادم لِنلتَفِت نحوه نجد أنَ على جسد الوحش الثاني حُفَر كثيرة و سهام في كِلتا عينيه، سالاندي تقف تلهَث عنده و دمائه يملئ ملابسها و وجهها.
أعدتُ نظري على رأس الوحش ثم على الرينجا التي عاد شكلها الى الطبيعي كما كانوا، يحدقون بنا لكني أشحتُ بِعيناي على قائدتهم التي تقف على حافة الجبل لوحدها شامِخة و قوية بِظهورِها فقط.

بدأو الرينجا بالتحرك عائدون، مهمتهم انتهَت بينما قائدتهم بقيت في مكانها و عندما تقابلت عيناي بها أحنَت رأسها تُغمض الكريستالات الزرقاء التي لديها كأنها تومئ لي.
لم أعرف ماذا يجب فعله عدا انني أومأتُ لها بالمُقابل. رفعت رأسها ثم ذهبت تختفي خلف حافة الجبل.
هل رأيتم ما فعلته؟ سألتنا دافني مُندهشة شهدت على ما جرى.

انها تحمي مَن هُم أضعف من الأخرين، لم تَجِد قتال ذلك الوحش عادلاً مع الأنسة هاندسين. شرحت لنا هِند تضع يداً على صدرها، مكان تواجد قلبها.
انها مخلوقات رائعة بِحق. قالت إكسانا.
نعم انها كذلك، انتِ محظوظة لِلمرة الثالثة يا أنسة. ظهرت سالاندي تتنفس بِصعوبة قوسها على ظهرها.
نعم، انا مَحظوظة. وافقتها بِلسان مُخدر.

أخذتنا سالاندي الى الشلال الذي يسبحون فيه أهل القرية مع حيواناتهم الأليفة، انها مَنطقة فيها أوراق شجر قليلة و أشعة شمس كثيرة.
بدلاً من العودة الى القرية، قررنا زيارة هذا المكان و الجلوس على جذع شجرة بِجوار البحيرة التي يسقيها الشلال من مياهه. أشاهد الأطفال و الكبار يسبحون معاً يستمتعون في هذا الوقت لا يعرفوا اننا كُنا نقاتل وحوشاً مفترسة منذُ قليل.

علي الأقل هنالك مَن ليس لديه خوفاً أو قلق أو مُتعب عضلاته تصرُخ ألماً أو قلبه كادَ أن ينفجر.
أحتاج الاستحمام بعد عودتنا. كسرت سالاندي الصمت بيننا تضع قوسها على الأرض بِجانب قدمها اليُسرى مُتنهدة.
أخرجت هِند قهقهة من حلقها قائلة
لقد كنتِ ممتازة ضِد ذلك المفترس.
حركت سالاندي يدها في الهواء تبدو خجلانة من مدح سيدتها
فعلتُ ما تدربتُ عليه لِسنين سيدتي ولكن لولا وجود الرينجا لفات الأوان.

هذا شيء يحدث مرةً في العمر، لم نكُن ابداً لنتوقع ظهور تلكَ الوحوش على الأطلاق.
ألا تعيش هنا؟ انا سألتهم أمَرِر أناملي بين شعري الذي تجعد أعلم انه يبدو كَعش الطيور.
بلى لكنها لا تظهر في مكان وجود الرينجا لهذا تفاجأت عندما رأيناها. أجابت هِند عاقِدة الحواجب من لون شعرها الرمادي لكنه أغمق.
هل سوف تخبرين القائد سيدتي؟ سألتها الصيادة تُرَكِ أكواعها على ركبتيها.
هَمهَمت هِند لِتومئ بِرأسها.

يجب عليّ أخباره كي نتوخى الحذر في المرة القادمة التي نغادر فيها القرية و من أجل القرويين ايضاً، سلامتهم تهمنا.
صحيح. أضفتُ أذكُر الرعب الذي خُضناه فأنا لا أتمنى من اية أحد خوض نفس التجربة لأنها خاطفة لِلدماء و الروح.
ليتَ أحدٌ أعرفه معي في هذه اللحظة، لكنتُ شعرتُ بالأمان أكثر، القريب مُختلف عن الغريب. مايكا مثلاً فَهو الأقرب لي أو فينار، أو سمو الأمير أو اياً كان أعرفه جيداً.

اين هو على اية حال؟ لم أراه طوال اليوم.
لقد سمعتُ انكِ عشتِ في أريزو لفترة قبل انتقالك الى أسليرا. قطع سؤال سالاندي حبل أفكاري لأنظُر لها.
حككتُ رقبتي أحِس بالنبض فيها، مُترددة بالإجابة، هذا السؤال أعاد ذكريات كثيرة أكثرها ذكريات في أسليرا.
ذكريات أتمنى نسيانها للأبد.
ن-نعم، كنتُ أعيش لكن في قصر الملك تيريان.
انتِ متزوجة؟

رمشتُ عليها عِدة مرات لأسمع إكسانا تُصَفي حلقها من مكانٍ ما. لم أعرها أي انتباه كي أجيب على سؤال الصيادة
لا، لكني مَخطوبة من اليَد اليُمنى لِلملك فالين، يُدعى مايكا غريموري.
رفعت هي حواجبها باستغراب.
غريموري؟ اليسَ أسم عائلة معروفة في مملكتنا؟
انه كذلك، عائلته قريبة من الملك تيريان على ما أعتقد، انها من الطبقة الغنية.

ظلت تحدق بي ملامحها لا تتغير كأنها لا تصدق تفتح فمها ثم تغلقه بِشكل مُتَكَرر كالسمكة عند خروجها من الماء.
توقفي عن التساؤل سالاندي، هذا ليس من شأننا مَن يكون أو لأية عائلة ينتمي. أخبرتها هِند تمنعها من التفوه بِما يجول في خاطرها لتومئ هي تُدير نفسها على البركة التي يسبحون فيها الجميع.

لا بأس هِند، انا قلتُ لهما أحدق بِيداي فوق حضني أرى إكسانا تحلق إليّ لتَحُط فوقهم تنظُر لي بِعيونها الكبيرة الجميلة تعلم ما أشعر به.
باختصار، كنتُ أعيش في أسليرا بعيدة عن خاطبي و لأنَ المسافة كانت بعيدة بين بعضنا انتقلتُ الى فالينيا لكي أكون بِجانبه.
كنتِ مخطوبة منه عندما كنتِ في اسليرا؟
هذا صحيح.
ماذا؟ إذاً كم مُدَت خطبتكم؟
لم أجبها على الفور بل أخذتُ أعُد، من جديد.

هذا يكفي أسئلة سالاندي. أمرتها هِند بِصرامة لكوني لم أجيبها بعد.
ارتسمت بسمة على طرف شفتاي لا تصل لِلعينان، مَددتُ أصبعي على شعر إكسانا أسرِحُه بِرقة قلبي ينعصِر كما لو أنَ يداً مُمسكة به تضغط عليه بِشدة تُخرج الحياة منه.
مدة...
ليست طويلة ابداً. أجبتها أرفع رأسي و إذ برشة مياه غسلت وجهي بأكمله و القليل مِن ملابسي أتجمد في مطرحي.

أوبس، انا اسف يا أنسة. قال طفل يبدو في سِن العاشرة في بِركة المياه لديه بسمة مُشاكسة على وجهه.
ضَيّقتُ عيناي عليه لا أعرف لماذا فعلها لكني أردتُ ردها له إلا انه في المياه من الأصل و مُبتل اما انا أرتدي ملابس.
ايها الطفل اللعين! صاحَت عليه سالاندي تريد النهوض لكني أمسكتُ بِذراعها أجعلها تجلس.
لا مشكلة. تمتمتُ لها.
ألا تُحبين المياه؟ سألني الطفل الظريف.
بلى أحبه لما السؤال؟

تعالي و أسبحي معنا، المياه رائعة لِلغاية.
هممم يبدو انه لم يفعلها إلا مِن باب التسلية و بعد أن نظرتُ اليه أكثر بدى حقاً لطيفاً ملامحه الطفولية ناعمة و عينيه جميلة، لن يكون مزعجاً إن كانَ اعتقادي صحيحاً.
حسناً. قلتُ انا أمُد يدي لِلماء أملئ الكَف بها ثم حركتها باتجاهه أرشه هو ايضاً ليرجع الى الخلف يحمي وجهه بِذراعيه و يضحك.
ما رأيك بانتقامي؟ سألته مُبتسمة على شكله.
ليس كما توقعته.

جلستُ جيداً على الجذع بِحواجب مُرتفعة على كلامه. فتحتُ فمي حتى اسأل عن ما توقعه، لِتسكتني ليس رشة بل موجة مياه عليّ كلي. تغسلني بأكملي من رأسي حتى قدماي.
حدقتُ بالفراغ مُنصدمة كأنني تلقيتُ لكمة في الوجه، الماء يسيل مني يُبَلِل العشب و الجذع الذي أجلس عليه.
هذا الظريف، أستخدم قوته؟
يا اللهي. شهقت هِند يديها على فمها و عيونها مُتوسعة بينما سالاندي نهضت تُلقي بِكلمات غير لائقة لِسَمع الأطفال.

سوف أقتلك ايها &^%$%#^
هرب الطفل يسبح بعيداً عنا لتُمسك هي بالقوس تُخرج سهماً من الحمالة تضعه فيه لكني تحركتُ بسرعة قبل أن تقتله حقاً أبعِد القوس عن هدفها الصغير.
انه يلعب فَحسب سالاندي.
نظرت لي من الأعلى للأسفل أسمع كلامها قبل أن تنطُق به.
لا بأس، قتله ليس بالحَل المناسب. أصَررتُ على كلامي.
لكنه يستحق.

أعدتُ يدي الى جانبي أهُز رأسي لدي رغبة في الضحك بِشدة على تعابير وجهها الخائِبة لِلظن يبدو أنَ الطاقة نفسها مازالت في جسدها منذُ قتلها لِذلك الوحش.
دعيهم سالاندي انهم أطفال. قالت هِند تشاهدهم و هُم يسبحون و أصوات ضحكاتهم في كل مكان تحوِل الأجواء الى المُبهجة كَالغابة تُحيطنا.
حاضر سيدتي. جلست سالاندي معي فوق الجذع لأهَسهِس من بين أسناني أشعُر بالبرد و بِثقل الملابس.

علينا أعادتك الى القرية قبل أن تمرضي. قالت دافني لي لأومئ لها بالموافقة أخبرها أننا سوف نُغادر بعد قليل فَجمال الطبيعة من حولنا مع منظَر الشلال و الأطفال السُعداء يسبحون فيه شيئاً أوَد البقاء معه لِفترة أطول، لكي أخزنه في ذاكرتي.

عدنا الى القرية بعد قضاء الوقت في الغابة تُنسيني لحظات الخوف التي كُنا فيها تُبدلها بِذكرة رؤيتنا لِلرينجا و الشلال و طبعاً تلقيتُ انا و سالاندي بالذات نظرات مُتعجبة من أهل القرية و منها القلق، فأنا مبتلة و هي بِدماء ذلك الوحش، جاف يبدو مُقرفاً حتى رائحته لا يُمكن وصفها.

مشينا فوق الجسر الذي يقودنا الى منزلي ثم وقفنا عنده لكي أوَدعهُم. أخبرتني هِند أثناء الوداع المؤقت على استعدادي لِلمساء القادم لأومئ لها أشكرهم على الرحلة، المميزة و تأسفت عِدة مرات على ما حصل لنا لكني أخبرتها انه ليس خطأها بَل، الحظ.
غادرو هُم يطيرون في السماء الى وِجهتهم ثم قالت دافني انها سوف تسبقني الى الداخل كي تُعِد حوض الاستحمام الدافئ و بعض الملابس المريحة.

أخذتُ انا نفساً عميقاً أنَظِف فيه صدري و عقلي. كدتُ أن أتحرك الى باب المنزل ولكن صوت مألوف يتكلم مع أحدٍ ما أوقفني.
التفتُ على مكان تواجد منزل الأمير فالكين أجده يَهبِط فوق الأرض بِجناحيه و معه رجلين يتحدث معهم يبدو في محادثة جادة لِلغاية حواجبه مُعقدة و عينيه داكِنة.
بعد دقيقة من الحديث الذي لم أسمع منه شيئاً، وَدّع سموه الرجلان و أخَذ ليمشي الى منزله لكنه رأني أقف بعيدة من الجهة الأخرى.

تفاجئ هو يقف بِمطرحه كأنه لم يتوقع رؤيتي، رفعتُ يدي قليلاً ألوِح له ليفعل هو المِثل. بقيت يده مُعلقة في الهواء عندما أشاح نظره على جسدي كله قبل أن يرفع حاجباً وحداً يُشير بأصبعه السبابة عَليّ.
آوه لا، حالتي المشمئزة.
حاولتُ وضع بسمة على شفتاي لِأفشل بِذلك أشعُر بِوجهي من لون الطماطم.
وضعتُ كِلتا يداي حول فمي ثم قلتُ له بِنبرة مرتفعة حتى يسمعني جيداً
انها قصة طويلة!

ضَيّق عينيه البنفسجية لِلحظة ثم ماثلني بالحركة يديه حول فمه قائلاً
أتمنى انكِ لم تتأذي!
أومأتُ له على انني بِخير ليُعيد فعلته يقول
سوف أراكِ قريباً!
أومأت مجدداً ثم تحركت الى باب منزلي أفتحه و قبل أن أدخل نظرتُ له أجده انه لا يزال يحدق بي مُتعجباً من شكلي. ابتسمتُ حقاً هذه المرة أراه لطيف الشكل و هو محتار ثم دخلت و أغلقتُ الباب خلفي بسمتي تختفي تلحقها اللعن على نفسي مليون مرة مع ضرب رأسي بالباب.

سيدتي؟ سألت إكسانا مِن خلفي.
كانَ يجب عليّ تجاهله و الدخول قبل أن يراني بِهذا الشكل السخيف.
لا تبدين سخيفة على الأطلاق.
التفتُ لها أدع مقبض الباب ثم تكتفتُ أتكئ على ساق أكثر من الأخرى
لا تكذبي عليّ رجاءً لأنكِ فاشلة به.
من الجيد انك ترتدين قميصاً أسود.
أشحتُ بِنظري على نفسي أرى انه ملتصق بِجسدي و خصيصاً صدري لأغمض عيناي أتمنى لو تنشق الأرض و تبلعني.
لو كانَ القميص أبيض لانتهى أمري منذُ زمن.

أخذتُ خطواتي الثقيلة نحوى الدرج أخلع المعطف القرمزي أزفر الهواء من فمي بِأحباط أعتقد أنَ الحمام الأن مهم جداً، هو الوحيد الذي قد يُعيدني الى صحتي العقلية، بعد هذه المغامرة اليوم الذي لم ينتهي، لا أظن انه بأمكاني قضاء يوم أخر خارج المنزل، الأمِن و المُسالم.

و مع كل هذا انا ممتنة لكل ما جرى (عدا ظهور الوحوش) لقد أحببتُ كل لحظة (عدا الوحوش) و كل ثانية منه (عدا الوحوش) سوف أحكي عن هذه الرحلة لِمايكا عندما أعود الى فالينيا (عدا قصة الوحوش).
نعم، عندا أعود.
.
.
.
أخذتُ رشفة صغيرة من الشاي الساخِن الذي أعدتهُ دافني و انا جالسة على أريكة لِشخص واحد أمام مدفئة الحطب.
سكينة جميلة تملأني و دفئ يُرخي أعصابي. لا أصدق أنَ هذه اللحظة ذات ثمن أكثر مِن غيرها.

بعد الحمام و الشعور بالنظافة في فستان نومي القصير كدتُ أن أغفوا لو لم تخبرني دافني عن الشاي اللذيذ فأنا لا أفَوِته ابداً.
دق فجأة الباب يُدَمِر السكينة الجميلة لأحرك رأسي بأتجاهه أرى دافني تذهب اليه حتى تفتحه.
عندما فتحته ظهرت مجموعة من فتيات شابات يحملون أشياء بِأياديهم و على وجوههِم بسمات عريضة تُظهِر أسنانهم.

أممممم مرحباً؟ قالت دافني لا تفهم ما يجري ليدخلوا الفتيات من دون دعوى الى المنزل يأتون إليّ.
طارت إكسانا لجانب رأسي بينما انا تركتُ فنجان الشاي أنهض على ساقاي.
أنسة هاندسين صحيح؟ سألتني واحدة منهم ذات شعر أحمر قصير جداً تحمل صناديق صغيرة بيديها.
نعم انا هي.
تبادلوا الفتيات النظرات بين بعضهم يتهامسون بِ انها جميلة و لديها رموش كثيفة و انها بشرية ثم أعادوها عليّ يجعلونني أشعر بِعدم أرتياح.

هل بأمكاني مُساعدتكم؟ سألتهم أحاول فهم الموضوع.
لا، لكننا نحنُ هنا لِلمُساعدة. أجابتني نفس الفتاة بِحماس في صوتها.
عن ماذا تتكلمين عزيزتي؟
قهقهوا الفتيات سوياً ثم قالت أخرى ترتدي قبعة زرقاء في أخرها جرس ذَهبي
لقد أرسلتنا القائدة هِند لكي نجعلكَ تبدين رائعة لِليوم المميز فَكما ترين حَل المساء.
نظرتُ عبر أبواب الشُرفة أرى انها مُحقة. ضوء القمر يُنير الشُرفة، لم ألحَظ حلول الليل لكوني كنتُ مُرهقة.

آوه، كانَ كل الذي قلته قبل أن يتهجموا عليّ بأغراضهم.
النجدة!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب